-2-

12 0 00

-2-

حين أفاقت أميرة كان يتملكها شعور حاد بأنها تأخرت عن معسكرها.. غسلت وجهها على عجل ثم أسرعت ترتدي ثيابها: تلك الثياب الخاكية اللون التي توحد بين الذكور والإناث لتصنع الجنس الواحد" أليس هو عصر الجنس الواحد؟ ذكور كالإناث وإناث كالذكور؟ "تساءلت وهي تبحث عن لقمة سريعة تأكلها قبل أن تغادر، لكن لشد ما لفت نظرها هدوء البيت وسكينته. لا بد إذن أن أباها وأمها غادرا إلى الحقل مبكرين.

لكن، كادت أميرة تهتف ملء فمها وهي تفتح الباب لتراهما يغطان في نوم عميق. بحلقت بعينين جاحظتين في الغرفة، وهي لا تكاد تصدق عينيها.. الشمس قامتان أو ثلاث فوق الأفق وأبواها ما يزالان في السرير. كيف ذلك؟ لعلهما مريضان قالت لنفسها وهي تهم بدخول الغرفة، لكن صوت الشخير الذي علا بترجيع كترجيع طبل من أبيها ليرد عليه ترجيع طبل من أمها، جعلها تتراجع.." هذا الشخير يدل على السبات العميق، والسبات العميق يعني العافية، وعلى عجل أغلقت الباب محاذرة إصدار أي صوت. أخواها في غرفتهما نائمان أيضاً لم يوقظهما أحد.. شاهة هي الأخرى تنعم بنوم عميق.. "ما للبيت اليوم؟" تساءلت وهي تنطلق على الطريق الترابي، مسرعة الخطا، خشية أن تتأخر.

ذلك السؤال ارتد مسرعاً، وصل إلى الأم ففتحت أجفانها. النعاس الشديد ما يزال مهيمناً. تهم بإطباقها من جديد لكن الضياء الباهر يجعلها تجفل. "الشمس.. الضحى!! يا إلهي!! كيف سرقك النوم يا حفيظة؟ الدجاجات!! العنزات؟ "

وكادت تتابع تمتمتها لولا أن وقعت عيناها على زوجها المستغرق إلى جانبها في النوم.

سيفو!! سيفو!! أنت نائم حتى الآن؟ صاحت به وهي تهزه ذات اليمين وذات الشمال.

فتح سيفو عينيه فهب مجفلاً للتو:

-عجيب!! الدنيا نهار وأنا لم أصلّ الفجر!! كيف؟ لماذا لم توقظيني؟

-أنا نفسي لم أستيقظ!! ردت وهي تنزل عن السرير مسرعة.

-والأولاد؟! لم يوقظهم أحد؟ أف!! اللعنة على إبليس الرجيم!! جعلني أغرق في نومي فأنسى صلاتي.. هيا.. هيا.. اذهبي أيقظي الأولاد!! يجب أن نشتغل.. ومد يده إلى جانب المخدة يأخذ طاقيته وكوفيته، لتتوقف في اللحظة نفسها وهو يرى عيني زوجته تحملقان جاحظتين متسمرتين على ما تحت الفراش.

-تشتغل؟ سألته وقد عادت إليها ذاكرتها. ما تشتغل ولديك خمسة ملايين؟

ثم أشارت بكلتا يديها إلى الفراش الذي بدا مرتفعاً قليلاً عن السرير.

-صحيح!؟ الصفقة!! المال!! الملايين!! صاح فرحاً وكأنه اكتشف كنزه للتو، ثم أسرع إلى الأرض، قلب الفراش فبدت رزم النقود فراشاً آخر على السرير. وكأنما يراها للمرة الأولى،راح يمسك بها، يضمها إلى صدره كدسة تلو الأخرى، يتشممها، ثم يعيدها إلى السرير، يأخذ غيرها ويهتف بفرح غامر:

-حفيظة.. هذا المال كله لنا.. قبرنا الفقر حفيظة.. صرنا أغنياء حفيظة!

ولم تستطع حفيظة أن تمنع نفسها من تلمس رزم المال، من ضمها إلى صدرها، وكأنها تضم ابنة غالية. ثم تتشممها كما كان يتشممها زوجها. صحيح أن لها رائحة واخزة تجعلها تبعدها عن أنفها لكن زوجها يستنشق رائحتها وكأنها عطر الياسمين. عطر الياسمين ذاك جعله ينتشي، فبدأ يرقص فرحاً دائراً حول السرير، آخذاً الرزم بكلتا يديه ضاماً إياها إلى صدره، وزوجته ترقبه، ملء عينيها التعجب وملء نفسها الحيرة.." ها هو سيفو يتحول إلى طفل صغير يلهو".. وبماذا يلهو؟ برزم المال!! المال أكداس على صدره يضمها إليه ضم العاشقين وصوته في كل مكان في البيت.. خشيت المرأة أن يفيق الأولاد فيروا أباهم على تلك الحالة.

-سيفو.. أسرعت إليه راجية.. سيفيق الأولاد على صوتك.. حسبك.. حسبك.. هدأ الرجل وقد تذكر الرزانة التي ينبغي أن يتحلى بها أمام أبنائه، فتابعت محذرة بسبابتها. ولا تنسَ منذ هذه اللحظة: درهم مال بحاجة إلى قنطار عقل!! فلا تدع المال يضيع لك عقلك..

قالت ذلك وهي تنكب على السرير، تجمع رزم المال المرصوفة هناك ثم تعيدها إلى الحقيبة التي جاء بها زوجها أمس ملأى حتى الحافتين. كانا قد أمضيا الليل كله وهما يتلمسان المال، يقلبان الرزم غير مصدقين ما يريان، وكان الزوج لا يفتأ من حين إلى حين يعود لعد الرزم، يصل إلى نصف الشوط أو أكثر بكثير ثم ينكفئ مقلعاً عما بدأ. كان الأمر كله كأنه حلم من الأحلام.. حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة هما بطلاها.. لفظ الرجل عبارة "افتح يا سمسم" فانفتح باب كنز لا يستطيعان عد ذهبه وفضته. الذهول في أعينهما، في أسماعهما، في أيديهما. حفيظة تذكر كل لحظة من لحظات الأمس.. الأولاد نائمون وهي تنتظر على أحر من الجمر. لماذا تأخر؟ ما الذي يريده ذلك الدلال؟ ولم تستطع عيناها الرقاد حتى جاء رجلها: بحقيبته، بفرحه، بذهوله.. أجل.. لولا الذهول لكان عقل سيف الدين قد طار.. هي رأت بعينها ذلك. تلك الأموال كلها بين يديه، هو الذي كان يحلم بالعشرة والمائة!! سبحانك يا رب!! تغير ولا تتغير!!

حتى صياح الديكة ظلا يقلبان الأموال ويقلبان الأفكار والأسئلة يريدان أن يصيحا فرحاً ولا يستطيعان خشية أن يستيقظ الأولاد.. مع صياح الديكة فقط أغفيا.. كيف؟ لا تذكر أم ديبو، لكن سهر الليل جعلها تنام ناسية عادتها التي لم تخرقها يوماً واحداً، ناسية مع عادتها عنزاتها، دجاجاتها، أولادها.. فماذا تفعل؟

-صحيح؟ قالت وهي ما تزال ترصف الرزم في الحقيبة؟ ماذا تفعل الآن بهذا المال؟ أين تخبئه؟ كانا في الليل قد اتفقا على أن يخبئاه تحت الفراش، لكن وقد طلع النهار وانتشر الضياء، بدا لهما فجأة أن الفراش مخبأ غير مأمون.. في الليل أيضاً، كانا قد اتفقا على أن يخفيا الأمر كله عن الأولاد، لكن، وقد أفاقا ونظرا إلى تلك الرزم كلها، بدا لهما أن ذلك الاتفاق غير معقول. فالدنانير تأبى إلا أن تظهر برؤوسها.. بهذا الشكل أو ذاك ترفض الاختباء.. هي بطبيعتها تحب الظهور، وها هي أمامهما.. أكداس ترفض الاختفاء.. "لو ظهر أي ولد الآن لرأى كل شيء"..

قالت المرأة في سرها وهي ما تزال تنتظر الجواب من الزوج الذي منعته الحيرة والذهول من أن يخرج بجواب. صوت باب يفتح، ووقع خطا يقترب جعلا الرجل يسرع إلى لم الرزم مع زوجته حاثا إياها:

-أسرعي.. أسرعي.. يجب أن نخفي النقود:

لكن فتح الباب وإطلالة شاهة، وهي ما تزال في ثياب نومها، أثبتا بما لا يقبل الشك أن المحاولة عبث، فقد تسمرت الفتاة في مكانها في الحال، عيناها نبقتا إلى الخارج وشفتاها انفتحتا على مصراعيهما.

-ما هذا؟ أمي.. أبي.. أفلحت أخيراً في النطق ، فخرج سؤالها أشبه بصرخة أفاق عليهادياب، فهد، ثم اجتمع الكل في الغرفة التي بدت على وشك الانفجار ذهولاً وحيرة ثم غبطة وفرحاً والأب يروي لأولاده القصة.

ذلك النهار كان استثنائياً في كل شيء. شمس آب لم تبد بطيئة حارقة تجلد بسياطها الظهور كعادتها، بل راحت تتسلق السماء بخطا سريعة لطيفة، دافعة عبر الأغصان نسيمات عليلة لم تعرف الأم سبباً لظهورها، وفي آب نادراً ما يتحرك النسيم. المعازق رقدت ساكنة على الأرض وقد جفتها الأيدي الخشنة على غير توقع وبلا انذار. أوراق الأشجار بدأت ترسل حفيفاً مموسقاً كأنغام ناي شجي، وكل من في البيت بدا خفيفاً ظريفاً يكاد يطير في الهواء.. هل يجعل الفرح الإنسان يفقد وزنه؟ أيجعله يتحرر من قانون الجاذبية؟ شاهة، دياب، فهد، بل حتى الأم الثخينة البدينة بدت على وشك التحرر من قانون الجاذبية.

-أمي ماذا ستغديننا اليوم؟ سألها ديبو الذي يعتبر الطعام ألذ أطايب الدنيا.

-مجدرة..

-ماذا؟ مجدرة؟ قاطعها الأولاد الثلاثة معاً، وبكل الازدراء.

-اذبحي لهم فروجاً .. اقترح الأب الذي لم يكن قد فكر بالأمر البتة.

-فروج؟ صاح فهد محتجاً:

بل قل.. فراريج.. لحوم، مأدبة فاخرة، هتف وهو يشتعل حماسة لفكرة المأدبة.

-فراريج.. لحوم؟ صاح الأب بمزيج من الاستهجان والتعجب. وكأنما نسي ملايينه الخمسة

-بل كبة، أوزة، أفخر المأكولات أيضاً، قال ديبو وشاهة بصوت واحد..

-ودون أن تمدي يدك لطعام أو تتعبي في طبخ أو نفخ.. تابعت شاهة مخاطبة أمها.. نريد طعاماً جاهزاً يمده الندل على الطاولة ويخدمنا الخدم.. ونحن سادة نأكل فقط.. نأمر والآخرون يلبون..

-صحيح؟ هتف ديبو بحماسة أشد مخاطباً أباه.. لماذا لا نذهب إلى مطعم؟.. نتغدى هناك.. كالسادة الأغنياء، وحولنا الندل يخدموننا؟

-مطاعم!؟ لا.. لا تجنوا.. رد الأب الذي لم يخطر بباله يوماً أن يذهب إلى مطعم، ولم يكن على استعداد لأن يفكر بذلك. لكن الأم أعجبت بالفكرة: أن ترتاح.. هي مذ تزوجت لم تعرف الراحة.. كل يوم عليها أن تطبخ وتنفخ.. فالأفواه الجائعة لا ترحم، والكل يريد أن يأكل وهي وحدها من ينبغي عليه أن يقدم الطعام.. لكن اليوم يمكنها أن ترتاح.. صحيح!! ثمة مطاعم!! مهمتها أن تقدم الطعام جاهزاً فلم لا يأكلون هناك؟

النقاش حاد، أربعة ضد واحد، لكن الأب بعشرة وهو غير مستعد نفسياً، غير مستعد جسدياً، بل كلهم مثله فكيف يذهبون هكذا دون استعداد وعلى ذلك النحو المفاجئ؟ الوسط هو الحل المعقول للخلافات. وهكذا، ذهب ديبو وفهد إلى أفخم مطعم حاملين معهما بضع مئات من الليرات تخلى عنها الأب بشق النفس، ثم عادا بكل ما يشتهيان من لحم مشوي، فراريج، أوزة، كبة.. تحت شجرة الجوز مد غطاء من نايلون امتلأ بعد لحظات بأطيب المأكولات تلك، حتى أن أميرة لم تملك إلا أن تشهق وهي ترى مائدتهم الفاخرة، ثم تفتح فمها كباب مغارة وهم يروون لها السبب.

على المائدة غدا ديبو أشره من عشرة ذئاب. فهد تحول إلى فهد كاسر لم يصطد فريسة منذ أيام.. شاهة غدت نمرة مفترسة، أما الأب فحدث ولا حرج.. جوع قديم كان قد حوله هو الآخر إلى أنياب ومخالب يهشم الفروج هشماً ويلتهم الأوزة بلقمة واحدة.

-ايه يا أيام الجوع!! يوم لم يكن هناك سوى المجدرة والبصل!! صاحت شاهة وهي تستعد لالتهام فخذ دجاجة...

-تباً لأيام المجدرة والبصل!! هتف دياب وهو يبطش بآخر أوزة، ثم بدت المائدة، وقد انفضوا عنها، أشبه بفريسة أتت عليها ضباع، من قال إن الإنسان يختلف كثيراً عن الوحش؟

مثل ذلك السؤال خطر ببال مصباح وهو ينظر إلى أخيه متمدداً متخماً، ثم إلى المأدبة التي أصبحت خراباً يبابا.

-حماتك لا تحبك!! هتف به الأخ المتخم إلى درجة لم يستطع معها إلا أن يظل متمدداً. لو جئت قبل قليل فقط لكنت شاركتنا.. توقف مشيراً إلى بقايا المائدة المعفرة وعظامها المعثرة. لحظة من الزمن، ظل فيها مصباح يقلب نظره بين أخيه وبين البقايا. بعدئذ استأنف: مائدة فاخرة فيها من كل ما لذ وطاب، أليس كذلك؟ لكن لا عليك إن شئت أرسلت من يأتي لك بمثلها من المطعم.

-أوه!! هتف مصباح وقد اتسعت عيناه جحوظاً!! بالأمس طلبت مني نقوداً ثمن البذار الذي لا تستطيع شراءه واليوم تأتي بالطعام من المطعم؟ ما الأمر؟ ماذا حدث؟

-أوه!! حدث الكثير!! رد الأخ متضاحكاً شائلاً برأسه، اجلس!! اجلس!! تابع وهو يشير إلى حشية الاسفنج.

-الكثير؟! أي كثير!! احك سيفو! تكلم.. قال وهو يجلس، لا يكاد يصدق ما يرى وما يسمع.

-سأتكلم.. فقط دعني آخذ نفساً.. صدقني مصباح!! لقد أكلت حتى لم يبق في صدري مكان لنفس. قال وهو يمسد بطنه الذي بدا وكأنه اندفع شبراً إلى الأمام. كان الجمع قد انفض، كل إلى شأنه، وكانت أميرة نفسها على وشك أن تستلقي على سريرها حين سمعت صوت عمها ينادي عند الباب. أسرعت، استقبلته بالقبل والترحاب، ثم قادته إلى أبيها الذي لم يكن قد استطاع الحراك بعد.. حية بلعت فريسة كبيرة الحجم فأقعدتها عن الحركة.

-أميرة، أبوك مقطوع الأنفاس لا يستطيع الكلام.. تكلمي أنت.. ماذا حدث؟

-ليلة القدر!! تدخل الأب حائلاً بين أميرة وبين الكلام.. بالأمس طلعت لنا ليلة القدر!!

-لكن نحن في شهر محرم ولسنا في شهر رمضان حتى تطلع ليلة القدر..

-في محرم، في صفر، المهم تحقق الحلم مصباح!! نلت كل ما أتمناه.

-نزلت لك قفة ذهب من السماء أم انفتحت لك مغارة علاء الدين في الأرض؟

-بل قل أكثر، أكثر..

-يعني لم تعد بحاجة لثمن البذار؟ قال وهو يخرج مبلغاً من المال كان قد طواه بعناية في جيبه..

-أي ثمن بذار؟ بل أي بذار؟ رد متضاحكاً، مشيراً بقرف إلى مال أخيه.

-ماذا يا رجل؟ تكلم.. أهلكتني!! قال وهو يعيد المال إلى جيبه..

-لا بذار بعد اليوم، بل لا فلاحة ولا زراعة.. قد بعت الأرض!!

-بعت الأرض لتأكل بثمنها دجاجاً وشواء؟

-بل بعتها لأقبر الفقر!!

-تقبر الفقر شهرين ثلاثة ثم تجد نفسك بلا مال ولا أرض.. مائة مرة قلت لك: الأرض رصيدك الوحيد.. لا تتخلّ عن الأرض.. لا تتخل عن رصيدك الوحيد. قال مصباح بنبرة العتاب واللوم إضافة إلى مسحة واضحة من الحزن.

-لا مصباح، هذه المرة الرصيد كبير.. لا تنفقه بشهور ولا سنين..

-كم!؟ عشرون ألفاً.؟ خمسون ألفاً!؟

-بل خمسة ملايين!!

-خمسة ملايين!؟ بدأ بشيء من دهشة ثم استدرك للتو،

معنى ذلك أنها أصبحت أرضاً عقارية.. نظمت للبناء!؟

-بالطبع. أرض عقارية.. وأخرج من جيبه الداخلية صك البيع ثم قدمه لأخيه وكأنه وسام انتصاره.

-أراك وقعت العقد وانتهى كل شيء. قال بعد أن قرأ الورقة على عجل .

-أجل.. انتهى كل شيء.

-إذن تعجلت؟ لم لم تأخذ رأيي قبل أن تبيع؟!

-في ليلة القدر لا يستشير أحد أحداً

-لكنك.. بعتها بثمن بخس!! رد وهو يعيد له العقد.. ألف ليرة للمتر الواحد؟ هذه الحواكير.. سوف تكون أرقى الأحياء في دمشق.. يتوقعون أن يصل المتر الواحد هنا إلى العشرة والخمسة عشرة ألفاً..

-لا يهمني!! أنا بعت الدونم بمليون.. وهو مبلغ أكبر بكثير مما كنت أحلم أو تحلم به أنت نفسك!!

-حسن.. أنت مسرور إذن!؟

-بل قل أطير فرحاً.. لا فقر بعد اليوم، لا حاجة، لا جوع، لا دين.. الآن أملك المال وبالمال أدخل الجنة!!

-بعضهم يدخلون به جهنم.. فاحذر أبا دياب..

-لا.. لا.. بالمال نصنع السعادة.. والسعادة هي الجنة..

-أحياناً، رد مصباح بعد لحظة تفكير، لكن في أحيان أخرى يكون المال مطية إبليس لا يقودك إلا إلى جهنم..

-وكيف يقودني المال إلى جهنم؟ رد الأخ الكبير بشيء من عصبية؟

-هو ذا السؤال الذي لا يرد عليه إلا الزمن.

-لا، مصباح، هذه المرة أنت مخطئ، رد سيف الدين وهو يضحك مقهقهاً.. مخطئ كثيراً، المال هو كل شيء في هذه الدنيا.. مفتاح كل سعادة، وقد صار في قبضة يدي ذلك المفتاح.

-إذن، لم تعد بحاجة إلى مساعدتي؟ قال مصباح وهو ينهض.

-بحاجتك؟ أجاب مقهقهاً من جديد، من اليوم فصاعداً أنت الذي ستكون بحاجتي.

لم يجب مصباح للتو، بل تفرس في أخيه: تلك القهقهة، نبرة الصوت، كلمة مخطئ التي يخاطبه بها لأول مرة، كلها كانت قد دقت جرس انذار: ثمة تغير خطير، لكنه اكتفى بهزة رأس ثم:

-عن إذنك...

ومضى قبل أن يستطيع سيف الدين اكمال قهقهته.

-عمي، لا تذهب، أرجوك، قالت أميرة وهي تهم باللحاق بعمها، لكن يد أبيها امتدت تمنعها وصوته ارتفع يزجرها:

-دعيه، ربما يحطم هذا شيئاً من غروره.. ولم تستطع أميرة أن تفعل شيئاً سوى أن ترقب عمها وهو يغادر، في فمها مرارة العلقم وفي حلقها غصة القهر..

غصة أخرى أحست بها الأم وهي تسمع شوكة الداهوك يعاتب زوجها:

-ماذا؟ النهار بطوله لم تفعل شيئاً؟ لا.. لا.. عليك أن تتحرك.. غداً يجب أن ننهي إجراءات البيع القانونية وخلال ثلاثة أيام يجب أن تخلوا.. "ثلاثة أيام فقط "تساءلت الأم في سرها وكل ما في فمها غصة وعلقم "معقول؟ نخلي بهذه السرعة؟ نتخلى عن كل شيء في ثلاثة أيام؟" وكانت الأم ما تزال تتساءل حين خرج شوكة، السمسار البارع الذي يخرج الحية من وكرها. في الحال دوى النفير طالباً لم الشمل..

-الآليات ستأتي بعد غد، بدأ الأب الذي بدا مشبعاً بكلام السمسار الحاذق، سميعاً مطيعاً لأوامره، وعلينا أن نرحل خلال يومين..

-نرحل غداً، وما الذي يمنعنا؟ رد ديبو وهو يكاد يطير فرحاً..

-كيف؟ وأثاثنا؟ رزقنا؟ أغراضنا؟ عقبت الأم بكثير من المرارة والأسى.

-بسيطة، بدأ فهد وهو في قمة سروره، هناك طريقة سريعة للتخلص من كل شيء،

-ما هي؟ سألت شاهة فتابع:

-نلقي بهذا الأثاث العتيق في القمامة، العنزات، السخال، الدجاج نوزعها كلها على الجيران، فنثبت لهم أننا صرنا فعلاً فوق الريح.

-لكن هذه منفخة!!

-هذا تبذير!!

-هذا جنون!!

راحت التعليقات تترى من أفراد الأسرة، الذين يعلمون من قبل مدى غرور فهد وحبه للتبجح .

-ماذا نفعل إذن؟ عاد يسأل خائباً، ثم جرى نقاش،ٍ أخذ ورد، قر بعده قرار الأسرة على بيع الأثاث في سوق العتيق والدواجن في سوق الدجاج، والمعزى والعجلة في بازار حرستا..

-لكن بهذه السرعة نتخلى عن ماضينا؟ ننسلخ؟

بدأت الأم متلعثمة بعد أن بحثت طويلاً عن الكلمة، لكن فهداً لم يدعها تتابع.

-ننسلخ.. أجل.. قاطعها على عجل، تلك هي الكلمة.. ننسلخ عن ذلك الماضي كله.. نفعل كما تفعل الأفعى.. ترمي الجلد القديم الوسخ لتلبس الجديد الزاهي..

لكن الأم تشعر أنها ليست أفعى تسلخ جلدها بسهولة وتلقي به أرضاً.. هي بشر.. جذورها في الأرض مثلما أغصانها في السماء.. هي ماض مثلما هي حاضر ومستقبل.. سيؤلمها كثيراً أن تقتلع من جذورها كما يؤلم الشجرة الغضة الخضراء ويذبل أوراقها، لكن ماذا تفعل ولا مجال للتردد؟ العقد أبرم، المهلة محددة. وليس عليهم سوى التنفيذ.

صامتة راحت تسمع والآخرون يخططون للغد، يناقشون الإجراءات ويوزعون الأدوار. بسرعة بدأ التنفيذ في الصباح، وعلىعجل انطلق كل إلى عمله، وضع الدجاج في الأقفاص والأم تراقب، شحنت العنزات وسخالها بشاحنة صغيرة مضت بها بسرعة والأم تنظر، لكن حين جاء دور العجلة لم تستطع إلا أن تقترب منها، تتلمس جلدها، تمسد جبينها ثم تذرف دمعة فقد تذكرت أمها العطراء.

-آه!! ما أقسى قلوبكم أيها الرجال!! قالت لزوجها وقد انتهى من تحميل العجلة وربطها بالحبال.

-ماذا؟ تريدينني أن أبكي كالنساء؟

-النساء خير منكم.. هن أعظم وفاء وأخلص وداً.. قالت وهي ما تزال تذرف الدمع.

-ليس وقتك يا حرمة.. هيا.. اذهبي.. ساعدي الأولاد. لدينا عمل كثير..

أجل .هي تعلم أن لديهم عملاً كثيراً، لكن هل باستطاعتها أن تعمل شيئاً؟ ركبتاها واهنتان تشعر أنهما قد تتفككان في أية لحظة.. ذراعاها ضعيفتان تحس أنها أعجز عن تحريكهما في رزم غرض من أغراضها. قلبها يبدو متثاقلاً متباطئاً وكأنما تمنعه الحسرة من الخفقان.

-مالك أماه؟ سألتها أميرة وقد عادت لتوها من المعسكر.

-لا أدري.. أشعر وكأنني مصابة بدوار.. لا أعرف ما يجري حولي.. أميرة نفسها أحست بنوع من الدوار كذلك الذي كانت تشعر به حين تركب الدواخة أيام الأعياد ويحركونها بسرعة كبيرة. السرعة.. أجل.. في الفيزياء درسوا قوانين السرعة والتسارع وتأثيرهما على الإنسان. هي تعلم أن كل زيادة في السرعة تعني تجاوزاً للنمط الذي بني عليه توازن الإنسان وبالتالي اختلالاً لذلك التوازن.

توازن البيت اختل وقد بدأ كل شيء يجري بسرعة، حزم الأمتعة، النقل، البيع، الشراء، فالدلال حريص على استلام البيت في الموعد المحدد، والمتعهد دائم التجهم، دائم الحملقة حريص أن يشرف بنفسه على وصول الآليات التي تهدم وتدمر بطرفة عين. الأم نفسها باتت حريصة أن تغادر بأسرع ما تستطيع إذ ما ان رأت تلك الآليات العملاقة تقترب هادرة حتى أصابها ما يشبه الهلع.. لا.. لن تقطعوا شيئاً قبل أن نغادر!! قالت ثم تحول ذلك الهلع إلى كوابيس مخيفة آخر ليلة وهي ترى وحوشاً هائلة الحجم تفتح فكاكها وتهجم عليها تريد تمزيقها بأنيابها الحادة.

مع ذلك لم تستطع أم ديبو أن تغادر إلا بشق النفس. قلبها يتفتت وهي تقلب النظر في الغرف الخاوية.. من غرفة إلى غرفة راحت تتلمس الجدران.. تتمسح بالنوافذ.. تقبل الأبواب.. عمراً طويل كانت قد قضت في ذلك البيت، فرحها، ترحها، سعادتها، شقاؤها، كلها كانت قد عاشتها في ذلك البيت، دخلته وهي ابنة ثلاثة عشر.. وها هي ذي الآن في الأربعينات فكيف لا تأسى عليه؟ الدموع نفسها تأبى إلا أن تسيل وفاء لعشرة عمر..

-ماذا؟ أتبكين بيت الفقر والحرمان؟ سألها ديبو وهو يضحك ساخراً ملوحاً برأسه.. لو كنت مكانك لخرجت وأنا أرقص وأزغرد.. لكنها لم تخرج إلا وهي تذرف الدموع، ثم ذرفت دموعاً أكثر حين مرت بأشجار الجوز والمشمش التي كانت تنظر إلى الآلات العملاقة وهي ترتجف خوفاً لكأنها تعرف المصير الذي ينتظرها. وحدها أميرة كانت تشارك أمها أساها، وهي تودع مسقط الرأس والحاكورة الجميلة التي طالما سرحت فيها ولعبت طفلة وصبية.

بما خف وغلا فقط رحلت العائلة، ففي الشقة الجديدة كل ما تشتهي أم ديبو: خمس غرف واسعة: ثلاث للنوم، واثنتان للمعيشة والضيوف.. المطبخ واسع حتى ليطارد فيه الخيال، يحوي البراد، الغسالة الأوتوماتيك، الثلاجة، الجلاية.. أواني "التيفال" التي لا تلصق أبداً، الطناجر البخارية، الكؤوس البلورية، صحون القيشاني.. فماذا تريد أم ديبو أكثر من ذلك؟ في غرفة المعيشة راديو ستريو، مسجلة، تلفزيون ملون، فيديو.. كل شيء على أحسن طراز، لكأن صاحب الشقة فكر بكل شيء عنهم، جهز كل شيء كما يرغب أصحاب الأحلام. الجدران صقيلة الورق، جميلة الرسوم، زاهية الألوان، بل حتى السقوف مزخرفة بالجص، مذهبة الحواشي، تنظر إليها شاهة فتنبهر، ينظر ديبو وفهد فينبهران..

-ليتها ملكنا يا أبي!! هتفت شاهة وهي تكاد ترقص فرحاً، خسارة أنها مؤقتة.

-هذا هو الشرط: يقدم لنا شقة ريثما تقوم شقتنا في حاكورتنا القديمة. شقة واسعة، مساحتها ثلاثمائة متر ستكون لنا هناك، فلماذا نهتم بهذه؟

-لكنها رائعة.. ليتك تشتريها لنا يا أبي!! قال فهد هذه المرة وهو يطمع في أن تظل له إذا عاد أهله إلى غربي المالكي..

لكن الأب لم يرد.. أمور كثيرة كانت تشغل ذهنه وهم يرتبون حاجاتهم هنا وهناك..

-انظري، هتفت شاهة بأختها وهي تكاد تطير فرحاً بغرفتها الجديدة. ما أجمل هذا الورق!! هذه الرسوم!! تابعت هتافها وهي تتلمس الجدران، الستائر.. وهذا السرير!! انظري كم هو مريح، قالت أخيراً وهي تقذف بنفسها عليه فيرفعها عالياً وقد تقلصت نوابضه ثم انبسطت. أميرة نفسها لا تملك إلا أن تعجب بالفرش، الستائر، ورق الجدران، لكن أكثر ما أعجبها شرفتها الواسعة.

-يا لها من شرفة رائعة!! هتفت وهي تخرج إلى الشرفة التي تطل على ساحة المالكي.

-بل قولي: كل شيء هنا رائع!! ردت شاهة وهي تنقلب على السرير الوثير يمنة ويسرة، فرحة سعيدة.. إنها ضربة حظ.. ليلة قدر حقاً فتحت لنا أبواب الجنة..

وللتو، شردت أميرة شاعرة بشيء من انقباض. هي تستعيد بذهنها ما قاله عمها لأبيها "في كثير من الأحيان يكون المال مطية إبليس، وإبليس لا يقودك إلا إلى جهنم.. "

لكم صدم حين سمع ببيع الأرض!؟ فلماذا؟ ألم يعجبه الثمن؟ أهي المفاجأة؟ أكان يرغب بأن يستشيره أخوه؟ ربما لتلك الأسباب كلها. لكن كم تود أن يبقى عمها إلى جانب أبيها.. هي تشعر أنهم يدخلون مرحلة خطيرة.. ينتقلون من عالم إلى عالم، فهل يستطيعون التكيف مع هذا العالم، أم يتصدعون وينشرخون، بلورة باردة وضعت في ماء حار؟ لو يظل إلى جانب أبيها، يقدم له الرأي والمشورة.. لكن كيف؟ وقررت أميرة أن تكون صلة الوصل.

الشقة الجديدة جعلت المهمة أسهل. بيت عمها، مدرستها، بل كل شيء بات أقرب وأسهل.

باستطاعتها أن تذهب إلى عمها كل يوم، لكن ذلك مستحيل.. الدراسة تستهلك جل وقتها فلا تجد إلا القليل من الفراغ.

-لماذا تتعبين نفسك بالدرس وقد أصبحنا أغنياء؟ شاهة تسخر منها، فترد أميرة بنبرة الحكماء: لا يغني المال عن العلم. كلاهما ثروة، وحبذا لو تجتمع الثروتان.

-تريدين بطيختين بيد واحدة؟ لماذا؟ بطيخة واحدة تكفي.

لكن أميرة كانت قد وضعت نصب عينيها هدفاً فهل يحرفها عنه المال؟ أميرة لا تشعر بالحاجة لأن تغير شيئاً: في المدرسة تلبس بذلة الخاكي، خارج المدرسة تدرس. فساتينها القديمة عزيزة عليها، لا تفرط بواحد منها.. صحيح أنها اشترت بضعة ملابس جديدة لكنها أبقت القديمة.. بل لشد ما يسعدها أن تخرج بفستان من تلك الفساتين فتبدو وكأن شيئاً لم يحدث.. ذات يوم، وكان الشتاء قد حل بقرسه ورياحه، ذهبت إلى بيت عمها بمعطف جديد لفت نظرهم في الحال:

-إي هكذا!! أرينا النعم الجديدة، أميرة!! قالت امرأة عمها، وهي تتلمس المعطف البني الأنيق .

-أميرة تتعمد أن تأتينا بثيابها القديمة كيلا تشعرنا بغناها الجديد، علقت ابنة عمها نور، وهي تتفحص المعطف معجبة بياقة الفرو الكبيرة في أعلاه.

-بل هي وفية مخلصة، أنا أعرفها، لا تتخلى عن قديمها من أجل جديدها.. علق مأمون وهو فرح ضاحك..

-فهيم!! كل عمرك فهيم.. أنا أعرفك أيضاً، ردت أميرة مبتسمة سعيدة، وهي تغرس نفسها وسط من تحب. لم يكن عمها في المنزل، لكن كل من في بيته يحل محله.. علاقتها بهم راسخة وقد ترسخت أكثر بعد التغير الجديد. كل مناسبة تنتهزها للمجيء إليهم، ابنة عمها نور تأتي إليهم أيضاً في شقتهم الجديدة، وقد سرها انتقالهم السريع ذاك. في الماضي، كانت نور تشفق على أميرة من الفقر، وكانت لا تدع فرصة تستطيع مد يد المساعدة فيها لابنة عمها إلا وتفعل ذلك. روابط كثيرة تجمع بينهما، ولم يكن مأمون بأقل منها روابط. هي نفسها تشعر بقربها الشديد منه..

هو رحب الصدر، ذكي، عطوف.. نسخة أخرى عن أبيه ولم يكن يسعد أميرة كأن تلتقي به.

-اسمعي.. أميرة.. تدخلت امرأة العم من جديد، القرآن الكريم يقول "وأما بنعمة ربك فحدث".. لهذا اسمعي مني.. البسي.. انفقي.. استمتعي، فالمال لم يخلق إلا للانفاق، والحياة لم تخلق إلا للاستمتاع..

-أماه!! ما هذا الذي تقولين؟ اعترض مأمون عابساً قليلاً، البنت ما تزال طالبة، أي في مرحلة الجد والبناء.. وليس اللهو والاستمتاع..

-أنا فقط أشفق عليها.. ألم تر أختها شاهة كيف تلبس؟ كم تضع في يدها من حلي وأساور؟

-لا.. أمي.. هي شيء وشاهة شيء آخر، تدخلت نور هذه المرة، شاهة تعيش فراغاً قاتلاً.. همها الوحيد أن تجد العريس.. أما هي فوقتها مليء، ولديها الف هم وهم..

-صحيح.. امرأة عمي.. قالت أميرة بنبرة التوكيد: أنا أرغب بالعلم.. ومن ترغب بالعلم لا ترغب بالملابس والذهب..

-إيه!! عقبت الأم متنهدة، لو كان لدى عمك نظر فقط!!

-أماه!! ما هذا الكلام؟ احتج مأمون من جديد وهو يرى ابنة عمه تتحول إلى كتلة من انتباه..

-ما.. ماذا تقصدين امرأة عمي؟. سألت الفتاة ذات المعطف البني الجديد وقد فاجأتها اللهجة الغريبة لامرأة عمها.

-أقصد أيام زمان، حين توفي جدك تنازل عمك عن كل ما تركه المرحوم لأبيك: بيت، أثاث، أرض.. بحجة أنه يريد أن يوفر له حياة كريمة.. لكن ها هو ذا أبوك يبيع الأرض بالملايين، ألا يفترض أن يكون قد ذكر أخاه بشيء؟ ألا ينبغي أن يتذكر أن لأخيه الحق في تلك الأرض مثله؟

ذلك السؤال والحرقة التي طرح بها جعلا أميرة تنكمش. ثم تفكر بالسؤال المرة تلو المرة.. صحيح، عمي وأبي وريثا الأرض بالسواسية فكيف يستفيد منها واحد دون الآخر؟

-لكن عمك تنازل لأبيك فهل تراجع الآن؟ هل ندم على تنازله؟ سألت شاهة بدورها وقد بلغها السؤال الذي حملته أميرة بارداًساخناً إلى الشقة الجديدة.

-هو لم يقل شيئاً.. بل لم أره البتة.. لكنه سؤال جدير بالبحث، لماذا لم يفكر فيه أبي؟ لماذا لم يفكر فيه أحد منا؟

وعلى مدى أيام، ظل ذلك السؤال شغل البيت الشاغل.. أميرة والأم مقتنعتان أنه يستحسن بالأب أن يكون لديه نظر فعلاً وأن يقدم لأخيه جزءاً ولو يسيراً من ذلك المبلغ عرفاناً وامتناناً.. أما الآخرون فقد أبدوا كل امتعاض:

-كيف يثيرون مشكلة كهذه؟ قال ديبو .

-الأرض ملكنا.. لا يشاركنا فيها أحد، أكد فهد..

-هذه الثرثارة!! كان تعليق الأب، أبي صرف الآلاف على تعليمه حتى صار أستاذ كيمياء وفيزياء ثم موظفاً معتبراً.. وخرجت أنا صفر اليدين.. لا علم ولا شهادات.. هو قدر ذلك وتنازل لي عن الأرض فهل تستكثرها امرأته علي الآن؟ تريده أن يلحس بصاقه؟

تلك الهجمة المباشرة قطعت الطريق على أميرة في طرح المسألة من جديد، لكنها ظلت تشغلها.. أتراها هي السبب في صدمة عمي الأولى؟ هل ندم على كرمه القديم؟ أيريد فعلاً أن يأخذ حصته من ثمن الأرض؟" ولم يكن ليهنأ لها عيش قبل أن تعرف الأجوبة.. نور أكدت أن أباها لم يفكر في الأمر قط، وان كلام أمها من عندها فقط.. مع ذلك أرادت أن تعرف الحقيقة من المنبع ذاته. فالعلاقة بين أبيها وعمها كانت تشهد فتوراً متزايداً. مرتين أوثلاثاً كان العم قد زارهم في شقتهم الجديدة، وعلى فترات متباعدة.

-عمي، مالك لا تزورنا هذه الأيام؟ سألته ذات مرة وقد التقيا في الشارع مصادفة.

-أميرة!! قال وهو يحضن كتفها بذراعه، سائراً بها إلى الرصيف الآخر، أنت تعلمين أنني لا أستطيع إلا أن أزوركم، إن لم يكن من أجل أبيك فمن أجلك أنت..

-أنت زعلان من أبي، أليس كذلك؟

-زعلان!؟ لماذا؟

-ربما قصّر في حقك.. امرأة عمي قالت.. كان عليه أن يكون صاحب نظر ويعطيك بعض حقك..

-لا.. لا. امرأة عمك على خطأ.. الأرض لأبيك، حقه ومستحقه.. لا يشاركه فيها أحد..

-يعني.. أنت غير نادم..!؟ لا تشعر أنك غبنت؟..

-نادم! غبنت؟ ما هذا الذي تقولين؟ لقد تنازلت له بمحض إرادتي ذات يوم، وليس عمك من يندم على ما فعل!! ليس عمك من يشعر بالغبن إن استفاد أبوك من أرضه.

-إذن، لم علاقتكما هكذا؟ فاترة.. بغيضة ؟

-أميرة.. لا تسألي كثيراً.. أبوك أخي وأنا أحب أخي ولا أتنازل عن أخوته أو أبيعها بمال الأرض.. فقط أنا خائف، أميرة.. أخي يدخل عالم المال.. وهو عالم خطر كله منزلقات وهاويات وما الذي يضمن لي ألا ينزلق أخي أو يهوي؟ أ.. آ...؟ من يضمن ذلك؟

-هو رجل كبير.. سنه، خبرته، تجاربه،، ألا يمكن أن تكون ضمانة، عمي؟

-يقولون: الحب بحاجة إلى الأدب، القرابة بحاجة إلى المودة، المعرفة بحاجة إلى التجرد، أما المال فبحاجة إلى العقل والمال كثيراً ما يذهب بالعقل، فمن يضمن العكس أميرة؟

-لهذا السبب يجب أن تبقى قريباً منه..صدقني..بعدك عنه يزيد الطين بلة..

-بالتأكيد.. لكن كيف إن كان هو نفسه يريد تركي؟ إن كان هو نفسه يرغب بالابتعاد عني؟

-لكن لماذا؟ أرجوك.. قل لي.. أريد أن أفهم..

-سأقول لك. رد العم وهو يزفر حرقة ولوعة، مذ نشأنا كان والدك يشعر أنه أقل مني بكثير.. أنا الأنجح وهو الأفشل، أنا الأغنى وهو الأفقر.. مما ترك في نفسه شعوراً بالدونية.. أنا فوق وهو تحت وكان ذلك يحز في نفسه.. يترك شيئاً من حقد كنت أشعر فيه من حين إلى آخر..

الآن.. صار لديه المال، بات يشعر أنه لم يعد بحاجة إلي، بل هو قادر على الاستغناء عني.. فلماذا لا يستغني؟ يمكن أن يفتح صفحة جديدة ينقلب فيها الوضع فيصبح فوق ومصباح تحت.. إذن لماذا لا يفعلها؟ الفرصة سانحة لأن يعيد تسوية الأمر: هو الأخ الأكبر وأنا الأصغر فلماذا لا يستغل هذه الفرصة..؟

-أيعقل أن يفكر هكذا؟

-بل هو وحده الذي يعقل.. ألم تريه كيف بات يعاملني من علٍ كلما التقينا؟ ألم تسمعيه كيف يكلمني؟ كيف يسخر من آرائي ونصائحي؟ أبوك، أميرة.. تغير كثيراً..

أميرة تعلم ذلك.. التغير يرتسم واضحاً على أبيها: لباسه لم يعد ذلك القميص المقلم العتيق والسروال الأسود الفضفاض، بل شيئاً فشيئاً بات يذهب إلى السوق، يشتري بذلات من الجوخ الانكليزي، قمصاناً حريرية، ساعات ذهبية، ربطات عنق، هو الفلاح الذي لم يفكر يوماً بباريس أو روما، جاء بربطات عنق من باريس وروما.. حتى أحذيته اشتراها من الجلد الإيطالي.. أميرة تتعجب، من يزرع في رأسه أن يبذخ هذا البذخ؟ الحذاء بألف ليرة، هو الذي لم ينفق على الأحذية ألف ليرة طوال عمره. شعره يقصه لدى أحسن الحلاقين، يسرحه بتأن ورعاية، بل يضع الكريم والمثبت.. فأي تغير يحدثه المال؟

-أنا معك.. أبي تغير.. قالت الفتاة وهي تصعد زفرة، ليس من جهتك فقط.. بل في كل شيء.

-هه.. أنت نفسك تقولين ذلك، فما عساي أقول؟

أجل.. هي تقول ذلك.. وكيف تخفي عن عمها شيئاً؟ عمها الذي تثق به أكثر من أي كائن في الوجود، تحبه أكثر من كل من في الوجود.. ليس أبوها وحده من تغير بل البيت كله.. أمها باتت تكره أن تطبخ. هي تجلس طوال النهار، كسولا لا تحرك ساكناً وإذا أرادوا أن يأكلوا، فالمطاعم أقرب وطعامها أطيب. حسب شاهة أن ترفع السماعة وتتصل بمطعم الساحة والفارس لتأتي بعد ذلك المشاوي والكبة، الشرحات والفيليه.. وكأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام يعيشون على الشوربة والمجدّرة..

-عمي.. هذا التغير هو الذي يخيفني.. تابعت تفكيرها بصوت عالٍ، فأمسك العم بالخيط..

-معك حق.. التغير يخيف.. وسرعة التغير الأكبر هي التي تخيف أكثر.. تصوري نمراً أرقط تنقلينه من الغابة الاستوائية مباشرة إلى ثلوج القطب، دبا أبيض تنقلينه من صقيع القطب إلى لهب الربع الخالي، ماذا يحدث له؟

-هذا ما أخشاه يا عم.. وهذا ما يدفعني للتوسل إليك أن لا تدع أبي وشأنه.. أحطه برعايتك.. ظل إلى جانبه.. أرجوك يا عماه!!

-لا حاجة لأن ترجيني.. أميرة.. أنت تعلمين كم أحب أباك.. كم ضحيت من أجله وكم أريد له الخير.. لكن ماذا أفعل إن بات يكره قربي؟ يرفض حتى سماع رأيي،.. تصوري لو استشارني قبل أن يبيع.. كم كان سيربح يا ترى؟

-كم؟ سألته وقد فتحت عينيها دهشة..

-خمسة، بل ربما عشرة ملايين أخرى.

-عماه، ماذا تقول؟ هتفت دون أن تعير انتباهاً لمارة أو مسترقي سمع، فالمفاجأة شديدة الوقع.

-ما تسمعين. لقد استغلوا بساطته، استغلوا عدم معرفته.. عرضوا عليه ذلك المبلغ وهم يعلمون أنه سيجن فرحاً ويوقع في الحال. كان قرار التنظيم قد صدر لتوه، وكان أصحاب الأرض لا يعرفون قيمة أرضهم بعد، باعوا المتر بألف ليرة أما اليوم، وبعد تسعة أشهر فقط أتعلمين كم صار سعر المتر الواحد؟

-لا..

-ألفين وثلاثة آلاف.. أي كل دونم الآن بدونمين وثلاثة مما باعه يومذاك فهل تدركين مقدار ما خسر؟

-أجل.. أجل.. أدرك قالت وهي تهز رأسها أسى وحسرة..

-ومن ربحها؟ السماسرة والمتعهدون.. كما هو شأنهم دائماً.. لهم كل شيء وللآخرين الفتات.. أرأيت لماذا صدمت يوم أخبرني بالبيع؟ ولماذا أنا خائف عليه اليوم؟

-الآن أزداد تشبثاً بك.. فلا تبتعد عنا.. ظل معنا.. ولم تترك أميرة ذراعه حتى وصلا إلى البيت. ثم لم تسمح له أمها بالذهاب حتى تغدى.. صحيح أنها لم تكن قد طبخت، لكن شاهة كانت قد طلبت الطعام، ولم يجد العم بداً من البقاء.. لكن دون أن يرى أخاه، فالأب لم يعد ذلك اليوم إلى البيت.. كان شوكة الداهوك قد دعاه إلى الغداء وكان كثيراً ما يدعوه.. فالفلاح الذي كانت آفاقه محددة ببضع مئات من الأمتار باتت الآن واسعة، بل مع شوكة الداهوك باتت بلا حدود.

شوكة... علاقاته واسعة، صلاته كثيرة بالتجار، بالأغنياء، بكل من يمكن أن يفيد.هو، مذ كان تلميذاً في المدرسة، شاطر.. بل يذكر سيف الدين جيداً أنهم كانوا يلقبونه بالشاطر حسن، ولم يكن الشاطر حسن يخيب أملهم.. فقد كان يقرص هذا، يلدغ ذاك، يسرق قلم هذا، حقيبة ذاك وكان بإمكانه أن يخفيها بطرفة عين ولا يكشفها أحد. هو مثل سيف الدين لم يكمل تعليمه.. وصل إلى السابع ثم هجر الدراسة. اشتغل صبي متجر، ثم صبي محام، فأجير سمسار.. في السمسرة وجد ذاته، فبدأ يصعد إلى أن بات صاحب مكتب كبير في أرقى أحياء دمشق.

بسيارته الأمريكية يمضي مع صاحبه الجديد إلى الغوطة، الزبداني، بلودان، يرتادان المقاهي، المطاعم.. المال كثير وشوكة الداهوك ينفق، بل سيف الدين النايفة نفسه بات ينفق.. في الأيام الأولى كان يكتفي بأن يكون ضيفاً.. تمد الطاولات أمامه، يأكل، يشرب، بل يشهد الرقص والراقصات ولا يدفع شيئاً. يده لم تكن قد اعتادت الدفع. والسنون الطويلة التي عاشها خاوي الوفاض عودت يده ألا تمتد، والعادة طبع ثان. لكن شيئاً فشيئاً بدأت يده تعتاد.. نقود كثيرة في جيبه.. يشعر بها في المحفظة المنتفخة." عيب أبا دياب!! معك نقود، فلماذا لا تدفع؟ "كان يخاطب نفسه من حين إلى آخر، ومن حين إلى آخر يجد من الشجاعة والحماسة ما يجعله يدفع.

في البداية حاول أن يقتر، لكن شيئاً فشيئاً بدا له أن من الغبن أن يحاول التقتير، أن يمتنع عن إعطاء أولاده ما يحتاجون.. الثياب، الحلي، فواتير الهاتف، الكهرباء.. كلها عودته أن يدفع.. وذات يوم وجد نفسه يدفع مائة ألف ثمن سيارة.. ولماذا لا يشتري سيارة؟ هل شوكة الداهوك خير منه؟ الأولاد فرحوا كثيراً، بل كاد ديبو أن يطلق الرصاص فرحاً، هو المغرم بالسيارات.

-اشتر لي واحدة أبي!! اقترح عليه بعد حين، وقد وجد أنه تعود بسط اليد.

-لا، يكفينا سيارة واحدة الآن!!

-ولماذا لا تكون لكل منا سيارته يتفسح بها ويتنزه؟ تشجع فهد فأدلى بدلوه، وهو يعلم أن السيارة أقرب الطرق إلى قلوب الفتيات. يكفي أن يذهب إلى أقرب مدرسة للبنات، يحوم هناك بعض الوقت، يذهب بسيارته ويجيء ثم يلقي بصنارته فيصطاد الفتاة التي يشاء.

-لا، لا، أنا أريد السيارة للعمل.. تدخل ديبو شبه عابس، وقد بدا له أن اقتراح أخيه سيفوت عليه الفرصة.

-للعمل؟ سأل الأب بكثير من التعجب، أي عمل؟

-سيارة عمومية، أشتغل عليها وأكسب المال.. تابع بدافع من حلم كان كثيراً ما يراوده أيام زمان.

-أنت أيها الكسول، يا من ينام حتى الظهيرة، تشتغل سائق سيارة عمومية؟ تدخلت الأم ساخرة من ابنها الذي بات ولا هم له سوى أن يأكل، يتسكع في الطرقات، يتفرج على التلفزيون وينام.

-أجل، أنا أحب السيارات وأريد واحدة أشتغل عليها.

-تشتغل!؟ قاطعه الأب وهو ينهض، هازاً رأسه ساخراً، ثم خرج وكل ظنه أنه قد أعطى الجواب. لكن البطالة التي كانت تعيشها الأسرة جعلت الأم تفكر كثيراً بالأمر.. وذات ليلة اقترحت على الأب:

-لو تجد عملاً لديبو.. أي عمل.. هذه البطالة مخيفة، ليس بالنسبة إليه فقط بل بالنسبة إليكم جميعاً..

-الناس تعمل لكي تكسب المال، ونحن لدينا المال فلماذا نعمل؟ رد الزوج الذي استطاع خلال تلك الفترة أن يملأ فكيه بأسنان جميلة بدلاً من أسنانه التي سقطت من قبل، أن يصبغ شعره الأشيب ليعود كشعر الشباب، أن ينصب ظهره من جديد وكأنه لم ينحن من قبل، بل بات بارعاً حتى في ستر عاهته، ذلك العي الذي كان كثيراً ما يحرجه، إذ صار يقف عند كل حرف يمكن أن يستعصي عليه أو يتمهل، يدور ويلف حتى لا يظهر عيه.

-لكن الفراغ مفسدة يا رجل فكيف إذا كان معه المال والشباب؟ لو تشغلهم بأي شيء، أليس خيراً من السهر حتى مطلع الفجر والنوم حتى الظهر؟ تساءلت وهي تعنيه أكثر مما تعني ولديه.

-ليشتغلوا ما يشاؤون.. أنا لا أشغل أحداً.

-لكنك أب.. والأب رب للبيت ومسؤول عمن فيه.. قالت ذلك وهي تتذكر البيت الذي كان سلفها مصباح يردده دائماً!! "إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً"، وهي وإن كانت لا تعرف تكملته إلا أنّها تعرف معناه جيداً.

-لا تنقي كالضفدع على رأسي.. اذهبي إليهم.. نقي كما تشائين، لكن أنا.. دعيني وشأني.. أريد أن أعيش.. بالطول والعرض أريد أن أعيش.. سعيداً.. مسروراً لا يعكر صفوي شيء.

-لكن، كل ما ليس من نبع ينضب، تابعت نقاشها غير وجلة من العبوس الذي بدأ يرتسم على جبينه، وأموالك هذه ليست من نبع.

-لا.. لا تخافي.. أموالي في بنك وفوائدها تكفيني. فلماذا أتعب نفسي في كسب المال؟ حسبي إنفاقه.

منطق عجيب جعل الزوجة تفغر فاها لحظة دون أن تدري ما تقول. كانت تعلم أن الرجل بدأ رحلة التغير بخطا واسعة لكنها لم تكن تظن أنه قطع ذلك الشوط. هو يخرج كل صباح ليعود وقت الغداء حيناً وعلى العشاء أحياناً ومع الفجر أكثر الأحيان. أين يذهب؟ ماذا يفعل؟ أكثر من مرة سألته، لكنه أكثر من مرة صدها: في مكتب شوكة، مع شوكة. لكن شوكت يبيع عقارات، يتوسط، يسمسر، أما هو فماذا يفعل؟

-اسمع.. أبا دياب.. أنت قاعد عن العمل. لديك مال فلماذا لا تستثمره في البيع والشراء؟ سأله صديقه الدلال وكأنما يرد على تساؤلات زوجته.

-أنا أستثمر؟ أشتغل في البيع والشراء؟ وما أدراني بذلك أبا عمرو؟ أعاد الصديق الكرة إلى مرمى السمسار، لكن هذا سرعان ما صدها كأبرع حارس مرمى.

-لا تدري.. صحيح.. لكن يمكنك أن تتعلم.. وأنا معك.. نعمل شريكين..

-لا.. إن كنت معي نعمل شريكين، الأمر مختلف، لكن كيف؟ رد أبو دياب ببعض التعثر والعي فقد بدا له الاقتراح داعية من دواعي العي..

-اسمع.. الحواكير حارتك.. اهلك وأصحابك.. تعرفهم واحداً واحداً، فلماذا لا تسعى؟ تشتري دونماً هنا، دونما هناك.. أعني نشتري معاً.. فالبناء يمتد نحو الغرب والأرض ترتفع أسعارها يوماً بعد يوم؟

-أجل!! قال أبو دياب متنهداً، هو الذي أدرك مدى الخسارة التي لحقت به حين باع حاكورته في ذلك الوقت المبكر.. المتر الآن بثلاثة آلاف.

-أرأيت؟ لكن إن ابتعدنا نحو الغرب قليلاً أخذنا بسعر أرخص، لقطنا لقطات أربح. هه.. ماذا قلت؟

-فكرة..قلت.. هي فكرة.. لكن دعني مرتاحاً الآن.. على الأقل إلى أن أستلم البيت.

-البيت.. لن تستلمه قبل شهرين على الأقل.

-وماذا في ذلك؟ ننتظر شهرين.

لكن عينه لم تعرف الرقاد تلك الليلة إلا بعد أن قام بجولة على الأرض، تلك التي كانت ذات يوم حاكورته ثم بدأت ترتفع فيها كتل من الاسمنت سيكون له في أولاها بيت واسع شاسع يحلم بأن يسكنه قريباً.

شاهة لا تحلم بذلك.. فالشقة الجديدة فتحت لها آفاقاً جديدة. شرفتها تطل على أبنية مقابلة ومن شباكها ترى شباناً يثيرون الاهتمام.

-مسكينة، ماذا سيحل بك حين نرحل إلى بيتنا الجديد؟ سألت أميرة ضاحكة وهي تشير من الشباك إلى شاب بات يظهر كثيراً في النافذة المقابلة.

-لـ .. لـ.. لن يحل بي شيء.. ردت متعثرة وقد فاجأتها أختها بدخولها الغرفة..

-أعلى هامان يا فرعون؟ لكنه صدقيني شاهة، أنت في غاية الذوق، الشاب جميل ويستحق أن يحب..

-صحيح.. أميرة؟! قالت بلهفة واضحة وقد شجعها كلام الأخت..

-صحيح بالتأكيد.. وصحيح أيضاً.. أن تبحثي عن رجل تحبينه وتتزوجينه قبل أن يفوتك القطار..

-القطار.. القطار.. راحت تردد بنبرة ارتعاش.. صحيح.. أميرة.. أنا لم أعد صغيرة وكل ما أخشاه هو أن أبور..

-تبورين؟! ربما كان ذلك أيام الفقر.. لكن الآن أنت غنية.. وهل رأيت غنية تبور؟ لوحي للرجال بالمال يجروا وراءك جرياً.

-صحيح.. أميرة؟! عادت تكرر كالببغاء وهي تكاد لا تصدق.. لكنني خائفة.. لا أدري ما أفعل. .

-تحركي.. دبري رأسك.. خاصة إن كان ذلك الفتى يعجبك..

-يعجبني؟! تساءلت شاهة هازة رأسها، ثم مضت إلى الشباك تغرس عينيها في عيني جار لم تكن تعرف عنه إلا أنه شاب ممتلئ الجسم، وسيم الوجه، أنيق الملابس، يبتسم ويلوح لها من حين إلى حين لكن دون أن تجرؤ على رد ابتسامته أو تلويحة يده.. كثيراً.. أميرة.. يعجبني كثيراً..

-حسناً قولي انه يعجبك.. ردت بين الممازحة والجادة فهي ترى ما تعانيه أختها، ترى خوفها وحيرتها فلماذا لا تشجعها قليلاً؟ أعطيه الضوء الأخضر.. من يدري؟ فقد لا يمضي الشهر إلا وهو خطيبك..

-بيدك حق.. أجل.. الضوء الأخضر.. سأعطيه الضوء الأخضر..

وهكذا، بدأت شاهة إطلاق الأشعة الخضراء.. وبدا الشاب الوسيم ذو الجسم الممتلئ والملابس الأنيقة يتلقى، ثم يرسل. نظرة فابتسامة، فسلام فكلام فموعد فلقاء.. ثم اتفاق على أن يأتي بأمه وأخته.. لكن، ما ان همت الأم والأخت بالمجئ لتحديد موعد الخطبة حتى بدا أن عليهم جميعاً أن ينتظروا، فقد كانت العائلة منهمكة بالرحيل إلى البيت الجديد.