الفصل الثاني

15 0 00

الفصل الثاني

حمَّام الطوبخانة

لا يخفى أن يوم الذهاب إلى الحمام عند النساء التركيات من الأيام المعدودة عندهن للنزهة والسلوى؛ ولذا يغتنمن أقل فرصة للتملص من ربقة الاحتجاب، فيأخذن منذ الصباح بالتهيؤ والاستعداد فيحضرون المناشف المعطرة والثياب الحريرية الملونة، ويجلين الطاسات الفضية، ويشترين الأثمار اللذيذة والحلويات العديدة، ويعتنين خصوصًا بالسجائر التركية؛ لأنها سلوتهن الوحيدة في مقاصيرهنَّ، وما تكون ترى سلوى الطيور في أقفاصها، فيلبسن بعد الغداء «فراجياتهن»،١ وينتشرن في الأسواق أزواجًا وفرادى، ويقفن أمام كل واجهة من مخازن الحلي والأقمشة؛ لمشاهدة السلع كالأولاد الصغار، وقد اشتهر منذ عشرين سنة بين حمامات الأستانة العديدة حمام اسمه «الطوبخانة» حتى كاد يزاحم حمَّام «غلطه سراي» بشهرته، وما ذلك إلا لشهرة غسالاته اللائي كنَّ يكثرن من وصف الأدوية المختلفة للحمل وأمراض العقل والبدن، وعبثًا كان الإنسان يحاول إقناع النساء بخرافة ما يسمعن وأضرار ما تصف لهنَّ الغسالات من الأدوية، فإنه كان كمن يضرب في حديد بارد، وكان هذا الحمَّام فخيم البناء على الهندسة العربية له باب عظيم من الرخام الجميل. فحدث أن في غرة جمادى الأولى من تلك السنة؛ أي قبل ستة أشهر من عيد رمضان، اكتظَّ ذلك الحمَّام على اتساعه بالمستحمات، وكان بين غسالاته امرأة عجوز اسمها فاطمة لا ينظر إليها أحد بعين الاهتمام؛ لفقرها المدقع أولًا ولأنفة نفسها خصوصًا، فبقيت ذلك النهار بلا عمل على الرغم من كثرة الزائرات، فجلست تنظر بعين الحسد إلى زميلاتها وهنَّ منهمكات وهي مكتوفة اليدين، وإذ رفع ستار الباب ودخلت جارية زنجية تحمل صرة ثياب وراءها امرأة في مقتبل العمر جميلة الصورة معتدلة القوام على سذاجة في الملابس، فظن الحاضرات أنها زوجة «أفندي عادي»، ولا سيما لأنها لم تكن مصحوبة إلا بجارية واحدة، والنساء التركيات يفاخرن بكثرة الجواري والعبيد والخصيان. فقامت فاطمة للقائها مؤملة أن تلقى منها التفاتًا وإقبالًا وقالت لها: هانم أفندي قد أُخذت جميع المحلات في هذا الطابق، فهل تريدين الصعود إلى الطابق الأعلى؟

– لا بأس.

فتقدمتها فاطمة تدلها، وأدخلتها إلى مخدع جميل، وبسطت فيه سجادة عجمية، وساعدتها على نزع «فراجيتها»، ثم سألتها أتريدين غسالة أو تنوب الجارية منابها؟

– بل أريد غسالة … وأريد أيضًا أدوية … وصبغ الحياءُ وجهها …

فقالت فاطمة العجوز في نفسها … وأي دواءٍ تريد هذه المرأة الجميلة ذات البنية القوية؟ ثم قادتها إلى صحن الحمام الذي ينحصر فيه البخار، فدهشت المستحمات من جمال تلك الزائرة الجديدة، واعتدال قوامها، وبياض بشرتها الناصع، وقد سدلت شعرها الحالك على منكبيها فأزعجها تصويب الأنظار إليها، وطلبت غرفة مستقلة، فقادتها الغسالة إلى مخدع جميل وأجلستها على مقعد من رخام، وشرعت تسعى في تهيئة ما يلزم لها، وأما الجارية فبقيت في الطابق الأعلى تحرس ثياب سيدتها، فجلست المرأة، ثم تنهدت الصعداء من قلب مقروح، ووضعت رأسها بين يديها مفكرة وقد كبر الهم عليها.

فلما رأت الغسالة حالة تلك السيدة، رأت من باب الملاطفة أن تسألها عن حالها، فقالت لها: هانم أفندي ما لكِ حزينة كئيبة؟ هل ينقص هذا الجمال الفتان شيءٌ من السعادة والهناء؟

– وا حسرتاه، أي سعادة وأي هناء! إني أشقى خلق الله، كأني من عبَّر عنه الشاعر بقوله:

ولو كان همٌّ واحدٌ لاحتملتهولكنه همٌّ وثانٍ وثالث فأجابتها العجوز: لو تعلمين شقائي لعرفتِ أنك سعيدة، وأن في الدنيا من هو أشقى منك بكثير.

– أحقًّا أنت تعيسة نظيري، أخبريني مصابكِ، فإني أشعر بميل وانعطاف إلى كل مسكين.

فشرعت العجوز تغسلها وتدلك بدنها، وتقص عليها ما أصابها في حياتها من الشقاء، وكيف أن الدهر قد أخنى عليها إلى حد أن اضطرت أن تكون غسالة في الحمامات بعد أن كان عندها العبيد والجواري. فلما فرغت من حديثها قالت المرأة: أحقًّا قد احتملت كل هذا الشقاء، وأصابك كل هذه المصائب؟ نعم، إنه لمصاب عظيم أن تسقط امرأة شريفة نظيرك إلى هذا الحد من الفقر والمسكنة، ثم تبسمت وقالت: نحن في يد العناية كحبات الرمال إذ تتلاعب بها ريح السموم.

ولما فرغت من الاستحمام وقفت، وارتدت ملابسها الحريرية، وسارت إلى غرفة الاستراحة تطفئ ظمأها بشرب المثلجات والمبردات والتدخين، وأمرت بمثل ذلك إلى العجوز، ثم جلست وقد عاودها الهم وبدا على وجهها الاضطراب، وأرادت أن تطلب الدواء فمنعها الحياء، ولكن ما عتمت أن استأنست من العجوز لطفًا، فتغلبت على حيائها، وأمسكت بيد العجوز، وقربت فمها من أذنها، وقالت لها همسًا بعد أن صبغ الحياء وجهها: يقولون إنك ماهرة في وصف الأدوية … فأرجوك أن تصفي لي دواءً … ولم تجسر أن تسميه أو تعنيه.

فقالت العجوز وقد فهمت ما تريد: لا أشير عليك بأخذه؛ لأنه يعرضك لخطر الموت، وأنا الوحيدة في هذا المكان التي تعارض هذه العادة السيئة.

فخجلت الهانم من هذا الكلام، وغطت وجهها بيديها حياءً، وطفقت تبكي.

– لا أريد هانم أفندي توبيخك، وقد عرفت سبب حيائك وخوفك، فتلك إرادة الله لا يحق لأحد معارضتها.

فأجابتها هذه باكية: قد قلتِ الحق، ولكن لا بد لي من شرب ذلك الدواء؛ لأني هالكة على الحالين، فإذا ما هيأته لا أدري إذا كان عندي جرأة كافية لتجرعه. قالت هذا وضجت بالبكاء والنحيب.

– ما معنى هذا البكاء … عفوًا على جرأتي مولاتي … وإنما أريد مشاطرتك مصابك، فقلبي منعطفٌ بكليته إليك.

– إن من الفؤاد إلى الفؤاد سبيلًا، أنا شقية، ولا أجسر أن أبوح بشقائي لأحد في العالمين على أنه:

فلا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍيؤاسيك أو يسليك أو يتوجع وقد عيل اصطباري وطفح كيل همومي، ثم صمتت هنيهة، وقالت: أعيريني سمعكِ … إني مذنبة لدى مولاتي، ثم تداركت قولها فقالت: لدى الهانم أفندي وأنا مدينة لها بكل شيءٍ، ولكن النصيب قد قدَّر فكان … فالباشا متغيب الآن، ولا يمكنه أن يحول دون انتقام الهانم مني، وقد عرفت هي ذنبي، وتروم مني إخفاءه … قبل رجوع زوجها. وهل للهانم أولاد؟

– لا، وهذا مما زاد في حنقها.

ففكرت العجوز قليلًا، وعضَّت على شفتها السفلى مفكرة.

فقالت لها الهانم: حاولت عبثًا إخفاء إثمي والتكفير عن ذنبي، ولكن هذا ذنب لا يمحى إلا بالإثم، نحن وا أسفاه البنات الشركسيات يتركنا آباؤنا منذ نعومة أظفارنا، فيلتقطنا الغرباء لجمالنا، فنقضي حياتنا وليس لنا أهل ولا ولد، فإذا شعرنا بمولود في أحشائنا كان ذلك عزاءنا الوحيد، وموضوع حبنا، وكعبة آمالنا، ندافع عنه بأزواجنا، ولكن وا حسرتاه هو كالزهرة لا تكاد تفتح حتى تُقطف، وكالغصن لا يثمر حتى يُقصَف، وأنا مع شقائي أشعر بلذة بما أنا فيه.

فاغرورقت عينا العجوز أسفًا لحالة المرأة.

– آه، قد رقَّ قلبك لحالي ورثيت لمصابي … جزيت عني خيرًا … هذه هي المرة الأولى التي شعرت فيها بحي يشاركني في عواطفي … والآن أرجوك أن تقنعيني بالعدول عن عزمي والإقلاع عن جرأتي … آه إني مدفوعة إلى هذا الطلب … مرغمة عليه … آه قد وهنت قواي وحُلت عزائمي. قالت هذا وانطرحت بين ذراعي العجوز تجهش بالبكاء.

فأخذت العجوز تقبِّلها وتهدئ روعها تخفيفًا لمصابها، ثم قالت: لا يحق لي أن أعلم بأكثر مما علمت، ولا أن أعرف اسم سيدك، وأصرح لك بامتناعي عن أن أمد يدًا لصنع ذلك الدواء المخالف لذمتي ولمشيئة الخالق — سبحانه وتعالى — فتشجعي يا بنية، واعتصمي بالصبر الجميل؛ فالله القادر على كل شيء ينجيك، ويمكنك التخلص من انتقام الهانم إذا تظاهرت بالخضوع لها والامتثال لأمرها. أما أنا فمقيمة في محلة الطوبخانة في بيت خشبي حقير في الزقاق المعروف «بالشبوقجي»، ومهما كان بيتي صغيرًا حقيرًا فهو يسعك وولدك، والبيت الضيق يسع ألف صديق، فثقي بإخلاصي وصفاء نيتي، واعلمي أن لكِ في قلبي محلًّا رحيبًا.

– جزيت خيرًا يا فاطمة، وأخذت يد العجوزة فقبلتها اتباعًا للعادة التركية، ثم قالت سأذكرك ما دمت حية، وسأتبع نصائحك، وأسأل الله أن يباركك؛ لأنك لم تخيبي رجاءَ «إقبال» المسكينة.

ثم لبست ثيابها، وخرجت مطمئنة الفؤاد قليلًا، فتقدمت الجارية، وقالت للعجوز: هل لك أن تخبري «أحمد» أن يتقدم بالعربة، فخرجت العجوز إلى باب الحمام وصاحت يا أحمد، فتقدم عبدٌ أسود كبيرٌ؛ فقالت له: أخبر الحوذي أن يتقدم بعربة الهانم، فأشار إلى الحوذي. ولما دنت العربة من أمام الباب رأت العجوز الطغراء العثمانية منقوشة على العدة، فأخذتها الدهشة لما عرفت أن تلك المرأة ليست جارية لأحد الباشاوات، بل إنها من الحرم السلطاني ثم تقدمت الهانم «إقبال» بردائها البسيط، ونقدت العجوز دينارًا عثمانيًّا، وشكرتها كثيرًا، وركبت فسارت بها الخيل تنهب الأرض نهبًا.

وفي المساء عادت العجوز إلى بيتها، وأخبرت زوجها بما رأت من أمر تلك الفتاة التركية، وأخذ العجوزان يتساءلان من تكون هذه؟ وما هو شأنها؟

ثم مضت الأيام والأسابيع والشهور على تلك الحادثة فنسياها تمامًا، وذهب الصيف والخريف وجاء الشتاء بقرِّه حتى كان ما كان من أمر عيد رمضان والهدية. فلما أخبرها زوجها بالتقائه بخصي السراي، وما سمعه لما نادى الخادم «أحمد» فكرت بهذا الاسم لما نادته هي في الحمام كما تقدم.

فتأكدت حينئذ أن الطفلة هي ابنة إقبال بعينها، وأنها قد حفظت وصيتها، ورأت هي وزوجها من باب الحكمة والصواب أن يهجرا محلة «الطوبخانة» خوفًا من بث العيون والأرصاد أو من وشاية الجواسيس والحساد، فذهبا مختبئين في قرية في أعالي البوسفور يقال لها بايكوس في ناحية أسكي دار، وأفرغت المرأة جهدها اعتناءً بالطفلة.

ومما زاد العجوز اقتناعًا بأن الطفلة هي ابنة إقبال أن وجدت في طاقيتها خاتمًا ذهبيًّا مرصعًا بحجر كريم من الزمرد رأته في خنصر إقبال لما جاءت مستحمة، ودرءًا للشبهة ومنعًا لاقتفاء الأثر أشاع الشيخ في محلته أنه عازم على الإقامة في إستامبول في محلة «شيخ زاده باشي» ولم يصحبه معه إلا الظئر التي رضيت أن تكون للطفلة مقام أمها.

وشرعت فاطمة من ذلك العهد تفرغ الجهد سعيًا وراء معرفة مقر إقبال في القصر السلطاني؛ لتخبرها عن مقامها الجديد، ولكن قد كان دون ذلك أهوال؛ إذ كيف يتسنى لها معرفتها بين مئات من السراري والجواري في ذلك القصر العظيم. ففكر زوجها الشيخ طويلًا، فرأى أن أحسن وسيلة هي أن يذهب كل يوم إلى نواحي القصر السلطاني متنزهًا يترقب خروج الخدم والخصيان ورجوعهم؛ حتى يعثر بالخصي أو الخادم (أحمد) الذي لقيهما أثناء رجوعه إلى البيت مساء عيد رمضان، فتزيا بلباس بائع حلويات، واشترى علبة نقالة، وملأها من أنواع الحلوى المختلفة، وصار يتأبطها كل صباح، فيعبر البوسفور قاصدًا سراي «طلمه بغجه» التي كان يفضلها السلطان عبد المجيد على جميع قصوره.

وكان الخدم والخصيان يكثرون من الترداد إلى ميدان السراي، فيجيء عثمان بعلبته ويقف في الطريق المؤدية إلى شارع «بشكطاش إلى أورطه كي»، فلم يلبث طويلًا حتى أصبح جميع خدم السراي وحشمها من معارفه ومعامليه، وكان هو يتفحصهم واحدًا بعد واحد، فتحقق أخيرًا أن الخصي وأحمد ليسا بينهم، وكانت صورتهما قد رسخت في ذهنه، ولئن كان لم يشاهدهما إلا لحظة واحدة لما برقت السماء، ولكي يبالغ في التأكيد ادعى يومًا أن خصيًّا اشترى منه حلوى بالأمس بثلاثين بارة لم ينقده إياها، فجاء الخصيان بعضهم بالبعض وهو يتفحصهم جيدًا، فتأكد أن الخصي الذي يطلبه ليس بينهم، فعزم حينئذٍ على الانتقال إلى سراي أخرى، وظل على هذا المنوال من البحث والتنقيب مدة ثلاثة أسابيع يجتاز البوسفور كل صباح، ويقف على قارعة الطرق تحت المطر الوابل في ذلك الشتاء القارس؛ حتى عثر أخيرًا على ضالته المنشودة، فرجع ذات يوم إلى قريته فرحًا مسرورًا، وألقى علبته في زاوية البيت، وقال لامرأته: من تأنى نال ما تمنى، وكل من سار على الدَّرب وصل، لا حاجة لي بهذه العلبة بعد الآن، فقد عرفت السراي، ولقيت الباب، وجاء دوركِ، وعليك تدبير حيلة نسائية للوصول إلى إقبال. أما الحيلة فهينٌ تدبيرها؛ فعند أي هانم هي؟

– عند السلطانة عليَّة هانم عمة مولانا السلطان وقرينة محمود باشا داماد.

– يا رباه … أهي عند تلك السلطانة الظالمة … أقسى امرأة خلقها الله في آل عثمان؟!

ثم قالت: عسى أن تكون الأيام والسنون قد دمثت شيئًا من أخلاقها، ولكن مهما يكن من أمرها فلا بد من الوصول إلى إقبال وعلى الله الاتكال.

– إن شاء الله.

١ جمع فراجية، والفراجية عند الأتراك كالأزرار عند الشرقيات المسلمات. الفصل الثالث

فطور ملوكي

إذا سرَّح الناظر طرفه في مباني الأستانة ومناظرها وجد أن من أبدع قصورها وسراياها جمالًا؛ القصر الكائن على شاطئ البوسفور عند مدخل الأستانة المعروف باسم «صالح بازار» تطل إحدى وجهاته على الطريق المؤدية إلى «طلمه بغجه» وتشرف الأخرى على بحر مرمرا، فيرى الناظر منه الأستانة بمبانيها وقبب جوامعها ومآذنها، ويرى أمامه الزوارق العديدة ماخرة بين شاطئي أوروبا وآسيا، هذا هو قصر السلطانة عليَّة هانم.

ففي مساء ليلة من شهر صفر كانت السلطانة المشار إليها جالسة في غرفتها مفكرة في أمر مهم تقلب بيدها سبحةً من حَب العنبر، والجواري من حولها واقفات صامتات مكتوفات الأيدي خاشعات البصر ينتظرن أقل إشارةٍ تبدو من سموها ليتسابقن إلى امتثالها. وكانت الريح عاصفة والرعود قاصفة، وأمواج البوسفور تتلاطم فيتضاعف دويها في ذلك الليل البهيم، والسلطانة معيرة أذنها كأنها تنتظر أمرًا كبيرًا.

ثم دقت الساعة الرابعة من الليل، فرأت السلطانة أن قد طال السهر، فأشارت إلى الجواري والسراري بالانصراف، فانصرفن وقد مشين القهقرى، ولكن تقدمت سرية شركسية الأصل بارعة الجمال طويلة القوام وتجاسرت بأن سألت السلطانة إذا كانت تأمر بمساعدتها على نزع ثيابها.

– لا يا إقبال هانم لا أريد أحدًا. انصرفي حالًا؛ لأني أروم انتظار الباشا وحدي هذا المساء.

فامتثلت إقبال الأمر، وخرجت منكسة الرأس، وقد طار قلبها هلعًا، وعادت السلطانة فغاصت في بحار التأملات، وكانت قد كبرت وشاخت، وذهب ما كانت عليه في أيام صباها من الجمال القليل، على أنها كانت مع ذلك تتزين وتتبرج كأنها تريد أن تعود إلى أيام الصبا، ولكن هيهات؛ فلا يُصلح العطار ما أفسد الدهر.

فلما ابتعدت الجواري رُفع ستار باب مجاور، وبرز منه خصيٌّ لم تشعر به حتى صار أمامها فسألته: ما وراءك يا علي؟

– لقد صدق مولاتي الباشا بقوله؛ فهو مدعوٌّ هذا المساء للطعام عند الصدر الأعظم.

– ثم.

– قد أفرغت الجهد امتثالًا لأمر سموك في البحث عن الأمر الذي يهمك، ولكني لم أقف له على أثر، وأرى من العبث إتمام البحث.

– أتظنني واهمة أو مخدوعة؟

– كلا مولاتي، ولكن أخصامنا أو بالحري أخصام سمُّوك يخفون عنك الحقيقة إلا إذا بحثت عنها من صاحبها …

– أمجنونٌ أنت؟ أتظن أن ليس عندي جرأة كافية على الانتقام ممن يمس شرفي أيًّا كان؟

– لم أرِد هذا بقولي مولاتي.

ثم تقدم خطوتين إلى أمامها، وقال لها خافضًا صوته: يتعذر، لا بل يستحيل معرفة الحقيقة من إقبال، وقد جربتِ فوجدتِ أن الوعد والوعيد لم يفيدا شيئًا، ولا يمكنك بعد هذه الساعة الوقوف على الحقيقة إلا من دولة الباشا نفسه.

أما السلطانة فاكتفت بهز رأسها استخفافًا. فقال لها الخصي: لا أجهل يا مولاتي أنه متى كان صاحيًا من سكره لا يقرُّ بشيءٍ؛ لأنه شديد الميل إلى إقبال، ولكن متى لعبت الخمرة برأسه سهل عليكِ الوقوف على أسراره، وسيرجع هذا المساء مترنحًا …

فقاطعته الكلام، وقد انتبهت إلى قوله فصاحت به: أصبت … وحزرت … سرْ حالًا إلى الحرم، ولا تدع أحدًا من السراري أو الجواري أن يقلق راحتي بعد هذه الساعة، وبلِّغ أمري إلى أغا دولته أن يخبر مولاه بأني في انتظاره، وأني آمرة له بالدخول عليَّ في أية ساعة رجع.

فانحنى الخصي ممتثلًا للأمر الكريم، وخرج فرحًا مسرورًا.

ولا شك أن القارئ قد عرف أن هذا الخصي هو الذي ذهب إلى محلة الطوبخانة مع أحمد للبحث عن الطفلة مساء عيد رمضان.

ولم تمضِ ساعة من الزمن على ذلك الانتظار حتى سمعت السلطانة وقع حوافر الخيل في صحن الدار، فعرفت أنها عربة الباشا زوجها، أما هو فلم ينحدر منها حتى تقدم إليه الأغا، وبلغه أمر السلطانة، فعلا وجهه الاضطراب، وخاف وقلق، وظن سوءًا، ولكنه تجلَّد وصعد إلى غرفة السلطانة، وهو يكاد لا يقف على قدميه من السُّكر، فلما دخل عليها ووجدها باسمة زال عنه القلق، وسُرَّت هي لما رأته في تلك الحالة، فتقدم إليها مسلِّمًا كما يسلم العبد على مولاه، أما هي فأعطته يدها فقبَّلها مرارًا، ثم قالت له: تفضل باشا أفندي حضرتلري.

– أمرتِ سموك الأغا أن يبلغني أمرك السامي بشرف المثول بين يديك أية ساعة رجعت، فأقلقني هذا الأمر خوفًا من أن يكون قد أصاب صحتك الثمينة انحراف.

– أي عزيزي محمد، ألا تظن سببًا لرؤيتك إلا المرض، فهل تكرهني إلى هذا الحد؟

فأندى جبين الباشا من العرق، ولم يفهم حرفًا من هذا السؤال؛ فتقدمت إليه ومسكت بيده متلطفة قائلة: لقد أخطأتُ نحوك وأذنبت لديك؛ فها قد مضى ستة أشهر وأنا حردة عليك، ولقد أسأتُ الظن بك، وندمتُ الساعة فأبعدتُ الجواري لألتمس منك عفوًا عن قساوتي الماضية وظلمي … ثم لصقت بجانبه وسألته قائلة: أفي قلبك بعد أثرٌ من الحب لي؟

– مولاتي قد غمرتني لطفًا، أتلتمسين مني العفو وأنا المذنب المسيء؟

– إذن تعترف بأنك مذنب أيضًا، لقد زدت في عيني اعتبارًا وفي قلبي حبًّا بهذا الإقرار، وتعترف أيضًا أني لست بمذنبة … أي محمد، ألا ترى بكائي؟! ومسحت دموعًا كاذبة.

أما الباشا فكان قد أعماه السُّكْر، وظن نفسه في منام؛ لأن السلطانة لم تعوِّده منذ اقترن بها هذا اللطف، ولم تُسمعه من قبل مثل هذا الكلام.

وغلب عليه السكْر والنعاس فقال لها: خففي عنكِ مولاتي لقد كنتِ مصيبة في غيرتك وحنقك … وأنا وحدي المذنب لديكِ وأنتِ الملاك الكريم.

فتجلَّدت السلطانة، وأخفت غيظها، ثم تنهدت، وقالت: أعفو عنك على شرط أن تقر بالحقيقة كلها، وألا تخفي عليَّ شيئًا، ومدت يدها إلى الباشا فقبَّلها مرارًا.

– لم أخفِ الحقيقة عنك، وإنما عنفوانك حال دون إبلاغك الحقيقة، ولقد كنت تناسيت تلك الحادثة لو لم تأخذني الشفقة على تلك المسكينة …

فانتفضت السلطانة حنقًا من هذا الكلام كما ينتفض العصفور بلله القطر، ولكنها تجلدت رغبةً منها في معرفة السر المكنون، فاتكأت على كتف زوجها، وقالت له باسمة: إلى أين أرسلت هدية رمضان؟ لِمَ لمْ تكل إلي تربية المولود … فقد كنت بذلت جهدي اعتناءً به، ولا سيما لأني لم أُرزق ولدًا.

فحدق الباشا بها، وظن نفسه في منام أو ما يسمعه أضغاث أحلام، فسألها مبهوتًا حائرًا: كيف … أنت … تتنازلين … إلى تربيته، من أخبرك؟

– عرفت كل شيءٍ، ولم تخفني خافية، ولهذا أسامحك لأني عرفت أن الخوف من انتقامي حال دون إقرارك بالحقيقة، ولهذا السبب وضعت المولود بمساعدة إقبال في طبق العيد، وأرسلته إلى محلة الطوبخانة …

فأشار الباشا برأسه مصادقًا على قولها، ثم تلجلج لسانه، وقال: صحيح سلمه أحمد … ورأت السلطانة أن النعاس قد استولى عليه وغلبه السكْر فلم يعد يحتمل النطق، فأخذت تهزه وتقول له: أفق قليلًا … تذكَّر إلى من سلمه أحمد.

– لا أذكر … شيئًا … وأقسم لك إني … لا أعرف … إلا اسم العجوز …

ودمدم كلمة لم تفهمها السلطانة، وانقلب على المقعد، وبدأ يغط غارقًا في سبات عميق.

وعند ذلك بلغ هياج السلطانة حده، فدفعت باب الغرفة التي كان الخصي بانتظارها فيها وصاحت به: لقد أصبت فيما ظننت، ثم جلست وقد زفرت زفرة شديدة من الغضب، وتلجلجت شفتاها، واصطكت أسنانها، وجحظت عيناها، وانتفخت أوداجها؛ فقال لها الخصي: خير إن شاء الله.

– قل شرٌّ؛ لقد اعترف الباشا بكل شيءٍ في سُكره وقد سخرت إقبال بي، فهي لم تشرب الدواء الذي أمرتها بشربه يوم أرسلتها إلى حمام الطوبخانة، ولكن سترى عاقبة مخالفة أمري، ثم ضحكت ضحك الحنق المغتاظ، وصاحت: أي نعم هي الولود وأنا العقيم … فسألها الخصي: وأين المولود؟

– هو في المكان الذي ذكرت. نقله أحمد يوم العيد مع هدايا رمضان، ويظهر أن السعد قد خدم تلك الشقية؛ لأنها قد وضعت حملها يوم العيد أثناء تغيبي في السراي الهمايونية، فأرسلوا الولد إلى الطوبخانة قبل رجوعي.

– خففي عنك مولاتي، فلا بد من وجود المولود، ويمكنك الانتقام.

– نعم، أريد انتقامًا هائلًا، أنكون سلطانات ويكون لنا ضرائر؟ إذا ترمل أزواجنا فلا يحق لهم من بعدنا الزيجة، ومتى رفعنا رجلًا إلى شرف حبنا لا يحق له أن يلتفت إلى سوانا أحياءً كنا أو أمواتًا … ثم التفتت إلى الغرفة التي كان راقدًا زوجها فيها، وصاحت: والله سأنتقمن يا محمد وأي انتقام …

وأفاق محمد باشا في الغد عند الظهيرة غير واعٍ شيئًا من حديث الأمس، ولا غرابة فكلام الليل يمحوه النهار. وكان قد ازدحم الزوار عند بابه، وفي قاعة استقباله، وجلهم من كبار المأمورين وطلاب الوظائف؛ لأن السلطان عبد المجيد كان في ذلك العهد مريضًا قليل العناية بشئون دولته، وكان محمد باشا صهره من المقربين إليه النافذين لديه، والناس في الشرق قد اعتادوا أن يدوروا مع الزمان كيفما دار. فخرج يقتبل زواره بالبشاشة التركية، وصرفهم جميعًا مطيبًا خواطرهم بالجواب التركي المشهور الذي ذهب مثلًا وهو «بقالم»؛ أي سنرى.

ثم دخل عليه الخصي، وعرض أن عجوزًا في الباب تريد التشرف بناديه.

قل لها أن تنتظرني في دائرة الحرم، وأعد لي الطعام، فقد استولى علي الخوار، ولا أؤجلنَّ طعامًا من أجل أحد، فكيف من أجل عجوز …

فعاد الخصي على أعقابه، وقاد العجوز إلى دائرة الحرم، وأمرها بانتظاره، وقد عرف القارئ لا شك أنها «فاطمة» بعينها، فسألت الخصي: أسموُّ السلطانة في السراي؟

– كلا قد خرجت في هذا الصباح.

– ألا يمكني مقابلة أحد من الجواري أو السراري؟

– قد رافقنها جميعهن.

– أجميعهنَّ …؟

– نعم … جميعهن.

فتفاءلت العجوز من هذا الجواب، وقالت عساه خيرًا، ثم جلست تنتظر المثول بين يدي الباشا قلقة، وقد وطدت عزيمتها على إطلاعه على كل شيءٍ، فلم تلبث طويلًا حتى دخل الباشا عليها، وسألها قائلًا: هانم أفندي ماذا تريدين مني؟

– باشا أفندي حضرتلري ربما لا يجهل دولته اسمي … أنا فاطمة ابنة يوسف باشا المصري وقرينة عثمان باشا الحلبي.

فحدق الباشا بنظره إليها مستفهمًا. فقالت: ربما خفي عليك هذا الاسم … أنا التي كنت مقيمة في الطوبخانة لما وصلني في مساء عيد رمضان … فقاطعها الباشا متخوفًا، وصاح بالله عليك لا تنبسي ببنت شفة. أتجهلين أنك في دائرة الحرم وهو موضوع سوء الظن والتجسس، ثم خفض صوته، وقال لها: ماذا جاء بك إلى هنا؟ أخفي عليكِ أنك تعرِّضين «إقبالًا» إلى الهلاك؟

– لا تخشَ أمرًا مولاي، فقد كنت دبرت حيلة من غير أن تبعث أحدًا إلى سوء الظن، ولكن لم تجد شيئًا؛ لأن سمو السلطانة قد خرجت هذا الصباح.

– فصاح بها الباشا مستفهمًا: أخرجت؟ وإلى أين؟

– لا أعلم، فهكذا أخبرني الخدم والخصيان، وأخشى أن يكون من وراء ذلك شرٌّ.

فقلق الباشا وهبَّ لساعته يطوف في السراي يستدعي الخدم، فيسألهم عن سبب خروج السلطانة، فأجابوه جميعًا بأنها سارت إلى السراي الهمايوني منذ الصباح مصحوبة بجميع جواريها وسراريها. فعاد إلى الغرفة وقد غلب عليه الاضطراب، وعلت على وجهه أمارات الاكتئاب. ثم جلس مفكرًا وقد عاد إلى ذهنه ما كان منها في المساء، ثم قال لها: لا شك أنها خدعتني، واحتالت علي حتى عرفت موضع سري.

– وهل أطلعتها عليه وعرفت بولادة عائشة ومقرها؟

– نعم … وا أسفاه.

– كيف كان ذلك …؟ وماذا قلت لها مولاي؟

تبًّا للسُّكر تبًّا للخمرة، ولعنة الله عليها وعلى شاربيها، هي السبب … نعم هي كل السبب … كنت مدعوًّا بالأمس إلى العشاء عند الصدر الأعظم فشربنا منها كثيرًا، ولما عدت، وكان قد دب دبيبها في رأسي، استدعتني السلطانة، وأخذت تتملقني وتلاطفني حتى خُدِعت فاعترفت بذنبي، وأظنني صرَّحت باسمك أيضًا … وهي كانت عالمة بمقرك.

– يا للمصاب … يا للداهية الدهماء … الله أعلم أية مكيدة تكيد لي ولها …

– نعم، الله أعلم … وبظلمها أدري وقلقي شديد؛ لأنها قد استصحبت «إقبالًا» معها، ثم صمت قليلًا، وقال: هانم أفندي، أرجوكِ الرحيل من هذا المكان ريثما يتسنى لإقبال الذهاب لرؤية طفلتها.

– قرِّب لله ذلك اليوم مولاي … وشفعنا برحمته.

– اتكلي على الله وثقي بي … سأكون لك ولها سندًا وعضدًا … وبالمناسبة ماذا سميت الطفلة؟

– عائشة يا مولاي؛ على اسم ابنتي المفقودة، فإذا كنت تريد أن أدعوها باسم آخر، فلك الأمر وعلي الامتثال.

– لا يهمني الاسم كثيرًا … سأذكر عائشة، وأفضالك عليها، وعنايتك بها.

وإذا بالخادم دخل يدعو مولاه إلى الغذاء، وأرادت العجوز أن تطيل الحديث معه، ولكن لما رأته قلقًا مضطربًا، قالت له: أفندم، قد انتقلنا الآن إلى قرية بايكوس لا يعرف مقرنا إلا الله أمام جامع «أينكيار أسكه مني» فإذا رأيت من الصواب الرحيل والابتعاد إلى مدينة أخرى فأنا رهينة الإشارة، فأية مدينة تراها بمعزل عن شك السلطانة وانتقامها.

– أرمينيا أفضل الولايات لدي من هذا القبيل؛ فهي بعيدة الشقة كثيرة المشقة عسرة الاتصال، فإذا أقمت في قرية بجوار أرضروم مثلًا كنتِ في مأمن من كل غدرٍ وخيانة.

– الأمر أمرك مولاي، فسأرحل من غدٍ.

ثم انحنت مسلمة، وعادت على أعقابها إلى قريتها تتهيأُ للسفر.

وقام الباشا إلى مائدة الطعام، فجاء خادم بصدر فضي كبير، ووضعه على «اسكملة» منقوشة أحسن نقش، وجاء خادم آخر بطِست بهي المنظر وصابونة عطرية، فغسل الباشا يديه ونشفهما وجلس أمام الصدر. وإذا برئيس الخصيان قد دخل وعليه أمارات الاضطراب، فسأله الباشا: ألا تعلم سبب سفر زوجتي الهانم؟

– تريد لا شك أن تقول سمو السلطانة …؟ قد دعتها والدتها للذهاب إلى السراي الهمايوني؛ فلم تر وجوبًا لإعلامك، ولم تأذن لي بإخبارك بالسبب.

– إذن تعرف السبب وتريد إخفاءه عني؟

– نعم، على أسفٍ مني.

فكاد الباشا يتميز غيظًا لهذا الجواب المهين، وقال: حتى الخصيان صاروا يحتقرونني، فصمت. ثم انتهره قائلًا: جئني بالطعام حالًا.

فخرج الخصي، وعاد حاملًا صحفة كبيرة مغطاة بقبة فضية منقوشة نقشًا بديعًا، فوضعها الخصي على الصدر أمام الباشا، وقال: هذه الصحفة تخبر دولتك عن سبب سفر سموها … ثم ابتعد، ولم يرفع الغطاء الفضي اتباعًا للعادة. فحملق الباشا فيه وكاد لا يصدق أذنيه، ثم مد يديه وهي ترتجف حنقًا، ورفع الغطاء بحده، ثم طرحه وصاح مذعورًا صيحة دوت لها جوانب السراي، وتراكض من أجلها جميع الخدم والخصيان، وقد جمد الدم في عروقهم لمَّا وجدوا رأس «إقبال» غائصًا بدمها الطري موضوعًا في تلك الصحفة الفضية، وعينيها النجلاوين مفتوحتين قليلًا، وهي باسمة الفم دلالةً على أن رأسها قد حُزَّ غيلة، وشعرها الطويل يكلل ذلك الوجه الجميل. ولبث الباشا يصرخ ويصيح وا غوثاه! فلا من سميع ولا من مغيث. وأخيرًا تقدم إليه أحمد العبد ورفعه من منكبيه، وأدخله إلى غرفة ثانية، وهناك أجهش الباشا بالبكاء والنحيب متمثلًا في صورة تلك الغادة الهيفاء، وهو يقول: وا حسرتاه عليك يا إقبال! مسكينة أنت … ذهبتِ غيلةً وظلمًا! ثم فتح ذراعيه إلى السماء، وقال: أسألك اللهم أن تنجي طفلتها من الهلاك … أنت القدير على كل شيء …