(4)
ذات يومك أشرق صبحه زاهياً رائعاً....
ثم أخذ يغطيه الغيم شيئاً فشيئاً، بعد أن ارتفع الضحى. لا أدري أين قادتني قدماي عقب شوط من المسير. وهأنذا أقف على ذروة. امتدت أمامي سلاسل الهضاب والجبال.
كنت أتخبط كالتائه.
مللت المشي.
فجأة رأيتني، في وسط غيض، يحف به البحر، من جهة الغرب. والجبال الشاهقة من جهة الشرق. وانداح أمامي شريط بديع من تعاريج الخضرة، في سفوح تشاطأت مع حوافٍ ((قارية)) كسّرتها الأمواج الأزلية وحولتها إلى أخاديد ونواتئ، كالموازيك، لتشكل ثغوراً ورؤوساً وخلجاناً. الريح تخفق بأشرعة القوارب، قرب الساحل. والريف على اللحوف يعجّ بالقرى والسكان والكروم. الحياة((جنة)) هنا. رخصة وطرية!..
هبتّ عليّ نسائم ناعمة رقيقة. ياللمناخ الندي! قد أغرقته عذوبة شمس لطيفة وربيع خميل! أين مناخ (الربدة) القاسي ذاك؟...
*** *** ***
المملكة تنعم بالأمن، والحكم والجاه.
أنا في بهو قصر السلطان، حاكم المملكة السعيدة. لم أجده جالساً على كرسي الملك، كالعادة، سألت عنه. قيل لي إنه ذاهب في سياحة بين السهل والجبل. وبين الحاضرة والبادية.لحقت به مدفوعاً كالمرسل.
ماذا جرى يا سلطان الزمان؟..
وضع يديه خلف ظهره ومشى أمامي يخطر بجبة من صوف. كان قد اتخذها رداءً لـه، بعد أن نزع بذلة الملك البهية.
تعجبت من لباسه الصوفي هذا؟...
يا..........
يا سعيد. /قاطعني فوراً. دهشت أكثر فأكثر، وأنعمت النظر في تقاسيمه وملامحه. فهو نفسه!
سألته: لِمَ هذه الجبة الصوفية، يا...... سعيد؟...
أجابني لإخماد حرارة الجسد بحرارتها.
المنطق السلكي ما زال نفسه. والنطق في منطقه ما زال واحداً. ثم لا أدري كيف أشرق في ذهني أن الصوف، سيغدو لباساً خاصاً لجماعة ((الحرفة)) والصوفية من ((الصوف))!!...
طبعاً علم ما خطر في بالي –كعادته-:
-((دعنا من اللباس الظاهري ثمة حديث أهم، من حديث الشكل هذا، ينتظرك، يامن تجشم المجيء إلى هنا.... حديث يدخل في الجوهر.....)).
لم يعد إلي رشدي بعد. ظللت تحت سيطرة ذهنية ((الانخلاع)):
((لماذا تركت كرسي الملك أيها السلطان))؟
كرّب قبضة يده، كأنه يكمش حفنة من روحه، ونطق: لا تقل ((السلطان)) ثم أراد الكل ترك الكل....
عدت وتذكرت هذه ((القولة)) وقد شاعت كحكمة في ربوع الزهد والورع.
وأيضاً:
((صار لي كل شيء بعد أن تركت كل شيء))!
وتابع كمصاب بحبس الكلام:
((كنت في سجن الملك والسلطان، والآن أعيش حريتي الكاملة، حرية الروح الأبدية....)).
((كنت تحكم الرقا.....)/.
ـ ((آه! لو يعلم حكام الرقاب مدى السعادة التي أحياها الآن، لتركوا عروشهم في الحال وتبعوني))!....
بعد أن ساد الصمت. استأنف:
ـ ((هل ثمة سعادة صفاء خالص كسعادة الرجوع إلى القدوس الرحيم))؟
ثم أخذ يدلي شيئاً من أفكاره الخاصة، مثل فكرة ((الموت قبل الموت)). واسترسل في حديث ذي مستوى عالٍ فهماً واستيعاباً. تراني ما زلت كالعاجز في كل (قميص)) يتخذه.
... وطرق أذني:
(الروح في حنين دائم، وميل جارف، من المحب إلى الحبيب ومن المنفى البعيد إلى الوطن الأول، الذي كان لـها وخرجت منه. من الغربة في عالم الأرض إلى دفء الزرقة في العالم الرحماني....)
و: ((الوسيلة للوصول هي العشق الروحي الخالص، كالشعاع للحبيب))..
وأخذ يكرز على تنشيط النفس وتقويتها برياضة الجوارح، بالتواجد والتهجد.
وفي ((ترك الوساد، والالتزام بالسهاد))... حتى تتلاشى الحواس ويحل نقاء الوجدان....
((فيقترب السالك من مرتبة ((الوله)) الروحي. ثم مرتبة القرب والأنس))....... ثم النعيم الذي ما بعده نعيم! ((لم يخطر في بال بشر)).
أنا شاخص بعيني كتمثال من جماد أمام معلم يشرح تاسوعات (أفلوطين) في المبدأ الأول وفي العلة الأولى. وفي ((الواحد المطلق والفيض عنه، فكان منه الوجود، والكون.....).
أكان سلطاً أو فيلسوفاً؟ هو الآن يعي ويعني ما يختلج في نفسه، ويقوله لسانه من مثل هذه الأفكار التي يطرحها. ليتوجه بها إلى قضية آمن بها كل الإيمان هي قضية ((الرجوع)).
الرجوع المشفوع بحنين الفرع إلى الأصل. والرجوع...
ويكمل نصه العشقي: ((إلى الحبيب... إلى الحبيب..... غير الحبيب كل شيء زائل....))
أشرت بيدي. توقف.
قلت: إنك تتوغل في بحور الفكر والفلسفة العليا، فلسفة الروح، لتكرس زهدك وتصل.
اعتلت جبهته مسحة من بهاء. كأن انبلج من نور. ثم نطق عبارته الشهيرة:
ـ (طرح رغبات الجسد تكسب الآخرة))!
ثم ابتسم وشدني من يدي: ((اعمل لتنتقل من ذلة المعصية إلى عزل الطاعة)).
حركت شفتي لأتكلم، دون أن أدري ما سأٌقوله. بيد أنه أنجدني. وأخذ يقص عليّ كيف اكتفى بالحبيب المنشود، عن كل شيء في هذه الدنيا. وإن كان فيها أميراً أو ملكاً... ((إنها فانية زائلة لا محالة)).
قدّرت من خلال كلامه، مدى تفانيه في مذهب زهده. واستجابته في تلبية خالصة، لذلك النداء الذي ألم به ـ أو حل عليه ـ وهو في عز سلطانه. عندما كان في كوكبة يخطر ببذلته الأميرية، التي توهجت بخيوط الذهب، وهو يرمح فوق صهوة فرسه المحجّل باتجاه البادية، للصيد مع حاشية تهمز حوله بالخيول الصافنة الضامرة.
ناداه من أعالي اللون الأزرق، بعد أن أطلق عنان فرسه الأغرّ، خلف أرنب قفز من أمامه.
((صوته! آه يا صوته! من أين أتى، من أية موسيقى؟....)). نعم سمعته يهتف جرساً علوياً: ((ألهذا خلقت يا....؟ أم بهذا أمرت يا....؟)). فاستوعب في الحال مضمون هذا النداء وانصاع لـه كأن جلجل في أعماقه صوت الحق. فشق في قلبه نوراً مبهراً. أعشى عينيه عن كل ما كان حوله وانطلق مسرعاً إلى أحد رعاته.
(ـ قف يا ثليج أيها الراعي.
ـ أرعبتني يا جلالة السلطان. هل أخطأت؟ أقبل التراب بين يديك
ـ لا تخف يا ثليج. بل انزع عنك جبة الصوف. والبس بذلتي المذهبة هذه.
ـ لا تقل السلطان، ولا سيدي.
ـ لا. لا تخلعها عن جسمك سيدي السلطان.
ـ يا....
ـ وسأعطيك هبة فرسي وسلاحي.
ـ لم أصدق
ـ بل صدق
ـ وأنت أين؟
ـ أنا سأسيح في حب الله تعالى في البوادي والسواحل والجبال والمغاور. مرتدياً جبتك الصوفية، ولتكن شعاراً وتسمية لأصحاب هذا السلك).
*** *** ***
وظل يقص علي. وأنا في غاية الذهول والاندهاش، كأن تطاير جسمي قطعاً في أرجاء المكان.
ألحت برأسي. حركت شفتي. لا أدري.
رفع كفه وقال: (العبرة في العروق وليس بالخروق. بل العبرة في السلوك وليس بالملوك. ........... وسكت.
تابع: ((بهرجة الملك سخرية. فالحياة الحق هي في العالم الآخر. وهي طبعاً لمن جاهد بإيمانه، في الله واليوم الآخر. ((قال لوقا في إنجيله: ما من خادم يستطيع أن يخدم الآخرة والدنيا معاً)).
من جهتي ظللت صامتاً وأنا أقدر لـه، وفيه، هذه القوى المكتسبة الجديدة في الروح والإرادة.
والإيمان.
ـ و....
*** *** ***
بعد أن ساد الصمت بيننا عدت وأمعنت النظر في وجهه. ظهر لي منوراً بهياً همست في داخلي: ((هو من الذين ((خلوا بالرحمن)) فنوّر الله وجوههم بنوره الكريم.....)).
ـ ((لم يغش وجهي كدر منذ التزامي)).
حين نطق، علمت كالعادة أنه يرصدني في نفسي، وما يختلج في باطني.
ثم ساد صمت كالقنوت في الجلسة.
بعد فترة نظرت إليه كان قد استولت عليه سبحات الوجه المشرقة.
قال: يا لنعيم هذه ((الشطحة)) كنت بلا جسم، بجوارحي فقط، أرى دون عين، أسمع دون أذن. و......
هل جن اللاوعي عنده؟ أو جن الوعي عندي؟ وهو يسترسل بـ((لا شعوره)).
ـ ((أنا هنا غريب. كل إنسان. بحقيقة أمره غريب على سطح هذه الأرض))!
ثم رأيته يفرد لي وجهه، الذي ازدهر أكثر، كأن يقدم لي مواساة لعجزي في عالم اللاحواس الجميل الذي يعيش. لكن سرعان ما عادت تتقافز الكلمات بين شفتيه:
ـ ((كنت محمولاً على أجنحة اللحظة الخاطفة. مفصولاً عن عظامية الجسم...))
افتكرت وحزنت. الفرق بيني وبينه، كالفرق بين الكثافة واللطافة. فباسم جهلي الصامت. استعيذ ألاّ أتشظى حسرة وكآبة.
إذن سأبقى بصحبته، وفي الصباح يحمد السُرى.
*** *** ***
في جلسة صفاء أخرى. عاد يذكرني باجتهاد زهدي لـه في ((منع النفس)) أطلقه. فشاع كقاعدة فقهية:
ـ منع النفس في ثلاث حالات: في الحلال فضل وفي الحرام فرض، وفي الشبهات سلامة.
قلت بدوري هذه الكلمة: والإقلال.
أخذها على محمل الجد: هذا سؤال في غاية من الأهمية، فالإقلال يكون في ثلاث حالات أيضاً:
ـ الإقلال في النوم، والإقلال في الطعام، والإقلال في الكلام!
ثم ذكرته بحادثةٍ: ظل قابضاً على نفسه بها، كسرٍّ، بإرادة من حديد:
هل شكوت من تصرف ذاك العتريس؟
ـ لا
ـ هل دعوت عليه؟
ـ لا وربي
طبعاً أراد ألا يفشو بكرامته في قضية موت الرجل المتجبر الذي تضاعفت عنده شهوة ((الأنا)) فانتزعه من مكان جلوسه وألقاه أرضاً ولكنه عاد فمات بلبطة من بغله....
ثم نهض ليطفئ الخبر. طاف بي في المكان. أرأيت خضرة الله البديعة؟