2
________________________________________
صعب على الإنسان أن يعيش في هذا الزمكان... لقد قضيت أيامي كالفراشة أتدحرج بين الحريق والرحيق...إن أخبرتكم بحرائقي العديدة تقززت نفوسكم ولربما قلتم إن هذا المعلم ساذج وعليه أن يعاني مزيدا...وإن حكيت لكم عن كل الورود التي استنزفت رحائقها قلتم كذلك إن هذا المعلم بليد حين لم يتصيد الفرص التي أتيحت له، فليأتيه الحزن من كل الجهات... اعلموا فقط أنه مهما تعددت أحكامكم فهي واهية كخيط العنكبوت.
تمر الأيام تلو الأيام، خلالها كنت أغوص وأبحر في عيون ليندا... هذه الفتاة كادت أن تنال من قلبي وتخطف مني عروبتي ...قالت لي ذات يوم:" I am expecting a baby from you " . لم أنفعل. ولما لاحظت أن الغثيان ينتابها وأنها تشكو ألما في ظهرها، سارعت إلى كاترين، تلك الممرضة الطيبة، فأجهضتها من حيث لا تدري.
تمر على خاطرتي أيام أخالني أعيش خلالها في أمريكا وأن لي أصهارا أمريكان وأصحابا عربا في سان بتيرسبوغ ينسونني زلتي وينتشلونني من لعنتها العفنة.
تارة أخرى، أتصورني أصول وأجول في شوارع فرانكفوت وبرفقتي تلك الجميلة... كل أصحابي هناك أجمعوا على جمال عينيها...بعينيها تتناغم خضرة النهر وزرقة البحر ولمعان ملقات الغدران...كانت طيبة... آوتني وكنت في أعلى درجات غربتي وتشردي، أبحث عن حنان يدفئني من قر البرد وهول التشرد... لم أنس يوم صاح والدها في وجهها ووجهي ثم قال: » إنه عربي ماكر فاحذريه...« هجرتها إلى غير رجعة... بكت... لربما تكون قد انتحرت، من يدري؟... لم يبلغـني الخبر ... مسكينة شتاينكا من قالت لي عندما ركبنا سريرنا الأول: » أنت أرقى من مئـات الألمانيين يا حسن. »
كل الفرص التي أتيحت لي ضيعتها برغبة وإرادة مني... ضيعت فرصة لو أنها أتيحت لكم سال لعابكم واعتراكم إغماء على غرار ما حصل لصاحبنا الذي ربح في اليناصيب... ما رأيكم أنني رفضت أن أكون مليونيرا في سن الخامسة والعشرين؟ ماذا سيكون ردكم هذه المرة؟... لاشك ستقولون إنني أحمق ولا أمل لي في التداوي والتطبيب.
لقد بات حكمكم لا يجوز مادمتم كلكم قادرين على استبدال وطنكم بالمال والبنين ذوي العيون الخضر. قد أخبركم بأشياء أخرى وعندما تعلمون أنني أوجد في هذا الزمكان ستجمعون أنه من الأفضل لو زرت مصحة نفسية في أقرب الآجال... » لا يعقل و إلا فليست لك عيون ، العين تريد أكل كل شيء يا حسن!« هكذا قال لي صديقي إبراهيم الذي بقي هناك في فرنكوفورت يجتر ذيول الغربة.
ومرة قلت لنفسي: لمذا لا تزور طبيبا نفسيا يا حسن؟.. وذات ليلة حميمة استشرت ليلى: ما رأيك عزيزتي لو زرت طبيبا نفسيا؟.. كان جوابها كالصاعقة: والأفضل أن يزورك الطبيب النفسي فتداويه أنت وتخلصه من كثرة آلامه وهلوسته التي لا حصر لها. وهكذا يبدو لكم أن بعض ما تفكرون فيه صحيح، أبدا إنها مجرد فكرة اخترقت عياء ذاكرتي ذات ليلة.
حمدت الله أن ليلى برفقتي، تمنحني حنانا كثيرا يبعد عني سناسف أفكاري... لست أعاود نفسي و لا أحاسبها، ولو كنتم تشاركونني العيش في هذا الزمكان لكان الجنون مسكم منذ مدة.
قلت لها:
- الخلاء، الخلاء، لا شجر ولا بشر، وحدنا نملك هذه الأرض الجرداء يا ليلى!.
أجابت وعيناها حزينتان:
- هو ذا مصيرنا يا حسن، وإنه قاس. أنت على الأقل تكتب لتتخلص من شجونك وآلامك، أما أنا فلحظة فرح تبدو مستحيلة أمامي.
أخبرتها أن الكتابة عذاب أليم نختاره بالإكراه...لم تقتنع... فكرت جيدا في تفسير أقنعها به ولم أجد من بد غير أن أقول لها الحقيقة، كل الحقيقة.
- اسمعي عزيزتي، أتذكرين يوم أصابتني حمى؟ أنت تذكرين طبعا! لم ألزم الفراش وإنما بقيت أصعد إلى الجبل كل صباح...كانت تتراءى لي المدينة من هناك...تقلصت المسافة حتى حسبتني أتفرج على مكناس من الشرفة، وكنت لا أحس صداع الحمى ولا دوار الرأس، وبعد أربعة أيام وصلني صوت لم أعرف مصدره، وأمرني بأن أروي رواية عن التيه ما دمت جربت متاهات عديدة، وكذلك أوصاني بأن أنسحب متى تهددتني دواهيها...ولولاك يا ليلى لاستفقت عند كل صباح على أصفاد وضياع... جلبتني إليك الأقدار بكل عنف وأسرتني في حضنك ذي الرائحة الحميمة، فشاركيني إذن عزلتي لأشاركك بياض سعدك!
قلت لها وكياني ملتهب:
- يا ليلى، ساعديني على تأثيت تيهنا...!
قالت:
- كيف يا مهجتي!؟
- أن تساعديني في إنجاز هذه الرواية.
- عن أي تيه أحدثك يا حسن؟
- عن تيه أبي المكارم إلى هنا.
- أنت تحن إلى الحارة والمدينة ياحسن !
- وإنها الأصل والنبع ومرتع الصبا !
استلقت ليلى على سريرنا الخشبي ثم غمرتنا نشوتنا المعهودة.
- لكن إحذر من أن تنسى كابرا، إن أبا المكارم من غيره رجل عاد.
- أبدا لن أنساه يا عزيزتي.
- ومن أين لي بناصية الكتابة يا حسن؟
أفكارك، أفكارك يا ليلى تكفي، أنت لا تكتبين طبعا لكن لك أفكار !
صعب العيش هنا ومر الحنين الذي ينبثق من الأحشاء والأجواء. ركزت عيني في عيني ليلى، كانتا بحيرتين دمعهما يغري بالعوم والتطهير... حاولت الاقتراب منها، دفعتني في دعابة وأبعدتني ثم ارتمت على صدري فعانقتي والتصقنا إلى حد الانصهار.