-5-
سبعة أيام بسبع ليال، ظل العريس الذي لم يكن عريساً طريح الفراش: ضماد على عينه اليسرى يحجبها عن الرؤية وثلاث لصقات أو أربع موزعة بين جبينه وذقنه وقد تحول وجهه إلى خارطة لاشتباكات دامية بين قوتين ضاربتين من قوى الحرب والدمار.. يداه، رجلاه، جسده كله تحول إلى ميدان يحمل آثار المعركة الدامية.
فعلى صرخات العروس أفاق العريس وفي الحال اكتشف غيابها. بقفزتين أو ثلاث تبع مصدر الصوت، فتح الباب، فوجد العروس حواء تحاول وضع ورقة التوت، هامة بالفرار وهي ترى أن ذلك الآدم ليس آدمها.
لحظة من الزمن وقف الثلاثة فاغري الأفواه، جاحظي الأعين وكأنما أسقط في أيديهم، لا يدرون مايقولون، لا يدرون ما يفعلون...
بعد ذاك طار كل ما اختزنه العريس ليلة دخلته من شراب وكحول، ثم ما إن فتح فهد عينيه وأغمضهما حتى وجد غريمه قد تحول إلى ثور هائج ينطح، يضرب، يرفس ولا يفرق بين ذكر وأنثى. حاول فهد أن يمنع عن نفسه الرفس والضرب، لكنه لم يستطع، فالثور ذو قوة خارقة لعله هو نفسه ذاك الذي هاجم تموز، حبيب عشتار، فأودى به إلى باطن الأرض.
-اختطفت عروسي!؟ اغتصبتها؟ قسماً، عظماً، لأذبحنك!! كان يصيح وهو يضرب ويرفس، ينطح ويركل كأنما تملكته نوبة من جنون.
-أرجوك!!! اسمعني!! افهمني!! كان رد فهد الوحيد وقد تكوم على نفسه في الزاوية يحاول اتقاء الضربات وحسب، فالثور الهائج كان قد بث في أوصاله رعباً فكك مفاصله وأقعده أرضاً. العروس نفسها كانت تتلقى الضربات وهي تحاول إبعاد عريسها عن الآخر دون أن تجرؤ على الصراخ لكأنها كانت مدركة لخطئها راضية أن تعاقب عليه.
كرسي الخيزران تكسر على رأس فهد، الجروح تفتحت في أنحاء وجهه، قوائم الكرسي نفسها راحت تتكسر على جسده، ولم يعد باستطاعته التحمل فانطلق صوته يستنجد ويستغيث.
اثر النجدة جاء الطبيب يمسح ويداوي، يقطب ويضمد بعد أن رفض فهد الذهاب إلى المستشفى. لكن طوال أيام سبعة لم يستطع الحراك من فراشه لكأن مدحلة مرت على جسده.
رغم المسكنات والأدوية، كان الألم يمسك به إمساكة الغول الهائل يرصه فلا يدعه ينام. كان يشعر وكأن في جوفه سكاكين. هل اخترق قرنا الثور جلده ودخلا أحشاءه فتمزق منها ماتمزق وانجرح ماانجرح؟ دقائق من اللذة مقابل أيام من الألم.. أهذا هو ثمن اللذة؟ "أي قدر!؟ أي حظ!؟" كان لايفتأ يلقي باللائمة على القدر والحظ وهو يفكر بالورطة التي وجد نفسه فيها. فقد تبين لفهد أن الفتاة التي وجدها في فراشه ليست حورية بحر ولا ملاك سماء، بل هي عروس جاءت تقضي شهر عسلها في الفندق أزرق الوجه، أبيض القلب، ولكي يحتفي عريسها بها أقصى احتفاء، أقام لها مأدبة عامرة بكل مالذ وطاب من طعام وشراب.. كأس منه وكأس منها ثم كأس منها وكأس منه حتى دار برأسيهما الشراب واستغرقا في سبات عميق قبل أن يتسنى لهما حتى تأدية الشعائر المقدسة لليلة الدخلة...
حاجة بشرية ما دفعت العروس إلى الاستيقاظ في الليل، خرجت خارج الغرفة وهي شبه نائمة، ثم عادت وهي شبه نائمة، لكن بدلاً من أن تدخل غرفتها، دخلت غرفة فهد ثم انسلت إلى جانبه وكل ظنها أنه هو العريس.
لكن العريس لا يصدق. هو مصر على اتهامه بأنه اختطف عروسه، بأنه استخدم الحيلة والخديعة لاغتصابها، فيما العروس تبكي وتنوح على بكارتها التي فضها رجل غير رجلها، على الفضيحة التي سببتها لنفسها.
العريس نفسه في حال من الهياج والغضب لم يتوقفا قط: "أدفع مافوقي وماتحتي لكي آخذ الفتاة التي أحببت فيأخذها غيري؟ أشرب لأفرح وأستمتع فينقلب فرحي حزناً واستمتاعي ألماً؟ أي قدر!! أي حظ!! "كان لايفتأ يصرخ ويصيح هو الآخر، يشكو ويتذمر، فالمشكلة عويصة والقضية أعقد من أن تحل. كيف يقرب فتاة ضاجعها سواه؟ كيف يبقي على عروسه وقد صارت عروس غيره؟ في الوقت نفسه لِمَ يتخلى عنها وهو يحبها؟ كيف يرمي بها وهي كل أحلامه؟ من ضفاف الخابور جاء بها ليقضيا شهر عسلهما على شاطئ البحر فماذا فعل بهما البحر؟
-ليس البحر من فعل ذلك بل الشراب... ردت عليه وهو يشكو موشكاً أن ينوح.. قلت لك لسنا معتادين الشراب.. كلانا لا يتحمل الشراب.. لكنك ألححت.. اشربي.. اشربي.. ورحت أنت تشرب وتشرب حتى أضعنا أنفسنا...
هو يشعر بالذنب.. صحيح الفكرة كانت فكرته.. لكن من كان يتصور تلك النهاية؟ من كان يعلم أنها ستفيق في الليل لقضاء حاجة فتخطئ في العودة إلى غرفتها؟
-والحل؟ قولي ما الحل؟ أنت شبكتنا فخلصينا... قال محتداً وهو يبحث عن حل..
-أنا لم أشبك أحداً ولا أستطيع أن أخلص أحداً.. ردت العروس باكية وقد باتت على يقين أنها أسوأ عرائس الأرض حظاً.. فمذ أفاقت ذلك الصباح على عريس غير عريسها وفي فراش غير فراشها والحيرة والحسرة تنهشان قلبها، الألم والندم يفتتان روحها.. عريسها لايستطيع الاقتراب منها والرجل الذي صار رجلها طريح الفراش مهشم محطم.. سبعة أيام بسبع ليال وهي وحيدة في غرفتها.. تأكل.. تشرب، تنام وحيدة، ومع من تنام يا ترى؟ عريسها الشرعي أم عريسها الفعلي؟ من كانت زوجته ولم تصر كذلك، أم من صارت زوجته ولم تكن كذلك؟ مفارقة!! وكان لابد من الاحتكام لمن يحل المفارقات.
استمع قاضي الشرع للقصة ثم أفتى:
-ما قام على باطل فهو باطل، والاستمرار في الخطأ خطأ أشد وأفدح.. لهذا ينبغي إصلاح الخطأ حيثما وقع...
-ماذا تعني؟ أعيدها زوجتي؟ هكذا، كأن شيئاً لم يحدث؟ سأل العريس الذي يملأ صدره الغيظ ولا يستطيع أن يكظم غيظه..
-يابني!! هذه امرأتك عقدت عليها قرانك... بالشرع والقانون هي كذلك.. ومافعلته لم تفعله عن عمد.. بل هو خطأ تحتمل أنت وزره بقدر ما تحتمله هي نفسها...
-لكنه خطأ فادح.. خطأ قاتل..
-مع ذلك، هو لا يلغي عقد قران موثقاً شرعاً وقانوناً...
-والولد؟ ماذا إن خرجت حاملاً؟
-الولد للفراش.. هذا ماسنه أسلافنا...
-لا.. لا أستطيع تحمل ذلك.. ولد من غير صلبي!؟ لا أستطيع أن أتحمل مجرد الشك فيه.
-اقطع الشك باليقين.
-كيف؟ سأل العريس المغتاظ من جديد.
-تبقى مائة يوم لا تقاربها.. فإن كانت حاملاً ظهر ذلك..
-ولماذا ننتظر مائة يوم سيدي القاضي؟ تدخل فهد مقاطعاً وقد أعجبته المرأة. ليتخلَّ عنها أعقد قراني عليها الساعة...
-وقح!! خسيس!! رد العريس وهو يصرف على أسنانه ولا يستطيع منع نفسه من الهجوم عليه إلا بالكاد.
-بل أنا أريد إصلاح الخطأ.. أنا أعلم أنني أخطأت لكنني على استعداد لإصلاح الخطأ.. فليطلقها سيدي القاضي أتزوجها والتعويض الذي يريد أعطيه له... أنا رجل غني، أموالي كثيرة وبإمكاني أن أقدم له مايشاء من تعويض.. فنخرج لا ضرر ولا ضرار..
-هه!! ماذا قلت يابني؟ سأل القاضي العريس وقد بدت له الفكرة معقولة أيضاً..
-قلت عليه اللعنة..!! قلت امنعه ياسيدي القاضي من التكلم بهذه الطريقة أو هشمت رأسه...
-ولماذا تهشم رأسي؟ رد فهد بنبرة الواثق أنه في حرز حريز، أنا أقدم حلاً نخرج به كلنا من هذه الورطة... فإن لم يقبله سيدي القاضي.. دع الأمر للعروس.. اترك لها حرية الخيار..
-حرية الخيار!!؟ ردد كالمذهول ناظراً إلى عروسه التي لم تعد عروسه، ماذا إن تخلت عني؟ ماذا إن اختارت ذلك الرجل؟ تساءل في سره ثم صاح، هي امرأتي ولن أتخلى عنها...
-إذن تنتظر ثلاثة أشهر وعشرة أيام.
-أنتظر ياسيدي...
-فإن خرجت حاملاً تطلقها أنت ويتزوجها هو، وإن لم تكن كذلك عادت زوجتك ودفع لك مائة ألف ليرة... حكم القاضي الشرعي مبرم لا استئناف فيه ولا تمييز، وقد قبله الأطراف الثلاثة على أن يلتقوا في جلسة ثانية بعد ثلاثة أشهر وعشرة أيام... لكن ماعساه يفعل فهد؟ كيف يأتي بالمائة ألف ليرة؟ والده غني حقاً، لكن أيدفع مثل هذا المبلغ، هكذا دونما مردود أو ربح؟ هو يدفع أحياناً لكن بالعشرة والعشرين ألفاً.. لكأن غناه لايزال عرضاً آنياً لم يدخل إلى جوهره.. بل يخيل لفهد أن أباه يتصرف أحياناً وكأنه مايزال فقيراً لا يملك شروى نقير.. "أتراه لما يصدق بعد أنه غني كبير؟" كان فهد يتساءل وهو في طريقه إلى دمشق مهموم البال منشغل الخاطر.
أمه مهمومة البال أيضاً منشغلة الخاطر، فغيابه كان قد طال إلى درجة جعلتها تقلق.. صحيح أنه كان يغيب.. راحلاً هنا، مسافراً هناك.. لكن عشرين يوماً؟ كيف؟ وأين؟ رأته عائداً فنسيت كل شيء... احتضنته، قبلته، أما حنوناً ترى كل شيء يحاصر حنانها، مطارداً فلوله في زمن لا أمومة فيه ولاحنان... ثم ماإن تفحصت وجهه حتى رأت بقايا ندب وجروح، سألته، راوغ... حاصرته، ناور لكنه لم يجد مفراً من الاعتراف أخيراً وهو يخطط لأن يصنع من أمه جسراً إلى أبيه فيحصل على مايريد.
بهتت أمه مثلما بهت هو نفسه حين عرف الحقيقة ذلك الصباح، لكن إلامَ الانبهات وابنها في ورطة؟ كيف الخلاص إن لم تواجه الأب بالحقيقة؟
وهكذا، لم تنته المائة يوم حتى كانت الأم وابنها قد قاما بعمليات كثيرة من تمهيد ومناورة، دوران والتفاف قبل أن يكشفا له الحقيقة. هاج الأب وماج، أرغى وأزبد لكنه في النهاية رضخ للأمر الواقع ودفع المبلغ.
لكن إن كان أبو دياب قد دفع المبلغ "شرفية" للعروس الخابورية وتعويضاً لعريسها المفجوع فمن تراه يدفع "شرفية" ميرنا، الخادمة الفيلبينية؟
كانت أم دياب قد باتت غير قادرة على القيام بخدمات البيت، فالعظم الذي كسر، جبر مع الزمن لكنه لم يعد كما كان لكأنه انكمش حتى غدت أم دياب تظلع حين تمشي كشاة جبرت قائمتها على غش. في الوقت نفسه ازداد وزنها، استدارت عجيزتها وتضخمت حتى لتوشك، إن قامت، أن تصل إلى الأرض، بل إن بطنها راح يتسع وينتفخ كما لو أن فيه توائم ثلاثة... ماذا تفعل بنفسها؟ هي قاعدة لا تتحرك..
الكسر ثم الكسل أجبراها على القعود ثم إنها تحب الطعام.. والطعام كثير.. منذ صغرها كانت تحب الطعام، لكنه، تلك الأيام، كان عزيزاً وكان في الغالب قليل الأصناف مقيتاً إلى النفس.. أما اليوم فهنالك أطايب المأكولات وأكثرها تنوعاً فلماذا لا تأكل؟ ألم يقل سبحانه "كلوا من طيبات مارزقناكم"، إذن ستأكل... الأكل لذة اللذائذ ومتعة المتع فكيف إن لم يكن هنالك متعة أخرى؟
أم دياب تشعر أحياناً أن الحياة أقفرت من كل ما يمتع. فالزوج غائب دائماً، وإن حضر عقله دائماً في مكان آخر، وقته لا فراغ فيه، قلبه لا مكان فيه.. كذلك الأولاد ما إن يفيقوا حتى يتفرقوا.. لتظل هي وحيدة في البيت.. لا أنس و لا أنيس. وهكذا، لم تعد الخادمة ضرورية من أجل الخدمة فحسب، بل من أجل الأنس أيضاً، فلا تشعر أم دياب بالوحشة والوحدة.
خادمة سيرلنكية أعقبت التايلاندية وكلتاهما لاتعرفان العربية فكانت لغة التفاهم الإشارات والقليل من الكلمات. لكن هذه الفتاة الفيلبينية مختلفة...عيناها تلمعان ذكاء عكس تلك السيرلنكية ذات العينين الجامدتين كعيني سمكة ميتة. في بشرتها وضاءة لا تشبه من قريب أو بعيد بشرة تلك التايلاندية القاتمة المسودة. لحسة من لبن كانت تجعل سيماها قريبة من القلب.. وبعض امتلاء في الجسد كان يجعل قامتها أكثر جاذبية وكفلها أكثر لفتاً للانتباه... ثم هي خبيرة، مارست الخدمة من قبل، فتعلمت جملة من هنا وعبارة من هناك إلى درجة بدا من السهل على أم دياب التفاهم معها دون أن تضطر لتحريك الأيدي وصنع الإشارات.
منذ الأيام الأولى أحبتها أم دياب، فميرنا ملؤها الحيوية والنشاط، لاتفتأ تنتقل من غرفة إلى غرفة، ملبية طلباً بعد طلب.. تمسح، تكنس، تطبخ، تنفخ. ماتشاء السيدة تفعله الخادمة وبكل فهم وذكاء.
ميرنا بارعة أيضاً في التقرب من الآخرين، أم دياب ترى ذلك جيداً.. إذ لم تمض عليها أشهر حتى أصبحت عضواً أساسياً في البيت. حيويتها، ذكاؤها، براعتها كلها كانت توظفها لكسب ود العائلة... ثم شيئاً فشيئاً بدا لأم دياب أن ابنها الصغير لم يعد يستغني عن تلك البراعة ليس في النهار وحسب بل في الليل أيضاً.. إذ ما إن يدخل البيت حتى يبحث عن ميرنا، يذهب إلى المطبخ، يدخل غرفتها، وذات ليلة رأته أم دياب ينسل من تلك الغرفة وليس عليه سوى قميص رقيق..
-ستقتلك دناءة نفسك، قالت له هامسة، وقد لحقت به إلى غرفته، ستقتلك المرأة.. أيها الرجل الذي لا يشبع منها أبداً!!!
-أماه!!! أرجوك!! تظاهري أنك لم تري شيئاً..
-أتظاهر!؟ تباً لك!! ألم تكفك تلك الورطة مع تلك العروس، تريد أن تورطنا مع خادمة فلبينية مرة ثانية؟ ينقصنا مشاكل؟ هموم!؟ دع الفتاة وشأنها.. هذه المسكينة تستغل ضعفها.. فقرها.. ألا تستحيي!؟ ألا تخجل!؟ طوال ساعة وبضع الساعة ظلت تقرعه... وهو يروغ ويزوغ، سمكة زلقة الجلد لا يمكن الإمساك بها.. أخيراً راح يتوسل:
-أماه.. أنا تعبان نعسان.. دعيني أنم.. أرجوك.. لكنها لم تدعه ينام حتى أقسم لها، بالأيمان المغلظة، أنه لن يقارب الخادمة الفلبينية من جديد. وبدا الفتى بعد ذلك حريصاً على قسمه متمسكاً بأيمانه.
... لكن دياب لم يكن كذلك.. فذات يوم، وفي عز النهار، كانت ميرنا في الحمام تنظفه.. ولم تكن الأم قد تحركت من غرفتها بعد.. كان التكاسل قد صار في دمها.. ساعات تظل في سريرها، وماعساها تفعل إن خرجت؟ الخادمة تنظف، تغسل، تكوي، تطهو.. فلماذا لا تبحث السيدة عن راحتها؟
فجأة أحست أم دياب بصوت المسح يتوقف في الحمام.. ثم جاءتها همهمات وغمغمات.. متثاقلة نهضت من فراشها، وببطء ورفق سارت إلى الحمام،.. كان الباب موارياً، ومن الفتحة المواربة تلك رأت دياب يحتضن ميرنا بين ذراعيه شاداً إياها مقبلاً شفتيها، فيما راحت يده اليسرى ترفع تنورتها إلى خصرها، صيحة غضب أطلقتها أم دياب فأوقفت كل شيء لينسل بعدها دياب خارجاً مسرعاً إلى درجة لم تستطع معها لومه أو توبيخه. لكن الطامة الكبرى وقعت حين اكتشفت أم دياب أن براعة تلك الخادمة الفلبينية ونشاطها أوسع دائرة من فهد وأخيه دياب...
ذات أصيل، وكانت تنام فترة القيلولة كعادتها، أحست بعطش شديد.. نهضت من فراشها تبتغي المنهل.. لكن قبل أن تصل إليه سمعت حركة وصوتاً.. حين نامت لم يكن أحد غير ميرنا.. أميرة في الجامعة، الأولاد كالعادة هنا أو هناك، أبو دياب لم يعد إلى الغداء، ونادراً مايعود هذه الأيام.. "إذن من يصدر تلك الحركة والصوت؟ " تساءلت أم دياب وهي تتقدم بحذر.. الصوت آتٍ من غرفة ميرنا.. أصاخت السمع جيداً فعرفته.. إنه ذلك الشخير والنخير الذي يصدرهما أبو دياب في وضع معين.. أم دياب تعرفهما جيداً.. لكن أيعقل ذلك؟ بحذر شديد اقتربت الزوجة من غرفة ميرنا... هناك رأتهما معاً آدم وحواء متعانقين متشابكين، و هو يشخر وينخر... "يا إلهي!! ماذا أفعل؟ " تساءلت وقد تسمرت حيرة وعجباً لحظة من الزمن ثم تراجعت.. تكاد تتعثر بشحمها ولحمها، إلى أن ألقت بنفسها على الفراش وقد نسيت العطش والماء.
ذلك المساء، مضت الزوجة إلى غرفة ميرنا، وضعت في يدها رزمة من نقود، هامسة في أذنها بأنها لم تعد بحاجة إليها وأن عليها أن تبحث عن بيت آخر تخدمه. لم تحتج ميرنا ولم تعترض، لكن ما إن بدأت ترزم حاجاتها حتى رآها دياب.. دياب تحدث مع فهد.. فهد ودياب استفسرا عن السر، ثم بدا الاستغرب والاستهجان على وجهيهما معاً إلى حد جعلهما كتلة واحدة متراصة في وجه الأم التي أعطت الأمر... ثم بدأ الهجوم المعاكس.
-كيف تطردين خادمة مثل ميرنا؟ احتج دياب منتفخ الأوداج، من أين سنأتي لك بواحدة مثلها، ذكاء ونشاطاً وبراعة؟
-ولك عين تتكلم؟ أوصلت بك الوقاحة هذا الحد؟ ردت عليه الأم وهي تغرس عينيها في عينيه عله يستحيي على نفسه...
-أية وقاحة؟ أي عين؟ عم تتكلمين يا أماه.. ميرنا خادمة ممتازة ولن نجد بديلاً لها...
-بالطبع، لن تجد بديلاً لها.. لكن كيف يمكنني أن أتحمل مايجري.. الحرام في بيتي.. الزنى في عقر داري..
-أماه!! أماه!! قاطعها فهد هذه المرة، ماهذا الكلام؟ زنى، حرام، لا.. لا.. القرآن الكريم قال..
-اخرس، صاحت به الأم المؤمنة التقية مقاطعة إياه، لا تجلب ذكر القرآن على لسانك...
-لكنه قال "وادفعوا لهن أجورهن" ونحن ندفع لها أجرها، إذن هي حلال لنا...
-بل هو حرام وأنتم تستغلون ضعفها، تعلمون أنها عزلاء بغير سلاح فترغمونها على فعل الإثم والخطيئة.
-بل هي تفعل ذلك بمحض إرادتها.. رد دياب هذه المرة، نحن لا نرغمها أبداً.
-مع ذلك، هذا لا يجوز، قاطعته من جديد.. في هذا البيت لا أسمح بالإثم والخطيئة.
-اثم!! خطيئة!! عاد فهد للمناقشة.. أماه!! الأمر غير ذلك!! بل هو بمنتهى البساطة.. أنا بلا زوج.. وهي بلا زوج..
لكن سرعان ماشردت.. عقلها ذهب إلى الأب، شيء ما كاد يصيح به "وأبوك أهو بلا زوج؟ " لكنها توقفت آخر لحظة.. فالدافع الذي جعلها تنسحب متظاهرة بعدم رؤية شيء، مؤثرة أن تدعها في القلب تجرح ولا تخرج فتفضح، منعها من أن تصارح ابنها بالحقيقة. الفضيحة صعبة وفضح الأب أصعب الفضائح... "ماذا سيقول عنه دياب إن عرف؟ كيف سينظر إليه فهد إن سمع؟ لا.. لا.. ينبغي أن يبقى في عيون أولاده الأب المبجل والرجل المحترم.." هي لا تطيق أن تنشر غسيله الوسخ، ولكي لا تضطر لنشر ذلك الغسيل صمتت بانتظار أن تحاسب الخاطئ الأكبر.
طوال ذلك الليل لم تستطع النوم.. فراشها قتاد وعيناها جمر، تطبق أجفانها فلا تحتمل سوى لحظات.. النار في الحدق فتنفتح الأجفان من جديد ويتقلب الجسد الممتلئ شحماً ولحماً على فراش الشوك.. مرافعات وخطب كانت تجول في ذهنها رغم أنها لم تدرس القانون ولم تعرف القراءة والكتابة. بخار يتراكم في جمجمتها ولابد له من أن يتحول إلى سحاب ثم مطر تريده أن ينصب على رأس أبي دياب.. صحيح لم ترد أن تسيء إليه أمام ميرنا أو تفضحه أمام الأولاد... لكن بينها وبينه لا تستطيع أن تسكت... يجب أن تواجهه بالحقيقة عله يرتدع فلا يعود إلى فعلته أبداً. متأخراً كعادته جاء، لا مبالياً بدا لكن ما إن بدأت لومها حتى انفجر صائحاً وقد عاوده العي:
-اسسـ. سمعي.. أنا أفعل ماأشاء.. ألم يقل سبحانه "وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع؟"
-لكن بالحلال.. قاطعته الزوجة المهددة التي انتظرت طويلاً تلك اللحظة والتي كان لها ذات يوم دالة وسطوة.
-وهي حلال.. ألم يقل سبحانه "وما ملكت أيمانكم" وهي ملك أيماننا، نطعمها، نسقيها، نؤويها وندفع لها مالاً..
-لكن هذا حرام.. حرام تمارسه وحلالك في الغرفة الثانية..
-حلالي!! آه!! ما أطيب ذلك الحرام وأبشع هذا الحلال!! قال بما يشبه الهمس وكأنه يكلم نفسه.
-ماذا تقول؟ ردت وهي تفتح عينيها على سعتهما غير مصدقة ماتسمع...
-أقول.. أتحسبين نفسك ماتزالين امرأة.؟ انظري إلى شحومك ولحومك طيات.. طيات.. لا.. لا.. لم يعد بالإمكان احتمالك.. بل لا أدري كيف احتملتك حتى اليوم.
-سيفو!؟ صاحت الأم خائفة وقد طار كل مافي رأسها من حجج ومرافعات..
-اسمعي حفيظة.. عاد مشيراً بسبابته إشارة الأمر الصارم.. منذ الليلة فصاعداً.. كل منا ينام في غرفة.
-سيف الدين!! شهقت بمزيج من الاستهجان والتوسل.
-لا سيف الدين ولا محيي الدين.. قسماً، لن تجمعنا بعد هذه الليلة غرفة نوم واحدة.. وأحست أم دياب بما يشبه طعنة خنجر في صدرها وهو يصفق الباب خارجاً.. "يا إلهي!! ماذا فعلت؟ ماذا أفعل؟ " راحت تتساءل وهي تلقي بنفسها على سريرها عاصرة رأسها بين راحتيها. لم يعد الفراش قتاداً ولا الحدق جمراً فحسب بل بات القلب نفسه ناراً تشتعل. "قد خسرت زوجك!! ومن أجل من؟ خادمة فلبينية!! حفيظة!! أي خطأ ارتكبت؟ لماذا لم تغضي النظر؟ لماذا لم تتجاهلي الأمر كله؟ هو سيد البيت وهو القيم الحاكم، الآمر الناهي، فكيف تحاسبينه؟ كيف تعرضينه للمهانة؟"
وفي الصباح تجد نفسها تنهض أمة خاضعة، رافعة الراية البيضاء، ترى ميرنا قد فكت رزمها وأعادت ثيابها إلى خزائنها ومضت تعمل في مطبخها كعادتها فلا تنبس ببنت شفة.
العالم يتغير.. بسرعة كبيرة يتحرك وعلى نحو لا تستطيع أم دياب متابعته.. هي ترى بعينها كل شيء يتغير ولا تدري لماذا أو كيف؟ كل شيء ينحدر، يتردى، دون أن تستطيع إيقافه أو الاحتجاج عليه. الباطل يفرد جناحيه ويطير عالياً، فارشاً ظله ممتداً هنا وهناك وهي ترى وتسمع.. صندوق عجائب غرائب تصير الدنيا وهي لاتملك إلا أن تتفرج.
رغماً عنها تتفرج: فهد ابنها البسيط المسكين يغدو الألعبان البهلوان، في كل يوم له مغامرة، عشرات النساء يتصلن به، يردن ضرب المواعيد معه... ديبو ذلك البليد الأجوف يصبح تاجر سيارات، بل بات يحدث أباه عن مغتربين ومشوهي حرب يستورد سيارات باسمهم ويبيعها ثم يربح مئات الآلاف...
-هو عصر السمسرة، زمن المقاولات والوساطات، قالت لها أميرة بعد أن أبدت الأم استغرابها من صندوق العجائب ذاك، كل شيء يخضع لمنطق الصفقات والمساومات، الربح والخسارة، فلا تستغربي إن كان أخي أو أبي يجمعان المال أكداساً أكداساً....
-لكن كيف؟ من أين تعلما؟ احتجت الأم التي كانت تعرف زوجها وولدها جيداً.
-هما من رجال هذا العصر.. دخلا عالم السمسرة.. ولابد أنهما يملكان صفات السماسرة الناجحين فيه.
-صفات السماسرة؟ وماهي هذه الصفات؟
-عقلية العصابة.. نزعة النهب والسلب.. قطف ثمار مايتعب في إنتاجه الآخرون، إطعام التسعة لأكل العشرة، الآخرون كلهم أعداؤك، وحلال سرقتهم واستغلالهم...
-معقول!؟ أهذه صفات السماسرة؟ أهكذا صار أبوك وأخوك؟ قالت الأم وهي تزفر زفرة الحسرة والحرقة..
-أجل، هكذا، وكل شيء معقول يا أماه!! فهد، دياب، أبي، كلهم يرددون: في عصر السماسرة إما أن تكون سمساراً أولا تكون!؟ ألا ترين كيف بدأ الناس يتغيرون!؟ يسلخون جلودهم ويكتسون جلوداً جديدة، فلماذا لا يكونون مثلهم؟ هذا مايرددونه دائماً؟ أولا تسمعينهم؟
-بلى.. أسمعهم، قالت وهي تزفر من جديد.
-عمي مصباح قال لي أمس: شيئاً فشيئاً تسيطر على الناس نزعة الاستهلاك... ومانزعة الاستهلاك؟ تشييء الإنسان، تحويله إلى مجرد سلعة تباع وتشرى، قيمتها بما تساوي من مال.... أتفهمينني يا أمي؟
-تشيـ...يئ.. ردت الأم متلعثمة متسائلة، سلعة، استهلاك؟ ماهذا الذي تقولينه، أميرة؟
-لست أنا من يقوله. إنه عمي مصباح..
-عمك مصباح نجم عال يا بنتي.. لا يبلغه فهمي..
-للأسف، ذلك النجم العالي بات ينزل.. تصوري.. عمي صار يشكو ويتذمر!؟
-يشكو؟ من أي شيء؟
-من أن التغير نحو الأسوأ والأسوأ، من أن الفساد يستشري.. القيم تنعكس، المفاهيم تنقلب فيصبح الشريف العفيف حماراً والنهاب المحتال شاطراً، من تلك الشعارات المطروحة: "اسرق، انهب، لحق حالك، " "عسكرية دبر رأسك"، "كن منافقاً أولا تكون"..
لكن أميرة اضطرت لإيقاف استرسالها وهي ترى الأم فاغرة الفم لكأنها أمام صندوق دنيا يعرض عليها عجائب غرائب.
أميرة نفسها تشعر وكأنها أمام صندوق دنيا يعرض عليها عجائب غرائب، لكنها آلت على نفسها أن لا تبدي استغراباً.. أن تتعلم بسرعة وتتكيف بسرعة. مذ دخلت الجامعة، آلت على نفسها ألا تظل تلك الفتاة الغرة التي لا تعرف سوى المدرسة والبيت، الطاعة والدرس. الأم تشعر أنها كبرت.. خلال سنة واحدة كبرت سنين، فكيف حدث ذلك؟
منذ اليوم الأول في الجامعة أحست أميرة وكأنها تخرج من تحت الماء، بات باستطاعتها أن تتنفس ملء رئتيها، أن تنعم بالنور، الدفء، رحابة الأمداء... لم يعد هناك تلك البذلة الخاكية بإشاراتها الحمراء والصفراء، وقبعتها المقيتة... هي تلبس ماتشاء، حرة كالنسيم، أبواب الجامعة مفتوحة تدخلها متى شاءت تخرج منها متى شاءت، ليست كتلك الأبواب في ثانويتها السابقة تغلق في ساعة محددة وتفتح في ساعة محددة، عليها حراس كالجلاوذة يسلقونك بسياط نظراتهم ويشوونك بشواظ أسئلتهم... حتى الجدران واطئة لا توحي لك بالأقفاص والسجون...
الجامعة عالم مختلف، الطالب يختار، بملء حريته يختار، يحضر المحاضرات، يغيب، ذاك شأنه، وتلك حريته، فأية متعة هذه الحرية؟ أميرة تلتهم الحرية التهاماً.. تشعر أنها فراشة تطير.. في سماء مشرقة صافية، دون حدود ولا قيود... زميلات.. زملاء.. وكل منهم عالم جديد يمكنها أن تستكشفه... أن تفتح مغاليق أبوابه وتدخل فتعرف مالم تكن تعرفه من قبل.. في المدرسة الثانوية، لم يكن سوى الفتيات... هنا فتيان أيضاً هذا أسمر، ذاك أشقر، بل ثمة الزنجي القادم من غابات أفريقيا... وهي تحادثهم ويحادثونها... إحدى زميلاتها استنكرت ذلك:
-مالك ومالهم؟ نحن شيء والشبان شيء آخر، دعيهم وشأنهم..
لكن أميرة ردت مبتسمة:
-نحن زملاء.. والزمالة لا تفرق بين شاب وفتاة، فلماذا تفرقين؟ ثم لم تكمل النقاش فقد كانت تعلم أنه لا فائدة من مناطحة الصخرة، والصخرة هي ذلك الحجاب الذي تضعه الفتاة على وجهها فيشوه حتى رؤيتها... عمها مصباح كان قد نبهها "حذار من المتزمتات المتعصبات فهن محدودات الآفاق شائهات التفكير".. أميرة تسمع مايقوله عمها مصباح وتطبقه "كوني طبيعية، منطقية، عقلانية،.. لا تتحكم بك عقدة نفسية ولا تفكير مشوه"..
"وما التفكير المشوه؟ " سألته أميرة حينذاك وهي ترغب في مزيد من المعرفة. "إنه تفكير الرجل الشرقي المغرق في شرقيته، تفكير الحريم المغرق في حريميته... كلاهما مشوه خاطئ فاحذريه... ".
أكثر ما يسعد أميرة أن تزور عمها في المكتب فتقتنص معه لحظات الفراغ القليلة لتسأله ويجيب، يحدثها وتسمع.. لكن ما أكثر ما كانت تلتقي به في ممرات الجامعة وطرقها، فتمسك بذراعه وتسير معه، يتحادثان ويتحاوران. هو منبع ثر للأفكار الجميلة والآراء الباهرة... تسمعه أميرة ولا تشبع... لكأنه يعزف لها أنغاماً ساحرة..
في كثير من الأحيان تشعر أنه يحل محل أبيها "وكل فتاة بأبيها معجبة" إذن لم لا تكون معجبة به؟ في السراء، في الضراء، في كل ظرف وحال يمكنها أن تلجأ إليه، ألم تفعل ذلك حين بدا أن أباها يعارض دخولها الجامعة؟ ألم يكن رأيه سديداً، حين قال لها: "اتبعي معه سياسة الأمر الواقع، افرضي عليه الأمر فرضاً يقبل ويرضى.. هو أخي وأنا أعرفه". وذلك ما حصل.. جاءت إلى الجامعة حاملة أوراقها دون أن تقول لأبيها أو أخويها.. ثم حصل العم مصباح بطريقته الخاصة على الاستثناء، فأصبحت أميرة طالبة في كلية الصيدلة...
بعد شهرين أو أكثر عرف الأب أن ابنته تذهب إلى الجامعة وتدرس الصيدلة، لكنه كان فرحاً بصفقة رابحة أنجزها، مشغولاً بصفقات واعدة بالربح سيعقدها، فلوى عنقه ومضى حتى دون أن يعلق.
عمها معها، فلماذا تخاف؟ كل يوم تراه.. تزوره في مكتبه، يوصلها بسيارته إلى البيت ولا يضن عليها بنصيحة أو رأي... ذات يوم وجدته مكتئباً حزيناً.
-هه.. مالك عماه؟
-قبل قليل عدت من تشييع الدكتور، رئيسنا وأستاذ القانون الأعتق في جامعتنا.
-رئيس الجامعة مات؟
-بل اغتيل اغتيالاً.. قتله أولئك المتطرفون الذين قتلوا العميد، جارنا.. أتذكرين؟
-لكن، لماذا؟
-هوذا السؤال.. لماذا يستهدفون الأدمغة في هذا البلد؟ لماذا لا يقتلون إلا نخبة المجتمع علماً وثقافة، فكراً وفهماً؟ قال بانفعال وحزن شديدين، ثم توقف لحظة قبل أن يستأنف، يخيل إلي أن يداً خفية وراء هذا كله.. مؤامرة خطيرة تستهدف إنساننا ومجتمعنا.. تقضي على رجال العلم فيخلو الساح للجهل...
-وهل ينقصنا جهل ياعماه؟
-هذا ما يحزنني.. نحن بالكاد نحبو على طريق العلم.. الجهل يعشش في كل مكان من أرضنا منذ قرون، وإذا مانبغ أحد بيننا أو استطاع أن يشق طريقه في ميادين العلم والمعرفة، كان من واجبنا أن نحميه بمهجنا، أن ندافع عنه بكل غال ورخيص، لا أن نقتله ونغتاله... هذه مؤامرة خطيرة... هذه جناية عظمى...
وحزنت أميرة حزن عمها على رجل العلم الذي اغتيل، مع ذلك حاولت أن تخفف عنه.. ألا يحاول هو أن يخفف عنها؟
ذات مرة رآها تبكي، سألها فعرف السبب.
-في الحياة نظام، وأهم ماعلى الإنسان أن يتعلمه في الحياة هو احترام النظام، قال لها مربتاً كتفها وهما يعبران حديقة الجامعة إلى مكتبه...
-لكنها بضع دقائق.. أيطردني من أجل بضع دقائق؟
-مع ذلك هو تأخر عن الدرس والتأخر يعني الإخلال بالنظام.
في مرة أخرى وجدها تعبر ممر الحديقة نفسه وهي تحمل باقة ورد.. شاردة حالمة.
-أميرة!؟ فاجأها وهو يمسك بها من ذراعها مشيراً إلى الباقة، ماهذا؟
ترددت أميرة قليلاً قبل أن تجيب.. تريد استعادة نفسها من شرودها وفي الوقت نفسه تتساءل أتكذب عليه أم تصدق لكنها قررت للتو: "بل أصارحه بالحقيقة".
-هدية من شاب، قالت له بقدر غير قليل من الحياء اصطبغت له وجنتاها.
-شاب.. قدم.. لك.. باقة ورد؟ قال بين المازح والجاد وهو يخطف منها باقة الورد ثم يخرج من بين أغصانها بطاقة في غلاف.. فتح الغلاف فإذا بورقة كتب عليها:
سيرى إلى معبودتي الزاهرة
ياباقة الزهر
عاطرة تهدى إلى عاطرة
عطراً إلى عطر
لا الموت أخشاه ولا الآخرة
وساعة الحشر
فساعة مع ظبيتي الساحرة
تغني عن العمر
الله!! الله!! ماهذا؟ الفتى عاشق؟ هتف وقد انتهى من قراءة البطاقة.
لم ترد أميرة، بل كيف ترد وقد تحولت وجنتاها إلى بركتي دم. كان الفتى قد تقرب منها عدة مرات من قبل، وكان قد حاول محادثتها أكثر من مرة، لكنها كانت في كل مرة تزور عنه أو ترد باقتضاب... هي تريد أن تكون طبيعية، وهي مع زملائها جميعاً هكذا، يتحادثون.. يتبادلون الآراء في هذه المادة أو ذاك الدرس فحسب. لم يكن أحد منهم قد حاول مغازلتها، فكلهم يعرف حده ويقف عنده... وحده هذا الطالب كان ينظر إليها نظرة خاصة بل تشعر به أحياناً يلاحقها، في الندوة، في الطريق، في الحديقة... تلك الظهيرة، وهي تخرج من الدرس، متعبة، شاردة، فاجأها باقترابه... ثم فاجأها بباقة الورد يقدمها لها وهو يغمغم... كلمات سريعة لم تفهم منها شيئاً... لعله قال "أرجوك"... اقبلي مني هذه الباقة" لعله قال "لم أجد سوى هذه الباقة هدية أقدمها لك".
-إي... لم تقولي لي.. من الفتى؟ زميلك؟
-لا.. لا.. بل الحقيقة أنا لا أعرفه.. لعله من كلية الآداب.. لعله شاعر...
-بيدك حق.. الأطباء والصيادلة لا يتقنون صنعة الكلام، ثم تبسم وهو يمسك بها من ذراعها اليسرى إلى مكتبه حيث كان عليها أن تقدم تقريراً كاملاً وشرحاً مفصلاً، فالعم مصباح مازال يحمل في أعماقه بقايا الرجل الشرقي الذي تعنيه كثيراً ابنة أخ هي بمثابة ابنته.
-لا.. لا.. لا تخف.. ابنة أخيك في حرز حريز، قالت أخيراً وقد أدركت أنه يسأل للتحقق.
-هكذا أريدك.. دائماً في حرز حريز!!
-لكن ماذا أفعل بمثل هذا الشاب؟
-أشيحي بنظرك عنه.. لا تعيريه اهتماماً..
-لعله صادق العاطفة.. يشعر فعلاً بالحب..
-ليس الآن وقت الحب يابنتي.. الآن وقت الجد.. أنت في أخطر مراحل الحياة، تشقين طريقك، تبنين مستقبلك لبنة لبنة، وحب كهذا لهو وعبث.. فكيف يجتمع الجد واللهو؟ البناء والعبث؟
وكان على أميرة منذ ذلك اليوم أن ترفع جدراناً في وجه كل لاه وعابث. موادها كثيرة وعليها أن تدرس.. الفحص حشرها في زاوية قاتلة، تريد أن تعبره بنجاح.. هي تسهر الليل وتنام النهار، فلا تتاح لها فرصة لمغازلة أو لهو... بل ولا حتى فرصة لمشاركة أمها همومها ومشاكلها.. إنه التغير العجيب الذي يطال كل شيء، سنة للحياة وناموساً للطبيعة...
أختها شاهة خضعت لناموس الطبيعة ذاك، الأم ترى كم تغيرت أيضاً فتغمغم متنهدة "سبحان مغير الأحوال!!" لم تعد شاهة تلك الفتاة خفيفة العقل التي تطيرها نسمة هواء، تقول مايخطر ببالها دون حسبان أو تفكير، ولم تعد تلك الفتاة التي تطلق قهقهاتها عالياً لسبب ودونما سبب، حتى نظراتها إلى الناس لم تعد نظرة الغرّة البسيطة، بل باتت ملأى بالريبة والشك مشبعة بالحذر والتوجس.. حبها للكلام والثرثرة لم يعد كما كان.. باتت شاهة تأتي إلى أمها مثقلة بطيئة الخطا... حين كانت حاملاً كانت الأم تعزو بطئها إلى حملها لكنها وضعت جنينها وكان بنتاً أيضاً، مع ذلك ظلت تمشي بتلك الخطا البطيئة المتثاقلة ولم تعد قهقهاتها تملأ البيت، بل هي دائماً ساهمة، مطرقة، تفكر وفي عينيها رماد جمر انطفأ قبل الأوان.
-مالك شاهة؟ سألتها أمها ذات أمسية صيفية وهما تجلسان على الشرفة.. أنت لا تعجبينني!!! دائماً مطرقة، دائماً مهمومة: مابك يابنتي؟
-مابي؟ ردت وهي تطلق زفرة حرى، بل ماالذي ليس بي؟ أنا بائسة يا أماه!! أنا شقية!!
-بائسة!؟ شقية؟ كيف؟ فضفضي لي.. احكي لي..
لكن ماذا تحكي شاهة والهموم كثيرة كثيرة؟
كانت البنت الثانية قد جاءت ضغثاً على إبّالة فلم تعد حماتها وابنة حماتها تخاطبانها إلا "بوجه النحس" و "أم البنات" وكأنما ارتكبت ذنباً عظيماً حين جاءت بابنتين.. ورغم أن البنت الثانية كانت قد ورثت الكثير عن أبيها وأم أبيها ولم يكن لآل النايفة شعرة واحدة فيها إلا أن ذاك لم يغفر لها... فشاهة لا تلد إلا البنات وهي ستحرم الجدة من وارث لاسم العائلة الكبيرة ذات الحسب والنسب مما جعلها أشد كرهاً ومعاملتها أشد ازدراء.
"رضينا بالبين والبين مارضي بنا"، "مسكينة لاجالست نسوان ولا حشت مصران" كانت تنهال عليها تعليقات الحماة الساخرة وإذا أرادت شاهة الذهاب إلى أهلها هزت حماتها رأسها متبرمة متأففة "جينا على سارة لقيناها دوارة" لكن إن تنسى شاهة فإنها لا تنسى تعليقات حماتها اللئيمة حين كانت حاملاً، إذ ما إن تراها ببطنها المنتفخ و وزنها الثقيل حتى تشيح بوجهها بارمة شفتيها.. "مثل الوز تمشي وتهتز" ولم تكن شاهة تستطيع الرد.. ذات مرة فكرت في الدفاع عن نفسها والوقوف في وجه تلك الطاغية المتعجرفة التي تدعى حماة، فردت عليها الصاع صاعين، لكن ما إن جاء الابن حتى قلب الدنيا على رأسها "أمي، تردين عليها؟ أمي ترفعين صوتك في وجهها؟ " وهات يا ضرب ورفس أدمى لها فمها ورضرض عظامها إلى درجة باتت تعلم معنى تلك الحكمة "إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"..
ساكتة تسمع التعليقات، صامتة تتلقى التوبيخ، ودونما تردد أو اعتراض تلبي الأوامر وأوامر الحماة كثيرة لكأنما هي لها بالمرصاد: الحماة تستحم كل صباح، وفي الصيف كل عصر أيضاً، وعلى شاهة أن تحضر لها الحمام، تملأ لها الحوض، تأتي لها بالمنشفة والثياب لتدخل أم سمير أميرة يحيط بها الخدم والحشم. الحماة تستقبل صديقاتها كل أربعاء.. وفي يوم "الاستقبال" ذاك تتحول شاهة إلى "إنسان" آلي" "اذهب" "تعال" "خذ" "هات" "هنا" "هناك" ويفعل الإنسان الآلي كل شيء دون تردد ودون أن ينطق بحرف... أليست شاهة ابنة الفلاح الذي كان في الحاكورة؟ ألم تكن هي نفسها تعزق، تعشب، تشتغل طوال النهار في التراب وتحت وهج الشمس؟ إذن لماذا تحتج وهي تعمل الآن في الظل.. عملاً أخف ثقلاً وأقل اجهاداً؟.
حجج الحماة مفحمة، فشاهة لا تنسى العمل في الحاكورة، لاتنسى ملمس التراب الخشن ووسخ الزراعة وطينها... لكن العمل في البيت صعب وخدمة خمسة أنفس عملية شاقة.. البيت الواسع بحاجة كل يوم إلى المسح، فالرخام الأبيض المخطط بالأسود كحمار الوحش لا يرضى بالمسح كل يومين وإلا بطلت لمعته وذهبت رهجته، الأفواه تريد ثلاث وجبات كل يوم وإلا لعلعت الألسن وعلا الصراخ والصياح.. ثم هناك الكي، الغسيل، الجلي... والطفلتان... الطفلتان وحدهما بحاجة إلى خادمة... وفكرت شاهة أن تحاكي أمها وتأتي بخادمة فلبينية...
-لا.. لا.. صاحت أمها محتجة منتفضة كأنما لسعتها عقرب، كل شيء إلا الخادمة،
-لماذا يا أماه؟
-العاقل من اتعظ بغيره يابنتي" ردت الأم وهي تتنهد ملقية نظرة على المطبخ وكأنما تحاذر أن تسمعها خادمتها. أنا أمك أقول لك.. اتعبي جسمك ولا تتعبي نفسك، ابعدي عن الخادمات يا بنتي... وإلا قد تخسرين زوجك كما خسرت أنا أباك.
وأقلعت شاهة عن الفكرة، فقد كانت تعلم قصة الخادمة الفلبينية، وكانت تعلم ماجر ذلك على أمها وقد أقسم أبوها ألا ينام معها في غرفة واحدة... لكن زوجها، سمير بيك الأدهم نفسه، لا ينام معها أحياناً. "ابنتاك تبكيان في الليل"، "صياحهما يزعجني"، "في الصباح تفيقان باكراً" إلى آخر تلك الحجج التي كان سمير يطلع بها لينام في الغرفة الأخرى، وتظل هي طوال الليل تتقلب يمنة ويسرة، لا تدري ما تفعل.. هي تشتغل في البيت، تخدم أمه، أخته، ابنتيه، ولا تشكو أو تتذمر.. لماذا؟ أليس من أجل ذلك الجزاء الذي يقدمه لها آخر الليل؟
زوجها في عز رجولته، الشباب ملء ردفيه، الحيوية في كل خلية من خلاياه، فلماذا يضن عليها بغلال الشباب والحيوية؟. لماذا يخرجها كل يوم، لا جزاء ولا شكوراً؟ أليس من حقها كامرأة، أن تنام مع زوجها، تنعم بدفئه، تستمتع برائحته، تهنأ بدفق رجولته؟ حتى تلك النعمة حرمها إياها سمير... لا، هو لم يحرمها منها تماماً، بل باتت سلاحاً لديه يحاربها به، وسيلة لغاية هي المال. تدفع له ينام معها، تعتذر بهذه الحجة أو تلك يذهب إلى الغرفة الأخرى بهذه الحجة أو تلك ولا يردعه رادع عن أن يقول لأمه وبصوت يحرص كل الحرص أن تسمعه شاهة "لا أريد أن أتصبح بذلك الوجه المكرب" أو "أوف... ما أتعس من يتزوج امرأة قبيحة دميمة ليفيق على قبحها ودمامتها كل صباح". ولم تكن شاهة تملك إلا أن تدفع... تأخذ من أبيها، تشحذ من أخيها، تتمول من أمها، ثم تدفع.. وكان ذلك كله يثقلها بالهموم فلا تفتأ تطرق وتفكر... "من أين آتي له بالمال هذه المرة؟ " "كيف سأحصل على المبلغ الذي يطلبه؟ ويزداد الحزن في وجهها والغم في صدرها، ولا تستطيع أن تبوح حتى بالشكوى... في تلك الأمسية الصيفية، أصرت الأم، وهما جالستان في الشرفة، فاضطرت الابنة للبوح بكل ما في قلبها، لإفشاء حتى ذلك السر الزوجي الذي كانت تعتبره خاصاً لايفشى.
-صحيح!! عش رجباً ترى عجباً!! هتفت الأم وهي تضرب كفاً بكف، الرجل لا ينام مع امرأته إلا إذا دفعت له مالاً؟ ذلك كنت أسمعه عن بعض أولئك النساء اللواتي يلجأن إلى هذه الحيلة، لكن أن تكون الآية معكوسة.. أمر عجيب...
-إنه ابتزاز، صاحت أختها أميرة حين سمعت الخبر... هذا يدعونه ابتزازاً وهو منتهى الدناءة والخسة...
شاهة تعلم أنه دناءة وخسة، لكن ما تراها تفعل؟ تعلم أنه ابتزاز لكن لا يسعها إلا أن ترضى به طالما هي زوجته... أحياناً تتمنى أن تصبح بلا زوج.. مثلما صارت صديقتها سلوى، لكن كيف؟ زوج سلوى قتله المتطرفون غيلة لكن من يقتل سمير بيك الأدهم؟ لا... لا... هي لا تريد له الموت، لكن تريد لنفسها الحرية... سلوى باتت حرة. مذ قتل زوجها، ذلك الضابط المتشّدد القاسي الذي كان يكتم أنفاسها، وجدت نفسها حرة.. صحيح أنها بكت عليه، مزقت ثيابها، لبست السواد، لكن الصحيح أيضاً أنها غدت ملكة نفسها، لا آمر عليها ولا ناهي، فانطلقت تعيش حريتها على أكمل وجه.. هما صديقتان مذ تعرفت إليها شاهة في بيت عمها، أصبحتا صديقتين، تذهب شاهة إليها، تستقبلها، تلتقيان هنا، تلتقيان هناك، فلا تملك إلا أن تحسدها على خلاصها من قيود الزوج وأصفاده، ثقله وأعبائه، تصرح بذلك لأمها ذات يوم فتصدها لائمة:
-لا تقولي هذا يا بنتي... أنت بألف نعمة فلا تكفري بنعمتك، اصبري ولا تبطري..
-أماه!! ماذا تقولين؟ أنا لا أكفر بالنعمة ولا أبطر.. بل أقول لك لم أعد أحتمل.. لم أعد أطيق الصبر..
-لا... لابد لك من الصبر.. هكذا نحن النساء يا بنتي!! عمرنا كله صبر واحتمال.. نحتمل قسوة العيش كي نحصل على لقمة العيش، نصبر على الرجال.. كي لا يضيع منا الرجال..
وتنهدت الأم تنهدة كلها حرقة وحسرة على رجلها الذي ضاع..
كانت أم دياب ترى بأم عينها كيف تزداد الشقة اتساعاً كل يوم بينها وبين الرجل الذي كان قبل حين من الزمن فقط في عبِّ اللحم منها وخاتماً في اصبعها. لقد تغير أبو دياب!! لكن كيف لا يتغير وقد دخل عالم المال من أوسع أبوابه؟
كان الرجل يشق طريقه قدماً في ذلك العالم، وحسب المتوالية الهندسية، التي شرحها له أحدهم ولم يفهمها، كانت أمواله تتكاثر.. هي لم تعد في بيت الشطرنج الثامن أو العاشر بل باتت في الثامن عشر والتاسع عشر.. منطقة الحواكير كلها كانت قد باتت ميداناً لحصانه.. يسرح ويمرح فيه خاصة بعد أن انضم إليهما في المكتب شريك ثالث.
ثالثهم ذاك، وأبو دياب لا يذكر الآية القرآنية التي تتحدث عن ثالثهم، كلبهم، لم يكن فلاحاً ولا طفيلياً دخيلاً على عالم الأعمال والمال.. إنه مدير عام.. مكتبه فخم باذخ فيه من الأرائك، والفرش مايساوي مئات الآلاف.. القلم الذي يوقع به الأوراق من ذهب، منافض السجائر على طاولته من ذهب، سكرتيرات، سكرتيرون، موظفات، موظفون، والكل في خدمته.. بل ثمة مرافقون.. ثلاثة يقفون على أهبة الاستعداد، يفتحون له باب المكتب، يبعدون عنه المتطفلين والمتطفلات، يرافقونه إلى السيارة المرسيدس السوداء، يفتحون له الباب أيضاً، يطمئنون على سلامته ويندفعون اثره في سيارة فاخرة أخرى تنهب الأرض نهباً، فلا يهتم سائقاهما بشرطي مرور ولا يباليان بإشارة حمراء أو صفراء.
تلك القوة، العظمة، الهيبة... كلها تعجب أبا دياب،... بل مذ أخذه شوكة الداهوك إلى مكتب أبي سامي وهو مندهش مذهول.. أية ثقة، أي اعتداد، أي كبرياء، أبو سامي هذا!؟ على الهاتف يرد ساخراً، على الموظفين بين يديه يلقي أوامره ناخراً، يسير بخيلاء.. يداه متباعدتان عن جانبيه وكأن دمامل كبيرة تفصلهما عن إبطيهما... الكل يخشاه وهو لايخشى أحداً.. رجل قوي.. الناس كلهم يعرفون ذلك.. بل يعرفون مصدر قوته فيتحاشونه. يسمعون أوامره فيطيعونها.
"أنا أشارك بنفوذي فقط" قال المدير العام منذ البداية، وبكل وضوح. وهكذا منذ البداية، لم يكن أبو سامي يدفع مالاً بل يسخر نفوذه لمكتب الداهوك- النايفة العقاري، فيستخرج لهم قرارات يتعذر استخراجها، يلغي أوامر من مصلحتهم إلغاؤها، يكشف لهم المستور، يستر لهم المكشوف، يطلعهم على الغيب، يغيب لهم الطالع، وله الثلث، أهو كثير؟ الثلث مقابل كل ذلك النفوذ؟. "سنصبح أكبر المتعهدين في البلد" قال شوكة الداهوك لشريكه وهما يخرجان أول مرة من مكتب شريكهما الثالث "لكن عليه أن يساهم ببعض المال" احتج أبو دياب حينذاك وهو لما يستوعب أبعاد اللعبة بعد.. "لا.. لا تغلط سيفو.. نفوذه هو المال، بل قوته أكبر رأسمال.. حسبنا منه أن يؤمن لنا الحديد والاسمنت بأسعار الدولة وليس بأسعار السوق السوداء.. "وكان شوكة على حق.. سيف الدين النايفة يعترف أن شريكه أبعد نظراً وأكثر فهماً، فالمقاسم الجديدة التي بناها الشركاء الثلاثة لم تكلفهم نصف التكلفة.. يكفي أن يتصل أبو سامي بصديقه المدير العام قائلاً "أعط صاحبنا، شوكة، مائة طن من الحديد "حتى يعطيه، أو ينخر بالمدير الآخر" وقع لصاحبنا سيف الدين النايفة على ألف كيس من الاسمنت "حتى يأتي سيف الدين بالأكياس الألف. شيء رائع أن تكون قوياً واسع النفوذ يخشاك الناس ويحسبون لك ألف حساب.. سيف الدين بات يدخل المؤسسات، المديريات، الدوائر، واثق الخطا، منتصب القامة، مرفوع الهامة.. ليس كأيام زمان.. هو الآن "مدعوم"، ظهره قوي، يستند إلى حائط من صوان..
من المقاسم الجديدة بدت الأرباح تتضاعف والمال يصب صباً وكأن صنبور ماء فتح إلى أقصى مدى.. "دعنا نفتح رصيداً لنا في المصرف.." أشار عليه الداهوك.. " لكن... لنا رصيد في المصرف!؟ " احتج أبو دياب على اقتراح بدا له سخيفاً غبياً "أقصد رصيداً بالدولار في مصرف أجنبي.." وبدا لأبي دياب أنه هو السخيف الغبي، فقد تبين له أن الشريك الثالث، المدير العام المبجل، لا يضع قرشاً واحداً من أمواله الطائلة في مصارف بلاده.. "ومابلادي هذه؟" كان أبو سامي يتساءل قالباً شفتيه باستهزاء، "ليس فيها أمان.. ومن الغباء أن تضع أموالك في بلاد ليس فيها أمان".
فكرة لم يستوعبها أبو دياب في البداية، لكنه بعد قليل استوعبها.. "الحذر واجب" هكذا يرى شوكة الداهوك "والحيطة ضرورة أساسية، فمن يدري، قد يحصل شيء والمنطقة كلها على كف عفريت؟. ألم يحصل ذلك في بيروت؟ ألم تغد لبنان كلها ساحة للعراك والقتال، الأخ فيها ينهش أخاه والجار جاره؟ دمشق على مرمى حجر فقط من بيروت وإذا حصل ذلك الشيء وجد المرء أمواله في الخارج سليمة لم تمس. وهكذا مضى الشريكان إلى سويسرا يحولان الليرات إلى دولارات ويضعانها في مصرف عالي المبنى، بللوري الواجهة، موفور السلامة والأمان.
أبو سامي واسع النفوذ ليس لدى أصحاب الحل والربط، الأمر والنهي فحسب، بل هو كذلك في كل مكان.. ذات ليلة عقدوا صفقة أدخلت إلى جيوبهم الملايين، دعاهم أبو سامي للاحتفال بالمناسبة، فظن أبو دياب أنه سيأخذهم إلى بيته، بل سر كل السرور أنه سيتعرف أخيراً إلى بيت المدير العام، امرأته وأهله.. لكن سرعان ما اكتشف خطأه... السيارة المرسيدس تشق بهم طريقاً غير طريق بيته ثم تقف أمام مبنى غير مبناه، ولشد مادهش حين وجد نفسه وسط حلقة من الغجر..
الأب يلعب على العود، الأم تدق الطبلة، الأخ يعزف على المزمار، الأخت ترقص وفوزة البدوية مطربة رخيمة الصوت ساحرة الغناء. أمامهم على الطاولة ما تشتهي الأنفس.. مشروبات من كل صنف ولون، مأكولات صنعت في أرقى المطاعم.. من جاء بها؟ أبو دياب لا يدري؟ كيف رتبت الحفلة؟ هو أيضاً لايدري... في البدء ظن أن الفكرة مرتجلة والدعوة بنت الساعة... لكن الخراف المحشوة التي جاءت في منتصف السهرة أكدت له أن لاشيء مرتجل ولا هو ابن الساعة:
إن سرينا يمهم إيمت نصلهم
اعزاز وعززوا بقلبي نصلهم
جبل لوشال عن قلبي نص الهم
اهتز ومال وتزحزح وداب
غنت فوزة فانتشى أبو سامي، هاتفاً ملء صوته، ضارباً بيده الطاولة، مخرجاً بيده الأخرى المال من جيبه.. أم خمسمائة، ستاً، عشراً، عشرين أم خمسمائة، نثرها أبو سامي على رأس فوزة فتساقط بعضها على الأرض وعلق بعضها الآخر بشعرها الأسود وقد انسدل على كتفيها...
خسارة يا ربيع العمر وليت..... وما عاد ينفع معك اللو والليت
ياريتك قبل ماوليت وليت..... على قلبي وقلب ولفي الأحباب
وانتثرت عشرات أم الخمسمائة من جديد على صدر فوزة ورأسها، يديها ورجليها.
هنيهة من الزمن، أغمض أبو دياب عينيه، ربما نشوة من الطعام والشراب، ربما تعبا من الغناء والألحان، وربما هربا من الدخان الذي كانت الغرفة تنؤ به حتى درجة الاختناق، لكن حين فتحهما لم ير فوزة ولا سميرة.. كان الأب مايزال يدق على العود، لكن ليس دق رقص، وكان الأخ مايزال يعزف على المزمار لكن ليس عزف غناء، بل عزف آه تخرج من صدر مجروح أضناه الوجع والقهر.
أبو سامي ، شوكة الداهوك، كلاهما كانا غائبين أيضاً.. أين ذهبوا جميعاً وفي طرفة عين؟ راح أبو دياب يتساءل سراً، خجلاً من أن يسأل علناً، لكن الأم، التي كانت قد توقفت عن دق الطبلة، أمسكته من يده ثم نهضت به هامسة
-تعال... لا تخجل.. صاحباك لم يخجلا.
القبو واسع الأرجاء خافت الأضواء، كثير الدهاليز والممرات لكأنه متاهة ثورندايك... صاحباه ولاشك في بعض تلك الدهاليز.. أما أم فوزة فقد قادته إلى دهليزها الخاص.. حيث كان فراش عال وثير مضمخ بالمسك والعنبر قد مد على الأرض، فالغجر شأنهم شأن البدو الرحل لا يحبون الأسرة. على الفراش، المرأة الأربعينية تلتهمه التهاماً، لكن أبا دياب يتشنج، وفي داخله شيء من حنق، "لماذا أعطى هذه الكهلة ويستمتع الآخران بالصبيتين؟" كان يتساءل وهو يحس بجلافة لحم المرأة وغلاظة شحمها .
-من أم دياب إلى أم دياب أخرى، قال لشوكة الداهوك وقد عادا إلى مكتبهما في الصباح.
-ومن قال لك أن تتبالد وتجمد!؟ رد عليه شوكة ضاحكاً ثم لكزه مردفاً: في الحركة بركة يا رجل.
-لكنني جديد على هذه الأجواء.. ليس لي فيها خبرة..
- الآن، صار لديك خبرة.
-الظاهر، أبو سامي خبير كبير؟
-هـ.. هـ.. ـه ضحك الداهوك، أبو سامي ملك الغجر.. ملك اللهو والطرب..
-قل لي شوكة.. كيف كانت صاحبتك؟
-سميرة؟ عسل لا ألذ ولا أشهى..
-كيف إذن فوزة؟ سأله سيف الدين.
-قشطة تذوب في الفم، رد شوكة وهو يتلمظ.. في عمر الورود غضة بضة.. أخي.. تريد الحقيقة.؟ المرأة هي الصبية فقط، صغيرة السن فقط.. أما إن كبرت فاشطب عليها..
-صحيح، وأنا البائس بليت بتلك الكهلة جلفة اللحم، غليظة الشحم.. آه!! كم أنا مشتاق لصبية صغيرة، قمر أربعة عشر!!
-وماذا يمنعك؟ لديك من المال ما يجعلك تأخذ كل ليلة صبية صغيرة، قمر أربعة عشر..
-شهريار يعني؟
-ولم لا؟ المال يجعلك خيراً من ألف شهريار!
-صحيح.. لكن القتل صعب علي.. فيكف أكون شهريار آخر يتزوج المرأة في الليل ليقتلها في النهار؟
-تزوج شهرزاد أخرى تلهيك بحكاياتها عن قتلها.. رد شوكة مقهقهاً.
-فكرة والله!! غمغم أبو دياب بعد إطراقة من تفكير.. صحيح.. لم لا أتزوج؟
-تفعل عين الصواب.. عقب الداهوك وفي نيته أن يزلقه أكثر فأكثر فيمتلك ناصيته أكثر فأكثر..
-الليلة إذن..
-ماذا؟ تساءل الداهوك وهو يتظاهر بالمفاجأة والاستغراب..
-أجل.. الليلة.. تذهب معي فنخطبها..
-من؟
-غادة، ابنة الصف العاشر، رد أبو دياب مشيراً إلى بناية مجاورة، وكأنما لمعت الفكرة في رأسه لمعاناً.
-جارتنا، تلك الصبية الغندورة التي تمر بمكتبنا كل يوم؟ تساءل الداهوك بمزيج من الدهشة والاستعراب، وحين هز أبو دياب رأسه هزة الإيجاب، كان قد استوعب الأمر فتابع ضاحكاً: مرحى!! امض قيس!! امض قيس!!
وهكذا، عشية ذلك اليوم، كان الشيخ المأذون يعقد قران أبي دياب، الكهل المليونير على غادة التلميذة الغندورة التي لا يزيد عمرها عن أربعة عشر عاماً والتي تكره المدارس والدرس إلى درجة كانت على استعداد لأن ترمي بنفسها إلى الشيطان شريطة أن يخلصها من ذلك العبء الثقيل، فقد تعلمت في مدرسة الحريم التي تعلمت فيها أمها وخالتها، عمتها وجدتها "أن زوجاً من عود خير من قعود" و "أن اصطياد زوج أخطر مهمة تقع على كاهل الفتاة، وأفضل شيء تفعله الفتاة".