-3-
"طالما للحياة وجهان، يمكن أن تكون الكلمة جناحاً للصمت والنار دثاراً للبرد" تقرأ أميرة في كتاب بين يديها فتنتصب إشارات استفهام وتعجب بين عينيها." كيف تكون النار دثاراً للبرد والكلمة جناحاً للصمت؟ "ثم شيئاً فشيئاً تتلاشى إشارات الاستفهام والتعجب وهي ترى بأم عينها أن للحياة وجهين فعلاً: سعادة وشقاء، جمالاً وقبحاً، ولادة وموتا، تماماً مثلما للطبيعة نهار وليل، صيف وشتاء، ربيع وخريف، فيشكل الشيء ونقيضه وحدة متكاملة.
الفكرة تثيرها كثيراً فتتابع متسائلة: ألا يمكن لرجل يلبس لبوس الصداقة والود أن يكون أعدى الأعداء؟ ألا يمكن لضارة أن تكون نافعة؟ شيء تكرهه يعود عليك بالخير وشيء تحبه يعود عليك بالضير؟ ثم بدا لأميرة، وهي تتابع سلسلة تداعياتها، أن الحياة جملة من المفارقات العجيبة وأعجب ما فيها أن على الإنسان أن يقبلها كما هي، بل أن يتكيف معها أوضاع في متاهة أشبه بمتاهة ثورندايك، يدخلها الجرذ فلا يستطيع الخروج. إحدى تلك المفارقات أن البيت الجديد الذي ظنت أميرة أنه سيكون الجنة حين ينتقلون إليه لم يكن كذلك. كان كل شيء يوحي بأن عودتهم إلى الحواكير ستكون أحمد، كما يقال، لكن ها هي ذي تتبدى أسوأ.. كيف؟ أميرة لا تجد جواباً على الإطلاق.
كان البيت واسعاً مطلاً على كل ما دونه من سفح قاسيون المنحدر حتى ساحة الأمويين. وكان قد غدا لأميرة غرفة خاصة بها.. لم تعد بحاجة لأن تنام مع شاهة في سرير واحد كما كانت الحال أيام الحواكير القديمة ولا في غرفة واحدة كما كانت الحال في شقة المالكي، بل بات لها سريرها العريض الوثير وغرفتها الجديدة الجميلة، تسرح فيها وتمرح كما تشاء، لكن ما لها السعادة وكأنها ينبوغ غاض؟ بل هي مذ رأت ما حل بحاكورتهم الجميلة تلك، أحست أن شيئاً في قلبها تفتت. لم تكن تفارق خيالها أشجار الحور الباسقة وهي تشرئب بأعناقها عالياً فوق النهر رشيقة هيفاء كحوريات الجنة. لم تكن تنظر من شرفتها المطلة على نهر تورا إلا وتتذكر المرج الأخضر الذي كثيراً ما كانت تفترشه تحت شجرة الجوز العتيقة الضخمة كمظلة إلهية الفيء والأنسام. تنظر أميرة من الشرفة فتتذكر كل صغيرة وكبيرة. هنا لعبت الاستغماية مع رفيقاتها، هناك جرت مع أختها تختفيان بين رؤوس الملفوف، هنالك جلست مع ابنة عمها نور تشويان الذرة.. لكن ذلك كله ذهب، كانت خمسة مبان كبيرة قد قامت: كل مبنى عدة مداخل وكل مدخل عدة شقق يتراكب بعضها فوق بعض عشر طبقات.. فأية متاهة استطاعت التكنولوجيا أن تصنع من تلك الحاكورة الجميلة البسيطة ذات البيت المبني باللبن بغرفه العتيقة وسقفه الخشبي؟
أدمغة كثيرة وزنود كثيرة عملت ولا شك.. معماريون، نجارون، حدادون، كلهم شارك بشكل أو بآخر في صنع المتاهة، في مسح كل ما له علاقة بالماضي حتى تحولت الأرض كلها إلى ميدان من الاسمنت انقسم مباني للناس ومرائب للسيارات، فالسيارات كأصحابها، بحاجة لمأوى يقيها حر الصيف وقر الشتاء.
"لو تركوا أشجار الدراق الثلاث فقط، "كانت أميرة تردد لنفسها كلما نظرت إلى الطرف الشمالي من الحاكورة حيث كانت أشجار الدراق تنتصب". حين يأتي الربيع سأفتقد أزهارها الجميلة". ذلك أن أميرة كانت تحب أكثر ما تحب أزهار الدراق وهي تكسو أشجارها بحلة زاهية الألوان كلما جاء نيسان..
أميرة تحب الأزهار كلها، أزهار الأجاص البيضاء المطرزة بأنواع الدانتيل كأثواب العرائس، أزهار الجلنار، وهي تنبثق من حلل الرمان الخضراء، لوحة فنان يعشق الأحمر والأخضر، بل تحب حتى أزهار الزيزفون ذات الأصفر والأبيض التي تملأ الأجواء كلها بعبق رائع.. ذلك كله كانت تفتقده أميرة كلما خرجت أو دخلت المبنى الجديد الذي لم تكن الأشغال فيه قد انتهت.. فالطوابق العالية فيه ما تزال قيد الانجاز.. السلالم كلها حجارة واسمنت.. الأرض المحيطة بالمبنى كلها قضبان حديد، أكياس اسمنت، أوساخ، أتربة.. لكن كان لا بد لهم من الانتقال، فشقتهم في المالكي بالإيجار والبيت الذي وعدهم به المتعهد الهمام قد أنجز.
كان العالم القديم قد زال ليحل محله عالم جديد بكل ما فيه من شواش واضطراب، غموض وقتامة، وكان ذلك ما جعل أميرة تقلق منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها البيت. مع القلق راودها الخوف من المستقبل، ذلك الغامض المجهول الذي ينتظرها، ومع الخوف بدت لها السعادة ينبوعاً يغيض وبدا لها البيت الواسع الرائع خالياً موحشاً، كروض هجرته عناد له ليغدو مقبرة للوحشة والصمت.
لا، الحقيقة، لم يكن هنالك صمت، فالورش العاملة والآلات الهادرة كانت ما تزال تصدر ضجيجها العالي ليل نهار. الروافع والسيارات الغادية الآتية كانت كلها تفتت الصمت، تحيله حطاماً وكان ذلك يزيد من شعور أميرة بالخوف، بالقلق، بل والوحشة.. أليست الحياة كلها مفارقات!؟ هي ذي واحدة أخرى.. الضجيج دثار الصمت، والزحام رداء الوحشة. حين دخلت الأم البيت عاشت مفارقة أخرى تماماً كابنتها.. بادئ ذي بدء بهرتها الغرف الواسعة، التنظيم الجميل، المطبخ الحديث، سيراميكه الإيطالي.. بهرها كل شيء.. لكن شيئاً فشيئاً بدأت تنتابها مشاعر القلق والخوف شجرة مقتلعة الجذور غرست في غير تربتها، فكيف تمد جذورها من جديد؟ في بيتها القديم كان كل شيء بسيطاً مريحاً حفظته عن ظهر قلب، لكن ما تراها تفعل في بيتها هذا وكل ما فيه جديد بل أكثره معقد تخشى الاقتراب منه ولا تعرف شيئاً عنه؟ الجرس أوكرديون ما ان تكبس زره حتى يبدأ العزف ولا يتوقف حتى تنتهي أسطوانته. الغسالة أوتوماتيك، الثلاجة، الجلاية، المكيف في غرفة النوم ذاك الذي لا يفتأ يئز ويئز، محيلاً الصيف إلى شتاء والشتاء إلى صيف. هذه الآلات مخيفة.. مذ رأتها في شقة المالكي نفرت منها وابتعدت عنها.. شاهة، أميرة أغنتاها عنها، لكن، وقد انتقلت إلى بيتها الجديد، كيف تنفر منها؟ هي صنعت لخدمتها، جيء بها من أجل راحتها، فكيف تبتعد عنها؟
أم ديبو تقرفص بجانب الغسالة الأتوماتيك، هنيهات طويلة ترقب كيف تدور من اليمين إلى الشمال ثم من الشمال إلى اليمين، كيف تشرق الماء، تأخذ المسحوق، تدور برهة ثم تتوقف برهة وكرة ثانية تدور ثم تتوقف، وعلى حين غرة تبدأ عدواً سريعاً يخيل معه لأم ديبو أنها ستطير من مكانها. "فقط. املئيها ملابس ثم اكبسي زراً "قالت لها أميرة وهي تعلمها العمل بها، وكادت تفغر فاها عجباً "بل يمكنك أن تنامي أو تذهبي زيارة وحين تعودين ستجدين الملابس قد غسلت ونشفت..." كيف؟"
"لقد تقدم العلم إلى درجة بات بإمكان الآلة أن تستغني عن الإنسان "ازدادت الخشية في قلب الأم.. الثلاجة نفسها مصدر خوف.. احفظي فيها الفول، البازلاء، الملوخية.. كل شيء يمكنك أن تحفظيه هنا شهراً.. شهرين.. ستة أشهر.. ثم تخرجيه وتطبخيه وكأنه قطاف الأمس." هكذا قالوا لها فلم تملك إلا أن تتساءل: "معقول؟ ألن يسود الفول ويهترئ؟ ألن تيبس البازلاء وتجف؟ والملوخية الن تخيس وتعطن؟" وكان ديبو أكثر من ضحك وقهقهه. "أم ديبو ضد التطور.. القديم يشدها إليه إلى درجة تخشى معه الجديد." أما فهد فقد وجدها مناسبة لكي يلقي على أمه محاضرة عن ضرورة نسيان الماضي، التمسك بالحاضر والتطلع إلى المستقبل فقط.." لكن كيف؟ سألته الأم "أيستطيع المرء أن ينسى الماضي وهو نفسه من صنع ذلك الماضي؟" .. نحن أولاد اليوم "أكد عليها" ما فات مات والماضي فات، أي صار ميتاً مدفوناً في قبره ويحسن بنا ألا ننبشه كيلا تصدمنا روائحه الكريهة." أجل، فهد على حق" ثنت شاهة على كلام أخيها.. "خير ما نفعل ألا نتكلم عن ذلك الماضي.. نفتح صفحة جديدة نحن فيها الأغنياء، الموسرون، ولا خوف فيها من الفقر والحرمان". "لكن، من ليس له قديم ليس له جديد يا ابنتي" ردت الأم حزينة متألمة، تألم شجرة تشعر بالمعول وهو يقطع جذورها الواحد تلو الآخر.. "هذا كلام قديم أكل الدهر عليه وشرب. "تنطع فهد هذه المرة للتقطيع من جديد بمعوله ذي الحد المسنون." علينا أن نلغي علاقاتنا القديمة كلها، أم تراك ستظلين صديقة لأم قاعود وأم برو"؟ "حتى صديقاتي تريدونني أن أنساهن؟" "أجل.. بعد اليوم لا دجاج ولا ماعز، لا بقر ولا حليب، فما الذي يربطك بمثل هؤلاء النسوة؟ ما الذي يأخذك إلى كفرسوسة وكيوان؟ لا.. لا.. يجب أن تقيمي علاقات وصداقات تتناسب مع عالمنا الجديد.."
ذلك الحديث أخافها أكثر مما أخافتها الغسالة والجلاية، الثلاجة والفديو. في أعماقها كانت تشعر بشيء من فرحٍ فالثروة الجديدة يمكن أن توفر لها الراحة، فلا تشقى بالغسيل والجلي.. برعاية البقرة والماعز.. بشغل الداخل والخارج، لكن أن تحرمها من ماضيها وصاحباتها أمر يقتل كل فرح. أميرة اعترضت على ذلك كله إلا أن أخوتها تمادوا أكثر، مصرين على ضرورة القاء الماضي كله في المزبلة "كما قال فهد ساخراً مقهقهاً" وعلى ضرورة تخفيف العلاقة حتى مع بيت عمي مصباح" معقول؟" ردت أميرة هذه المرة بقدر كبير من الحنق" بيت عمي نخفف العلاقة معهم؟" "بل نقطعها"، أكد ديبو ثم تابع الشرح بلغة الرصين الذي يعرف عظمة مقداره وقد أصبح ذا نعمة.." من اليوم فصاعداً، ستكون الفوارق بيننا كبيرة.. نحن الأثرياء وهم الفقراء فلماذا نحافظ على علاقتنا بهم؟" لم ترد أميرة على كلام أخيها، بل رمته بنظرة شزراء وخرجت. لكن ذلك المساء، وحين انفردت بأمها، همست لها بأن لا ترد على أولادها الحمقى الذين لا يفهمون شيئاً في الدنيا فلا خير فيمن يتنكر لأهله وماضيه، ولا خير فيمن يسلخ جلده.
مع ذلك لم ترتح الأم.. كلام أولادها زاد من خوفها وبلبالها.. هم يريدون أن تقيم علاقات جديدة.. غداً ينبغي عليها أن تتعرف على زوجة التاجر الكبير، الصناعي الخطير، زوجة الطبيب والمهندس أولئك الذي سيسكنون البناية وقد بدأ بعضهم بالانتقال إلى مسكنه الجديد.. لكن كيف؟ ما الذي يربطها بامرأة التاجر أو الصناعي؟ الطبيب أو المهندس؟ عمّ تحدثهم؟ بأية لغة تخاطبهم؟ هي أمية لا تقرأ ولا تكتب وهن سيكنّ متعلمات مثقفات ولا شك.. لباسها طويل واسع محتشم ولباسهن قصير ضيق وفق أحدث الأزياء فكيف ينسجمن؟ وكيف تقيم معهن الصداقات؟.
تلك الأسئلة راحت تشغل بالها وقد دخلت العالم الجديد من أوسع أبوابه.. مع انشغال البال بدأ التوجس والخوف يعششان في الزوايا المعتمة من نفسها.. مشوشين ذهنها، معكرين صفو السعادة التي ينبغي أن تعيشها وقد ظهرت لها ليلة القدر.. كل ما كانت تحلم به راح يتحقق. حتى ابنتها شاهة، تلك التي كانت قد يئست من إيجاد عريس لها جاءها العريس: شاب كفلقة القمر طويل، أبيض، أخضر العينين مسترسل الشعر، عريض المنكبين، ابن أرقى العائلات الدمشقية، يرتمي عند قدميها، فأي عجب!؟
والحقيقة، حين حدثتها أميرة بذلك أول مرة، تبسمت بمرارة." معقول؟ شاب بمثل تلك المواصفات، سليل مثل تلك العائلة يتقدم لخطبة شاهة؟ أنا لا أصدق" لكن ليالي القدر تأتي دائماً بما لا يصدق إذ لم تكد العائلة تستقر في بيتها الجديد حتى قامت أمه وأخته بالزيارة التي تعقد فيها النساء اتفاقات الزواج عادة ولا يبقى على الرجال إلا أن يبصموا. أمر واحد نغص على أم ديبو تلك الزيارة. "شاهة!! أليست متكبرة كثيراً هذه المرأة؟" سألت ابنتها ما ان غادرت المرأة الخمسينية الطويلة الرشيقة الرافلة بأفخر الملابس منزلهم، لكن الابنة لم تكن قد رأت الأم ولا الأخت، متكبرتين كانتا أم غير متكبرتين. كل ما رأته هو ذاك الشاب الأبيض الطويل ذو العينين الخضراوين والمنكبين العريضين الذي كان يرصدها من نافذته حين كانت في شقة المالكي ثم بات يحوم على طريق الحواكير حين انتقلت إلى بيتها الجديد. هو حلم جميل بالنسبة إلى أي فتاة فكيف لا يكون كذلك بالنسبة إلى شاهة وقد قطعت كل أمل بالزواج؟.. عشر سنوات كانت قد مرت عليها مذ بلغت مبلغ النساء دون أن يطرق بابها أحد. حتى مأمون ابن عمها لم يكن قد نظر إليها مرة واحدة نظرة تبعث الأمل. كان قصر قامتها وميلها إلى السمنة قد جعلا الكل يلقبونها منذ الصغر "بالدعبولة" وكان اصفرار وجهها، صغر عينيها، كبر فمها، ضخامة أنفها، كل ذلك يجعل الدعبولة تخشى التقرب إلى أحد. أليست الدمامة أرهب حراس المرأة وأشدهم إخافة للرجال؟ ذلك الحارس جعلها تسير على طريق العنوسة شوطاً زرع اليأس عميقاً في نفسها، لكن ما أن ظهرت ليلة القدر وانفتحت أبواب السماء تمطرهم ذهباً وفضة، حتى ظهر سمير بطوله وعرضه، حسبه ونسبه يغازلها من الشباك ثم يطلب اللقاء بها، يبوح لها بحبه ويعبر عن غرامه، ثم يبعث في طلب يدها أمه وأخته. الود ودها أن يوافق أهلها على أن يكون عرسها الاثنين لا الخميس فمن يعلم؟ قد تفيق غداً فتجد أنه مجرد حلم لا علاقة له بالواقع. لكن الزواج ليس شوربة تطبخ بل هو مسألة معقدة لا بد لحلها من تمعن وتفكير، ضرب وطرح، جمع وتقسيم. أبو ديبو ملهوف مثل ابنته للخلاص من ابنته لكنه، كبقية أفراد العائلة، مستغرب، متعجب. "كيف يطلب مثل ذلك الشاب، سليل تلك العائلة، شاهة للزواج؟" أخته قالت في زيارتها التمهيدية إنه الحب.. فأخوها سمير الذي لم يكن يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، أعجب منذ النظرة الأولى بشاهة، بل وقع صريع الحب ومن يستطيع الوقوف في وجه الحب خاصة إذا ما بلغ مرتبة الهوى وصار من ذلك النوع الذي يجتاح القلوب اجتياح الأعاصير؟
رغم فصاحة الأخت، ظل أبو ديبو في حالة استغراب، ولكي يخرج منها ويؤدي واجبه الأبوي، صمم على أن يسأل عن الخاطب، أصله وفصله، وكان صديقه الداهوك خير عون. الداهوك ابن الحي، يعرف كل شاردة وواردة فيه. "الشاب، لا غبار عليه "أجاب الرجل عن ابن حيه الشاب." سمعته كالعطر، أصله تعرفه، فصله ممتاز، كل شيء حوله مشجع.. فقط هو مدلل بعض الشيء وحيد أبويه.." "مدلل، لا يهم!! مسألة شخصية لا تقدم ولا تؤخر "كان رد الأب المتلهف للخلاص من ابنته" نقطة ثانية أيضاً" وضعه المادي مزعزع بعض الشيء."" لكن المعروف أنهم سلالة اقطاع.. أراضٍ وعقارات.. أرصدة وأملاك." صحيح.. كل هذا كان صحيحاً، فقد كان لأبيه قرى في الجولان.. بساتين في الغوطة، أراض بين الشيخ محي الدين وركن الدين.. عقارات في الجبة.." إي وأين ذهب هذا كله؟" سأل الأب وقد جحظت عيناه استغراباً.. "ذهب به القمار.. تلك الآفة التي كان الأب مبتلى بها.. من أجلها يذهب إلى كازينوهات لبنان.. ايطاليا.. فرنسا.. يلعب ويخسر.. حتى لم يبق لديه شيء..".
وأحس الأب بنوع من الصدمة جعلته ينكمش، يتخوف، بل يفكر جدياً برفض الابن الذي لا يملك شيئاً..."أنا هارب من الفقر أأعود إليه؟.. "قال لامرأته وابنته، لكن الابنة لا تسمع.." سمير يطلب يدي وأرفضه؟ هذا جنون بل إن حدث سأصاب بالجنون." تصرح دون خوف أو مواربة، فعقلها الذي كانت الضربات المفاجئة تترى عليه لم يكن يتحمل ضربة أخرى.. هي عائلة هابطة وضعها المادي في الحضيض وأخشى أن يكون داخلاً على طمع. لكن حجج الدنيا كلها لا تجدي نفعاً.. فالفتاة صماء بكماء متشبثة حتى الموت بفارس الأحلام.
ساند الفتاة أمها وأخوتها، فوافق الأب أخيراً، بل وعد أن يقيم لها عرساً يليق بابنة السلطان، فهم، بعد كل شيء، سيناسبون عائلة كبيرة شهيرة. لكن سوء الحظ كان بالمرصاد كالعادة وكان هذه المرة على شكل رخام إيطالي. كانت الاستعدادات للزفاف قد اتخذت والعرس قد حدد حين دخلت أم ديبو الحمام وفي نيتها أن تستمتع بدفء الماء وعطر الصابون. ملأت الحوض بالماء الساخن ثم غطست فيه.. جرمها الكبير جعل الماء يفيض من أعلى، ومع الماء رغوة الصابون التي تشكلت طبقات طبقات.. ثم ما ان خرجت من الحوض حتى تحولت تلك الرغوة إلى مزلقة سقطت فيها المرأة الناعمة بدفء الماء الهانئة بعطر الصابون. مع السقوط انطلقت صرخة بدا، فيما بعد، أن لا علاقة لها بالنعيم والهناءة، اسرعت العائلة تنقل الأم المتوجعة إلى المستشفى.. ثم تبين أنها لن تستطيع تحريك ساقها قبل ستين يوماً فكيف تحضر عرساً إذن؟
وهكذا، ألغي حفل الزفاف، لكن لم يلغ الزفاف نفسه، فقد اكتفى العروسان المتلهفان بحفل بسيط في المنزل مضيا بعده لقضاء شهر العسل في بيروت.
غياب شاهة زاد الطين بلة، فالبيت الخالي بات أكثر خلواً والموحش صار أكثر وحشة: الأب يذهب منذ الصباح ولا يعود إلا آخر الليل، دياب يخرج ويدخل، لكن دون أن يشعر أحد بدخوله وخروجه. فهد يغيب اليوم واليومين معاً.. ولا يعرف أحد أين يغيب. وأميرة تمضي إلى مدرستها.. هناك تجد الصحبة والتسلية، لكن إذا ما عادت إلى البيت راودها ذلك الإحساس بالوحدة والوحشة كما كان يراود أمها وهي في سريرها لا تستطيع الحراك..
-من يخدمني؟ من يخدم البيت؟ قالت للزوج وقد اضطرت أختها أن تعود إلى بيتها بعد أيام.
-أميرة.. رد الزوج الذي لم يكن خروجه الدائم يسمح له بالتفكير بها أو ببيتها..
-أنا!؟ كيف؟ ومدرستي؟ صاحت الفتاة متعجبة..
-مدرستك؟ رد بشيء من استهزاء.. اتركيها.. واقعدي في البيت..
-أقعد في البيت بعد أن تعبت ووصلت إلى الشهادة الثانوية؟
-الشهادة الثانوية؟! وهل شهادتك هذه ستخرج لك الزير من البير؟ اسمعي مني أميرة، استريحي في بيتك.. اخدمي أمك.. وغداً يأتيك عريس أحسن من عريس أختك، فلماذا التعب والمرارة؟
-وأنت فقير درستني، فهل تحرمني من ذلك وقد صرت غنياً؟
-درستك؟ لا لا، أنا طول عمري لا أحب الدرس ولا الدراسة.. رد مشيحاً بوجهه جانباً.. بنت ودراسة؟ بصراحة هذا لا يدخل في رأسي. الشاب إن درس.. يعني.. فيها وما فيها.. لكن البنت تدرس؟ لماذا؟ هي بالمحصلة ستتزوج ثم تحبل وتلد.. هذه وظيفتها الرئيسية في الحياة. أليس كذلك أم ديبو؟
أم ديبو حائرة.. هي تكره أن تجرح إحساس ابنتها كما تكره أن تخالف زوجها. تريد لابنتها أن تتعلم كما تريد من يظل إلى جانبها، يخدمها، ينظف البيت، يطبخ، ينفخ.. وليس هناك غير أميرة فماذا تقول؟
-صحيح.. البنت خلقت للزواج والانجاب.. لكن أميرة حرام تترك المدرسة.. ردت الأم أخيراً بكثير من التردد والتلعثم..
-حرام!؟ عقب الأب وهو ينهض فقد تأخر عن موعد خروجه! إذن ظلي وحدك.. ولا تسأليني عمن يخدمك أو يخدم بيتك؟
-ولماذا لا تأتي لها بخادمة؟ تدخلت أميرة بهجوم مفاجئ باغت كلاً من الأب والأم.
-خادمة؟ ردد باستغراب أوقف عينيه في محجريهما.
-أجل يقولون هناك خادمات فلبينيات، سيريلنكيات.. والواحدة بخمسين دولاراً في الشهر..
-خمسين دولاراً؟ ماذا؟ تريدين أن أدفع خمسين دولار من أجل خادمة؟ لا.. لا.. هذا بطر.. بطر.. راح يردد وهو يتوجه نحو الباب ملوحاً برأسه استنكاراً.. عند الباب توقف لحظة ملتفتاً إلى الوراء ثم استأنف بنبرة فيها قدر أكبر من الحزم!.. اتركي المدرسة، أنا لم أعد بحاجة إلى شهاداتك وعلمك.. بل بحاجة إلى أن تخدمي أمك.
-هه.. أعجبك هذا؟ هاجمت البنت أمها حال خروج أبيها من عتبة الباب، من أجل خدمتك أخرج من المدرسة!؟
-لا.. لا.. لم أعد أريد من يخدمني.. لم أعد بحاجة لأحد.. لكن أميرة ظلت في حال من القلق والخوف دفعها لأن تبحث عن الراحة والطمأنينة.. وأين تجدهما.. إن لم تجدهما عند العم مصباح؟
الساعة الواحدة انتهى دوامها المدرسي، الواحدة والنصف كانت تدخل مكتب عمها، وهي تدعو ربها أن تجد لديه لحظة فراغ. فهو كأمين لإدارة الجامعة، نادراً ما يجد تلك اللحظة. هي تعلم ذلك، إذ كثيراً ما تأتي لتجد المكتب مليئاً بالمراجعين الغادين الآتين، هذا يريد وثيقة، ذاك يريد شهادة، تلك تواجهها مشكلة، والكل يريد من أبي مأمون الحل، لكأنهم جميعاً يعلمون جبلّة أبي مأمون فيؤمنونه كما يؤم القطا الغدير.
فتحت أميرة الباب فكادت تشهق:
-أنت وحدك!؟ هتفت وهي تسرع إليه فرحة. هب العم من كرسيه يستقبل ابنة أخيه.
-أميرة!! كم أنا مشتاق إليك!؟ أخذها بالأحضان، ثم بدأت الأسئلة عن الصحة والأهل، لكن دون أن يستطيعا الإكمال، فقد بدأ دفق الناس للتو لكانما كانت هي الفاتحة. فرادى وجماعات صاروا يدخلون إلى العم، يستفسرون منه، يقدمون له أوراقاً، يطلبون مشورته وأميرة ترقبه صامتة متفكرة: "جميل أن تجد الناس بحاجة إليك.. لكن الأجمل أن تجد نفسك قادراً على قضاء حاجتهم!!"
بصبر شديد وحلم كبير كان عمها يعامل الناس.. هي تحسده على ذلك الصبر، تغبطه على ذلك الحلم.. فالموظفون غالباً ما يكونون نزقين، غلاظ القلوب.
ذات مرة رأت أحدهم يفك حزامه ويهوي ضرباً على حشد تجمع أمام بابه.. صابا على رؤوسهم أفظع الشتائم وأقذع السباب.. يومذاك أحست بالقهر والغضب، "تباً" له!! يضرب المواطنين!؟ يسب الناس ويشتمهم؟" قالت لعمها وهي تنقل له الصورة" للأسف!! ذلك يحدث كثيراً.. بل يحدث ما هو أسوأ منه!! "لماذا؟ سألت عمها فأجاب بمزيج من التعجب والألم "لأننا متخلفون.. جهلة.. لا المواطن منا يعرف حقه فيدافع عنه ولا الموظف يعرف واجبه فيؤديه بل ربما يظن الكثير من الموظفين، أنهم مندوبو سلطة لا علاقة لها بالشعب، تماماً كما هي الحال أيام الاستعمار، مهمتهم اذلال الناس وتعذيبهم، فيمارسون عليهم عقد التكبر والتجبر كلها".. كانت أميرة ماتزال تفكر مستعيدة كلمات عمها تلك حين دخلت ابنة عمها نور.. تبادلتا القبل ثم انتحتا جانباً فيما كان الأب ينهي آخر معاملات مراجعيه..
-أية مصادفة سعيدة!؟ أية بهجة أن أجدك هنا؟ قالت نور لابنة عمها وهما تنتظران أمين السر الذي كان عليه أن يلملم أوراقه ويحشر بعضها في حقيبته عله يتابع انجازها في البيت.
-أنا السعيدة المبتهجة بك!! ردت أميرة وهي تنظر بإعجاب إلى طالبة الطب المجدة النشطة التي كانت دائماً مثلها الأعلى والقدوة التي تريد أن تحذو حذوها. الحقيقة لم أتوقع رؤيتك.. كنت أريد أن أرى عمي بضع دقائق أسأله شيئاً.. وأعود.. لكن كما تعلمين.. هو مشغول.. لم أستطع أن أكلمه..
-تكلمينه في البيت.. فلم العجلة؟ قالت وهي تمسك بيدها سائرة بتمهل عبر الرواق الطويل ذي السقف العالي وكأنه رواق أحد المعابد القديمة.
-أمي، كما تعلمين، لا تستطيع الحركة ولا أحد لديها في البيت..
-مسكينة!! من أين جاءتها هذه البلوى؟ سألت طالبة الطب التي كانت صور الكسور والعظام والجماجم تملأ رأسها قبل قليل في مشرحة الكلية، لكن أميرة لم تجب فقد وصل العم مسرعاً دافعاً بهما إلى اللحاق بسيارة الجامعة.
وهكذا، لم تجد أميرة نفسها إلا وهي في بيت عمها، حيث كل شيء يسير وفق نظام دقيق لا يخالفه أحد، أياً كانت الأشغال. أفراد العائلة كلهم يجتمعون على الغداء، يجلس الأب على رأس الطاولة، الأم على يمينه، مأمون إلى شماله ونور إلى جانب مأمون. تحضر أميرة فتأخذ مكان مأمون. وينتقل مأمون إلى يمين أمه. جو من التفاهم والحب تشعر به أميرة يغلف تلك العائلة، روابط حقيقية من الإيثار والمحبة تربط بين أولئك الأفراد. على الغداء يناقشون مشكلات البيت، يتبادلون الأخبار، يروي كل منهم ما سمع من قصص ونوادر. طعامهم صنف واحد تطبخه امرأة العم بإتقان.. الفواكه، الشاي.. كل في حينه، مذ كانت أميرة طفلة صغيرة تزور بيت عمها، كان ذلك النظام قائماً وهو ما يزال قائماً ولا تملك أميرة إلا أن تتحسر على بيت أهلها الذي لا يعرف إلا الفوضى والوحشة.. الخالي من كل تفاهم وحب. بعد الغداء فقط تحدثت أميرة عن همها الكبير الجديد.
رد الفعل الأول كان الضحك والاستهزاء.
-أيعقل هذا؟ الآن وأنت على وشك نيل الشهادة يخرجك من المدرسة؟ هتف العم.. ولماذا؟ فقط لكي تخدمي أمك؟
لكن أميرة رجت عمها أن لا يستهين بالأمر.. فوالدها الذي كان قد تغير كثيراً مذ دخل عالم المال والتجارة، قد يصر على موقفه، وقد يخرجها من المدرسة فعلاً، هو الذي لا يقيم أي وزن للعلم.
-لا تخافي.. أنت خلقت للعلم والدراسة ولسوف تكملين ما خلقت له.. إنهما ضمانتك الوحيدة للمستقبل فلا تفرطي بهذه الضمانة!!
-هو يقول "لم أعد بحاجة لعلمك وشهاداتك، قالت الفتاة مصعدة زفرة ملؤها الحسرة..
-لا.. اطمئني. نحن معك.. كلنا معك، قال، وهو يشير إلى بقية أفراد العائلة..
-صحيح.. إن كان يحتج بأمك.. أنا أذهب إليها كل يوم أظل إلى جانبها.. أخدمها. قالت امرأة العم بمبادرة أدهشت أميرة.. فالسلفة التي لم تكن قادرة على التفاهم مع سلفتها مستعدة الآن للتضحية بكل شيء كيلا يتحطم مستقبل الفتاة..
شكرتها أميرة كثيراً على تلك المبادرة ثم مضت تشكو بكثير من الحرقة حالتهم، وقد غدا البيت مسكناً للوحشة والصمت.. شاهة ذهبت، الأم مكسورة الساق لا تستطيع الحراك.. أبوها وأخواها كل في واد، متعطلون متبطلون لا يعرفون مايفعلون.
-هو ذا المال أميرة، استلم العم زمام الحديث، إنه كإبليس لم يدخل عائلة إلا فرقها، ولا قلباً إلا جرده من العاطفة ولا رأساً إلا ملأه جشعاً، ألم يقل الانجيل: لا يدخل غني جنتي حتى يدخل الجمل خرم الإبرة؟
-صدقت.. عمي..فأنا لا أنظر إلى بيتنا إلا وأتمنى لو عدنا كما كنا أيام الحاكورة.. على الأقل.. كان الفقر يجمعنا حينذاك.. كان يجعل واحدنا يعطف على الآخر، أما اليوم فكل منا يفكر في نفسه فقط.. يبتعد عن الآخر حتى لأخشى أن يأتي يوم لا نعرف بعضنا بعضاً..
-لا، هذا ينبغي ألا يحدث.. وهذه هي مسؤوليتك.. رد هذه المرة مأمون الذي كان يحب الإصغاء أكثر مما يحب الكلام..
حملقت أميرة وكأنها فوجئت بتدخله.. ثم راحت تتأمله بفرح.. هو دائماً يفاجئها، ذلك المهندس المدني الذي يحسن إقامة الجسور وشق الطرق، تخطيط المنشآت وتصميم المشاريع كما لا يحسنها أحد.. بودها دائماً لو تعلم من أين يأتي فجأة بأفكاره العجيبة، هو الذي غالباً ما يؤثر الصمت ودائماً يكره التنظير..
-مسؤوليتي؟ كيف؟ ماذا تقول مأمون؟
-دائماً الوعي هو المسؤول، والأكثر وعياً هو الأكثر مسؤولية وفهمك كفاية!! ختم كلامه شبه ضاحك فثنت نور ضاحكة.
-مأمون على حق.. فليس باستطاعتك أن تلومي الجاهل إذا لم يعرف طريق الصواب ولا أن تعتبي على من ينقصه الوعي إن أخطأ.
-صحيح، رد الأب وقد تحمس فجأة، لكن شريطة أن يكون الواعي في موقع المسؤولية.. لا العكس كما هي حالتنا..
-ماذا تقصد أبي؟ سألت نور غامزة وكأنما شعرت بما يعتلج في صدره..
-أقصد أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب لا كما نجد على أرض الواقع: المسؤولية بيد الأمي الجاهل، المال بتصرف اللص الجشع، والقرار بيد السمسار المخادع.
-لا، أبي.. لا تعمم.. أرجوك، عاد مأمون للحديث.. نحن إزاء حالة خاصة فلنعالجها بمنطقها الخاص.. أميرة هي الواعية في بيت عمي إذن هي المسؤولية عن تصحيح كل خطأ، الوقوف في وجه كل انحراف. وعليها أن تثبت جدارتها في تحمل تلك المسؤولية.
ولم تستطع أميرة إلا أن تشرد "إيه مأمون، يابن العم الرائع!! "حديث مأمون يسحرها دائماً.. ألأنه نادر؟ ألأنه في مكانه دائماً؟ هي لا تعلم.. لكنها تعلم أنه ما من شيء يشنف أذنيها كحديثه. أميرة تحبه بقدر ما تحب عمها، تشعر بقربها منه حتى لتود ألا تنفصل عنه!! لكنه كبير.. عشر سنوات ونيف بينهما، بل هو يشعر أنه أكبر منها بكثير.. "كنت أحملك على ذراعي وأنت صغيرة".. كان يقول لها دائماً "كم لاعبتك وأنت طفلة بل كم هززت لك سريرك!!" حتى الثالثة أو الرابعة عشرة ظل مأمون يعاملها معاملة الطفلة الصغيرة، يأتي لها باللعب، يركض وراءها في الحاكورة، يلاعبها ملاعبة الأطفال، وكانت لا تنفك تنشد إليه أكثر وتتعلق به أكثر. مرة جديدة عادت إليه من شرودها وقد طرقت مسامعها كلمة تشرين. فأكثر ما كان يغريه بالحديث ذكرياته عن حرب تشرين تلك التي كاد أن يقتل فيها.
-في حرب تشرين تعرضنا لموقف خطر، كان مأمون يقول، فصيل الهندسة الذي كنت أعمل فيه حوصر من العدو الذي بات في مواجهتنا، وطائرات الهليوكبتر انزلت مفارز خاصة خلفنا.. فماذا نفعل؟ قائد الفصيل كان يرتعد خوفاً، ضباط الصف اختلفوا في الرأي، نسلم أنفسنا؟ نقاتل؟ نحاول الهرب افرادياً؟ نحاول الهرب جماعياً؟ كل برأي.. في تلك اللحظة شعرت بالمسؤولية فاقترحت: نصمد ونطلب النجدة؟ أجهزة اللاسلكي ما تزال تعمل؟ وبإمكاننا الاتصال بقواتنا الخلفية بل بإمكاننا أن ندلها على موقع الانزال الجديد وتحديد إحداثياته لهم، فلماذا لا نفعل ذلك؟ اتصلت ووصلتنا النجدة، ثم تبين أنه كان اقتراحاً ناجحاً فقد تم القضاء على قوة الانزال.
-هذا ليس لأنك واع يقظ، تدخلت الأم وهي تحيط كتفه بذراعها، مائلة بفمها على خده، لاثمة.. بل لأنك شجاع.. بطل.. قالت ذلك ثم توجهت بناظريها إلى أميرة، وملء عينيها الفخار والكبرياء، مردفة.. ابني بطل..
-أجل.. مأمون بطل..وأنا فخورة به ردت أميرة وهي تتذكر كيف كان يأتيهم من الجبهة بوجه معفر، شعر أشعث، ثياب لم تغسل ولم تبدل منذ زمن. كان يأخذها دائماً بين أحضانه هاتفاً "صغيرتي، أميرتي الجميلة، برنسيستي، "وكانت هي تجد بين أحضانه الأمان والدفء كما لا تجدهما مع ديبو وفهد." آه!! لو توقف الزمان ولم نكبر!" راحت تحدث نفسها، وهي تعود إلى الوراء أميرة صغيرة مدللة.
-وأميرة شجاعة أيضاً.. بل بطلة.. قاطعها مأمون من جديد مربتاً كتفها، وعليها أن تصمد، أن تدافع عن حقها في العلم.
-أجل، ثنى العم هازاً رأسه، يجب أن تتابعي دراستك أن تحققي حلمك.
-لهذا جئت إليكم.. أنا بحاجة إلى الدعم..
-ونحن ندعمك.. هيا أم مأمون.. هيا نذهب معها، قال العم وهو ينهض متحمساً حاثاً زوجته.
-نذهب.. ولم لا نذهب؟ ردت الزوجة وهي لا تقل حماسة عن زوجها، فما اقترحته قبل قليل لم يكن مجرد كلام.
"مركب الضرائر يمشي ومركب السلائف لا يمشي." هكذا يقول المثل الذي لم يأت من فراغ. لكن لماذا يا ترى؟ كيف تتفق الضرائر وتتعاون وتختلف السلائف وتتنازع؟ ألأن في مركب الضرائر قبطاناً واحداً فيسير، وفي الآخر قباطنة شتى فيقف؟ أم ديبو وأم مأمون سلفتان ككل سلائف الأرض، لكن حسن الحظ وحده جعل كلاً منهما تدرك أن عليها أن تبقي شعرة معاوية مع الأخرى، فمن يدري؟ الذهب يحتاج إلى النخالة والأخ لا يستغني عن أخيه.
سرت الأم كثيراً لمجيء سلفها وسلفتها.. بل نسيت حتى قلقها وخوفها على أميرة وقد غابت عنها أكثر من ثلاث ساعات. وجه مصباح المشرق، قبلات أم مأمون الحارة، احتضان أميرة لها، كل ذلك أنساها حتى أن تعاتبها أو تلومها. وللتو شغلتها أم مأمون بالأسئلة.. وهي تنتقل من واحد إلى آخر إلى أن وصلت إلى شاهة:
-هل تكلمكم من بيروت؟
-بالطبع.. كل يوم تتكلم.. وهي سعيدة.. تكاد تطير فرحاً..
-وكيف لا تطير وهي في شهر العسل؟ تساءلت السلفة لكن الزوج كان حريصاً على الدخول مباشرة في المسألة.
-وأخي؟ أين هو؟
-أخوك في مكتبه.. يشتري ويبيع.
-معقول؟ هل صار سمسار عقارات هو الآخر؟
-ماذا؟ ألم تخبركم أميرة؟ سألت وهي تنظر إلى ابنتها.
-إي أبي.. صحيح.. شارك شوكت في المكتب وصار يعمل معه.. يشتري ويبيع.. ونادراً ما يأتي قبل آخر الليل..
-حسناً فعل أبو دياب.. قالت السلفة وهي ترى في الأمر تطوراً هاماً.. خير من أن يقعد بلا عمل.
-ولماذا يريد إخراجها من المدرسة؟ سأل الأم وهو يشير إلى الابنة.
-الحق علي.. صدقوني.. هو لم يفكر بذلك.. بدأت الأم ثم شرحت لهم بالتفصيل كيف جرت القصة.
-إذن أنت التي جنيت عليها؟ سألت السلفة بمزيج من العتاب والضحك.
-وأنا سأخلصها، قالت بنبرة الوعد.. أجل.. سأدبر رأسي.. بمساعدة أخواتي.. جاراتي.. بأي شكل سأدبر رأسي.. وتبقى أميرة في المدرسة.. هذا وعد..
-تقصدين أن لا حاجة لتدخلي.. سأل السلف من جديد.
-لا.. لا.. ردت أم ديبو وهي تعلم مدى تحسس أخيه منه.. ومن يعلم..؟ بتدخله قد يزيد الأمر سوءاً..
-حسن، الآن يطمئن قلبي، قال مصباح وهو يعلم أن لامرأة أخيه بعض الدالة على أخيه وربما بعض السطوة، أميرة نفسها أحست بالطمأنينة والراحة. وعد أمها يعني شيئاً.. وكلامها ليس جزافاً.. فهي التي شبكتها وهي وحدها القادرة على تخليصها.
فواكه، كاتو.. شاي.. قهوة.. أميرة حاتم الطائي بودها أن تحمل ضيافات الدنيا كلها لعمها وامرأته.. هما اللذان تحبهما أكثر ما تحب في العالم، فكيف وقد هبا لنجدتها؟
-لا، هذا كثير أميرة.. احتج عمها أخيراً، وهي تقدم لهم الشوكولا مع البوظة..
-ليس عليك كثير يا عم.. ردت أميرة وهي تنحني عليه مطوقة إياه بذراعيها.
كان التلفزيون الجديد الملون يعمل، وكان يشد أيما شد ناظري امرأة العم التي لم تكن قد جاءت بمثله بعد.. أبيض وأسود ما زال عندها وكان في قلبها حرقة.
-مصباح!! انظر!! اسمع!!
فجأة هتف بصوت ملؤه التعجب والاستغراب.
تطلع مصباح إلى حيث أشارت امرأته فاندفعت عيناه إلى الخارج، كأنهما تريدان مغادرة محجريهما:
-ماذا؟ السادات في إسرائيل؟ هتف أخيراً ملء صوته..
تسمرت الأعين على التلفزيون وانشدت الآذان فيما كان السادات يهبط على سلم الطائرة في مطار بن غوريون، بشعره الأجعد وبشرته الداكنة ونظارتيه السوداوين.. ثم مد يده يصافح مناحيم بيغن، اسحق شامير، غولدا مائير..
-أصحيح هذا؟ أأصدق عيني أبا مأمون؟ غمغمت الزوجة وهي تطرف بأجفانها كأن ما تراه مجرد وهم.. صور من خيال لا علاقة لها بالواقع. لكن أبا مأمون لم يكن قادراً على إجابتها.. كانت الدهشة قد وصلت به حد الذهول وكان عاجزاً عن أن يجد الكلمة المناسبة.. المفاجأة صاعقة والصاعقة تدع كل ما تصيبه حطاماً.. مصباح يتابع الصور، السادات يقف وقفة الاستعداد تحية للعلم الأزرق والأبيض ذي النجمة السداسية، بل يرفع يده بالتحية لنجمة داوود كأنما نسي كل ما تحمله له من حقد وعداء. نسي كل ما سببته لأمته من مواجع وكوارث، نسي آلام الحروب، كل شيء.. كل شيء..
لكن.. كيف تراه ينسى؟ بالأمس فقط كانت حرب تشرين.. بل هو نفسه الذي قادها.. عبور القناة.. خط بارليف.. حصون شارون.. ثم العودة: ثغرة الدفرسوار.. حصار السويس.. مجاعة الجيش الثالث.. أذهب ذلك كله هباء؟! ماتت ذاكرته موت الفجاءة؟ مصباح يتساءل وهو يتابع صورة الرجل الذي كان على مدى خمس وعشرين سنة في سدة الحكم.. أحد رجالات ثورة يوليو.. ثم ضابطاً بارزاً في قيادتها، فوزيراً مسؤولاً، ثم نائباً للرئيس فرئيسا للجمهورية.. هزيمة حزيران نفسها كان يتحمل جزءاً من مسؤوليتها فكيف يلقي بذلك الماضي كله؟ كيف يتخلص من تلك المسؤولية؟
-تباً لك أبا رغال!! إنك لتقود الأحباش إلى قلب الكعبة!! وجد الرجل نفسه يتمتم أخيراً، وهو يستعيد في ذاكرته اسم ذلك الخائن العتيق عتق الدهر الذي ما يزال قبره يرجم بالحجارة حتى اليوم.
-قل لي كيف يحدث ذلك. كيف يزور السادات إسرائيل؟
-ومن يملك التفسير يا عم؟ وحدها الصهيونية والمخابرات الأمريكية تملك ذلك.
-لكن هكذا فجأة!؟ دون مقدمات!؟
-لا، ليس فجأة دون مقدمات، غمغم العم وهو يصعِّد زفرة.. مستعيداً في ذهنه فتات الأنباء التي كانت تتسرب بين الحين والحين عن لقاء حكام عرب بالصهاينة.. اتصالات سرية بين مسؤولين عرب ومسؤولين إسرائليين..
-كيف إذن؟ قل لي عماه!!
-أميرة، رد العم أخيراً وهو يتنهد من جديد، معظم الساسة يؤمنون بمبدأ الظاهر والباطن..
-ظاهر وباطن، ماذا تعني؟
-أعني أنهم يضمرون شيئاً ويظهرونشيئاً آخر، يفعلون في الباطن غير الذي يفعلونه في الظاهر.. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر..
-ألا كبُرَ عند الله مقتاً أن تقولوا مالا تفعلون!! تدخلت أم مأمون، معلمة الدين التي تحفظ الكثير من الآيات القرآنية..
-لكن ما معنى هذا؟ سألت هذه المرة أم دياب، التي ظلت طوال الفترة صامتة ترقب التلفزيون، صورة حقيقية للحيرة والتعجب.
-معناه الصلح مع إسرائيل.. رد السلف الذي لا يقل عنها حيرة وتعجباً.
-لكن أين لاءاته الثلاث: لاصلح، لا اعترف، لا مفاوضات مباشرة..؟ سألت هذه المرة أميرة.
-ألم أقل لك يا بنتي..؟ يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. اللهم قد بلغنا أرذل العمر!! اللهم قد بلغنا أرذل العمر!!
وفجأة نهض، كأنه لم يعد يحتمل المشهد، ثم مضى حزيناً كسيراً لا يلوي على شيء.
آخر الليل جاء أخوه أبو دياب. كانت ضحكته تشق فمه حتى الأذنين وكانت السعادة والفرح يصنعان له جناحين يكاد يحلق بهما في الجو.. تعجبت أميرة وهي تراه على تلك الحال فلم تملك إلا أن تسأله، وقد عادت إلى ذهنها صورة العم الكسير الحزين الذي خرج يجر قدميه جراً.
-أبي.. ألم تسمع بزيارة السادات إلى إسرائيل؟
-وما شأني أنا بهما؟ ليذهب هو وإسرائيل إلى الجحيم.. أنا مسرور فرح..
-ولماذا أنت مسرور فرح؟ تدخلت الأم وفي نبرتها أشد الاستغراب..
-صفقة!! أكبر صفقة عقدتها اليوم!! صفقة سأربح منها الملايين.. ثم شرع يدور على نفسه ضاحكاً مقهقهاً إلى أن سقط على الأريكة مقطوع الأنفاس..