(2)

9 0 00

(2)

حقيقة الحياة غيبوبة وليست نشوة شحاذة، يطلبها المرء، وهو يقف في ركن معتم قصي من كرة الكون المطلقة!

حين نظرت، افتكرت واعتبرت.

المكان بناء على رابية. هذا غير الجبل، بل هنا قصر. لا معبد. قصر مشيّد جميل، يستقبل، بشرفاته، الشمس المجيدة كل صباح. وفي الليل يغمره عطر مقطّر من ورد النجوم...

تشمّمت الهواء الطازج وتقدمت: البناء واسع. شكله أثري. يعود تاريخه إلى قرابة ثلاثمائة سنة.

ظهرت عليه كل معالم الثراء، والجاه، والحكم.

ـ هل أنا أمام سراي، لولاية عثمانية؟

أنعمت النظر في الرجل الذي قابلني في مدخله. هو نفسه بتلك الابتسامة النيّرة المشرقة والنبرة العذبة الندية.

ـ ((كنت في مقابلة....).

قاطعني: ((الشخص واحد)).

منذ زمن لم أشهق مثل هذه الشهقة!

ـ ((وأنت الشـ... سعيد))؟.

نعم أنا الذي كنته وهو الذي كانني)).

استرعت انتباهي كلمتا: ((كنته)) و((كانني). يا للعجب! كم سأقف على غرائب في رحلة مقابلتي هذه، التي اخترتها لنفسي طائعاً. بل اختارها لي حلمي. حينما أيقظني الشيخ ذو الثوب الأزرق وقال لي: تعال إليَّ واترك بلاد غربتك. فتركت بلاد المهاجر وقدمت. لا سأثابر.

تابع وكأنه يشرح لي هذا اللبس: الجلد، الجسم، مثل القميص الذي نرتديه، ثمَّ يستبدل بآخر...

وامتدت فترة صمت ضاغط بيننا. انقرضت اللغة؟ توقف الكون عن النمو؟ كل شيء ممكن لدى ذهني. فلم أعد أعرف أين ينتهي الواقع الراهن؟ وأين يبدأ الحلم، أو الخيال؟ مع هذا النوع من الناس. وأين أنا منهم كرجل مخذول؟ لكم ينطوون على معارف وأسرار، وطاقات روحية. تراهم عندي لا يغيّبون بالموت. أو هل مات الزمن؟.

نعم الزمن، الزمن هذا العدو القاهر للإنسان، وسبب هزيمته الحقيقية على هذه الأرض. هو الذي يبقى عليها ويموت الإنسان. أمَّا (فوق)) ما وراء الخط الأزرق فيموت هو ويبقى الإنسان.

وأراني أتساءل، في المناسبة، هل هذا الشيخ بلغ هذه المرتبة، وهو يعيش على سطح هذه الأرض؟ أم هو قَدِمَ إليها من أرخبيلات الزرقة العليا؟ وكالعادة عرف: ((قَدِمَ إليها بالروح لا بالجسم. فالإنسان بجسمه (دود) يحمل بذرة فنائه. إذن الإنسان بالروح بالجوهر يبقى حياًّ)).

ـ ((يعني هذا تأكيد على أنك أنت الشـ......سعيد))؟.

ـ ((.......)/ سكت.

ويا معبد الصمت والسكون أغثني.

حقيقة. ما زال شيخ المعبد هو هو.

ولكن أراني قد علمت، من خلال ملامحه، ودلائل شخصيته، أنه هنا، يزاول الحياة العامة، بل يمتهن السياسة بخاصة. فها هو قبالتي يرتدي بذلة رسمية ـ عصرية ـ ذات لون أزرق.

ـ ((السياسة عندي نوع من ممارسة الزهادة والعبادة التي تنفذ في الصومعات. وليست هي الغرق في أوشال الكذب والدجل))؟.

ألم أقل إنه يقرأ الأفكار، قبل أن تظهر؟

وبطلب من فضولي الزائد المعتاد، استدركت: ولكن أراك قد تغيّر فيك اللباس، والزي، والرسم)).

أجابني بتمهل، بعد أن هزّ رأسه الحاسر عن شعر أغبر مخلوط بالبياض، وغير مرجل أيضاً:

-((وذلك من أجل الانخراط في حياة الناس العامة. علني أنقذ واحداً من الذين يتساقطون، يومياً، في مهاوي هذه ((الدنيا الدنية)). وجهنم تفتح أبوابها وتطلب هل من مزيد))؟..

نطقت بحماسة: ((تباً لـهم)).

انفرجت شفتاه، وابتسم. زفرت وتابعت: الدنيا فانية هكذا أعلمني.../ولم أكمل. ركزّ جلسة التربيعة التي اتخذها في وسط بهو القصر ونطق:

-الدنيا، بحقيقتها، وجدت للإيمان، أي لاكتساب الإيمان ومزاولته عقيدةً وعملاً. ولكن عندما حلَّ فيها العكس. فلا عجب إذا ما أعلن (يوكوياما) الياباني عن انهيارها البتة))!.

ثم محاضرة منه، عن نظرة هذا الـ(يوكوياما) في انهيار حضارة الأرض وانتهائها برمتها. معتمداً فيها محور ((دناءة الدنيا)). وسوء الأعمال والنيات في حياتها العاجلة الفانية. ليبرر الجوهر الثابت الموجود في الحياة الآجلة الباقية.

ثم راح يشرح الطرق والوسائل العملية، لا النظرية فحسب، التي تؤدي، بدورها، إلى الانتشال من المستنقعات. مثل إطراح الحسب والنسب و(الأنا)، والعصبية القبلية. والكبرياء، وسلطة المال والجاه، وشهوات الغرائز وسيطرتها على النفوس. و....((أملاً في بناء مجد روحي للإنسان الصافي النقي، الذي يمور بجمال الروح الباطن. الجمال ((المشهدي)).....)).

ماذا أسمع؟.. حسبت نفسي ما زلت في معبد الجبل. لا في قصر الرابية. غير أن السلك للعابد السالك هنا. يختلف عما كان عليه هناك. في المعبد يتم السلك عن طريق الزهد والتقشف بتعذيب الجسد. وفي القصر، هنا. يتم هذا السلك وفق المبادئ نفسها، ولكن بتطبيق عملي، على صعيد الواقع الميداني، أي بين الناس.

وأكمل هو ما فكرت فيه: ((يمكن الوصول إليه إما لزهادة في شماريخ الجبال، وإما بمعالجة قضايا المجتمع المعيش، في الحياة العامة....)).

*** *** ***

-(أيها السادة أطلب من حضرتكم الموافقة على إعفاء ذوي الدخل المحدود من الضريبة الخاصة بـ....

-أنت معارض لكل شيء يا حضرة النائب.....

-أهكذا الديمقراطية عندك يا رئيس المجلس النيابي؟.. أنا كنائب عن الشعب لي الحق في طرح مشاكله.

-ألا يوجد نائب منتخب غيرك؟

-أنت أمين سر المجلس. راع مصلحة الذين انتخبوك وفِ بتعهداتك لـهم.

-عفواً الآن دخل رئيس مجلس الوزراء.

-عال، يا عمي طلبت حضوره في الجلسة السابقة.

-لم آت بناء على طلبك يامحترم.

-أنت خائف من المحاسبة أمامهم.

-لا.

-لأنهم مثلك لصوص.

-ما هذا الكلام؟.. أيجوز أن يلقى ذلك في حرمة البرلمان؟... /ثم ضجيج وصياح وزعيق/.

-الآن أعلن تعليق الجلسة ليوم غد.... تفضلوا....).

***

أجل برر لي نهجه العملي من خلال الطريق الذي سلك. وأوضح أن الزهادة، سواء أكانت فردية أم جماعية، في صومعة منفردة أم في خلية المجتمع؟.. ليست عملاً سلبياً بل هي عمل إيجابي بحت في كلا المسلكين. وطريق معبد إلى الوصول. الذي هو الهدف الأسمى نحو((غاية الغايات)).

-((فالناسك السالك المنقطع إلى جهاده، في خلوته، يمثل نموذجاً فردياً حياً في اتباع سبيل الخلاص. كما يتحقق هذا الخلاص عن طريق الجهاد على الصعيد العملي-الميداني)...

وبين أيضاً أن ثمة من يجمع عنده المسلكين الاجتماعي والتنسكي الانقطاعي.((فالسيد المسيح عليه السلام انقطع في مرحلة عمره الأولى، قبل أن يبدأ جهاده بين الناس، خمس عشرة سنة، في الجليل ثم باشر في المرحلة الثانية. وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، انعزل في غار حراء، قبل أن يبدأ بالدعوة)).

لمعت في ذهني أفكار شتى، من خلال ماسمعت، أجل أنا لست صفراً في الثقافة:

-((أنت تريد أن تنزل على سطح هذه الأرض. مدينة أفلاطون الفاضلة. تنقلها من واقع الأحلام إلى واقع هذه الدنيا)).

أشرق وجهه. وعمق نظرته تحت حاجبيه الكثيفين كأنه يريد أن يثني عليّ، لـهذه المعلومة، ثم أسند رأسه بأصابع يده اليمنى على مهل كالعادة، كمن يتذكر.

-((أنطق: ((كنت أبحث عن ذاك الـ(أفلاطون)؟)).

ابتسم ونطق هو بتؤدته المعهودة. وقد اكتسب صوته بحة مؤثرة: ((إذا ما طبقت أحكام مدينة أفلاطون تلك. يعيش المرء في جنة، طبعاً جنة القيم والمعاني والفضائل المستجنة بأهلها كالسور....)).

وتابع بعذوبة:.....((وجنة الكوثر والفردوس)).

من جهتي تابعت معه طالما أنه يرضى عما أقدمه:((وجنة أنها....)).

أوعل عينيه وقاطعني: ((أعتقد ذلك همس غواية...../ وسكت على مضض.

وأراني لفظت: ((ولكن ما السعادة يا.....))؟..

-((سعيد)). ذكر عني اسمه وتابع يشرح السعادة ومعناها. أسهب وكأنه مأخوذ بفيض خاطر، حجز في داخله...

ثقل رأسي. لم سألته؟

-((... والسعادة القصوى. أو ما تسمى بالسعادة الأبدية. هي التي لا تحقق إلا في الحياة الآخرة، عن طريق قهر السعادة في الحياة الأولى، الحياة اللا شيء. وقهر سعادتها لا يتم إلا بقهر الجسد بشهواته وغرائزه)).

ثم فرجت، فأراحني أخيراً من درس صعب، حين نهض ومشى في ردهة صالون القصر. شاهدته تماماً في((قميصه)) الراهن هذا:

الرجل في مرحلة الكهولة المتأخرة. منتصب القامة، فارع الجذع. ضامر الخصر، رقيق البشرة، هيكل جسمه جد نحيل. رأسه الكبير مكسو بشعر مهدل. يميل لونه إلى الغبرة تغمر قوام عظامه الطويلة بذلة فضفاضة من طراز (طقم إفرنجي) أزرق. قد بانت تحت ذقنه ياقة مفتوحة والعقدة لم تكن محكمة الربط فهو يهمل هندامه وشؤونه الخاصة....

حين أخذني بيدي إلى غرفة خاصة، من غرف هذا القصر العريق. تعجبت!... رأيت فيها جمجمة رأس آدمي موضوعة على طاولة خشب قديمة، من نوع (طربيزة)، كشارة للموت أو تذكرة به. ورأيت أيضاً أثاثاً بسيطاً جداً منه: جرة فخار للماء، صحون خزف، فتات خبز يابس، بقايا أطعمة بقولية: فول حمص، عدس، خضروات...

الرجل نباتي مثل أهل الصين!...

وثمة ركن فيه بساط عتيق، وسجادة صغيرة.

لِمَ...؟ /نبست.

-((لممارسة طقوس عباداتي يوم الجمعة... لي في هذا اليوم طقوس عبادة خاصة، في تصفية الرأس –الذهن-، وتنقية النفس. وبالتالي تحرير روحي من سجن جسدي.. من أجل نيل سعادة قصوى))..

ودرس جديد عن تمارين الـ(اليوغا)، التي تروض النفس على التأمل الخالص بمرافقة فعالية عقل حيوي. قال: ((تمارين اليوغا، رياضة روحية بحتة. تعمل على تحرير الإنسان من أجل ((المشاهدة)) وهذه هي السعادة القصوى وغايتها. وهي لا تتم إلا بعد انعتاق الروح ورفع الحجاب...)).

أُراني ما الذي يرقص قلبي الآن، نحو ذاك الفضاء؟.. بل كأنني صرت أهيم محمولاً بمركب صوب العنقاء!..

تابع: فالمشاهدة خص بالإنسان وحده. هذا الكائن الذي انتظرت المخلوقات طويلاً حتى ظهر في أحسن تقويم. هذا الكائن الذي خص وحده أيضاً بالحرية والاختيار، لا بالضرورة كبقية المخلوقات، طالما منح العقل هذا الجوهر الإلهي الذي لايضل)).

و:

((فالإنسان بعقله المقبوس حصل في الوجود على مرتبة العنصر الفذ))!!..

عدت ولفظت مندهشاً: ((المشاهدة دون حجاب)).

أجابني وافتر مبسمه ((نقل عن أحدهم وله من أمر الله عاصم سأظل أجاهد حتى يرفع الحجاب....)).

فالحجاب اعتبره ذلاً لـه!...

أأبقى في صحارى التيهان حاملاً بوصلتي؟...

وتطرق أذني ((وصوفي آخر قصر رفع الحجاب على صاحب السر))...

-((كشف الستر الحجاب)) يكون لغلبة السر)).

ثم شرح لي ما تداعى لـه من مدخراته ذاكرته التنسكية. وأنا ما زلت فاغراً فمي، كأنني تلميذ صغير، أمام معلم كبير.

أسهب في حديث التنسك الهندي، وبخاصة منه (المذهب البرجي) ثم تناول أصحاب الشطح والمواجد، المتدفقين بمجاهداتهم الروحية.

وأسمعه بحماسة: ((ياللتلذذ بالمعرفة التوحيدية، وحلاوة الترقي بالماهية، من مقام إلى مقام، في الهيئة –الحضور؛ حتى ذاك الوصول المنشود...)).

وكَرَزَ كأنه يتلو درساً ليحفظه غيباً((بالمعرفة الإشراقية السامية، يسدّ المجاهد جوعه إلى الحق، إلى المشاهدة))...)).

تركته يتكلم وحده في المعرفة الإشراقية هذه وكشفها. وتساءلت في نفسي كيف سأتدبر أمري إذا ما أطنب، في وحي فيضه؟....

ومطارق حديدية أخرى تفجر الدماغ....((ما الوحي إلا نور يطلقه الله في القلب)).

ثم أوضح كيف سيحل في قلب المجاهد ما يسمى بالعشق الإلهي. وتتولّد فيه حرارة لـهب الحرائق الوجدانية.....

وتراني: أأنصرف؟

أم أصبر؟

-((الصبر شيمة مفضلة، وفاضلة))!

إذن فلتطرق مسامعي تحليلاته لوظيفة ((القلب))، لدى المجاهد، في خلق المعرفة الحدسية... وركز عليَّ كتلميذ حقيقي عنده يشرح كيف يتعامل القلب نفسه مع الأسرار القابعة فيما وراء حروف الكلمات، وفيما وراء العقل أيضاً، بوساطة لغة شفافة: تعرف بالذوق أو بالكشف.

حقيقة من ينظر إليه وهو يتكلم بهذه الغزارة. وبهذه المصطلحات التخصصية.يظن أنه يستمع إلى أستاذ جامعي ملتزم بالعلم((الصوفي))!.

ووجدتني، تلقائياً، في حوار:

-كيف يتم كل ما ذكرته؟...

-بالكفاح الخلاصي المؤدي إلى الصفاء النفسي والطهر الوجداني.

-وماذا بعد؟...

-ينبثق في قلب السالك نور شعشاني يخمد الظلمة التي تتمركز في كثافة المادة-الجسد.

-ثم...؟..

-ثم تخمد القوى الدافعة للشهوات والغرائز البهيمية.

-والنتيجة؟.

-يصبح الإنسان السالك –بعد ذلك- ذوباً خالصاً من الطهر والبراءة والنقاوة.

-..../صمت.

ولكن ليته يتركني بصمتي.

لا.

بعد أن استرد أنفاسه، نترني سؤالاً، بصوت عال كأن امتشقه سيفاً من غضب:

-ألم تسمع بثنائية اللطيف والكثيف؟..

حقيقة للصبر حدود!...

-هل أنا فيلسوف مثلك؟...

انحمق وادلهمّ وجهه: ((أنا لست فيلسوفاً. بل أنا تلميذ فحسب)).

ثم تنهد وتابع:((لقد قرأت (أفلاطون)، والصراع بين النور والظلمة-اللطيف والكثيف)) في الوجود الإنساني...؟)). وسكت.

لم أجب. بقيت مكفهر الوجه أمام غزارة ثقافة نوعية....

عاد وابتسم لي تخفيفاً عما كنت أعانيه.قال: عند أفلاطون، يعود الإنسان إلى أصله، بعد هذا الكفاح المرير، بين ذينك العنصرين....)).

نعم، نعم أرى لا حيلة لي معه، فقد استطاب لـه فيض الكلام: ((أصل الإنسان روح لطيف. حبس في بدن كثيف ولا ينجو ويتحرر من سيطرة هذا البدن إلا باتباع سلوك عصامي، وتوّجد صارم في العشق –((الإلهي))-السامي-... فينفتح لـه اللون الأزرق.

ثم يتصل بالعالم الأكبر، ويصل إلى الغاية القصوى وهي الجوهر، في قضية السالكين....

ولم يكمل مشافهة. بل أكمل تمتمة داخلية ظناً منه أنني على الرغم من محدوديتي أعرف مافي نفسه.

ثم أمعن النظر أمامه، بعد أن أسند رأسه الذي ثقل بأصابع يديه وجمد يتأمل كعادته.

أأغادر القصر دون إذن؟...

بعد برهة انتفض بجسمه وراح يكردح في الممر. تمتم شيئاً ما. ثم أعلن:

-((استظهر شروحات أفلاطون عن مقولاته....)).

توقف.

استدرك كمن يفطن: و((هيجل)) المعروف اقتبس عن مقولات أفلاطون نظريته المثالية: ((الإيديال)). من أجل تثبيت نظرية أفلاطون الداعية إلى الزهد بهذا الكوكب وجسده، والعودة إلى ما بعد اللون الأزرق وروحه)).

جاس على أريكته.وحدق إلي: ((أنا صرعتها)).

ماذا يقول؟ وماذا يعني؟ أنا لست مثله. لا أعلم ما يدور في البال خفية وتضميناً.

-((صرعت من..... يا سعيد)).

-((صرعت ظالمتي، قهرتها. قهرت ((أنا)) لقد وزعت كل ما ورثته عن آبائي وأجدادي من أرزاق وأطيان، وأملاك ثابتة ومنقولة، على المحتاجين والمعدمين العاملين فيها....)). وسرد بقية توزيعاته: الأبنية والأقبية. وقرى الأرياف بكاملها على سكانها من المرابعين. و...... فجرت عيني على وسعهما. وقلت في نفسي: هذا السلوك الصارم، لا يصدر إلا عن أقوى النساك.

افترت شفتاه، بابتسامة مدغومة بالكلام: ((هذه عبادة ميدانية. زهادة واقعية، صوفية تطبيقية)).

وضحكنا معاً.ثم ثبتت عيوننا في وجهينا، هو أخذ يتأمل. وأنا أخذت أسرح. فكرت: رجل فريد عصره. نسيج وحده. يتحد في شخصه، القول بالعمل المبدأ بالسلوك. مثالية فائقة تسطع كالشمس في تطبيق العدالة الاجتماعية. كما يقال في عالم التنظير بالصحف والكتب والمجلات. انسلاخ تام عن الذات، عن الأنا....

-((الشريرة)). قاطع تفكيري ونطق هذه الصفة، وسكت. رفعت رأسي بعد قليل. وجدته محملقاً بنظرة صب بها عينيه على هلام مشوش في الهواء، ماداً سبابته نحو الجدار.

وهكذا وجدتني في بهو فخم أنيق.فيه طاولة مكتب. عليها قراطيس وأقلام، وبجانبها خزانة ذات رفوف مملوءة بالمصنفات والأضابير. ثم أعلن أهمية النضال الاجتماعي، في السلك الزهدي، عن طريق التنظيم الحزبي.((لدى حزب سياسي، أعارض به الحكومة. وأقاوم السلطة لوقف نهب الثروات العامة...)).

*** *** ***

(-أستاذي سعيد. عدد ((جريدة)) الأنباء جاهز إلا مقال الافتتاحية.

-البارحة سهرت مع العرائض والشكاوي يا محرر أحمد. سأكتبه بعد قليل.

------ -- ---

-ما هذه الافتتاحية الصاروخية يا نائب سعيد؟.. نسفت بها كل أساسات الحكومة، والرئاسة، والوزارة و....

هل كتبت افتراء أم بينت الحقائق ليطلع عليها الناس كافة ياسيدي رئيس المجلس النيابي؟...

-أراك تجوز كثيراً في معارضتك السياسية هذه!...

-كيف أجور يا حضرة النائب سلوم؟ والشعب بطبقاته الدنيا، من العمال والفلاحين في وادٍ والحكومة ووسطاؤها في وادٍ آخر؟...

-يا أخي زدتها أكثر من حبتين ومئة حبة!

-يا أخي قل لي من هو صاحب المصلحة الحقيقية في الوطن؟ أليس هؤلاء الكثرة الكثيرة من الفلاحين والعمال....

-أراك تفلسـ.....

-أنا لا أفلسف: بل أبرهن الحق وسأبقى معه ومع أصحابه، في هذه الدولة، التي ترفع علمها باسم هؤلاء الكادحين من أبناء الأمة.

-يعني.....؟..

-يعني، أنا لا أريد سوى تطبيق القانون والنظام. وأيضاً عدم التدخل في القضاء والصحافة.

-أنت يا نائب سعيد ((المعارضة)) عندك هواية.

-المعارضة عندي مبدأ لإحقاق العدالة في الدولة، يا رئيس برلمان هذه الدولة.).

*** ***

أقبل، هو.

بعد أن توقفت سيارة من نوع تكسي، في باحة القصر. كانت فارهة وذات لوحة رسمية.

غمرٌ من الأوراق والمصنفات بين يدي السائق، الذي ترجل منها. حتماً هتف لـه، ليأتي إليه بها.

تسلمها منه، ووضعها على طاولته الخاصة، دون تأفف....

-(ما هذه يا .....)؟ ما زلت كالعادة، أخجل أن ألفظ كلمة سعيد منفردة.

انفرجت شفتاه: ((ما حبسته على لسانك، أطلقه على ابن سينا، الحلاج، المعري، ابن عربي.....)).

قاطعته: ((دعنا من الألقاب، ولكن ما هذه الأوراق))؟.

-((أوراق الدولة، والإدارة، والمواطنين. الليلة سهرة صعبة معها...)).

وهنف بضحكة مبسترة.

من جهتي: رأيتني كمن يضرب على رأسه.

هل أنا بت هنا في القصر، هذه الليلة؟... أم استقبلني ليلة البارحة؟.. هذا الرجل ككل، لم أعد أضبط وقتي معه، المهم كنت بجانبه ثانية في غرفة الجمجمة.

-((الليلة، هي ليلة مباركة.... ليلة الجمعة!!))!

ذكر ذلك لي، وجلس على بساط رثٍ. والتزم بوضعية التربيعة الخاصة به. ظل صامتاً يشغل انفراده بنفسه بممارسة أنواع صعبة من تمارين اليوغا. يعالج بها حواسه. وعضلات جسمه وأطرافه لتنعكس بالتالي على نخاع دماغه فتنقيه.

ثم رأيته ينظر أمامه، بعد جهد جهيد مما بذله، ظل مدة تقارب الساعة، يتأمل. تراه لم ترمش عين لـه. يارب العالمين! ما هذه الطاقة الروحية التي يمتلكها؟ كأن طاعت لـه قوى فيزياء جسمه بالبتة!...بعد أن انقطع عن مكالمتي. حسب ذاته أنه موجود في الغرفة وحده.تناول كتاباً. كان ديوان شعر مكتوب باللغة الفرنسية وبدأ يقرأ ويترجم لنفسه. ثم تركه. وتناول ديواناً آخر مكتوباً باللغة الهندية. كان للشاعرالهندي المعروف: (شنكارا). وأخذ يقرأ فيه ويترجم، ويليح برأسه، مثل درويش في حضرة مشهدية. هذه فتوح الفرح عنده. (ذليل من يغترّ بهذه الدنيا الفانية. وكل يوم يسمع بانتقال إنسان منها... ألم يرعووا...))؟..

هذه الأجواء أبهظتني تماماً، لم أعد أقدر على المتابعة. لشد ماتصدع رأسي!

نظر إلى وجهي المكفهر.

ابتسم مشفقاً: أرهقتك؟.. استرح.

***