الجزء الأول

5 0 00

الجزء الأول

رغبة

غادرت الممرضة الفلينية كاونتر التمريض كان النعاس يبدو واضحا على وجهها. وعندما وقفت بجوار سريري كانت تشبه الملاك بملابسها البيضاء وحذائها المطاطي. ابتسامتها ـ رغم النعاس الذي يبدو في عينيها ـ والهدوء الذي يغلف المكان، قربا إلي وجودها في الجنة، لولا الألم الذي يحيط بالغرف، والصمت الذي يشبه صمت القبور.

طلبت منها ورقة وقلما، فاعتذرت وهي تنظر في ساعتها، ثم قالت:

ـ تومورو.

أخبرتها بأني أحتاجها الليلة، وفي تلك اللحظة بالتحديد، فهزت رأسها بعلامة الموافقة، ثم اختفت قليلا، وعادت تحمل أوراقا بيضاء، وضعتها على طاولة الطعام، ثم سحبتها حتى أصبحت في متناول يدي . أضاءت المصباح الخاص بفراشي، ثم شدت الستارة كي لا يتسرب النور إلى المريضة التي تشاركني الغرفة.

لم أكن قد كتبت كلمة في الأوراق عندما سمعت صوت أنين نبهني إلى الأخرى التي تشاركني الغرفة، كان هدوئها قد أنساني بأنها قد خرجت منذ ساعة من غرفة العمليات. فأمسكت بالقلم وكتبت كلمة واحدة " العنود" ثم هبطت عن سريري واتجهت إلها، تأملت وجهها، بدا متحفزا وهي نائمة، وكأنه سينفجر في أية لحظة، كان مستطيلا وخاليا من الحياد، كيف ذلك وهي غارقة في النوم؟ وأنا في دهشتي فوجئت بملامحها تتغير وهي تفتح عينيها وفمها في نفس الوقت، أصبحت أقل حدة وهي مستسلمة للألم، نطقت قالت بلسان أثقله المخدر:

ـ أبغى أشرب قهوة في بيتي.

قالتها ثم غرقت في نومها مرة أخرى.

كان أنينها في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل يشكل وسيلة من وسائل التعذيب بالنسبة لي . لقد ظننت بأني سأخلو إلى نفسي بعد أن نام الجميع وغرق المكان في الذي انتظره كل ليلة، ولكن أملي في الهدوء تلاشى بعد أن سمعت طرقا خفيفا على باب الغرفة. كان شبح "حبيبة" يقف أمامي، هيكل لجسد مكتنز، ووجه مستدير يظهر غير واضح من خلال انعكاس الضوء المتسرب من خارج الغرفة. عرفتها بسبب جسدها الممتلئ وعكازها الخشبي الذي تستند عليه. تحدثت بصوت منخفض:

ـ هل يمكنني الدخول ؟

أسندت عكازها الخشبي على الجدار، ثم جلست على فراشي، أمسكت بالأوراق وقرأت "العنود"، سألت:

ـ هل هذا اسمها؟

ـ نعم... عرفته من سستر ريتا.

ـ ما معنى العنود ؟

ـ لست متأكدة إما الغزال أو السحابة المليئة بالمطر

لم تكد تنتهي من عبارتها، حتى بدأت العنود بالأنين..

ـ أنين خافت يأتي ـ حتما ـ من أعماق صدرها.

هكذا ظنت حبيبة التي نزلت عن الفراش وجلست بجوارها، كان الأنين مصحوبا بالبكاء، وهي لا تزال مغمضة العينين، وشيئا فشيئا، ازداد البكاء حتى أصبح صراخا.

امتلأت الغرفة بالمريضات من الغرف المجاورة، " نجوى " التي كسر ذراعها في حادث سيارة، "وهتون" التي جاءت من جدة لزيارة أقاربها فالتهبت زائدتها، "ومها " طالبة الثانوي التي ستستأصل ورما حميدا من البطن، و" نسرين" التي نجت بأعجوبة من انفجار الزائدة، "وفدوى" التي استأصلت المرارة بالأمس

صرخت "العنود":

ـ آه يا أمي

هزتها "حبيبة " بيدها، ففتحت عينيها.

ـ ما الذي يؤلمك يا "عنود " ؟

ـ ودوني بيتي.

ـ إن شاء الله تتعافين وتعودي إليه.

قالت بصوت يتقطعه البكاء:

ـ خذوني إلى بيتي.

ضحكت " حبيبة " وقالت:

ـ فقط أخبريني أين يكون وسأحملك إليه فورا.

فجأة ازداد بكاءها حتى أصبح نشيجا.

ـ بيتي في الكويت.

فتحت حبيبة فمها مندهشة:

ـ ماذا ! ؟ وكيف سآخذك إلى هناك ؟

رحلة السفر التي يفترض أن تكون أهم حدث تعرضت له، لم أستطع أن أتذكر منها شيئا، لا أذكر كيف ركبت الطائرة، أو كيف هبطت منها. حتى الطريق من المطار إلى الفندق تبخرت صوره من ذاكرتي، أغلب الظن أني قد مررت بكل هذا وأنا نائمة، لعلي أفقت أمام الفندق الذي نزلت به فلا زالت أذكر السيارات الكثيرة التي كانت تصطف أمامه، بألوانها الباهرة. فقد ظلت مفتونة بها لثلاثة أيام لم أغادر فيها نافذة الغرفة.

كنت أتابع بعيني ألوان السيارات وهي تتالى أمامي في الشارع، تتنوع ما بين الأخضر والأصفر، والسماوي، والأزرق، والبرتقالي الذي عشقته عن أي لون آخر. تلك الألوان كانت أول تجربة لي مع الدهشة، وأنا القادمة من قرية زراعية لا يرى فيها إلا ألوان الشجر الخضراء وألوان التراب الرمادية. كنت أراقب الألوان الجديدة وأنا أستمتع بكل لون وكأنه حلوى أتذوقها بفمي. منذ ذلك اليوم أصبحت الألوان مرضي الذي لم أشف منه.

بعد ثلاثة أيام امتلأت فيها روحي بألوان المدينة انتقلنا إلى الصحراء التي أضافت إلى قموسي الجديد ألوانا باهرة . أدهشني اتساع الصحراء .. رأيتها بقدسية الكبير في عين الصغير، هي التي تنبسط أمامي في كون لا نهاية له، كانت بالنسبة لي عالم مثير يستحق الغوص والإكتشاف. كانت الرمال الصفراء تمتد على امتداد البصر حتى تتصل في النهاية بالسماء، كل شيء كان واضحا وشفافا، حيث لا يستطيع أحد أن يختبئ عن آخر، لا أشجار تختفي وراءها، ولا طرقات تتلاحق بها مع الرفقاء، فقط الصحراء بألوانها المتداخلة التي لا تستطيع أن تفصل فيها لونا عن الآخر.

بجوار مجموعة من الصبية توقف سائق السيارة أمام مسجد القرية. أوقف الأطفال اللعب ثم تفرقوا بمجرد رؤيتنا... جاءت صيحاتهم المملوءة بالتعجب واضحة مثل شمس الظهيرة التي أحرقت جباهنا:

ـ ضيوف ..

ـ ضيوف حريمهن فاتشين ()

ـ إي والله.. فاتشين وجوهن.

أقبل القاضي ومعه بعض الرجال، ومن حولهم تجمهر الصبية والأطفال. قال أبي:

ـ أنا شفيق مدرس العربي الجديد، هل يمكن أن يدلنا أحد على فندق ننزل به حتى نؤجر بيتا لنا؟

ـ يا أستاذ إنت في ديرة نشامى، ما في عندنا فنادق ولا نزول.

احتار أبي ماذا يفعل، نادته أمي:

ـ اسأل عن بيت الأمير.

هكذا قال لهم مدير لجنة التعاقد :

ـ فقط اسأل عن بيت الأمير بن سويد .. ولن تحتاج بعدها لشئ.

ـ هل يمكن أن يأخذنا أحد إلى بيت الأمير؟

ـ ليش؟

ـ انزل ضيفا عليه حتى أجد سكنا لي

ـ والله ما تنزل عنده ولا ندلك عليه

وقبل أن يجد أبي نفسه في مأزق كان الرجال يتنافسون على استضافته

ـ شكرا لكم فقط دلونا على بيت الأمير " بن سويد"

ـ وراه؟ مافي بينا أجواد () ؟ أنا إمام المسجد، ولي شرف ضيافتك يا أستاذ.

ـ والله ما ينزل إلا في بيت "المطيري" ، بيتي بيتك إنت وأهلك يا أستاذ.

نزلنا ببيت القاضي "مطلق المطيري" الذي لم نخرج منه، وبالأخص من غرفة مجلس الحريم، حتى أجر أبي البيت الجديد. كان مجلس الحريم بجوار درج السطح حيث نستطيع التحرك منه وإليه بلا حرج المرور على مجلس لرجال وباقي غرف البيت

قبل مغادرة بيت المطيري قالت أم ناصر لضيفتها:

ـ بيتكم الجديد سنع وزين، مبني من الحجر، ما سكنه قبلكم غير المدرسين اللي ما يقدرون على بيوتنا الطين، إن شاء الله يطرح فيه البركة ونزروكم فيه.

وقبل أن تخرج أمي من مجلس الحريم، دق الباب وجاءنا صوت القاضي من خلفه:

ـ يا "أم ناصر"

ـ لبِّيه

تركتنا " أم ناصر" وخرجت لتلبي نداء زوجها، غابت قليلا قبل أن تعود وفي يدها عباءة سوداء، وغطاء وجه أشد سوادا منها ، قالت لأمي:

ـ من اليوم يا " أم أشهب " ما ينفتش وجهك على " الرجاجيل " () هذي العباية والغطوة هدية، هيا تستري بيها قبل لتخرجين.

خرجت مع أمي بزيها الجديد وهي تتعثر وتكاد تسقط على الأرض، عرفها أبي من الطفل الرضيع الذي تحمله على كتفها، وكفها الأبيض الذي بدا واضحا من بين ثنايا عباءتها السوداء.

في البيت الجديد المبني بالأسمنت كي يليق بالمدرسين الذين لا يقدرون على البيوت الطين، ألقت أمي بغطاء وجهها على الأرض ثم وقفت تتأمل الأرضية الأسمنتية:

ـ إنه بدون بلاط كيف سأمسح أرضيته الغير مستوية بالماء؟

ـ بل قولي كيف سننام فيه الليلة بدون غطاء.

بعد قليل سمعنا طرقا على الباب، وأطل وجه ولد صغير له ندبة على جبينه الأسمر، يحمل على كتفه كليما بنيا. كان يقف أمام الرجل الذي علم بأنه سيكون أستاذه في المدرسة، دون أن يرمش له جفن، بل كان يتحدث بندية وجرأة مثل رجل بالغ:

ـ أنا " دحيم العجلان" ولد الجيران، يسلم عليك أبوي ويقولك يا هلا بالجار. هذا البساط تنامون عليه في الليل.

بكت أمي وهي ترى أبي يعود في كل مرة يطرق فيها الباب بشيء مختلف. دلة قهوة وطبق تمر، "غدارة " () بها حليب نوق، وأخرى بها قمح مشوي، تبسي عليه أرز ولحم خروف. في المرة الأخيرة طرق الباب، وعندما فتحه أبي وجد أمامه " سعد السيف " قال له:

ـ باكر إن شاء الله أروح الحراج () في " حريملاء "، إذا تحب تيجي معي تشتري أغراض البيت.

كانت تلك هي الليلة الأولى التي يجب على الأسرة أن تقضيها وهي محملة بالرهبة والعزلة في قرية تكاد تختفي بيوتها ما بين تلال وكثبان الرمال، حيث تبدو البيوت مثل مقابر متشابهة الجدران، بلا طوابق أو أعمدة أو شرفات. لم يكن في " رغبة " بأكملها سوى محل بقالة واحد ومخبز يعمل به الإيراني الضخم " شامس"، وفيما دون ذلك لا يوجد سوى الحلاق السوري "أبو كمال"، وعلى من يرغب في شيء إضافي أن يذهب لإحضاره من "حريملاء" .

في اليوم التالي وقفت أراقب والدي وهو يركب السيارة "الونيت" () مع سعد السيف، وينطلقان في الطريق الترابي الذي يستغرق ساعة كاملة حتى يتصل بالطريق الإسفلتي، يتابعون بعدها لمدة ساعة أخرى حتى يصلا "حريملاء". أتذكر ذلك اليوم بجميع تفاصيله فذاكرتي التي صنعت مفرداتها من الألوان لم تخرج منها الفرحة التي أصابتني عندما رأيت الأشياء التي أحضرها والدي من الحراج.

الحراج هو السوق الذي ينعقد في "حريملاء" بعد أداء صلاة الجمعة من كل أسبوع، يفد إليه رجال البادية من كل صوب للبيع والشراء، ويقع في مدخل المدينة بجوار "السوق الداخلي" ، مساحته الصغيرة شبه دائرية تمتلئ بالفرش التي يجلس عليها أصحابها وينادوا على بضائعهم. من ذلك المكان اشترى والدي موقدا مسطحا، وقدورا، وأطباقا من الصاج المطلي بالزنك الملون، "وغدارات" بغطيان زاهية، وإبريقا للماء، وبراد شاي أزرق مرسوم عليه مثلثات بيضاء، وأكواب زجاجية بحواف مذهبة، وصينية من "الأستاليس" وسراجا أصفر للنور، وبساطا أحمر اللون للمجلس، وأغطية ووسائد مصنوعة من الإسفنج، ومراتب بيضاء أقفز عليها فتدفعني للأعلى.

لم يعرف أبي على مدى حياته كم أسعدني في ذلك اليوم، بل والأيام التي تلته لشهور عديدة كيف له أن يعرف وهو لم يرني يوما وأنا أقبع في المطبخ في أوقات القيلولة بعد أن يستغرق في النوم. كنت أجلس ساكنة أمام الرف الذي صنعه كي تضع أمي عليه الصحون والقدور. كنت أتعجب الألوان التي لم أرها في القرية القادمة منها

في تلك الأيام اكتشفت بأني كنت أكره لون الألمنيوم الذي يشبه اللون الرمادي، لم عرف ذلك حتى رأيت ألوان القدور والأطباق والدلال والبرادات والتباسي(). لقد كرهت هذا اللون الذي لم يضف شيئا لخيالي، وعندما أكبرت وتتسع خلايا الألوان في ذاكرتي سأكتشف بأن لون الألمنيوم هو اللون الذي يطفئ شعوري بالحياة مقارنة بالألوان التي تلونت بها الصحراء. فقد كانت مصدرا متجددا للبهجة في حياتي.

كان استقبال أمي لما أحضره أبي من الحراج مختلفا لاستقبالي له، لقد نظرت إليه في أسى وقالت بنبرة من يشعر بالهوان:

ـ فرش مستعمل وقديم؟

ـ هذا مؤقت، حتى ترسل لنا أختك الفرش الجديد من العاصمة.

ـ وأين السرير؟ هل سننام على الأرض؟

ـ الناس هنا لا يؤمنون بالأسرة، لم أجد واحدا في "الحراج" بأكمله، وكلما سألت أحدا كان ينظر إلي باستهزاء. سأصنع لك واحدا بنفسي.

لم تصدق أمي أن "حريملاء " المدينة التي تستقبل البدو والرعاة من كل صوب، والتي يستغرق الوصول إليها ساعتين بالسيارة، كانت عبارة عن شارعين فقط، وأنه لا يوجد بها محل واحد لبيع الأثاث أو الأغطية الجديدة.

مات طفل " العنود " أثناء ولادتها القيصرية، كانت الوحيدة التي لا تتحرك من فراشها، وبينما كان الجميع يتحركون من غرفة لأخرى، كانت هي تبقى ساكنه في فراشها بلا حراك. لم تظهر حزنا على وليدها الذي مات قبل أن يرى الحياة، لم تأبه لصافرة الإنذار ولا حتى لصراخ " أم سلوان " اليمنية الذي دوى عاليا في المكان:

ـ بنتي .. بنتي ماتت يا ناس.

خرجنا جميعا من الغرف ما عدا العنود، كانت أم سلوان تمسك رأسها بيدها وتدقها في الجدار، التففنا حولها، كانت نحيفة وسمراء، ترتدي ثوبا طويلا، وعلى رأسها غطاءً أسوداً يلتف حول شعرها، يظهر منه جزء أبيض ولامع فوق جبينها، والباقي يتدلى مجدولا من وراء ظهرها. كانت تتشنج وهي تدق برأسها في الجدار، تصرخ:

ـ " سلوان " ماتت.

سلوان ؟ الطفلة النحيفة، التي ترتدي ثوبا برتقاليا زهيد الثمن، وتتنقل به ـ مثل فراشة ـ من غرفة لأخرى، أبهذه السهولة تموت ؟

وقفت " نسرين " تبكي بجوار الحائط ، كانت تقضي الوقت معها في الغرف التي نجتمع بها فقط يتشاركان في الرسم والتلوين ولعب الورق:

ـ معقول ؟! هل يموت أحد من استئصال اللوزتان

أمسكت" ريتا " الفلبينية بالأم محاولة تهدئتها:

ـ ماما مافي موت، مافي موت.

نظرت ريتا إلي طلبت مني أن أترجم لأم سلوان إن ابنتها لا تزال في غرفة العمليات . لكن " أم سلوان " التي فقدت ابنة سابقة في عملية مشابهة، لم تستمع إلا لصوت لوعتها على ابنتها الاولى، كانت تصرخ :

ـ أنا اللي قتلتك يا بنتي.

كانت تنفلت من بين أيدينا، وتعود لتدق رأسها في الجدار مستكملة نواحها:

ـ كنت أعرف إنك رح تموتي في العملية.. وأنا اللي سلمتك لها.

عندما سمعت " هتون " ذكر الموت تركتنا وانسحبت إلى غرفتها. قالت في مرح:

ـ تذكرني هذه المرأة بجدتي، أخشى أن تكون مثلها، بمجرد أن تذكر الموت يأتي طائعا، سأنسحب قبل أن يأتي ويجدني في طريقه، فأنا من عليها الدور في غرفة العمليات.

، تمسكت بي "مها" خائفة وهي تنظر إلى " أم سلوان "، همست في خوف :

ـ مسكينة، هل ماتت حقا ؟

تعلقت اليمنية السمراء بذراعي متوسلة:

ـ لقد قالت لك " السستر" بأنها قد ماتت، أليس كذلك ؟ كانت تكلمك .. أنت تفهمين العنجلينزي .. ماتت ؟

قالت هذا ثم عادت للصراخ دون أن تترك لي فرصة للإجابة، لم تهدأ حتى فتح باب الجناح، وظهرت منه ثلاث عربات ترولي، يرقد عليها ثلاثة أجساد صغيرة، إحداهن كانت " سلوان ".

تسع بنات كان عدد طالبات الصف الأول في مدرسة "رغبة" الإبتدائية، كنا نجلس متناثرين على كليم أحمر لا يكفي لمنع رطوبة الأرض من التسرب إلى أجسادنا في أيام الشتاء. المدرسة كانت تشبه البيوت التي نسكنها، نوافذها مثل كل النوافذ أيضا.. صغيرة وتفتح على حوش داخلي، أما النافذة الخارجية فقد كانت عبارة عن طاقة دائرية يدخل منها الهواء في أعلى الجدار الملاصق للشارع.

سقف الفصل العالي كان مصنوعا من خشب " الأثل " السميك، مرصوص عليه صفوف عرضية، من جريد النخل بعد إزالة الخوص منها، مرفوعا على جذوع النخيل، ومطليا بالجير الأبيض. هذا كل ما أذكره عن غرفة الصف، بالإضافة إلى بطاقات صغيرة تحمل حروف الهجاء، ملصقة على الحائط على شكل سلم هرمي، كانت أمي قد صنعتها أمامي في المنزل.

كنا نجلس في غرفة الصف في أركان متباعدة. أمام كل واحدة منا صندوقا من الخشب، مزينة حوافه بدوائر حمراء، وصفراء، وخضراء، وبيضاء، وفي الوسط مكتوب بخط النسخ "شاي ربيع ".

كنا نستخدم صناديق الشاي الفارغة كبديل للطاولات، وقد كانت بالكاد تكفي لكتاب واحد فقط كنا نضع عليها دفاترنا أثناء الكتابة، كي لا تنحني ظهورنا على الأرض، بينما نستخدمها كمقاعد نجلس عليها أثناء اللعب، لكل منا صندوقها الذي تعرفه وتميزه عن صناديق الآخرين.

ظلت صناديق الشاي طاولاتنا ومقاعدنا حتى جاء يوم ذهبنا فيه إلى المدرسة فوجدنا ساحتها مكدسة بالأدراج، بينما وقفت "ست فايزة" المديرة السورية على الباب، تعطي الأوامر للفرّاشات بإدخالها إلى الفصول الثلاثة. حدث كل هذا فجأة وبلا توقع، ساحة المدرسة التي كانت خالية تماما إلا من التراب، غطت بأكملها بالأسمنت، أصبح لعبنا فيها لا يثير سخط المعلمات، وأصبح من السهل أن نجلس عليها ونلعب " طاق طاقية " دون أن تتسخ ملابسنا.

كنا نجلس على الأدراج الجديدة ننتظر بفارغ الصبر صفارة الفسحة كي ننطلق بفرح إلى الحوش ونجلس على الأرض الأسمنتية، لنلعب لعبتنا التي أصبحت بمرور الأيام جزءا لا يتجزأ من برنامجنا اليومي. كنا نجلس في حلقة دائرية محكمة الغلق حتى تتلامس أجسادنا دون أن نترك فراغا بينها، نتأمل "جمانة قبشوقة" الأردنية شديدة البياض والجمال معا، وإليها يجب أن تعود الزعامة في كل لعبة. إما هذا وإما أن تفسد اللعب بالضرب تارة، وبتحريض الأخريات مرات كثيرة. كنا نراقبها وهي تقف في وسط الحلقة، واضعة يدها في خصرها وتقول في تحدي:

ـ أنا أجمل واحدة في البنات، إذا كانت فيكن من هي أجمل مني فلتبدأ اللعب.

عندها كانت "إيمان با نعمان" تعترض غاضبة طالبة الزعامة لنفسها لكن الجوله في كل مرة كانت تنتهي لصالح جمانة بعدما تذكر إيمان بلونها الأسمر أمام الجميع. عندها كانت إيمان تنسحب وهي تصيح:

ـ سأذهب إلى مكة مع أمي ولن تروني مرة أخرى.

كانت "جمانة" ـ التي يعمل والدها ممرضا في المستوصف ـ بشخصيتها القيادية، وألعابها المبتكرة، تحظى بشعبية أكثر، وكانت تستطيع بمجرد أن تدعو للعب أن تجمع البنات حولها، وتتحكم فيهن كيف تشاء. وباعتبارها مقررة اللعبة كانت المبادرة الأولى تعود لها. لذا كانت تمسك "بشيلة" () إحدى البنات الكبيرات وتكورها في يدها، ثم تبدأ بالجري من وراء ظهورهن، تغني ونحن نردد وراءها:

ـ طاق .. طاق .. طاقية ..

ـ رِين .. رِين يا جرس

ـ محمد راكب عالفرس

ـ الدبة طاحت في البير

ـ وصاحبها واحد خنزير

ـ مين هيا مين؟

كانت لعبتنا الفضلة، وكنا لا نكف عن لعبها حتى يأتنا صوت الحارس "سعيد" من الخارج:

ـ انطمي() يا بنت انت وياها لأدخل أقص لكم لسانكم .

اعتاد "سعيد" الأسود والطويل ـ الذي ترتجف منه قلوبنا ـ أن يجلس على فروة خروف، بجوار الباب الحديدي، ينتظر حتى يدخل الجميع، ثم يغلقه بالمزلاج من الخارج، ولا يفتحه إلا بعد توسلات عديدة من المعلمات ومديرة المدرسة. يمسك في يده بعصى "طلحة" جافة، ويستند بجسده على الجدار، تحت اللوحة السوداء التي جاءت مع التطوير " الرئاسة العامة لتعليم البنات ـ إدارة حريملاء التعليمية ـ مدرسة رغبة الابتدائية للبنات". لا يجرؤ أحد على الاقتراب من سعيد سوى زوجته "جميلة " التي يفتح لها الباب ليسلمها مراسلات الإدارة أو لتقدم له الشاي.

" جميلة " التي تعمل فراشة بالمدرسة، مثلها مثل زوجة كل حارس مدرسة، وظيفتها الوحيدة هي تسليم المراسلات والمكاتبات، من وإلى زوجها، هكذا لا يرى الحارس من الوجوه سوى وجه زوجته، ولا تنكشف عليه طالبة أو معلمة من المعلمات. ذات يوم جاءت جميلة إلى المدرسة في وقت متأخر، وعندما سألتها المديرة عن سبب تأخيرها، هزت رأسها بلا اكتراث وقالت:

ـ تأخرت عند عمتي "سارة " ... لا أستطيع أن أخرج من القصر قبل ما أصبح عليها.

كتمت "ست فايزة " غيظها، ثم مالت على أمي وهمست في أذنها:

ـ العبدة السوداء تنادي ستها بعمتي.

كانت مدرسة البنات برغبة مثل باقي البيوت بل باقي البنايات لا يفرقها شيء عن المسجد الذي يقع في الجهة الغربية، أو المستوصف الذي نمر به عندما ننعطف يسارا في طريقنا إلى المدرسة، أو حتى قصر الأمير"مشعل السويد" الذي يواجه بناءه مبنى المدرسة. كانت جميعها من الداخل أو الخارج بلا طلاء، وكانت ألوانها هي نفس ألوان الرمال المحيطة بالمكان. حيث يسيطر اللون البني بجميع درجاته بدءا من البني القاتم، وانتهاءً بالأصفر الفاتح، حتى الشجيرات التي دبت جذورها في الأرض، امتزجت فيها الخضرة بالأصفر، حتى اكتسبت لونا فاتحا، يقترب من الأزرق أو البنفسجي الخفيف. الخضرة الخالصة التي تشاهد في القرية، كانت خضرة أشجار النخيل، حيث يكتسي سعفه بالأخضر الداكن، بعيدا عن البيوت، في البساتين التي أخذت هدوءها من الجنة، حيث تمتزج الرمال بالصمت ويكون التمر في متناول أيدينا .. يكفي أن نمد يدنا إليها فنقطفه ونضعه في أفواهنا، لنستمتع بمذاق الراحة والسلام.

مددت يدي لأبطئ من تدفق نقط المحلول في وريد " هتون "، وأنا أراقب جسدها الصغير، الذي يشبه جسد طفلة توشك على توديع طفولتها. كانت قد دخلت غرفة العمليات الساعة الحادية عشر. تجمعنا في غرفتها التي تقابل غرفتي، ننتظر خروجها ونحن نسترجع ساعات الأمس، جعلتنا "أم سلوان" نعتقد أنها أسوأ ساعات حياتنا. كانت تصرخ وهي تجري في كل مكان، ونحن نجري وراءها، نمسك بها فتنفلت منا وتلقي بنفسها على الأرض، تتمرغ على الأرض متشنجة وهي تمسك بصدرها :

ـ أه .. قلبي يوجعني عليك يا بنتي.

ظلت تفعل هذا حتى فتح الباب، وخرجت منه ثلاث عربات ترولي، يرقد عليها ثلاثة أجساد صغيرة، لأطفال في سن سلوان يجرون جميعا عملية استئصال اللوزتان، بمجرد أن رأتها أصابتها هستيرية غير متوقعة.

كنا نتذكر كل هذا، بينما دموع "مها" تنهمر في غزارة :

ـ لن أنسى كيف كانت تشكرني، وكأني من أجرى العملية لابنتها.

ـ أما أنا فلن أنسى كيف كانت تقبل يدي، وكأني من منحها الحياة.

كان صوت صافرة الإنذار يدوي، فقالت حبيبة ضاحكة:

ـ من لم يمت بالعملية مات بالصواريخ والغازات السامة.

التصقت بي مها واضعة يدها على أذنها قالتك

ـ لو كانت ماتت كان ربي خلصها من الخوف والرعب الذي نعيشه

ـ أكره هذه الصافرة، يشعرني صوتها بلحن جنائزي سمعته في مكان ما، لا أعرف أين.

ـ أما أنا فأشعر بأنه يشبه عواء ذئب مفترس. قالت نجوى هذا ثم أخذت تقلده فوضعت يدها على فمها لتجسم الصوت وكأنه قادم من بعيد:

ـ عاااااااااااااااااااااااااا....عوووووووووووووو

ضحكت نسرين:

ـ حقا .. لماذا لم يجعلوه مثل أي صوت مألوف؟

قالت حبيبة:

ـ طبعا يا رهيفة لكي يقرب منك الموت، فتسرعين إلى المخبأ.. ماذا كنت تتوقعين؟ صوت عصافير أو مواء قطط ؟

ـ لا صحيح، لماذا لم يجعلوه مثل صوت الإسعاف أو المطافئ بدلا من هذا الصوت المرعب؟ أشعر أنه يتوغل في خلايا جسمي مثل السم، يجعلني أرتعش من الرعب.

قالت مها :

ـ فعلا أنا لا أخاف من الصواريخ ولا الغازات السامة بقدر ما أخاف من صافرة الإنذار، وبالذات لو استيقظت عليها من النوم.

دخلت " ريتا " الممرضة الفلبينية وهي تحمل كاميرا فيديو وأخرى فوتوغرافية في يدها. طلبت مني أن أراقب انسياب محلول الجلكوز في وريد " هتون " حتى تعود. كانت هتون تهذي بلسان أثقله المخدر

ـ نابونيد .. نابونيد

سألت " ريتا " التي كانت تبدو على عجلة من أمرها :

ـ إلى أين ؟

قالت بانجليزيه لا تخفي لكنتها الفلبينية:

ـ تو ذا روف

قالتها ثم غادرت الغرفة مسرعة

صاحت نجوى :

ـ هذه المجنونة تخرج إلى السطح وصفارات الإنذار تعوي من كل مكان ؟!

قالت " حبيبة " :

ـ لولا قدماي المكسورة للحقت بها.

ـ ألا تخافين الصواريخ ؟

ـ ولا حتى الغازات السامة، أنا الوحيدة التي لم تغلف إطار نافذة غرفتها في القصر بالشريط اللاصق.

ـ يا سلام !! وماذا تفعلين لو ألقوا علينا غازات سامة

ـ سيكون هذا قدري وسأستسلم له بكل بساطة

ـ يقولون أن الغازات تتراكم في الأدوار السفلية وعلى من يريد الهرب منها أن يخبئ جسده تحت الماء.

قالت "مها" التي كانت تتبع أخبار الصواريخ والغازات:

ـ ولكن هناك غازات سامة لا أمل في الفكاك منها حتى بالأقنعة الواقية.

ـ وكيف نعرف نوع الغاز السام

ـ في كل الأحوال سواء عرفت أم لم تعرفي عليك بتغطية جسدك ووجهك بمنشفة مبللة بالماء.

ـ إذا كان ولا بد أن أموت فأنا أتمنى أن أموت بصاروخ على أن تعذبني الغازات السامة.

ـ بمناسبة الصواريخ هل يمكن أن تصيب الصواريخ مبنى المستشفى ؟

ـ بالطبع لا لأنها مستشفى.

ـ كيف يعلمون أنها مستشفى ؟

ـ يضعون فوق سطحها علامة المستشفى في لوحات فسفورية.

ـ إذن لن أخرج من المستشفى حتى تنتهي الحرب.

قضينا ساعة قي الظلام تتأرجح فيها قلوبنا ما بين ويلات الحرب وهذي "هتون" المتواصل :

ـ نابونيد .. نابونيد

كانت تهذي ونحن نراقب على ضوء البطارية تدفق المحلول في وريدها. ظلت تهذي حتى فتحت عينيها فجأة في الظلام، كانت العتمة تحيط بالفراش، وعلى ضوء البطارية ظهرت منا بعض الوجوه. أمسكت هتون بيد فدوى وقد كانت أقربنا إليها قالت بصوت واهن يحمل نبرتها الساخرة:

ـ هل أنا في القبر؟

ـ نعم .

ـ أنا أكيد في الجحيم لأنكم حولي... وجوهكم وجوه شياطين.

قالتها ثم استغرقت فورا في النوم.

سهرت وحدي بجوار هتون أدون جملتها الساخرة على أوراقي البيضاء..

ـ إذن أنا في الجحيم

حرفتها قليلا :

ـ إذن نحن حقا في الجحيم

الجحيم الحقيقي يا هتون نعيشه عند الرحيل، يتساوى في ذلك الإنسان أو المكان، إنه الرحيل الممزوج باليأس من العودة أو اللقاء.

ذات يوم عدت مع أمي من المدرسة لنجد أبي ـ على غير العادة ـ في البيت. كان قد خرج لنا من ظلام الغرفة أصفر الوجه، لاحظت أمي احمرار عينيه، فأمسكت بيده وأدخلته إليها من جديد. مكثا كثيرا حتى خرجا ووجه كل منهما يصطبغ بالسواد.

شيء ما مبهم ومخيف خيم على منزلنا، وأسال دموع أبي التي لم أرها من قبل. باب البيت الذي لم يكن يفتح إلا لثوان فقط، لم يغلق لثلاثة أيام متتالية. كان الرجال يتوافدون عليه من "رغبة" والقرى المجاورة. خالتي التي تعيش في العاصمة، حضرت مع زوجها في سيارة "ونيت"() حمراء . جلس زوج خالتي مع أبي في مجلس الرجال، بينما دخلت هي إلى أمي في غرفة الحريم. سمعت أمي تعاتبها:

ـ تأخرت يا " أم عمرو" .

ـ تعطلنا في حريملاء. أصحاب السيارات جميعا رفضوا نقلنا إليكم، كلما سمع أحدهم اسم "رغبة" قال: الطريق إليها عثر وبعيد.

في ذلك اليوم جلست أمي مع خالتي، تحدثها عن جدي لأبي، كانت تحبه مثل والدها، لم يسئ إليها ذات يوم. تذكرت كم توسل لأبي كي يعرض عن السفر:

ـ نحن بخير والحال ميسور هنا .. لماذا تسافر إذن ؟

ـ أريد أن أصفو وأحج بيت الله .

ـ إذا كان هذا هو الهدف، لماذا لا تترك زوجتك وأطفالك هنا ؟

كان جدي يشعر بدنو أجله لذا قال لجدي أثناء توديعه:

ـ أوصيك بأن تحج عني.

أصدقاء أبي وزملاؤه في المدرسة جاءوا فرادى وجماعات. حتى الأمير الذي لا يُرى إلا نادرا، أجل رحلة الصيد كي يقوم بواجب العزاء. في ذلك اليوم وقفت بجوار باب مجلس الرجال أسترق السمع، نظرت داخل الغرفة، أبحث عن أمير يأتي ذكره في كل الحكايات. أخذت أبحث عنه مابين السطور. لا أحد منهم مختلفا عن الآخر

تكلم والدي موجها حديثه إليه :

ـ لو تتوسط لي يا طويل العمر لآخذ أجازه وأسافر.

ـ يا أستاذ ليش السفر؟ أبوك مات خلاص .. أكيد لقى من يقبره.

نظرت إليه .. هو إذن طويل العمر، كيف وهو لا يختلف عن الآخرين؟ فيما دون الأستاذ "حسن" كانت كل الوجوه متشابهة، سمراء، يرتدي كل منها كوفية بيضاء وعقالا أسودا، وطويل العمر يشبههم في الزي والشكل، كيف إذن سيعتلي صهوة الجواد، وينقذني من الساحر الشرير؟

أخذت أبحث عن رسم الأمير" ابن سويد" في القصص التي حكتها لي أمي، ونسجت خيوطها في خيالي الصغير، الفارس والأميرة، الوردة وملك الملوك، وديعة العالية. فتشت مابين صفحاتها فلم أجد بها مكانا لهذا الأمير.

لم يشف إحباطي من سحر الأمير سوى سحر أمير آخر حل محله وسيطر على عقلي من جديد. كنت أسير بصحبة أبي في طريق العودة من مخبز شمس الإيراني، وكان أبي يمسك في يده بأرغفة التميس الحارة ونحن نمر بمنزل الأستاذ حسن. كان يتسلى بسؤالي في مادة الفقه الذي لم يتعد كتابها الخمس صفحات :

ـ كم عدد ركعات الظهر ؟

ـ أربع

ـ والعصر؟

ـ ثلاث

ـ خطأ

ـ آه تذكرت العصر أربع والمغرب ثلاث.

كان الأستاذ حسن يقف أمام باب منزله، عندما سمع أبي يسألني في منهج التوحيد: وانطلقت كالقذيفة أردد ما حفظته عن ظهر قلب:

ـ هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره.

ـ هل تحفظ سمية جميع الدروس؟

قال أبي :

ـ نعم .. تحفظ كل شيء ما عدد الركعات.

ـ إذن هي متفوقة، لذا أحبها.

وضع يده على رأسي، داعب غرتي وذيل الفرس الطويل. كان لملمس يده على شعري وقع سحري. كونه الإنسان الوحيد الذي دللني كأميرة جعله الشخص الذي يستحق عن جدارة لفظ الأمير، بوجهه المستدير الذي لاحظته عندما اقترب من وجهي حتى رأيت أرنبة أنفه الحمراء. انحنى حتى واجهني وقال:

ـ عندي لك هدية جميلة مثلك.

دخل إلى البيت الذي يسكنه وحده، ثم خرج وفي يده كتاب صغير، وضعه في يدي قال :

ـ هذه قصة حمدان وبقرته، إنها لك، لكي تبقي جميلة دائما.

أمسكت بالقصة في فرح وقد نويت ساعتها أن أبقى جميلة للأبد، لأجلك فقط أيها الفارس الذي يستحق أن يكون الأمير، بلا جواد أبيض أو صقر يصطاد به الأرانب البيضاء والغزلان الجميلة ليشويها ويلتهمها في الليل.

" نجوى خليفة " التي كسر ذراعها في حادث سيارة ـ كما قالت للجميع ـ بعد خروجها من الجامعة، تناوبت معي السهر بجوار "هتون". كانت صافرة الإنذار قد انتهت وعاد الضوء إلى الغرفة وتفرق الجميع في الغرف بينما ظلت " هتون " أثناء النوم بكلمة واحدة لم تنطق غيرها:

ـ "نابونيد" ....."نابونيد"

قالت "نجوى" :

ـ ما هذه الكلمة الغريبة ؟ تبدو وكأنها اسم مدينة إيطالية، هذه البنت غريبة الأطوار .. تعرفي أنا أتمنى أن أقضي عمري كله بالمستشفى .. لأول مرة أحس بجو الأسرة الحقيقي في حياتي، شوفي احنا كيف نسهر على بعض؟

خيم على الغرفة صمت قطعه تنفس هتون المنتظم.

ـ إيش رأيك تسمعي أغنية سودانية؟ سأديرها بصوت منخفض

خرجت نجوى إلى غرفتها المجاورة، وعادت تحمل جهاز تسجيل صغير، أدارته فجاء صوت المغني، شجيا وحزينا :

مسكين أنا .. أنا مسكين .. مسكين أنا

ما جُوني أخْوان السّبيل وبشّرَنْ

ما جُوكي إنتِ يباركوا لِيك ولَخُدودِك يِرَطِّبَنْ

ليلة سواد .. تعلن حداد .. لفّت سمانا وأرضنا

مسكين أنا .. أنا مسكين .. مسكين أنا

أشجاني اللحن الحزين، خيل لي أن صوت المغني محملا بالدموع، وأن عينيه لا بد وأنها تمطر أثناء الغناء. التفت إلى "نجوى" لأسألها عن اسم المغني، كانت دموعها تنهمر بغزارة وهي تنظر للبعيد.

ـ سأخبرك عن قصة الأغنية، إنها قصة حقيقية عاشها المغني مع حبيبته، كان يحب فتاة فقيرة، رفض أهلها تزويجها من مغني، ومثلما فعل أهلها فعل أهله أيضا، لقد رفضوا أن يتزوج إبنهم من فتاة فقيرة. ولكن الحبيبان أصرا على الزواج، وفي ليلة العرس لم يحضر أحد من أهل العريس أو أهل العروس، فحزنت حبيبته حزنا كبيرا، ومن شدة حزنها ماتت ليلة العرس، فأظلمت الدنيا في وجهه، وأخذ يغني لها في كل مكان.

شرحت لي "نجوى" كلمات الأغنية التي كانت غامضة علي، عن أصدقاء العريس الذين قال عنهم المغني "أخوان السبيل"

ـ يبشرون أي يشجعون العريس في حلقة الرقص، بفرقعة إصبعي السبابة والوسطى من حوله، وصديقات العروس اللاتي يرطبن خدودها بالقرص، كي يتدفق إليه الدم، كل هذا حرم منه العروسان بسبب عدم رضا الأهل عن الزواج، حدث هذا في الليلة السوداء ليلة الزفاف التي ماتت فيها حبيبته من القهر.

قصت علي "نجوى" كل هذا وهي تبكي:

ـ يا خوفي أموت أنا كمان من القهر.

ـ ماذا تعنين؟

ـ أقول لك الحقيقة.. أنا لم أصب في حادث سيارة، أخاف لو قلت الحقيقة أن نتعرض للتحقيق من الشرطة.

أخفت "نجوى" عن الجميع أن والدها هو السبب في كسر ذراعها. كان قد اكتشف قصة حبها من الرجل الذي تقدم لخطبتها، فرفضه، ثم حذره من الاتصال بها . فعل هذا بعد أن قدم طلبا للحصول على الجنسية، ومشى به شوطا كبيرا حتى أوشك على إنهاء الإجراءات، كان يعرف بأنه مراقب من الداخلية هو وأسرته، لذا رفض زواج ابنته من "الشاذلي" لأنه سوداني، بعد تسعة أشهر سيسلم جواز سفره القديم، ويستلم تابعيته الجديدة.

كانت"نجوى" تعلم بأنها سوف تحصل على الجنسية بعد تسعة أشهر، وتعلم أيضا أن السلطات لن تسمح حينها بأن تتزوج مواطنة من أجنبي، لذا اتفقت مع حبيبها على أن يتزوجا سراً قبل مرور التسعة أشهر، ولكن لم يسعفهم الوقت، فقد علم والدها بالأمر وحدث ما حدث.

ـ لقد كسر ذراعي أثناء ضربه لي، لن تصدقي .. لقد ظللت أنزف لخمس ساعات، حتى وجدت من يحملني للمستشفى. يظن أنه بهذه الطريقة يمنعني من الزواج.

الزواج الذي دعينا إليه بعد وصولنا القرية بأسبوعين، كان زواج " مزنة " ابنة أمير "رغبة"، التي ستتزوج من "غازي" أمير "حريملاء "وهي لم تتعد الثالثة عشر.

الأمير الذي تخطى الستين، أمهر والد " مزنة " خمسين بعيرا، وسيارة جيب جديدة، تصلح لتوغله في الصحراء أثناء رحلات الصيد، وصقر "باز" مدرب على صيد الأرانب والغزلان وكان من نصيب كل واحد من أعمامها وأخوانها " بشتا "(1) جديدا، أرسل في طلبها خصيصا من العاصمة. أهدى أمها " رشرشا "(2) ذهبيا مكونا من دورين كاملين من العملات الذهبية، مع صندوق ملئ بالملابس الجديدة، والعطور الحجازية، وكيلو عود أصلي (3).

في ليلة العرس تحلت أمي بطقم مكون من قرط، وعقد، وأسورة من اللؤلؤ الأصلي، كان أبي قد اشتراه لها من "غزة". وعندما دلفت من باب الحريم في القصر كانت تمسك بيدي، وتحمل أخي الصغير على كتفها، وكانت رائحة " الهيل " في القهوة قد أخذتها إلى السطح حيث المكان الذي أعد خصيصا للنساء. كانت أسوار السطح تعلو الرؤوس، ولا تسمح لأحد بالظهور، وكانت أرضيته قد فرشت بأكملها بالسجاد الفاخر، من السور إلى السور.

تأملت أمي المكان، كانت كل مجموعة من النساء قد جلست في حلقة دائرية على الأرض، يتحادثن ويتناولن التمر، بينما كانت الصبابات يدرن عليهن بالقهوة، وقد أمسكن "بالدلة" في اليد اليسرى، والفناجين باليمنى، مرصوصة فوق بعضها في شكل رأسي. اختارت أمي مكانها بجوار "ست فايزة " مديرة المدرسة، التي نادت عليها بلكنتها السورية:

ـ "ست فوقية " تعي اجلسي جنبي.

جلست أمي بجوارها، ثم تناولت حبة تمر من الطبق الذي أمامها. جاءت " جميلة " وقدمت لأمي فنجان القهوة:

ـ كيفك يا " فوقية " ؟

ردت أمي، وهي تسبق القهوة بحبة تمر، كي تكسر مرارتها في فمها:

ـ الحمد الله.

بعدما ابتعدت جميلة قالت ست فايزة لأمي:

ـ شفتي كيف بتناديكي باسمك . أخطأ من أسماها جميلة، كان لازم يكون اسمها قبيحة، كم مرة قلت لها لا تنادي المعلمة باسمها .. لازم قبلها تقول "ست" أو "أبلة" إن كانت هي ولا زوجها، ما بيحترموا حدا خارج بيت الأمير.

ذات يوم قالت الست فايزة للحارس سعيد:

ـ يا عم سعيد هؤلاء المعلمات تعبوا إلى أن تعلموا وأصبحوا معلمات، وهم في بلادهم لهم شأن كبير، لو تناديهن ولو حتى بأسماء أولادهن.

ـ عجيب .. الحريم يتشرطون !؟ والله ما أنادي أي واحدة إلا باسمها، وأنت مثلهن .. يا فايزة .... هه، إيش قولك ؟

حملت ست فايزة غضبها للداخل وقالت بغيظ:

ـ العبد الأسود ما عاد إلا هوا

في تلك الليلة قصت ست فايزة على أمي كيف أن الملك فيصل قد أصدر مرسوما بتحرير العبيد، ولكن العبودية لا زالت تجري في دمائهم، فلا زالوا يسكنون القصور، ينادون أسيادهم بعمي وعمتي، ويعملون لديهم مثلما كانوا وهم عبيد.

تركت أخي في حجر أمي، وذهبت للعب مع " فاطمة العجلان" بجوار الدرج، سألتها عن أخيها "دحيم" أشارت إلي الأسفل وقالت:

ـ تحت يباشر(1) الرجال.

ـ نروح عنده ؟

ـ لا .. أبوي يذبحني.

نظرت " فاطمة " للأسفل من أعلى الدرج، شاهدت خمس من النساء السمينات، يشبهن "جميلة" فراشة المدرسة، ببشرتهن السوداء، وشعرهن المجعد القصير. كن يرتدين العباءات السوداء، تمسك كل منهن بدف كبير في يدها، ويصعدن الدرج في صخب ملحوظ . صاحت فاطمة في فرح :

ـ الطقاقات ... ثم جرت للداخل وهي تصيح بصوت عالي:

ـ الطقاقات ... الطقاقات وصلوا.

تحلقت النسوة حول الطقاقات، في شكل دائرة كبيرة، وبدأ ا لدق على الدف. أخرجت أم العروس من صدرها عملة ورقية، وأعطتها لإحدى الطقاقات، ثم همست لها بكلمة في أذنها، وعلى الفور بدأ الدق والغناء:

الله يحيي كلهم ..

ولا فرق الله شملهم ..

" آل سويد " وربعهم ..

تقدمت " أم مشاري " الزوجة الأولى للأمير، ودخلت حلبة الرقص أمام الزوجة الثانية أم العروس، عندها اشتعلت الثانية بالرقص أمامها، أخذت تحرك شعرها يمينا ويسارا،وللخلف والأمام.

وضعت أمي يدها على فمها لتكتم صيحة كادت أن تنفلت منها

" مُبارك عرس الاثنين

ليلة ربيع وقَمْرَة (2)

واللي جَمع بين قلبين

الله يطوَّل بِعُمْره "

ولا تمر دقائق حتى تمتلئ حلبة الرقص بالبنات، ويصبح المكان مكتظا بأجساد نحيفة تتمايل برؤوسهن، فيتذبذب الشعر الأسود الطويل، ذهابا وإيابا، مثل موج البحر. وعلى صوت الدف يتحولن إلى طيور، بعد أن تكاد أقدامهن تلمس الأرض، بينما يأتي غناء الطقاقات شجيا ودافئا:

" صبوحه خطبها نصيب

أوووه

عاشق في هواها سنين

اوووه

وسار في ليل العاشقين

أوووه

تشرح الست فايزة لأمي كيف سيدخل العريس بالعروس هنا في بيت أبيها، هكذا هي التقاليد. تشير بيدها إلى إحدى الراقصات:

ـ هذه هي الزوجة الثالثة للأمير، وهذه الطفلة الصغيرة، هي الزوجة الرابعة له. شوفي كيف بيرقصوا مع بعض، مافي واحدة بتغار من الثانية، تعرفي ليش ؟ لأن زوجها راضاها، أعطاها رضوتها مثل ما يعطي للجديدة من ذهب.

بعد العشاء ظهرت الزوجة الثانية الأمير تحمل المبخرة في يدها يفوح منها رائحة العود الأصلي، تمر بين النساء وتدعوهن للتطيب :

ـ تدخني يا أم أشهب.

قلدت أمي بيدها حركة باقي السيدات كي يصل إليها دخان البخور. قالت أمي للست فايزة:

ـ يبخرونا ؟؟ يخشون من الحسد ونحن لم نر العروس؟

ـ لا يا ست فوقية .. البخور يستخدم هنا للتعطر وليس للعين أو الحسد، وهو يعلن عن انتهاء الجلسة.

سمعت أمي إحداهن تنادي:

ـ يا للا يا بنات ... مشينا ... إذا جاء العود مافي قعود.

لم تظهر العروس "مزنة " أمام النساء، كانت تجلس في غرفتها بالطابق السفلي، ترتدي حزاما وكفا " ورشرشا " مكونا من ستة أدوار من الذهب، ومثلما حكي لأمي كان الرشرش يصل حتى خصرها النحيل، هذا غير الأساور والخواتم والأقراط . كل هذه الحلي التي اشتراها لها المعرس، حتما لم تمنع قلبها من الدق بعنف عندما سمعت "العرضة"() تبتدئ، وتصل لسمعها من مجلس الرجال. فهي تعلم أن العرضة سيرقص فيها المعرس بالسيف مع باقي المدعوين. ستحبس أنفاسها في تلك اللحظة .. فبعد قليل سيبدأ العشاء، وسيليه البخور، ثم ينتهي كل شئ برحيل المعازيم، عندها سيدخل المعرس عليها مع إحدى الطقاقات التي تغطي جسدها ووجهها بالسواد، والتي ستدق على الدف بعنف، وهي تغني:

ويشْ عَلامِك().. يالاسمرانية؟

يالاسمرانية

لو يِنْعَطى القلب

عَطيتْك أنا قلبي

يا بنت الأجواد

عطيتك أنا قلبي

قلبي اكتوى كله

إرحمي شويّه وَلَوْ

ستغني الطقاقة حتى يضع المعرس يده في جيبه، ويخرج لها ما يجعلها تجر أثوابها وتخرج للجلوس بجوار الباب، تستكمل الدق والغناء بصوت أعلى، لتغطي عما يصدر من أصوات في غرفة العروسين، ستظل تغني وتغني، حتى يفتح الباب ويظهر المعرس في حالة رضا فيضع في يدها ما يجعلها تغادر القصر مع زميلاتها في سرور.

للوهلة الأولى ظنت أمي أن ما تتزين به النساء تقليد للذهب، لكنها ذهلت عندما عرفت الحقيقة، ولما عادت للبيت كانت الدهشة لا تزال تسيطر عليها، قالت لأبي:

ـ رأيت اليوم عجب العجاب يا أبو أشهب، تصور كانت زوجات الأمير يرقصن مع بعضهن البعض مثل الأخوات؟! ستقوم القيامة عما قريب

ضحك أبي من قلبه، قال وهو لا يستطيع أن يوقف الضحك:

ـ ليس من علامات القيامة أن ترقص الضرة مع ضرتها يا امرأة

ظلت أمي تحكي لأبي طوال الليل كيف كانت كل "حرمة" تتزين بما لا يقل عن كيلو من الذهب وبالرغم من ذلك لم تستطع إحداهن أن ترتدي ملابس سهرة مميزة. تعجبت أمي من الملابس التي لم تتميز عما يرتدينه النساء كل يوم، لم يظهر عليها ما يشير إلى أنها قد صنعت خصيصا للأفراح أو لأمسيات ليلية، إنها خالية من اللمعان والبريق. كان الثوب الواحد متعدد الألوان وكأن المرأة ترتدي حديقة من الورود. كانت خالية من الذوق أو التفرد، مثلها مثل الملابس التي يرتدينها في الصباح، نفس الألوان ونفس الطول الذي يغطي الأقدام ويجر من وراءها على الأرض، الفارق الوحيد أن ملابس العرس قد اختفت أشكالها وراء ما يغطيها من ذهب.

ـ ماذا ستقول أمك لو رأت الذهب الحقيقي؟ أحضريها وتعالي لزيارتي وأنا أريها مالم تره عين من قبل.

ـ أين ؟

ـ في "بيت التركستاني" بجدة، هناك أحتفظ بكل شئ .

ـ لماذا أنا يا هتون من تقصين عليه كل هذا ؟

ـ لأنك مثلي تحبين التاريخ، وتبحثين في أسراره.

ـ أنت تلقين بحالتك علي، فقد التحقت بقسم التاريخ عن طريق الصدفة، ولم أكن أحبه في الثانوي على الإطلاق.

ـ ولكنك أصبحت الآن تعشقينه وتبحثين فيه

ـ إنه مجرد استكمال لدراستي العليا.

ـ سأعقد معك صفقة عادلة، أنت تقرئين علي ما تقومين بكتابته وأنا أقص عليك سرا لم أبح به لأحد من قبل.

قالت لي هتون أن عمرها يقاس بعدد الرحلات التي شاركت فيها والدها. فهي لم تتعد العشرين بعد. نظرت إليها، تقاسيم وجهها ولون بشرتها، يوحيان بأن عروقها تسري فيها دماء أجنبية، تلك الفتاة التي لم تتعد العشرين لم تكن سوى لصة محترفة للآثار، فقد احترفت سرقة الحلي والتحف الصغيرة من والدها، كانت تملك ثروة حقيقية تخبئها في سرداب البيت الذي تسكنه في جدة. والذي ورثه والدها عن جده تاجر البهار المشهور "عاصم تركستاني" ، شيخ العطارين.

قالت هتون بنبرة لا تخلو من الندم:

ـ أحكي لك أولا تاريخ أسرتي كي تعلمي كيف وصلت إلى ما أنا فيه . كان جدي "عاصم" يساعد والده "عاظم التركستاني" في تجارة البهار. يأتي بها من الهند وباكستان، ليبيعها على عطارين نجد والحجاز. وكان في الثالثة عشر عندما توفى والده "عاظم " وأصبح منصبه شاغرا، وأعلن المنادي في السوق عن مسابقة لشغل منصب شيخ العطارين، وعلى من يرغب في الاشتراك بها أن يذهب لبيت "صالح الشريف" شيخ التجار بالحجاز. وفي بيت "صالح الشريف" فوجئ كبار التجار بصبي في الثالثة عشر، يقف أمام الكاتب ليملي اسمه كتاجر من تجار العطارة في جدة، وعندما رأى نظرات الاستياء في عيونهم، قال بثقة:

ـ اكتب عندك .. العطار "عاصم عاظم التركستاني" والبزار(1) يكذب الذواق.

هكذا تحدى جدها الجميع في تذوق البهار، وجلس على المائدة التي أعدت لجميع العطارين لتناول طعام العشاء. كان العشاء مصنوعا من اللحم والأرز المطهو بثلاثين نوعا من أنواع البهارات، وكان جدها هو الوحيد الذي تعرف على اسم كل بهار قد وضع في الطعام ...

ـ الكاري، والكركم، والمسمار، والهيل، والسنا، والكمون، والفلفل الأسود، والحامض، ..

ظل عاصم يعد في أنواع البهار حتى أتم الثلاثين، وبهذا استحق منصب شيخ العطارين وهو في الثالثة عشر.

هذه الملكة التي ورثتها هتون عن جدها وأبيها عقيل ترتبط بالحب. والحب في عائلتها يذهب بعيدا عن البشر، ففي الوقت الذي أحب فيه جدها العطارة، وأحب والدها النقوش الحجرية، أحبت هي الحلي والتحف القديمة.

ـ لو كان كل واحد منهم قد أحب شخصا من البشر لجعله أسعد الخلق.

هكذا كانت تقول عمتها التي حرمت على نفسها الرجال.

حب الحلي والتحف أخرج من حياة هتون أي شيء ما عداه، وجعلها ترى الأشياء بغريزتها، تلك التي سيطرت فيما بعد على جميع حواسها. لم تكن طفلة عادية، لم تطلب من والدها أن يشتري لها يوما اللعب أو الحلوى. كانت ترتدي ملابس الأولاد وتتحرك بها في كل مكان. وفي الوقت الذي يعترض فيه أخيها "زهير" على ملابسها وتحركاتها، كان والدها يزداد لها حبا وإيمانا.

كان جدها عاصم شيخ العطارين، يعلم بأن ولده قد شغف بتاريخ وحضارة الجزيرة، وبالرغم من ذلك لم يسمح له بالسفر للدراسة في الخارج قبل أن يتزوج من ابنة عمه، قال له:

ـ يا عقيل تتزوج الأول وتاخذ زوجتك معك تعصمك، وتردك لنا سالما.

عندما عاد عقيل من الخارج كان يحمل شهادة الدكتوراه في الآثار، وقد استخدمها كوسيلة من الوسائل الكثيرة التي استخدمها للحصول على مرسوم ملكي بعدم ضم بيت جده إلى هيئة الآثار، بعدها قام بترميمه من ماله الخاص ثم انتقل للعيش به هو وأسرته.

لسبب لا تعرف هتون إن كان وراثيا، أم لنشأتها في هذا الجو، كانت هي أيضا مولعة بالآثار وبالتاريخ، لاحظ هذا والدها، فاصطحبها معه إلى كل مكان، سافرت معه إلى الشمال والجنوب، شاهدت في الجنوب آثار "سبأ "، "وحمير"، " وقتبان"، "ومعين "، "وأصحاب الأخدود" .

وفي الشمال، رأت " تيماء" ، "والعلا "، "ومدائن صالح" ، "والبتراء". قرأت مع والدها النقوش "النبطية"، "واللحيانية " ، "والديدانية" ، "والثمودية" فنقشتها في عقلها، وحفظتها عن ظهر قلب.

بدأت هتون ـ التي أدركت إعجاب والدها بها ـ بالتسلل إلى مواقع عمله في هدوء. كانت تعاونه في البداية، عن طريق تذكيره ببعض الأمور، ولأنها طفلة كان مسموح لها بالتوغل في كل مكان، هكذا نقشت كل ما رأته في الصحراء في عقلها.

ـ أثار الصحراء أصبحت بديلا لخلايا جسدي.

منذ طفولتها وهي تظهر نبوغا في الرسم. في البداية كانت ترسم الأطلال التي تمر عليها، ثم بدأت ترسم الأواني الفخارية والقطع الأثرية التي يخرجها والدها من المواقع، وشيئا فشيئا تحولت إلى رسم الحلي الذهبية، أظهرت شغفا حقيقيا بالآثار، جعلت والدها يزداد شغفا بها هي الأخرى. كانت تكمل النقص الذي تسببت فيه أمها، تلك التي اضطر أبيها للزواج منها، فقط كي يسمح له والده بالسفر. شعر عقيل بأن هتون قد عوضته باهتمامها ما كانت تظهره أمها من جهل. كانت "صيته"تراقب زوجها أثناء تأمله للقطع الأثرية، تتعجب للطريقة التي يمسكها بها، لم يتوجه لها بمثل هذا الحب ذات يوم، كيف يحدث الآنية بهذه الرقة، وكأنها ابنة من بناته، أو حبيبة يتغنى في جمالها، عندها كانت تمط شفتيها ثم تقول في استخفاف:

ـ فخار يكسر بعضه.

أما " هتون " فقد كانت تمسك بها وتغيب عمن حولها. كثيرا ما انتابتها حالات صوفية أثناء تأملها لها. كأن يرتعش جسدها وهي تحلق بروحها في الزمن الماضي، فتشعر بالسكينة مثل تلك التي تغلف القبور والشواهد في الصحراء. تعود إليها رائحة الماضي بمجرد رؤيتها للأطلال .. ترحل بخيالها إلى الفترة الزمنية التي تعود إليها القطعة الأثرية. تتخيل الحياة والحركة في تلك الفترة، مستحضرة ما قرأت من تاريخ وشعوب المنطقة، وشيئا فشيئا تعيد إليها الحياة .. يحدث هذا في سهولة ويسر.. دون أن تتعمد التوغل أو الرحيل . كانت تعيد تدفق الدم إلى أوردة وشرايين المدن المندثرة، فتبدأ في بناء أسوارها من جديد. اعتاد والدها أن يمنحها ورقة وقلما، لترسم في دقائق قليلة الشكل الأصلي للمكان، قبل أن تعمل فيه يد السنين.

كانت تقرأ الكتب والمخطوطات، كمن يملك في رأسه ماكينة تصوير، تحفظ الخرائط والكتب عن ظهر قلب، وتعيد ترتيبها في مخيلتها، حسب تسلسلها الزمني، وبدون عناء تستحضرها وقتما تشاء . ما كان يثير دهشة والدها بعد كل هذا، كيف تمتلك كل هذه الموهبة في التاريخ، بينما بالكاد تنجح في الرياضيات والعلوم ؟

بكت هتون عندما وصلت بحديثها إلى هذا المنعطف، طلبت أن أناولها منديلا ورقيا، اقترحت عليها أن تستريح وتمتنع عن الكلام قالت:

ـ لن أستريح حتى أكمل لك حكايتي إن بك مغناطيس يجذبني للبوح أو لعلي أريد أن أستريح

أحتاج لمن يحمل عني الشعور بالذنب، ومن يبادلني الفهم أيضا . ستفهمين كيف لم أختر ذلك بإرادتي لقد سيرت إلى ذلك ودفعت إليه دفعا . فقد وجدت نفسي متورطة به دون تخطيط ... هل تصدقي أني لم أجد صعوبة في ذلك؟ لم يستوقفني شيء، حتى اللغات التي قرأتها على نقوش الجبال والمقابر لم أتعمد دراستها أو الإلمام بها، كانت تلتصق بي بمجرد أن أقرأها وكأنها قد حفرت في عقلي كما حفرت على الصخور.

صمتت لتتحكم في بكائها، قالت بصوت يترجى الشفاء:

ـ كم تمنيت أن أكون طبيعية مثل باقي البشر ولكن ..لا يد لي ..

ظلت هتون تحكي طوال الليل، تصف ما عاشته من مغامرات وأحداث وكأنها بطلة فلم أشاهده لأول مرة. شعرت بغرابة ما تحكي، حتى ظننت أنها تنسج حكاياتها من الخيال، ولكن نبرة الحزن التي بدت في صوتها بالإضافة إلى بكائها، كل هذا جعلني أشعر برغبتها في التطهر، وجعلني أصدق ما تقصته علي.

ذات يوم كانت مع والدها في موقع بالصحراء، وكان عمرها في ذلك الوقت اثني عشرة عاما. قضوا في الموقع ثلاثة أشهر، يبحثون وينقبون حتى أعجزهم البحث ويئسوا، فقرروا التوقف ومغادرة الموقع في اليوم التالي. كان بداخلها شعور يقيني بأن البحث لم ينته بعد، فطلبت من والدها أن يؤجل قراره لعدة أيام، ولكنه رفض فخرجت من خيمتها ليلا، ووقفت تحت المطر، تفكر في كل شبر بالموقع وتعيد ترتيبه من جديد. وفجأة ظهرت أمامها جهات الموقع الأربع، وهي مرسومة في مخيلتها كالخريطة التي شاهدتها مع والدها، وشيئا فشيئا تحركت الأجزاء التي رأتها في الخريطة حتى نقطة الوسط، بدت واضحة تماما أمامها، تجمعت الأفكار وتسلسلت في بساطة منطقية، عندها صرخت فجأة :

ـ عرفت السر. وبسرعة اتجهت لخيمة والدها وأيقظته من النوم قالت له:

ـ الآن علمت لماذا لم تجدوا شيئا في حفرياتكم، لأن الخرائط التي تمسكون بها خاطئة، لقد اكتشفت الخريطة الحقيقية. جلس والدها على الفراش وهو يظن أن ابنته تهذي، فمن أين لها بخرائط أخرى غير التي يملكها ؟ إن الخرائط التي معه مصورة بأحدث كاميرات التصوير، وقد تم تصويرها بالمنطادعن قرب وعن بعد. أمسك الأب بابنته، وأجلسها في الفراش، ثم غير لها ملابسها المبتلة بالماء وقال لها :

ـ أعرف أنك لا تريدين مغادرة الموقع، وأعدك بأن أصطحبك في الرحلة القادمة، حتى لو كانت في أوقات الامتحانات، هل يرضيك هذا ؟

ـ لا .

ـ ما الذي يرضيك إذن ؟

ـ أن تعدني إذا أخبرتك بالسر أن أكون أول من يدخل المقبرة.

اضطر الأب لمجاراتها حتى تهدأ، عندها بدأت تقص عليه، أن الموقع الذي تم تصويره يضم أربعة أجزاء منفصلة، كل جزء منها يقع في جهة من جهات الموقع التي تشكل مربعا كبيرا، لو أن والدها جمع هذه الجهات في مربع واحد صغير، بعد حذف المساحة المتسعة الفارغة فيما بينها، لتغير شكل الخريطة، لن تكون الحفريات في الأماكن المتفرقة التي ينقبون بها. هي تتصور أن الأطلال الموجودة في الموقع لم تكن سوى أطلالا لمواقع تمويهية كي يخفوا المدفن الحقيقي، أو لعلها أطلال أسر لاحقة قامت على أطلال أخرى سابقة.

قالت " هتون " لوالدها أنها أجرت في ذهنها عملية قص وتركيب من جديد للخرائط الذي يملكها، ووجدت أنها متناسقة ومتكاملة. فكر الأب في كلام ابنته فوجده ممكنا،عندها أخرج الخرائط القديمة من مكانها وبدأ يعيد رسمها، على اعتبار أن الأركان الأربع المتباعدة هي الأركان الأربع المتلاصقة، لمربع أصغر من الموجود على الخريطة، وبالفعل اكتملت الصورة لشكل بناء قديم، وهكذا تحددت منطقة الحفر بناءا على الموقع الجديد.

تم الحفر من جديد، وتم لهتون مرادها... كانت أول من دخل المقبرة من بعثة التنقيب. أنزلت إليها من فجوة صغيرة في سقفها سعدها على ذلك جسدها الصغير. كانت مربوطة بالحبال، ومحملة بمصابيح كهربائية، وكاميرات التصوير.

العقد الذهبي المزين بالزمرد الأخضر أجمل ما وقعت عليه عيناها، بلا تفكير امتدت يدها وأمسكت به، ثم خبأته في جيبها قبل أن تعلن عما تراه.

ـ ألا زلت تحتفظين به يا هتون ؟

ـ نعم وألبسه أيضا.

ـ ألا تخشين أن يتعرف عليه والدك.

ـ لقد أوهمته بأني ألبس حلية مقلدة

ـ وهل غاب هذا عن عيني خبير مثله؟

ـ أصدقك القول أني أسأل نفسي هذا السؤال في كل مرة تقع فيها عيني والدي عليه، أقول لنفسي هل يعقل أنه لا يعرف الأصل من التزوير؟ هل كنت ماهرة في تقليد الأصل أم أنه يتغاضى عما أفعله؟

ـ ولأي منهما تميلين؟

ـ لأني أثق بقدرات أبي أميل لأنه يعرف كل شيء

ـ ولماذا لم يوقفك؟

ـ ربما يعتقد أني أستحق ما آخذه، إن لم يكن لمهارتي فعلى الأقل كثمن لمساعدتي له، وربما يشفق علي من هوسي بالحلي، منذ أمسكت بذلك العقد وأنا أدمنها.

كانت هتون تجمع بعض القطع الأثرية التي تتمكن من سرقتها من والدها وتستبدل بها بعض الحلي الأصلية من أقطار أخرى ... منذ اليوم الذي دلت فيه والدها على مواقع الحفر، ولا يرفض لها طلبا. كانت تجوب معه الأقطار تزور المتاحف ومناطق الحفريات، وورش صنع الحلي والذهب، تنتقي ما شاءت منها وتحملها معها إلى جدة . الزمرد هو الحجر الذي وقعت في غرامه، لم تستطيع أن تحرك عينيها عن الحلي التي طعمت به. ومن خلال تجوالها في الأقطار الأخرى، تعرفت على تاجر آثار كانت تتبادل معه القطع. تعطه ما تملك من تماثيل ودمى خزفية وطينية، ثم تأخذ ما يملك من حلى ذهبية قديمة، ولكن … لا شئ مما استبدلته يضاهي عقدها في الجمال.

ـ هل تصدقين أنه العقد الوحيد الذي وجد في هذه المنطقة، لم يعثر أبدا على حلي للنساء في ذلك المكان، لولا أني التقطته من هناك بيدي لما صدقت أنه عثر عليه في تلك المنطقة.

قلت لها:

ـ آه ... بالمناسبة " نابونيد " من يكون ؟ لقد ذكرت هذا الاسم مرارا وأنت تحت تأثير المخدر.

لم أكد أكمل عبارتي حتى تغير وجه هتون ، فجأة هربت الدماء من وجهها، وأخذت ترتعش وهي تمسك بيدي مستنجدة:

ـ أنقذيني أنا أموت، أشعر بأني أدخل في نفق مظلم … لا.. إنها المقبرة التي أخذت منها العقد تطبق علي جدرانها.

حضرت ريتا لتقيس ضغط دمي بعد صراخ العنود، كانت قد ضغطت على جرس الاستدعاء وهي تصرخ بصوت عالي:

ـ سستر .. سستر ريتا.

لم تصدقني العنود عندما طلبت مساعدتها.

ـ عنود .. أدركيني.. أنا أموت

ـ لا أنت بخير هذا فقط من تأثير المخدر

ـ انظري إلى يدي ..لا أستطيع التنفس

نظرت العنود إلى يدي وجدتها صفراء وكأنها خالية من الدماء قالت لتطمئنني:

ـ أنت بخير يا سمية، دعي عنك الوهم

ـ إن لم تصدقيني فهذا شأنك لكني أوصيك أن تبلغي أمي بأني لم أتألم أثناء الموت.

عند هذا الحد لم تستطع العنود أن تصمد، أصيبت بالفزع من ذكر الموت فضغطت على جرس الاستدعاء ولم تتركه حتى ظهرت ريتا أمامها.

فوجئت بالطبيب وكأن الأرض قد انشقت وأخرجته. حقنني بحقنة مباشرة في الوريد، شعرت بغليان أعلى العنق وأسفل البطن.

ـ ماذا حدث للجميع ؟ بالأمس هتون وأنت اليوم .. كيف حدث هذا؟ سألت نسرين

ـ كنت أسترجع تفاصيل العملية، وتذكرت الطبيب وهو يقص لحم إصبعي بالموسى، ثم بركة الدماء التي لوثت المفرش.. وفجأة شعرت بأن روحي تصعد وصدري يضيق

ـ إنها فوبيا الدماء

ـ كيف تحملت رؤيتها أثناء العملية ولم تتحملي مجرد ذكراها؟

ـ صلوا على النبي يا جماعية هي مجرد دماء تسيل منا كل شهر، لقد تعودنا على النظر إليها مثلما ننظر إلى الماء.

احتدت فدوى:

ـ لا تقولي هذا أنت لم تجربي أن يسيل دمك قهرا وظلما . لو جربت هذا لعلمت قيمة الدماء. اختنقت فدوى بالبكاء قبل أن تكمل عبارتها ثم غادرت الغرفة مسرعة.

قالت ريتا بلكنة ركيكة:

ـ سمية إنت ضغط مافي

سألت هتون :

كم كان ضغطها سستر؟

ـ ستين / أربعين بس مافي مرض.. فيه حبي؟

ـ لا أفهم قصدك يا ريتا...

أشارت إلى قلبي وأغمضت عينيها بوله ثم قالت :

ـ حبي.. لف

ـ آه حب ، لا .. لا ليس بعد

ـ وأنت سستر هل فيه لف

ـ أنا فيه لوف

خرجت ريتا ثم عادت تحمل في يدها صور حبيبها، وجهتها لي دون أن تمكن منها الأخريات، صحت في دهشة :

ـ ماذا هل تحبين هذا؟! من أين جاءتك هذه الجرأة يا سستر؟

تجمعنا حول ريتا نشاهد الصاروخ الذي وقعت في غرامه وصورته وهو يشق ظلام السماء متجها للأرض.

ـ ألا تخافين الصواريخ سستر ريتا؟

ترجمت سؤال نسرين لريتا. قالت:

ـ عندما كنت طفلة كنت أتخيل أني أجلس على ظهر صاروخ يحملني ويدور بي حول الأرض، ثم يأخذني إلى الفضاء الخارجي لأمسك بالنجوم، وأتأرجح على القمر. لقد عشقت الصواريخ وأشكالها، ولا أستطيع أن أتخيل أنها ستسبب لي أي ألم لو سقطت علي الآن.

قالت نسرين:

ـ طبعا لن تشعرين بالألم لأنك ستكونين قد تلاشيت من الوجود

ـ كلا لن أتلاشى لأني سأتحول إلى جزء من هذا الكون، وصدقيني سأراك وأرى كل من أحبهم ويحبوني.

ـ حتى أنا لن تريني لأني سأكون قد مت أيضا

ـ سواء كنت ميتة أو حيه سنجتمع مرة أخرى

ـ أه تقصدين أرواحنا؟

ـ الروح فلسفة قديمة تحتاج إلى من يدعمها ويطورها، وقد قمت أنا بفعل هذا . أنا أعتقد أن التواصل والتلاقي يمكن أن يتحققا لنا عن طريق ذرات الهواء، وذرات التراب التي يتكون منها الكون. إنها نفسها التي توصل إلينا الصوت والطاقة.

كانت هتون ممددة على الفراش وعندما سمعت حديث ريتا طلبت المساعدة كي تعتدل جالسة، قالت في اهتمام :

ـ كونتنيو سستر، فأنا أصدقك، ماذا تقصدين بالطاقة والصوت

قالت ريتا:

ـ أنتم تعرفون أن الأرض موصل جيد للكهرباء ؟ هل يمكن أن تكتمل دائرة كهربائية بدون الأرض؟

ـ لا

ـ ومم تتكون ذرات التراب في الأرض؟

قلت وقد بدأت أتفاعل مع سرد ريتا المنطقي:

ـ من أجساد من رحلوا من قبل

ـ هذا صحيح.. تحمل كل ذرة من أجسادنا بعد أن تتحول إلى تراب جزء من أحاسيسنا وأحاسيس من رحلوا قبلنا... وهكذا أيضا ما يتبخر من أجسادنا في الهواء، أليس الهواء هو الذي يوصل الصوت عبر الهاتف والموجات في الراديو؟ كيف تكون له هذه القدرة ولا يستطيع أن يوصل أرواحنا إلى بعضنا البعض ؟ نحتاج فقط إلى آلة جديدة تصور لنا ما يخفى عن أنظارنا من عمليات خارج عن تصورنا.

قالت هتون بإنبهار:

ـ يا بنت اللذين!!

تابعت ريتا :

ـ أرأيت لماذا أحب التصوير؟ إنه يلتقط ما يجب أن يخلد ويشاهده الآخرون، أكون في أشد لحظات سعادتي عندما ألتقط صورة لموقف أو حدث صعب التوقع أو الرؤية.

كففت عن الترجمة كي لا يفوتني شيء من حديث ريتا . وجلست أستمع إليها غير مصدقة .. تلك الرقيقة ذات الجسد الصغير، والملابس البيضاء، التي تسير في الممرات وكأنها تطير، لا نسمع صوت خطواتها على الأرض، مثل نسمات الهواء بقدر ما نحتاج إليه كمرضى بقدر ما يختفي عن أعيننا. نشعر بوجودها فقط من خلال بسمتها الهادئة. حتى في أوقات راحتها تطل علينا مبتسمة وكأنها ملاك قادم من الجنة، هل يمكن أن تحوي بداخلها كل هذه الرؤى ؟!

عرضت علينا صور لقطرة ماء، مراحل سقوطها منذ غادرت مكانها حتى وصلت إلى للأرض.

ـ انظروا حتى جزيئات الجماد، إنها أجزاء من كائنات حية، وهي تشعر بوجودنا مثلما نشعر بوجودها الآن... هذه القطرة من الماء تحمل في تكوينها دماء ودموع من رحلوا من قبل، وبالتالي فإن جميع الكائنات من حولنا، الأشجار والحيوانات والبشر ما هم إلا امتداد لكائنات أخرى تتداخل فيها المكونات، وما يأتلف منها في الجزيئات يتشابه في الصفات والأحاسيس والطباع. لذا يعشق البشر أحيانا الجماد ويتحدون به مثل قلم أو علبة سجائر أوقنية فارغة.

كانت مها تحدق في ريتا مستفهمة . قالت هتون:

ـ هكذا إذن؟ الآن بدأت أفهم نفسي

ـ أما أنا فلم أفهم شيئا على الإطلاق.. هل يمكن لأحد أن يشرح لي. ما الذي تقصده السستر بكل هذا ؟

قالت هتون ساخرة :

ـ غدا تفهمين كل شيء.

ـ متى؟

ـ عندما تموتين .. ستمتزج ذراتك بذرات ريتا ولن تحتاجي حينها للشرح

ـ شكرا لأنك لم تفضحيني أمام البنات

ـ لا أفهمك

ـ أنت تدعين الجهل بي كي تجنبيني الحرج.

ـ ولكني بالفعل لا أعرفك.

ـ لكني أعرفك جيدا، فأنا أدرس معك في نفس الكلية ولكن في فرقة أخرى، ألم تسمعي عن بنت فصلت لسوء أخلاقها في العام الماضي؟

ـ بلى، ولكن هل أنت .....

ـ نعم أنا، وكنت أخرج أثناء اليوم وأعود قبل موعد فتح الباب لأركب باص الكلية وأذهب للبيت.

ـ أنا أيضا كنت أخرج من الكلية مع "موضي" نشتري بعض الكتب والمجلات من مكتبة "جرير" القريبة من الكلية ثم نعود..ليس في ذلك ما يستحق الفصل.

ـ لكنك لم تسرقي الختم من مكتب الوكيلة وتختمين به عدة أذون للخروج، كما لم يتم مراقبتك والقبض عليك في سيارة رجل غريب..

ـ هذا شأنك يا فدوى هذه حياتك وأنت حرة بها.

ـ اسمعي لا أريد مثالية هنا.. فقد فعلت كل هذا ولست نادمة عليه... ها ما رأيك؟

ـ ..............

ـ هل أخرستك المفاجأة؟ أنت مرفهة مثلهم جميعا، يغشى عليك لرؤية الدم ولا تعرفين معنى الألم الحقيقي، تتحدثون عن الدماء والجروح؟ غدا تطيب جروحكم، أما جرحي أنا فلا شفاء منه، أنا الآن مشردة، بلا وطن.. بلا أهل .. وبلا شرف.

ـ هل استشهد أهلك في فلسطين؟

ـ قلت لك أني بلا شرف، وهذا يعني أنهم لم يقتلوا من الأصل وإن كانوا ميتين بالنسبة لي، لقد ماتوا وهم أحياء، ماتوا بعد أن أراقوا دمي.

نظرت إليها، فدوى القصيرة والسمينة، التي تلبس نظارة طبية وتنظر من ورائها للناس بخفة واستفزاز، لم أتخيلها ضحية ألم عظيم.

ـ أي ألم تتحدثين عنه. أنت رومانسية. آخر ألم شعرت به كان يوم نزف دمائي على بلاط المطبخ. بعدها لم أعد أتألم أبدا.

كنت في السنة الثالثة ثانوي، عندما خرجت والدتي مع أخواتي البنات. كنا قبل الامتحانات بأسبوع فلم أخرج معهم، جلست في البيت أستذكر الدروس، كان الجو حارا قلت أتغلب عليه بحمام بارد. وأنا داخل الحمام طرق الباب، خرجت مبللة وقد لففت جسدي بمنشفة، ظننت أن أمي قد عادت لتأخذ شيئا فد نسيته. لو أني علمت يومها أن طرق الباب سيسبب كل هذه الأحداث لوقفت جامدة في مكاني دون حراك، لكني تحركت وفتحت الباب لأخي، ثم استدرت مرة أخرى صوب الحمام، وفجأة أثناء السير شعرت ببرودة تسري في جسدي، نظرت للمنشفة التي أستتر بها فوجدتها ملقاة على الأرض. كان أخي قد سحبها ثم وقف يتأملني عن قرب. صرخت وجريت نحو الحمام لكنه وقف في طريقي، فتحولت تجاه المطبخ وأغلقت الباب. بداية ظننت أنه يضايقني لأني دائمة الشجار معه، لكني عندما دفع باب المطبخ بقوة ثم طرحني أرضا أدركت ما يريد. كنت أقاوم في صمود، أمثل القوة وأنا أهدده بأمي:

ـ يا ويلك سأخبر أمي بكل ما تفعل.. يا ويلك.

ولكن الويل كان مسددا لي أنا فقط، كان مسددا بألم يضعف قدرتي على المقاومة، لذا تمكن مني بسهولة، كان يتوغل في جسدي مثل الوحش، شعرت بألم مثل شق السكين، لم أملك سوى البكاء والتوسلات، كنت أصرخ أرجوك يكفي أرجوك.

ـ كفى يا فدوى ..

ـ أرأيت الآن كم أنت مرفهة .. دمائك التي سالت على المفرش الأبيض ماذا تكون بجوار دمائي التي سالت على بلاط المطبخ البارد ..

هزتني بعنف:

ـ هيا أخبريني لو كنت مكاني ماذا كنت فاعلة؟

ـ أرجوك .. كفى

هزتني بعنف أكثر وهي تصرخ :

ـ وأنا من يقول لأخي كفى ؟ من ؟ من ؟

قالتها ثم ألقت بنفسها على الفراش بجواري وأخذت تنتحب.

ـ وأنا من يعيد لأميري الفرح الذي تسرب منه فلا يبكي على محبوبة غيري؟

سمعت والدي وهو يقص على أمي، كيف يعيش الأستاذ حسن وحيدا بلا عائلة، في بيت مظلم، بارد، وملئ بالمهملات. يجلس فيه هادئا بلا نشاط.. ساكنا سكون الموتى.

ـ مدرس الحساب لم يسافر إلى بلده منذ ثلاث سنوات.

فكرت أمي، ربما كان من الصعيد وهاربا من ثأر ما، لكن والدي أخبرها بأنه من الإسكندرية الجميلة التي لا يغادرها من قبع في أحضانها ثلاثين عاما إلا لظرف قاهر.

ذات ليلة خرجت مع أبي لشراء الخبز من مخبز شمس. كان والدي يحاول إقناعي أثناء السير بأن اسمه الحقيقي شامس، وأنه رجل طيب وليس بشرير، كنت أدعي تصديقه فأمثل الشجاعة أمامه، ولكن كل هذا كان يذهب هباءا بمجرد أن يقع نظره علي، كانت نظراته وتفاصيل وجهه الصلبة تتحد مع صلعته المهيبة والعرق المنهمر على وجهه، وكان هذا كافيا لكي أختبئ وراء والدي وأنا أرتجف من الخوف. كا نسير أمام بيت الأستاذ حسن، وكالعادة كان هو جالسا بجوار الباب، يراقب السماء في فتور.

قال أبي ممازحا:

ـ هل تعد النجوم يا أستاذ "حسن" ؟

ـ إذا كنت قد عددتها في عز الظهر، فما المانع من أن أعدها في الليل.

ـ يا ساتر، ما الذي يجعلك تعدها في عز الظهر ؟

ـ إنه قدر، لا أستطيع أن أقول أكثر من هذا.

ـ إذن لماذا لا تتزوج ممن تنسيك همومك وأحزانك .

ـ هذا هو بيت القصيد.

في تلك الليلة، جلست بجوار والدي على الأرض، ودسست رأسي في حجره، في الوقت الذي ظن والدي بأني قد استغرقت في النوم، كان الأمير المحبوب ذو الوجه الأحمر المستدير، الذي سيحملني على حصانه الأبيض ويطير بي فوق الجبال والبحور، ذلك الأمير كان يحكي لوالدي قصة تعلقه بمحبوبة غيري .

كان في الخامسة والعشرين عندما تعرف على "سلوى "، مدرسة الرسم في نفس المدرسة التي يعمل بها . كانت سلوى تشبه ماء النيل في عذوبتها، عندما أحبها كانت تعيش مع زوجة والدها وأخيها في سلام . قص على والدي كيف أحبتها زوجة أبيها حتى أصبحت أما لها، الحنان الذي منحته لها زوجة أبيها، جعلها تتمنى أن تصبح أماً ذات يوم، فقط كي ترد لها الجميل .

كانت " هدى شبيب " تسكن منزلا يقع بالقرب من منزل " سلوى " في شارع المحافظة بالمنصورة. وكان جدها الذي جاء والده من العراق ليعمل بتجارة البلح في مصر، لا زال حيا ويعيش مع والدها في المنصورة. تزوج والد جدها وهو الشيخ العجوز من فتاة شقراء كي ينجب صبيا له عينان في لون العسل ثم يموت. مات الجد وورثه جميع أولاده ثم عادوا إلى بلادهم ما عدا ابن المصرية الذي لا يستحق أن يشاركهم الميراث، تركوه مع أمه في البيت الذي استأجره لها. هذا الطفل الصغير الذي أصبح جد "هدى" فيما بعد وورثت منه عينيه التي كانت في لون الشهد، هو من شجع هدى على الزواج من والد سلوى قائلا:

ـ يا ابنتي، كنت يتيم الأب عندما تزوجت أمي، ولولا حنان زوج أمي ما تقدمت خطوة واحدة في هذه الحياة.

كانت أم سلوى قد ماتت وهي تلد أخيها الصغير. وكان عمر الصغير ستة أشهر عندما وافقت هدى على الزواج من أبيه، وعندما مات الأب بعد أربعة سنوات جاءت خالة الأطفال كي تأخذهم للعيش معها عندها قالت هدى لها:

ـ لقد عاش الأولاد اليتم مرتين .. ألا يكفي هذا كي لا يعيشوا الثالثة. عندك الأولاد إذا وافقوا على المجيء معك سأوافق أنا الأخرى.

تعرفت سلوى على حسن في المدرسة التي كانت تعمل بها. كان قد جاءه التعيين في المنصورة بعيدا عن بيته وأسرته. شعر بالوحدة وهو يقضي الليالي بلا ونيس. كانت الليالي تمر ببطء حتى خطبها، هي السمراء ذات العيون العسلية، كانت تقضي الوقت الكبير في الحديث معه عن الأسرة التي تحلم بتكوينها.

أسرة كبيرة تتكون من الأفراد الذين فقدتهم في حياتها، الجد والجدة والأم والأب والأبناء . ستكون أماً لخمسة أطفال، تصحو على وجوههم كل يوم. ستمر بها الأيام وهي تراقبهم أثناء كبرهم، تلمس بشرتهم الرقيقة في سنواتهم الأولي وتراقبها وهي تمتلئ ببثور الشباب والنمش عندما يكبرون. ستتجمع معهم حول العشاء .. يتبادلون الأحاديث والكلام في وقت واحد، حتى تتداخل أصواتهم ويتعذر التقاط محور واحد للحديث. في ليالي الشتاء ستغطي أجسادهم أثناء النوم، وعند مرضهم تذهب بهم للطبيب. كثيرا ما تخيلت نفسها تمسك بيدي طفلتها أو طفلها وتسير معهم في السوق، تشير إلى كتاب أو لعبة وتسألهم عن رأيهم في شرائها. كم حدثت حسن عن أمنيتها في أن يكون لها ابنة تبكي عند خروجها من المنزل ليلة زفافها، أو ولد تضمه بعينيها وهو بجوار عروسه في ليلة عرسه. حكت له عن أمنيتها في أن تكون جدة عجوز، تجلس على كرسي هزاز، في شرفة منزل أو بجوار مدفأة، تقص على أحفادها قصصا من الواقع والخيال. هذا الحنان الذي يكمن في صوتها كان سببا في انجذاب حسن إليها:

ـ أه لو تعرف يا أستاذ كيف كانت تهتف باسمي، الحقيقة أنها لم تشعرني بأني حبيبها ذات يوم، كنت أشعر دوما بأني ابنها، حتى الآن يكفي أن أتذكرها كي تعود لي أحلامي القديمة .. أن أختبئ في رحمها بعيدا عن البشر.

حكى الأستاذ حسن لوالدي كيف تمنى لو أن الله قد حقق له هذه الأمنية فقط، كم اشتهى أن يدخل بيته ولو ليوم واحد ليجد به امرأة تنتظره وتتزين له. هذه الأمنية أصبحت كابوسا بعد حادث السيارة الذي تعرض له قبيل الزفاف. كان والده قد بدأ يعد لزواج ولده الوحيد، حامل اسمه واسم العائلة، دعا أقاربه من "المنشية" "وكفر الزيات"، طبع بطاقات الدعوة ووزعها، حجز حلوى وكعك العرس من أفضل محلات الاسكندرية. كل هذا الفرح تحول إلى حزن عندما انقلبت به السيارة ونقل إلى المستشفى.

ـ لقد مات أبي من الحسرة بعدما عرف ما حدث لي كان قلبه ضعيفا، لم يتحمل الصدمة فمات... قبيل خروجي من المستشفى قال له الطبيب:

ـ لقد شفي ولدك خذه وعد به للبيت يا حاج .

ـ إذن سأقيم له الفرح وأزوجه من الغد.

ـ قلت لك أنه شفي ولم أقل أنه يستطيع الزواج، يجب أن تصرف النظر عن هذا الموضوع نهائيا

ـ هل هذا يعني بأن ابني ........ ؟

ـ نعم

كانت سلوى قد طلبت من زوجة أبيها ذات يوم أن تقرأ له الفنجان. قرأت زوجة الأب الطيبة الفنجان لحسن وبشرته بالمال، لم تبشره بالزواج أو الأولاد. كثيرا ما سألها عن حياته مع سلوى فكانت تتهرب منه إلى إجابات أخرى . ذات يوم وتحت إلحاح من حسن قالت له وهي تتأمل فنجان قهوته:

ـ خط عمرك ليس به فروع، هذا يعني أنه لن يكون لك أبناء

ضحك حسن ثم سأل سلوى ممازحا

ـ ماذا لو تحقق هذا الكلام ؟

ـ ستكون أنت ابني الذي أفخر به.

كانت تأخذ يده في يدها، وتبدأ في تقليد صوت زوجة أبيها في مرح :

ـ سأقرأ لك الكف .. الخط الذي بجوار الإبهام إذا تقارب مع الخط الذي يليه فهذا يعني أن صاحبه غبي ... ولكن الفارق بينهما كبير عند حبيبي، لذا فهو شديد الذكاء. أما المساحات المقابلة لكل إصبع إذا كانت مرتفعة فهي تدل على أن حبيبي سيحصل على مال وفير.

بكت سلوى كثيرا عندما أخبرها حسن بعزمه على السفر. لم يخبرها بموعد رحيله، وعدما جاء الموعد ترك لها رسالة مع زوجة أبيها وضع فيها خاتم الخطوبة وكتب لها " أتمنى لك عمرا ترين فيه أحفادك في سن الشباب".

أي شباب فقدته سلوى عندما رحل عنها حسن؟

ذلك الفارس الذي أهداني كتابا ظللت لسنوات أقلب في صفحاته وأرى صورته بين طياتها، أدرك الآن كم كانت حسرة سلوى عليه.

نظر الشاب الذي فقد شبابه إلى البعيد وقال بحزن:

ـ حصلت على المال يا أستاذ ولكن أخبرني كيف أنتفع به.

ما إن قال هذا حتى دخل البيت، وعاد وفي يده صندوقا كبيرا في يده، ألقى بمحتوياته على الأرض فتكونت أمامنا كومة عالية من الأوراق المالية. قال لوالدي:

ـ خذ ما شئت فلا حاجة لي بها، ما نفع كل هذه النقود إن لم أستطع لمس امرأة.

ـ المرات الوحيدة التي شعرت فيها بآدميتي، كانت تلك التي لمسني فيها الشاذلي بيده . كنت أشعر وهو يسلم علي بأن موجة من الحياة تتسرب إلى دمي. قبل ذلك كانت الأيام تمر علي وأنا أكاد أنشق بسبب الشعور بالغربة والوحدة معا، كنت أحتاج إلى من يمد يده ويلمسني ولو بمطرقة من حديد. يخيل إلي أني لم ألمس في حياتي قط، وكأن أمي حين ولدتني وضعتني في صندوق من الزجاج، وأرسلت لي بالطعام في أنابيب بلاستيكية. لا زلت أعيش في الصندوق حتى الآن، وإلا فيما تسمي ذلك الجدار الضخم الذي يقبع على صدري، ويفصل ما بيني وبين أسرتي.

تحب نجوى المستشفى ولا ترغب في الخروج منها، فما الفائدة من بيت يتشاحن فيه جميع أفراده؟ الجو الأسري الوحيد الذي شعرت به كان في المستشفى، حيث لا مسببات للخيانة أو للشجار.

ـ هنا نختلف جميعا وبالرغم من ذلك لا أحد يمسك لك بالسكين، لا أحد يقول لك إما... أو، أنت حرة فيما تحبين أو تكرهين. لا شروط هنا لكي تكوني إنسان، يكفي أن تشعري بالألم كي نسهر بجوارك كما نسهر الآن بجوار هتون.

كانت نجوى الإبنة التاسعة لأم تردد على مسامعها دائما بأن الله قد جاء بها بعدما استكفت من البنين والبنات. كانت تعيش في قرية من قرى غرب بحر الغزال بالسودان، في بيت بالكاد يكفي لأولادها التسع. لكنها كانت تتشارك فيه مع أخو زوجها وأبنائه السبع وسلفتها التي لم تكف يوما عن صنع الأعمال لها ولأبنائها.

كانت شادية تترك نجوى مع باقي أبنائها في البيت تحت إشراف جدتهم لأبيهم وتذهب هي مع زوجها ووالده للعمل في الحقل. كانت الجدة تجلس بجوار الباب تتابع بنظرها المارة وتتبادل معهم الحديث في الوقت الذي يتضور فيه الصغار من الجوع، وكانت نجوى تزحف على الأرض حتى تصبح بين أقدام الماعز، وبدلا من أن تدوسها الأخيرة بأقدامها، كانت تقدم لها حليبها طائعة. هكذا تعود الأم لتجد صغيرتها ترضع مع الحملان، وعندما رفضت نجوى حليب أمها لم تأبه الأخيرة فقد هزت رأسها غير مبالية وقالت:

ـ خسارة فيك ...بعدما لفتي على أم غيري

كانت أم نجوى مصدر السخط والتوتر الدائم في البيت، وهذا ما أدركته " بيجوي " الخادمة " السريلانكية " عندما تحرشت بزوجها. حدث هذا ذات يوم عندما رأتها نجوى تحتضن والدها من الخلف أثناء وقوفه في المطبخ. كانت تظن أن نجوى قد ذهبت إلى العرس مع باقي الأسرة، لكن نجوى كانت قد ادعت المرض لكي تختلي بالهاتف وتحدث حبيبها الشاذلي. هذه السريلانكية الخبيثة هي من وشى بمخططها لوالدها، وهي من يجب أن يقع عليها العقاب.

ـ هل تعلمين لماذا عشت الشقاء طوال حياتي ؟ لأني ضغطت على نفسي كثيرا كي أكون من يريدون، سبب لي هذا شقاء غير معلن، ظللت هكذا حتى أرسل الله لي الشاذلي كي يخرجني إلى النور.

قصت عليّ نجوى كيف كانت ترى الشاذلي في منزل خالها، وكيف كان خالها أول من خطط لفكرة زواجها من صديقه العزيز، وعندما اكتشف والدها هذا قاطعه وحرم على زوجته الاتصال به.

أخرجت نجوى من حقيبتها صورة لشاب أسود ودفعت بها إليّ:

ـ ما رأيك ؟

ـ له نظرة حكيم في الستين .

ـ هو فعلا هادئ وصامت، لا يتفوه إلا بما هو مفيد، مثل حكيم يزن كلامه قبل النطق به. تعرفي إيش معنى الشاذلي ؟

الشاذلي هو الاسم الذي أسماه به والده تيمنا "بأبي الحسن الشاذلي" مؤسس الطريقة "الشاذلية " التي كان يتبعها. كان يجلس مع والده في " الحضرة " يستمع إلى الشيخ وهو يتحدث بلسان " أبو الحسن ":

ـ " إن أردت أن تكون من أصحابي فلا تسأل أحدا شيئا، وإذا أتاك شئ من غير حق فلا تقبله، إن كنت مقتديا بالرسول في الأخذ، كن مقتديا به أيضا في كيفية الأخذ.

كان عمره عشر سنوات عندما كان يراقب والده أثناء "الذكر" وهو يهز رأسه في حركة بندولية يمينا ويسارا، يردد وهو غائب عن الوعي:

ـ الله .. الله

كان يتعجب منه ويقلده دون اقتناع، وكان يسأل نفسه ترى أي متعة يجدها والده وأصدقائه في هز رؤسهم يمينا وشمال؟ لم يفهم ما يشعر به والده حتى أصابه ما أصاب والده من انجذاب.

هو لا يعرف بالضبط كيف تسللت "البرهانية" إلى قلبه، لكنه يعرف الطريقة التي بدأ الشيخ "محمد البرهاني" يحدثه بها. كان ينظر إليه تلك النظرة المتسامحة والتي تنفذ إلى صدره بلوم خفي، يجذب ولا يصد، ظل هكذا حتى جاء يوم قال له الشيخ :

ـ يا بني والدك رحمة الله عليه كان من المريدين، حقا لم يكن برهانيا لكنه كان يصلي معنا كل يوم، ما رأيك لو تصلي العشاء معنا في المسجد. لم يعزنا الله بوالدك فلعله يعزنا بك.

علمه الشيخ محمد كيف ينظر إلى الله ببصائر القلوب لا العقول، وتعلم أن الحقائق ليست سوى المعاني القائمة في القلوب. لعل هذا ما يبقيه دوما صامتا، كي يستمع لصوت قلبه. ربما كان هذا هو السبب في تسلل " البرهانية " إليه .. لأنها قريبة من طريقته في التفكير والإحساس . حياة الشاذلي كلها لها صورة واحدة، طريقة تفكيره هي طريقة إحساسه وهي نفسها الطريقة التي يأكل ويلبس بها. ما يرتديه من الداخل مثل ما يرتديه من الخارج كل شيء شفافا مثل ما يعتنقه من آراء. لذا وهو أعزب يصر على كي ملابسه الداخلية قبل ارتدائها، يقول لنجوى:

ـ الداخل كالخارج يا نجوى على كل منا أن ينقي داخله مثلما ينقى خارجه.

أحب نجوى ليس لاسمها الصوفي الذي يذكره بمناجاته مع الله فقط، ولكن لأنه قد رآها في منامه قبل أن يراها في واقعه. عندما حكى لشيخه أنه رأى في منامه نورا يخرج من أرض "نجد" يدعوه للقرب، بينما يقف هو بعيدا ولا يستطيع الاقتراب منه. قال له الشيخ :

ـ أبشر بنصفك الثاني يا شاذلي سنرسلك إليه في نجد

ـ ولكن يا مولانا ماذا أعمل في نجد وأنا لا أعرف أحدا بها؟

ـ اتركها لله يا شاذلي رب هنا هو رب هناك.

ـ ونعم بالله

ـ لنا إخوان هناك. سيكونوا لك نعم السند

كان خال نجوى من هؤلاء الإخوان الذين وفروا للشاذلي العمل والسكن معا، وقد أصبح منزله هو المكان الذي يجتمعون فيه لذكر الله كل أسبوع.

علم والد نجوى بانتماء حبيبها إلى إحدى الطرق الصوفية فبلغ عنه وعن أصدقائه السلطات. هكذا لم يصب الأذى الذي رمى به الشاذلي وحده بل أصاب خالها وباقي الأخوان. كانت نجوى تمسك بكتاب ألفية ابن عقيل تضع خطوطا تحت الشواهد التي يجب أن تحفظها عن ظهر قلب قرأت:

بكيت على سرب القطا إذ مررن بي فقلت ومثلي بالبكاء جدير

أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير

هل من يعيرها جناحا تطير به إلى الشاذلي وتتخلص من النحو الذي تكرهه مثلما تكره أمها وتكره معها الخادمة السيرلانكية بيجوي. تفكر كيف يهدي والدها خادمته سلسلة من ذهب وهو لم يفعلها من قبل مع زوجته أو إحدى بناته. كانت تفكر في هذا عندما طرق الباب وجاء أحد أصدقاء خالها ليقابل والدها. شعرت نجوى بالخطر فوقفت خلف الباب تتسمع الحديث.

ـ عاصم يطلب منك أن ترسل له أخته لتساعد زوجته في ربط الحقائب، لقد منحوهم إثني عشر ساعة فقط لحزم حقائبهم. غدا سترحلهم الحكومة إلى السودان.اليوم أخذه الضابط إلى مدرسه ابنه، ليسحب أوراقه وفي يده الحديد.

ـ معهم واحد اسمه الشاذلي؟

ـ نعم

ـ أحسن خليهم يروحوا في داهية.

هكذا وجد الشاذلي نفسه هو وباقي الأخوة ـ في ظرف أربع وعشرين ساعة ـ خارج البلاد.

ـ يظن أنه بهذه الطريقة قد أبعده عني، أقسم أن أنتقم لخالي وله، قريبا سأخرج من المستشفى وبمجرد أن يشفى ذراعي سأسافر إليه.

بيت المدرسين، سمي بذلك لكونه مبني خصيصا بالأسمنت للغرباء من المدرسين الذين يتوافدون كل عام على رغبة. كان كبيرا وعاليا يتوسط سطحه مربع كبير مفتوح على البيت من أجل إنارة وتهوية المكان، لذا تفتح عليه نوافذ الغرف وأبوابها، ويظل مكشوفا طوال العام، ما عدا في أوقات المطر، حيث تغطيه أمي بغطاء من البلاستيك كي يحمي البيت من المطر والثلج. هذا البيت الكبير الذي تفتح نوافذه على صالة داخلية، والذي لا نوافذ له على الشارع، لم يكن به سوى كوة صغيرة أعلى الجدار، بالكاد تكفي لمرور طفل صغير، ولا تسمح لأحد بالنظر أو القفز منها داخل البيت. لهذا أيضا كان الباب من الحديد السميك، والجدران من الحجارة، لكي تبعد عن الخيال نفاذ شيء منها أو إليها، وحدها خطوط الضوء الواهنة، القادمة من بين شقوق الباب، هي المسموح لها بالدخول حاملة معها شوائب صغيرة بالكاد ترى في ظلام البيت.

البيت الذي سكنته وأنا في السادسة لم أعرف بالتحديد إن كان أول بيت بالقرية أم آخرها. كان يشبه القلعة المحكمة، وبالرغم من ذلك لم أشعر فيه يوما بالحبس. كان بابه الحديدي، يسمح لي بالخروج إلى الصحراء، بمجرد أن أفتح الباب تأتي الصحراء من كل صوب، فأشعر بغوايتها وأسارع في الخروج. كنت بمجرد أن أغلقه أهبط درجتين من الحجر، ثم أدقه بقدمي كي أتأكد من إغلاقه، وأنطلق بعدها إلى حيث أشاء.. أحيانا نادرة كانت أمي ترسلني لشراء الخبز، من المخبز في الجهة الغربية المقابلة للبيت تماما، لا يفصل بيننا وبينه سوى مساحة واسعة من الرمال. كان المخبز مجاورا لبيت الحبيب، يسمح لي بإطالة النظر إليه ومتابعته عن قرب وأنا أقلب في كفي الصغير أرغفة " البر" و " التميس " (1) الحارة، وأسرع بها نحو المنزل، قبل أن أتعرض للعقاب الذي أفضل الضرب عليه.

كانت أمي تعلم أن متعتي الوحيدة تتمثل في الخروج للعب مع أبناء الجيران، فكانت تستخدمها كسلاح للطاعة، وكنت بدوري أستجيب لجميع طلباتها حتى تشعر بالرضا وتسمح لي بالخروج. كانت على يقين بأني في أمان، وأن اتساع الصحراء لا تمر به سيارات ساحقة أو عابرين غرباء. ، لذا كانت تسمح لي بالخروج شرط أن اصطحب معي أخي الصغير كنت بمجرد أن أخرج أستدعي فاطمة ابنة الجيران التي تقبل باللعب ببسطة أما أخيها "دحيم" فلم يكن يقبل بهذا إلا بعد طول إلحاح. كان ينظر إلى ثوبي القصير مستهجنا، يطلب مني أن أرتدي ملابس طويلة، مثل أخته، كثيرا ما توسلت لأمي كي تخيط لي ثوبا مثل أثواب صديقاتي يجر ورائي مثل الجميع، ولكنها لم تكن مقتنعة بفائدة ثوب أكنس به الأرض أثناء المشي. كانت المسألة بالنسبة لها مسألة نظافة بحته، أما بالنسبة لي فقد كان الهدف الوحيد هو التخلص من نظرات دحيم المتعالية وهو يرى عري ساقي. كنت أتحايل على الأمر بارتداء بنطالا طويلا ثم أعود لأريه نفسي، عندها كان ينظر إليّ بتعالي ثم يهز رأسه:

ـ إنتم ما عندكم أثواب طويلة، على أية حال السروال أحسن من لا شيء.

اعتدت لبس السروال تحت الثوب القصير، واعتدت الجري وراء دحيم وهو يطارد الجراد، كنت أضع أخي الذي أحمله على الأرض، ثم ألحق به قبل أن يختفي عن عيني، أراقبه وهو ينتزع أجنحة الجراد، ثم يلقي به في النار، وعندما تفوح منه رائحة الشواء، نقتسمه في فرح.

ما لم أعتده مع دحيم هو الكشف عن تلك النبتة، التي تثمر لوزة خضراء وبداخلها رحيق عسلي، كنا نمزق قشرتها ثم نمتصها بفرح. طعم الرحيق كان جميلا، ولكن الأجمل منه كانت رائحتها، التي تشبه رائحة ماء الزهر والورد معا. كانت رائحة حبة اللوز تنعش خلايا رأسي بالفرح، وكان دحيم الذي يكبرني بعامين يعرف ذلك جيدا، فكان ينتقي ما نضج منها ويمنحني بعضا منه، أما أنا فقد كنت دوما أمتص اللوزة الخاطئة، وكان هذا سببا في المرارة التي تصيب فمي، كان التباين شديدا جدا بين اللوزة الناضجة واللوزة التي لم تنضج بعد فبقدر ما تحتوي إحداهن من الرحيق بقدر ما تملك الأخرى من مرارة، بل تتضاعف مرارتها عشرات المرات حتى أنني كنت أنفجر بالبكاء في كل مرة بعد أن أفشل في إزالة مرارتها من فمي.

أزالت " مها " عن جسدها النحيف الغطاء وهي تبكي:

ـ بطني .. بطني.

دخلت ريتا، بينما بقيت سلوان على الباب. كانت ريتا تتعامل مع نسرين على أنها أم لسلوان، ومعنا كأننا باقي أسرتها. لم تستطع أن تتعامل مع أمها الحقيقية والتي كانت مرافقة لها. قالت ريتا:

ـ سلوان إبرة مافي.. آيس كريم مافي

ـ لماذا يا سلوان ألا تريدين أن تشفي؟ يجب أن تأكلي الآيسكريم وتأخذي الإبرة

ـ .........

ـ لو أخذت الإبرة سأعطيك هذه الحلوى

وضعت يدها على حلقها، وأخرجت من فمها صوتا بالكاد يسمع:

ـ ما أقدر أبلع ....

قلت: إذا أخذت الإبرة، أحكي لك حكاية.

عندها لمعت عيناها وابتسمت في فرح.

ـ حقا .. وماذا ستحكي لها؟

ـ سأحكي لها قصة حمدان وبقرته

ـ وأنا سأدعوها إلى حفل زواجي .. هل تحضرين ؟

ـ سأسأل أمي.

سمحت سلوان لريتا أن تعطيها الإبرة، ثم خرجت مسرعة لتخبر أمها بدعوة نسرين. أشارت فدوى إلى كيس به كتلة سوداء على الطاولة بجوار فراش مها:

ـ يا لطيف هل كان بداخلها كل هذا السواد؟!

ـ لكل منا سواده الخاص منا من يخزنه في عقله، ومنا من يخزنه في روحه، ومنا من يخزنه في جسده.

ـ كيف استطاعت أن تفعل ذلك ؟ انظروا إلى كمية الشعر.

مها طالبة الثانوي الصغيرة، أخرجوا من معدتها كتلة تزن كيلو جراما من الشعر، كان الأطباء قد احتاروا في تشخيصها حتى استقروا أخيرا على أنها ورم حميد.

ـ تذكرني بزوجة خالي، كان الأطباء قد أجروا لها أشعة وهي حامل. وقالوا لها يوجد في بطنك جسم ملفوف بالسواد، أغلب الظن أنه طفل مشوه يغطي جسده شعر غزير. نصحوها بأن تجهضه، لكنها رفضت وأصرت على أن تبقي عليه حتى جاء موعد الولادة، وتتصوروا ماذا وضعت ؟

قالت حبيبة:

ـ أكيد قرد أسود.

قالت " فدوى"

ـ بل فتاة جميلة جدا، ولها شعر أسود طويل .. من شدة طوله كان يحيط برأسها وجسدها، تصوروا أنها أصرت أن لا تخرج من المستشفى قبل أن تقصه لها.

ـ لو كان لي مثل هذا الشعر لما قصصته أبدا

كانت " حبيبة " قد وقفت على كرسي خشبي، تعلق صورة لمنظر طبيعي على الجدار. يحوي المنظر بحيرة وكوخ صغير ومن خلف الكوخ جبال تغطي قمتها الثلوج. قالت:

ـ أعرف امرأة تضطر للوقوف على كرسي مثل الذي أقف عليه كلما أرادت أن تمشط شعرها كي لا يسقط على الأرض.

ـ وأين هي هذه المرأة ؟

ـ عندنا في المغرب

كانت قد انتهت من تثبيت غلاف علبة " الشوكولا " التي أحضرتها إليها إحدى زائراتها، فنزلت عن الكرسي قائلة.

ـ الفضل يعود إليّ في الصور المعلقة على جميع الجدران في هذا الجناح. هل تعلمون أني أقيم بهذه المستشفى منذ ثلاثة أشهر. تعرفت على الكثيرات هنا، ولكن لم يصدف وأن كوّنا جماعة متآلفة مثلما نفعل الآن، لا أعرف ماذا سأفعل بعدما تخرجون.

سرت نبرة الحزن من صوت حبيبة إلى العنود وكانت قد نهضت من الفراش لتنفذ أوامر الطبيب، فتتكئ علي وتسير ذهابا وإيابا في الممر الطويل. كانت أصواتنا قد شجعتها على الخروج من قوقعتها، قالت:

ـ إذا كان هذا قولك أنت فماذا أقول أنا ؟ هل تعلمين أني حين أخرج من هنا لن أخرج إلى بيتي مثلما سيحدث لكل واحدة منكن، سأعود إلى المدرسة التي أسكن بها أنا وكثير ممن هربوا مثلي من الكويت. سأعود لأحرم من هذا الدفء وأشعر بالغربة من جديد.

قالت نسرين:

ـ عندما تشعري بالغربة تذكرينا ليعود إليك الدفء، نحن أهلك يا عنود.

ـ أنتم بالفعل أ.....

لم تستطع أن تكمل عبارتها فقد اختنق صوتها ثم انهارت بالبكاء. ساد المكان صمت مفاجئ، جعلنا بكاؤها نشعر بقربها منا بعدما كانت منغلقة على نفسها، حتى أنا شعرت فجأة بأني أحبها، بعدما كنت أعطف عليها فقط. كانت تغرق في عذاب صادق، أحسست بضعفها، وضعفي، وضعفنا جميعا، بإنسانيتنا النابعة من الألم والمرض، وأخذت أحسدها على حزنها، بالرغم من الحزن فقد كان لها وطن تبكي عليه.

ـ الأوطان التي سكنتها كثيرة يا عنود ... أحببتها وتقسمت فيما بينها. ولكنها جميعا لا تماثل أول موطن لي. رغبة هي الوطن الذي تنتمي إليه خلايا الفرح في ذاكرتي، والتي بسببها سكن الإيمان والأمان في قلبي .. الإيمان في بساتينها المقتطعة من الجنة التي أدمنت اللعب فيها كل يوم. والأمان في تجمع الأسرة في ليالي الصيف والشتاء.

كانت أمي في ليالي الشتاء تشوى البطاطا الحلوة " وأبو فروة " (1) فوق أسلاك مدفأة الكيروسين، تنشغل بالحديث مع أبي بينما ألاحق أنا حبات أبو فروة التي كانت تنفجر بفعل الحرارة وتتطاير في الهواء. كنت أمسك بها وأقلبها بين يدي حتى تبرد، ثم أقشرها وألقي بها في فمي، بعد قليل يكون طعمها قد اطمأن في معدتي، فألتصق بأمي ألتمس الدفء، وعندما تتسرب حرارة جسدها إلى جسدي يسكنني الرضا، فأشعر بالأمان وأذهب في نوم عميق.

شتاء الصحراء الذي ينفذ إلى العظم كان شديد البرودة، وكنا نتغلب عليه بمدفأة الكيروسين، لكنه لا يستمر طويلا فبقدر ما كان باردا يقدر ما كان ممتعا وسريعا.

يذهب الشتاء ويبقى للصحراء جحيمها في نهار الصيف، بينما ليلها ملطف بالنسيم. كنا نلتقط هذا النسيم على أسطح البيوت التي نتخذها سكنا ومبيتا حتى آخر الصيف. كانت الأسطح تعد خصيصا لهذا الغرض فقد كانت أسوارها جدران عالية، لاتكشف لك الأرض أو تكشفك لها، لا تستطيع أن ترى منها في الليل سوى السماء ونجومها اللامعة.

كانت أمي تفرش الكليم فوق سطح البيت، تضع عليه الوسائد والملاءات تحسبا من نسيم الفجر. تأتي معها بدورق المياه وطبق " الفصفص" (2) الذي حمصته على النار مع الملح، نتسلى به أثناء الاستماع للحكايات. تحكي وأنا أضع رأسي في حجرها، فأنام على البساط الأحمر، ومن فوقي السماء التي تثير في ذهني الأسئلة، ممزوجة بصوت أمي ولمعان النجوم .

الصيف الذي تتغلب عليه النساء بالزيارات المسائية، كان من أطول فصول السنة، وأكثرها مرحا، فقد كانت أمي ترسلني إلى بيت جارتنا أم دحيم صباحا أدعوها للحضور. فأذهب وأدق عليها الباب :

ـ تسلم عليك أمي وتقول لك الشاي عندنا بعد العصر.

كانت العادة قد جرت أن تدعو النساء الجارات على القهوة بعد العصر لكن أمي التي لم تكن قد تعلمت صنع القهوة المرة، وتجد صنعها من أصعب الأمورلذا كانت تفضل دعوتهن على الشاي، كنت أسمعها تقول لست فايزة:

حتى لو أجدت صنع القهوة فلن أجيد تقديمها

ـ لا تذكريني يا ست فوقية بالحرج اللي اتعرضت له يوم جت تزورنا بالمدرسة زوجة الأمير.

ـ ماذا حدث لك؟

ـ كانت جميلة تصب القهوة عندما ناداها زوجها سعيد من الخارج فذهبت للرد عليه، ووجدت نفسي وحدي مع أم نوير فقمت لضيافتها وصب القهوة لها كما تفعل بنفسها عندما أكون في زيارتها وتضطر الصبابة للخروج. والله يا ست فوقية كانت تقوم فورا من مكانها ولا تسمح لفنجاني بأن يلمس الأرض وكانت تصب لي حتى أضع يدي على الفنجان

ـ وبعدين؟

ـ قمت أصب لها القهوة ومددت يدي لها بالفنجان، لكنها نظرت إلي نظرة متحجرة ولم تمد يدها في هذه اللحظة عادت جميلة وشاهدت المنظر وإذا بها تسحب الفنجان ودلة القهوة من يدي وتعتذر للأميرة

ـ سلامتك يا طويلة العمر والله ما قصدنا نهينك عندنا.

ـ معليش يا جميلة هذولا أجانب وما يعرفون عاداتنا

كانت أمي مندهشة... ما الخطأ في تقديم القهوة للأميرة؟ لكن ست فايزة شرحت لها كيف أنها قد أخطأت في إمساكها الدلة باليد اليمنى وتقديم الفنجان باليسار، وكيف أن اليسرى لا تستخدم إلا في أسوأ الظروف

ـ تتذكري شو سووا معك لما مددت يديك الإثنتين لتقطيع اللحم يوم عرس بنت الأمير

ـ أه .. لم أشعر بحرج في حياتي مثلما شعرت في ذلك اليوم. لقد توقف الجميع عن الطعام وأخذوا يرددوا لا إله إلا الله وكأننا في ميتم وليس في فرح

ـ بالله عليك شو لازمة اليسار إن لم تساعد اليمين.. ليش ما نقطعها أحسن؟

تتذكر أمي كل هذا وتتخيل ما يمكن أن تخبئه باقي الطقوس، فتقرر صنع الشاي الذي كانت طقوس تقديمه أقل تعقيدا من طقوس القهوة. كانت تضعه في براد منفصل، بجوار براد النعناع، وبراد الزنجبيل، مع طبق كبير من كعكة التمر، تصب الشاي في الأكواب الكبيرة، وهي تعتذر للضيوف بأنها لم تشتر" بيالات "(3) صغيرة بعد. تقدم طبق الكعك مع الشاي :

ـ ما رأيكم في الكعك ؟

تجيب أم دحيم :

ـ ما عمرنا ذقنا هذا الطعم، تسلم يدينك .

وتقول أم ناصر:

ـ حنا ما نعرف غير "الحنيني" "والكليجا " (4)

بينما تتسلى النساء بأكل الفصفص فوق السطح، أنتحي أنا "وهيا "، "وفاطمة " جانبا. تسأل "هيَا":

ـ إيش رأيكم نلعب " الطبة " .

ـ لا أنا ما أعرف ألعبها في الليل.

ـ إذن نلعب " أم الخطوط " .

وفي دقائق نخط الخطوط على الأرض، محددين عليها مربعات صغيرة، نلقي الحجر بداخلها ثم نبدأ في القفز. تحب " هيا المطيري " هذه اللعبة التي تعتمد على القفز، ولأنها أكبر منا سنا، تتفوق علينا بها، لذا سرعان ما نمل ونوقف اللعب، تقترح فاطمة :

ـ خلينا نلعب " صبحكم بالخير" .

ـ ما يصلح لازم نكون ثمانية .

في الأوقات التي يصل فيه عددنا إلى ثمانية بنات، نتشارك جميعا في لعبتنا المفضلة. "صبحكم بالخير" هذه اللعبة التي كانت تحقنني بأطنان من الفرح ، كنا نلعبها في المدرسة والأفراح، حيث يسمح لنا بالسهر والتجمع بجوار الباب. أحبها بأغنيتها التي تثير في عقلي خيالات تتعدى المكان إلى مكان آخر به عمال يقومون بأداء واجبهم بفخر.. حتما يعاني هؤلاء العمال من الوحدة يطلبون عروسا جميلة تضيء لهم المكان. ننقسم إلى فريقين متساويين، يقف كل فريق منا في مواجهة الآخر، على مسافة متباعدة ، فيبدأ الفرق الأول بالغناء يطلب الونيس من أشخاص لا يقدرون طلبهم.. يقترب في صف أفقي، ثم يعود إلى مكانه مرة أخرى يرد عليهم الفريق الثاني وفي قلبه خوف من العنف والخطف:

الفريق الأول : مساكم بالخير يالعمال العمالية

الفريق الثاني : صبحكم بالخير يالعمال العمالية

الفريق الأول : أعطونا عروستنا الحلوة والزينة

الفريق الثاني : ما نعطيكم هيّه إلا بألف وميّه

الفريق الأول : ننزل على دياركم ونكسر أبوابكم وناخذ عروستنا

نخطف العروس التي تحلو لنا لتنضم إلى فريقنا ثم نعاود الكرة لنتبادل الأدوار مع الفريق الآخر وتتمنى كل واحدة منها أن يتم اختيارها لتكون العروس المختارة للفريق الآخر. كان اللعب يستمر حتى تعلن إحدى الأمهات عن عزمها في الخروج:

ـ تأخرنا وثقلنا .

ـ بالعكس لقد شرفتنا اليوم يا أم دحيم .

تقول أم ناصر وهي تضع غطوتها على وجهها :

ـ باكر الشاهي عندنا يا أم أشهب.

تعتذر أمي وتطلب منها تأخير الدعوة لبعد الغد، كي تتمكن من غسيل الملابس الذي تقوم به يوما بعد يوم. تقول ذلك وتشتكي من حال الكهرباء في القرية.

كانت الماكينة الروسية هي المصدر الوحيد للكهرباء في القرية. ولم تكن تعمل إلا من المغرب حتى العشاء فقط، ولم يكن هذا الوقت كافيا لإنهاء الغسيل. كنت أراقب أمي وهي تضئ السراج، قبل أن تبدأ تحسبا للظلام الذي سيعم المكان بعد انقطاع الكهرباء. ثم تضع الملابس المتسخة في الغسالة، وتضيف إليها الصابون ويليه الماء. وبعد الانتهاء من كل شئ تجفف يديها، وتضع المفتاح في الكهرباء، وتأمرني بالابتعاد خشية وجود ماس كهربائي. أبتعد وأنا أسمع صوتها متدفقا مثل هدير البحر، عاليا في إيقاع منتظم يحبب إلي النوم بطول سماعه.

الغسالة التي كانت تشبه الفيل في ضخامتها، كانت الأولى في القرية، أرسلت أمي في طلبها مع السرير ومفارش النوم من العاصمة. كانت أمي ذات النزعة الأرستقراطية تضع الملابس في الغسالة، وتجلس بجوارها تخيط في لوحة " الكانافاه " وهي تغني بصوتها الحزين:

يا خالق الزهرة في حضن الجبل من فوق

لونها .. ومنظرها آية للجمال والذوق

تطلع وتذبل على دمع الأمل والشوق

لا يدرى بيها ولا يعلمها غير الله

الله ... الله....الله

أما أنا فقد كنت أقف على الكرسي، لأراقب حركة القلب الداخلي للغسالة. كان على شكل امرأة تضع يدها في خصرها وتتحرك يمينا ويسارا، فأضع يدي في خصري وأبدأ بتقليدها. ظلت هذه الغسالة الضخمة التي لا يقدر على حملها ثلاثة رجال، تعمل لدينا لست سنوات، وبعدها استبدلتها أمي بأخرى حديثة، أقل منها حجما اشترتها من العاصمة .

ـ لقد أجر ياسر الشقة وسأصبح عروسا عما قريب، ستكونون جميعا خارج المستشفى لا بد أن تحضروا، حتى أنت سستر ريتا

ـ أوف كورس..

ـ لن أكون هنا لأني سأعود إلى جدة بعدما أخرج من المستشفى.

ـ أنا سأحضره، هذا في حالة لو لم أعد للكويت.

ـ هل تتوقعين أن تعود الكويت بهذه السرعة؟

ـ قولي يارب

ـ هل عرفت شيئا عن بيتك؟ أقصد هل يمكن أنن يقتحمه العراقيون وينهبوه؟

ـ والله حنا عملنا اللي علينا. سكرناه بالمفتاح وأخذناه معنا. أخرجت العنود من حقيبتها سلسلة مفاتيح، انتقت منها مفتاحا وأخرجته، قالت:

ـ هذا مفتاح بيتي

ـ لقد سمعت أنهم كسروا أبواب البيوت ونهبوا ما فيها

ـ إذن ليس لمفتاحك أي قيمة.

ـ ولو سأحتفظ به

ـ يا جماعة المفتاح رمز للبيت والوطن معا هل تعرفوا أن العائلات الذين أجبروا على ترك بيوتهم في فلسطين أخذوا معهم مفاتيح البيوت وهم على يقين من أنهم لن يروها مرة أخرى، ولا زالت هذه المفاتيح معنا حتى الآن نتوارثها من جيل لآخر

ـ لا تشبهينا بفلسطين الله يرضى عليك، فحالها يختلف عن حالنا بكثير

ـ فعلا معكم أمريكا التي كانت من قبل ضد فلسطين.

كان الحوار قد بدأ يحتد بين فدوى والعنود، تبادلت معي هتون نظرات ذات معنى، كانت تشير لي بأن أتدخل لمنع شجار على وشك الحدوث.

ـ لا تعتبري هذه حجة كي لا تحضري زواج نسرين

ـ سأحضر إنشاء الله.. ولكن كيف سأعرف الموعد؟

ـ أعطني عنوان المدرسة التي تسكنين بها وسوف أرسل لك أخي.

ـ أما أنا فسأحضر لو سمحت لي زوجة بابا.

ـ كل هذا كلام فاضي، لن تحضر واحدة منهم يا نسرين، ولن تعرفوا بعض بمجرد الخروج من المستشفى.

ـ لا هذا ليس بصحيح.

ـ أراهنكم على ذلك.

ـ وأنا أوافق، سنقيم عرسا سوريا كما تصر أم ياسر.

قالت حبيبة :

ـ صدقوني .. لقد تعرفت على الكثير هنا، ولما خرجوا لم تعد واحدة منهم لزيارتي، معرفتنا هنا مجرد رفقة مثل رفقة السفر، تعرفوا إيش معنى رفقة سفر؟ يعني أجمل معرفة على الأرض، لأننا لن نعرف بعض في المستقبل، ولأننا نحتاج إلى بعض نعود إلى فطرتنا الأساسية بدون ثقافة أو فلسفة، لذا نكون أكثر صدقا وأكثر حميمية، ولكن للأسف بالرغم من قوة هذه المعرفة يكون عمرها قصير.

قلت:

ـ بمناسبة العلاقة التي لن تدوم، ما رأيكم لو نلعب لعبة نتذكرها فيما بعد.

جلسنا على الأرض في حلقة دائرية بحيث يرى كل منا وجه الآخر ، جلست سلوان بجوار نسرين، وجلست ريتا بجواري وقد وضعت سلة الدواء جانبا، ثم بدأنا اللعب حسب القواعد والشروط.

ـ سنقترح محورا للكلام بشرط أن لا يحوي أسئلة، وأن يمر الدور على الجميع فتتحدث كل واحدة عن نفسها، وسنبدأ بأن تقول كل واحدة منا أتمنى أن ....... ولو كان الثمن ..........

مها: أتمنى أن أرى وجه أمي، ولو كان الثمن أن أحرم من أبي.

نسرين: أتمنى أن أعرفكم طوال عمري، حتى لو كان الثمن أن ..... أن لا أتزوج ياسر.

سلوان: أتمنى ما أروح المدرسة .... وخلاص

حبيبة: أتمنى أن أعيش في المستشفى طوال عمري، حتى لو كان الثمن أن أحرم من عملي في قصر الأمير.

نجوى: أتمنى أن يضمني الشاذلي إلى صدره، حتى لو كان الثمن أن أخسر كل أهلي.

فدوى: أتمنى أن أموت حتى لو كان الثمن .. حتى لو كان الثمن ... لا شيء .. لا يوجد لدي شيء أخسره

هتون: أتمنى أن أتزوج نابونيد، حتى لو كان الثمن أن أفقد كل ذهبي.

العنود: أتمنى أن أخون زوجي، حتى لو كان الثمن أن لا أرى وطني من جديد.

ريتا: أتمنى أن أحترف التصوير حتى لو كان الثمن أن أحصل على نقود قليلة.

نظرت سوزان إلي وقالت :

وأنت يا سمية ماذا تتمنين ؟

ـ أتمنى أن أعيش بشخصية واحدة، حتى لو كان الثمن أن أفقد الأخرى.

قلت هذا ثم أسندت ظهري على حافة السرير، وبدأت أفكر وقد اكتشفت نفسي للتو فأخذت أفكر كيف شققت إلى نصفين.

ـ منذ غادرت رغبة إلى العاصمة

ـ ألهذه الدرجة تحبين تلك القرية؟

قالت هتون بعدما قرأت ما كتبت في أوراقي

ـ أنت لم تقض بها سوى عام واحد فقط

ـ لكنه كان كافيا كي أتذوق فيه طعم الأمان

لم يعرف الخوف طريقه إلى قلبي وأنا أعيش فيها، حيث لا شيء يمكن أن يسلبني الشعور بالحرية والانطلاق، لم يحمل عقلي الصغير ضغينة أو حزنا، لا خوفا ولا هما, بالرغم من مسببات كل هذه الأشياء التي كانت تسيطر على أمي، بالرغم من قلقها المتواصل كنت أنام أنا وأصحو دون خوف.

كانت العقارب مسلسل الرعب اليومي لأمي. أول لقاء بها كان أثناء الطهي، عندما وضعت يدها داخل كيس الدقيق، تخرج بعضا منه ولدغتها العقرب في إصبعها. كانت المرة الأولى التي ترى فيها عقربا لذا لم تتعرف عليها بادئ الأمر، فقد أخذت تتأملها في فزع، لونها أصفر وشفاف، ذيلها معقوف وصغير، لا بد أنها العقرب الذي حكي لها عنه.

لاحقا، بعدما تكررت رؤيتها لها، تعلمت أمي أن تربط يدها بعد مكان اللدغ كي تمنع تسرب السم إلى الدم، ثم تذهب بعدها إلى المستوصف لتأخذ المصل المضاد. هذا ما فعلته عندما لدغت العقرب إصبع والدي أثناء فتحه للمصحف الصغير، ومرة أخرى عندما لدغت قدمه أثناء وضعها في الحذاء. وفي مرات أخرى كثيرة لا تذكرها.

شكت أمي للست فايزة كثرة العقارب التي تحيط بها

ـ لم يعد سوى الحنفية، أخشى أن أفتحها فتتساقط منه العقارب بدلا من المياه.

ضحكت الست فايزة وقالت:

ـ إن ما ترينه مجرد عقارب صغيرة لا خوف منها، نحن نعتبرها مثل النمل أو الصراصير، ماذا لو رأيت العقرب السوداء، ادعي الله أن لا تعرف طريقها إليك، إن سمها والقبر لا علاج ولا مصل له. كانت أمي تسترجع عبارة " إن سمها والقبر" فتتعامل مع العقرب على أنها وحوش مفترسة، فكانت تحتاط لها في كل مكان، وكان خوفها منها يتعاظم في الليل. كانت تخشى أن تتسلل من تحت الباب وتفترسنا أثناء النوم، عندما تغفو عنها عيني أمي لذا تصب الكيروسين من السراج المعلق على الجدارفوق قطعة من القماش ثم تسد بها الفراغ أسفل الباب، وتتنهد بعد أن تنتهي من عملها:

ـ هكذا ننام باطمئنان

سيطر الخوف ـ الذي لم يعرف طريقه إلي ـ على أمي، ليس فقط بسبب العقارب التي تعيش معنا في كل مكان، ولكن من أشياء أخرى يحملها إليها خيالها الخصب. هي التي تخشى الموت، وتتوهم المرض، كانت تمسح بيدها على جسدي كل ليلة لتحصني بالأدعية والرقيات، فكان صوتها يأتني محملا بالهدوء والإيمان:

ـ حصنتك بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا .. حصنتك ببسم الله، وألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كانت تحذرني من العقارب أثناء اللعب، ومن الضب، ومحادثة الرجال. ذات ليلة كان أبي في العاصمة، وكانت حركتها في البيت موسومة بالقلق. قالت لي محذرة:

ـ إذا سألك أحد في الغد عن أبيك لا تخبريه بأنه قد ذهب إلى العاصمة، قولي أنه في "حريملاء" وسيعود في الليل .. كل ما أخشاه المنور الذي على السطح، ليتني لم أسمح له بالسفر.

في تلك الليلة وضعتنا أمي في الفراش، وأغلقت باب الغرفة بالمفتاح والمزلاج، تركت السراج مضاءً، ورفعت صوت المذياع، كي توهم من بالخارج بيقظة أهل البيت، ثم ضمتني أنا وأخي إلى أحضانها قبل أن تستسلم للنوم. كنت أمسك بالقرش الذي أعطاه لي أبي قبيل سفره عندما تعلقت بساقه باكية:

ـ خذني معك يا بابا.

أعطاني القرش ووعد بأن يحضر لي دمية لو أني توقفت عن البكاء. دسست القرش تحت الوسادة في انتظار الغد، بالطبع سأشتري به "علك با طوق" ، وبسكويتي المفضل ذو الغلاف البرتقالي، المرسوم عليه رجل يلبس قبعة إنجليزية سوداء، ويعلق على كتفه طبلا يدق عليه. نمت على رائحة البسكويت الشهي، وفي الصباح بمجرد أن صحوت تذكرت القرش فأزحت جسد أخي من جواري، ومددت يدي تحت الوسادة لأستخرج القرش، خرجت وعليها كائن أسود كبير، رميت به على الأرض.

ـ جرادة يا ماما ... جرادة.

نظرت أمي إلى الجرادة النائمة تحت رأسي طوال الليل، دقت صدرها وصرخت بصوت عالي:

ـ عقرب ؟! عقرب سوداء.

عندما عاد أبي إلى القرية استقبلته أمي باكية، أشارت إلى بقع الدم القاتمة على الجدار

ـ لن أتحمل هذه الكائنات بعد الآن، كادت ابنتنا أن تموت لولا ستر الله، حدّث الأمير بن سويّد يتوسط لك في النقل إلى الرياض.

ـ معقول سستر؟! الصور التي التقطها للصاروخ باتروت أغلى من الصاروخ نفسه؟

دخلت " فدوى" لتشاهد الدهشة على وجهي، كانت ريتا تمسك بعلبة من الحلوى مدت بها إلى سوزان وقالت لها:

ـ أنا أيضا سأخرج من المستشفى مثلكم

ـ هل ستتركين المستشفى؟

ـ نعم

ـ هل ستعودي للفلبين أم ستعملين في مستشفى آخر

ـ لن اعمل في أي مستشفى بعد الآن .. سأترك التمريض إلى الأبد..سأحترف العمل في التصوير.

ـ أبهذه السرعة تتحقق أمنيتك ؟

ـ مبروك سستر، كونجراتيوليشن

خرجت ريتا تحمل علبة الحلوى إلى باقي الغرف، شرحت لفدوى كيف اشترت إحدى وكالات الأنباء صور ريتا للصاروخ باتروت أثناء سقوطه من السماء بمليوني ريال، ساعدها على ذلك جندي أمريكي تعرفت عليه.

ـ إنها مخلصة جدا في عملها.. تستحق النجاح والفرح

ـ الجناح كله فرحان... سلوان لخروجها من المستشفى، وحبيبة لأن الجوهرة اتصلت بها، وريتا لبيعها الصور، ونسرين لزيارة ياسر لها وقرب زواجها.

ـ عقبالك يا فدوى

ـ لن يحدث هذا إن بيني وبيت الرجال عداوة أزلية.

نظرت فدوى إلي وجهي قرأت علامات التعجب عليه.

ـ عندك حق .. لا بد أنك تتعجبين كيف أكره الرجال وقد ضبطت في سيارة أحدهم؟ ستتعجبين

أكثر لو قلت لك أنني لم أستمتع بما أفعله قط!

ـ لماذا إذن؟

ـ لا أعرف .. لو قلت لك لأنتقم من الرجال أكون كاذبة، أنا لا أعرف لماذا أفعل هذا، فأنا لا أفعله لأجل المتعة أو للمال، هل أخبرك بما هو أغرب؟ أنا أتمنى بأن أشعر بالمتعة لما أفعل، لو أني أستمتع مع هؤلاء الرجال لوجدت العزاء عما يحدث لي، ولشعرت بآدميتي، وما شعرت بهذه المرارة... لعلي أسعى لإهانة نفسي أو لأزيدها ذلا... لا أعرف ، كل ما أعرفه أنني لا أشعر بجسدي وقتها وكأنه ليس مني، أو ملك لامرأة أخرى، لا أتألم منه ولا أستمتع به، إنها حالة خالية من كل شيء عدا التجمد، أكون مثل الميت، ومن مات لا يشعر بالذل أو عدمه، هل تذكري بيت الشعر الذي درسناه في الثانوي ؟

من يمت يسهل الهوان عليه ..... ما لجرح بميت إيلام.

ـ ماذا ستفعلين بعد الخروج من المستشفى؟

ـ أي شيئ غير أن أعود للبيت.

ـ لم لا تخبري أمك بالوضع ؟

ـ أمي؟؟ ها ها ها ها

ضحكت " فدوى" وضحكت حتى انقلب ضحكها إلى بكاء. أم فدوى كثيرة العطاء على الأولاد وقد زاد عطاؤها حتى اعتبرت أن أخته ملك له. عندما أخبرتها فدوى باعتداء أخيها عليها قالت بكل برود:

ـ الحمد لله أنو أخوك ما هو حدا غريب

ـ أمك مجنونة كيف تقبل هذا عليك ؟

ـ الجنون متوارث في عائلة أمي، تصوري إنها قد زوجت أخي الكبير اللي عمره ثلاثين سنة من بنت عمرها أربعة عشر عاما، عندنا في البيت، وليلة العرس دخلت معه الغرفة تمسكها له. لقد شكت لي هذه الطفلة من معاملة أخي، أخبرتني بإنه عندما ينام معها يغطي وجهها بمنشفة قوية ويقول لها :

ـ لكي لا تستمتعي معي وأستمتع أنا وحدي فقط ؟ مجنون .. يضربها حتى تدمي ثم يبدأ في معاشرتها.

ـ إذا كان أخوتك وأمك مجانين فأنت عاقلة وإلا ما كنت حكمت عليهم بالجنون، لذا يجب أن تخططي لمستقبلك، ما رأيك بالبحث عن عمل؟

ـ لقد فكرت في الهرب ولكن إلى أين؟ أنا لا أجيد عمل شيء ولا أعرف مكانا أذهب إليه، لا أحد يستحق العودة. هل تعلمين ... أنا أحسد كل بنت عندها أهل يهتموا بها حتى لو كانوا قساة القلوب... والد نجوى، وزوجة أبو مها كلهم أشرف من أهلي. أنا أعرف مصيري إما الموت انتحارا أو احتراف الدعارة....كلاهما موت وكلاهما سقوط.

تكرار الانتقال من مكان إلى آخر، جعلني أعيش بشخصيتين. كل شئ كان مزدوجا، اللغة، الأهل، الأصدقاء. هكذا شققت إلى نصفين كل منهما مختلفا عن الآخر.

قالت هتون:

ـ على الأقل إحدى الشخصيات راضية عنها، ماذا لو كنت في مكاني ؟ أعيش في المستشفى شخصية غير شخصيتي في الخارج، فأندم على ما فعلت في الماضي، وبالرغم من ذلك أعرف أني سأعود إلى شخصيتي الأولى بمجرد عودتي إلى جدة... أصدقك القول أنا لم أشعر بالذنب يوما لما قمت به... على العكس فأنا أشعر بأن العقد من حقي وأنأ أمسك به.

ـ العقد من حقك!!

ـ أنت لا تصدقين.. أعرف ... ولكن إن لم يكن ملكي فلمن يكون إذن ؟!

ـ هذا ليس بشأني.

ـ ولكنك تعلمين أنه لم يعثر على حلي للنساء في هذه المنطقة، لم تكن للحريم عندهم قيمة كي يدفنوا حليهن معهن، بالكاد تكتب أسمائهن على بعض القبور، وما عثر عليه من حلي، لم تكن سوى بعض من المشغولات المعدنية من الأساور، والأقراط، والخواتم. أما العقد الذي معي فهو مختلف تماما، إنه يشبه الحلي الفرعونية والإغريقية. فهو مصنوع بمهارة وخبرة من يقدر النساء، لقد صنعه عاشق لمحبوبته، هكذا أشعر كلما نظرت إليه.

ـ العقد !؟

ـ لا .. ليس هذا بعقد، إنه نهر من الضوء يجري على صدري كلما ألبسه، يتسرب الضوء منه إلى داخلي فأرى صانعه وهو يصنعه من أجلي، وكأني ملكة من ملكات التاريخ الشهيرات .. بمجرد أن ألبسه أشعر بقوة تسري في جسدي، قوة تمنحني جمالا مزدوجا... شيء من ذكاء كليوباترا على كبرياء بلقيس .. هل تعلمي أن أبي كان ينوي أن يسميني بلقيس، لكنه غير رأيه في آخر لحظة.

ـ حسنا إذا كان هذا العقد قد صنع خصيصا لكي يمنحك هذه القوة، فمن وضعه لك في ذلك المكان؟

ـ نابونيد .

ـ عادت إليك الحمى مرة أخرى

ـ أعرف أنك لا تصدقيني ؟ اسمعي.. فلنحتكم إلى التاريخ، أنت من حراس التاريخ، ما رأيك لو تحكمي علي بقلبك، استخدمي روح التاريخ، فإن هذا لن يتعارض مع ما جاء في الكتب من أحداث.

ـ أنا لا أثق بكل ما جاء في كتب التاريخ، الكثير منه ملفق، والآخر مطعم بالأكاذيب

ـ لذا أطلب منك أن تحكمي علي بقلبك، بمعنى أن لا تستخدمي عقلك فقط ، استخدمي أيضا إحساسك في الحكم على ما أقول.

عندما هبطت هتون إلى المقبرة التي كانت سببا في اكتشافها، كانت لا تزال في الثانية عشر، وكان والدها قد ربطها بالحبل، وبدأ في إنزالها بالتدريج. كان قلبها يرتعش بالخوف أثناء هبوطها في الظلام، فأضاءت المصباح مندفعة بنشوة الاكتشاف، عندها انعكس الضوء على بريق العقد الذهبي، لم تكن قد أدارت كاميرات التصويرعندما مدت يدها والتقطت العقد.

كيف جاء مثل هذا العقد لهذه المنطقة؟ هذا مالم تجد له إجابة في الكتب. ولكن التفسير المنطقي الوحيد، أن يكون العقد قد جاء هدية من مصر إلى تيماء. لقد توصلت لهذا من قراءتها لتاريخ المنطقة.

ـ أنت تعلمين أن "أحمس الثاني" ملك مصر منذ حوالي ستمائة عام قبل الميلاد أرسل وفدا لإعادة العلاقات الودية بين بابل ومصر. ربما كان العقد من ضمن الهدايا التي حملها الوفد للصلح ومساعدة الملك نابونيد

نابونيد الذي حكم بابل في ( 555 ـ 539 ) ق. م لم يكن يتصور أنه سيكون ملكا ذات يوم، هذا ما عرفته هتون عندما كانت تقف بجوار والدها وهو يقرأ بصوت عال، الكتابة التي سجلت على مسلتي حران :

ـ أنا نابونيد، ابنٌ وحيد ليس له أحد، لم يكن في ذهني تسلم العرش الملكي، الآلهة والإلهات صلوا من أجلي، وبسبب دعائي لهم تسلمت الحكم ...

استمعت هتون إلى حديث الملك البابلي عن نفسه، وهي تتخيله واقفا أمامها. لسبب لا تعرفه تخيلته في صورة زيوس كبير آلهة الإغريق، بجسده الممتلئ الطويل، يلف حول خصره وكتفه رداءا من القطن، يظهر من ورائه شعر صدره الذي يخالطه البياض، ويتداخل مع خصلات لحيته الطويلة. هذه هي الصورة التي تخيلت عليها نابونيد. منذ ذلك اليوم وهو يطاردها أينما ذهبت، في المواقع تسقط صورته على الآلهة والتماثيل. في أحلامها تراه يجالسها في المروج، تستند على صدره فتستشعر نعومة شعره الكثيف، وتستسلم لقوة حضوره .

تسمعه يحدثها بصوت مهيب:

ـ هتون .. أنا من أوعز لوالدك أن يسميك بهذا الاسم. كان يرغب في تسميتك بلقيس ولكن بلقيس المغرورة لم تخلق إلا لتكون ملكة فحسب، أما أنت أيتها السحابة المليئة بالمطر، فلا يمكن أن تكوني إلا إلهة مقدسة. إذا قبلت حبي، أرفعك عندي ليعبدك كل البشر.

في أحد الأحلام سألته عن العقد الذي وجدته، قال لها أنه قد تلقاه هدية من فرعون مصر، وأنه قد وضعه في المقبرة، لأنه هو من أوحى إليها بمكانه. كان على علم بدخولها. قال لها :

ـ كنت طفلة عندما رأيتك دون أن تريني، فألقيت لك بالعقد حتى يحين الوقت الذي أظهر لك به.

قبل أن تدخل هتون المستشفى بأسابيع أصيبت بالحمى ولم يفلح طبيب في علاجها. الشيخ الذي أتوا به لقراءة القرآن عليها سأل والدتها عن حياتها، فذكرت له عن عشقها للراحلين، ومساكنهم التي خلفوها وراءهم، حكت له عن رحلاتها شمالا وجنوبا، وزيارتها لتيماء ومدائن صالح، وعندما نطقت بالاسم الأخير استغفر الشيخ وقال غاضبا:

ـ مدائن صالح؟؟ أعوذ بالله، من ذهب بها إلى هناك؟ إنه وادي ملعون، لعنه الله ورسوله .. لقد أصابتها اللعنة... لا قبل لي بعلاجها.

لم تكن اللعنة التي أصابت هتون سوى صدمة المفاجأة عندما رأت نابونيد ماثلا أمامها. هذا ما حدث لها عندما رأت الدكتور"عبد القدوس" صديق والدها الحميم ورفيق صباه، واقفا أمامها. إنه هو نابونيد بصدره المتسع وجسده الكبير، نفس الملامح ونفس التقاسيم، عندما رأته تسمرت في مكانها.

ـ هذا عمك عبد القدوس ما بك يا هتون لماذا لا تسلمي عليه ؟

ـ لعلها تخجل مني يا عقيل، معذورة كان عمرها أربع سنين عندما شاهدتني آخر مرة.

وقف عقيل مندهشا وهو يرى ابنته متصلبة في مكانها. لم يعرف لماذا تقف صامته وليس من طبعها الخجل.

ـ تعالي يا هتون هل تعلمي أني السبب في تسميتك بهذا الاسم ؟ كان والدك ينوي أن يسميك بلقيس.

عند هذا لم تتحمل هتون، فسقطت على الأرض مغشيا عليها.

ـ سأغادر المستشفى في الغد لا تنتظروا حتى يوم العرس كي أراكم

ـ أتعجب لماذا أنت فرحانة إلى هذا الحد؟

ـ بالطبع يا ذكية لأنها مشتاقة إلى ياسر

ـ أقول لكم الحقيقة؟ أنا فعلا أحب ياسر لكني لا أتعجل الزواج ...على العكس، لقد دعوت الله أن يؤخره فدخلت المستشفى.

ـ لا تتمنيه مرة أخرى فتعيشي فيها للأبد.

ـ هذا طبيعي .. كل البنات يخافون من الزواج

ـ لكني لا أخاف من الزواج، أنا فقط لا أريد أن أبتعد عن أمي

ـ هها هها .. مسكينة لم تفطمها أمها بعد

ـ ليتني أنا مكانك وتركت أمي للأبد

ـ لكني بالفعل اختنق بالبكاء كلما تذكرت بأني سأبعد عن أمي، أنا لم أبت ليلة واحدة بعيدة عنها. هذا ما يعكر علي فرحتي.. قلقي على أمي، فأنا أعرف بأنها ستعاني مثلما أعاني أنا أيضا.

ـ ولماذا أنت متأكدة، لعلها ستفرح بتخلصها منك ومن التصاقك بها

ـ لأن هذا قد حدث معها أيضا.. هذا ما نتوارثه عن جداتنا وليس لنا يد فيه.

ـ هل أنت درزية؟

ـ ارتبكت نسرين عندما سألتها فدوى هذا السؤال. ردت بتوجس:

ـ كيف عرفت؟

لأن الدروز هم الذين يؤمنون بتناسخ الأرواح والصفات.. هيا أكملي ولا تخشي شيئا

ـ ولكنك لست بدرزية، كيف عرفت هذا؟

ـ من جارتنا فهي درزية أيضا

ـ أخفضي صوتك إذن

ـ لا أفهم شيئا .. ما العيب في أن تكوني درزية؟ أليست الدروز مكان تنتمين إليه، وجبل كان يعيش فيه فريد الأطرش مع أخته أسمهان

ـ كلا يا مها الدرزية طائفة دينية، ولكن الآخرين لا يعترفون بها

ـ ألا تعترفون بوجود الله

ـ بلى

ـ وبالقدر

ـ خيره وشره

ـ ماذا إذن ؟ ألستم موحدين؟

ـ إن عقيدتنا تسمى الموحدة الدرزية، ولكن الناس لا يصدقون بأننا مسلمون

قالت حبيبة التي كانت صامته طوال الوقت:

ـ اتركوا عنكم هذا الهراء، ما يعتقده الإنسان يخصه وحده مع خالقه، والآن أكملي يا نسرين فأنا مهتمه بمعرفة كيف انتقلت إليك روح جدتك.

ـ هذه هي سمات الجدات والأمهات في عائلتنا تتعلق كل منا بأمها وكأنهما روح واحدة في جسدين وعلى كل واحدة أن تنقل هذه السمة إلى حفيدتها، بهذا تضمن العائلات انتقال التقاليد من جيل لآخر. لقد كانت أمي مثلي تماما، متلازمة مع جدتي، تتبعها أينما ذهبت.

ـ معنى هذا أنها لم تلعب ولم تستمتع بطفولتها

ـ على العكس، إن الملازمة عندنا تعني المصاحبة في المكان وليس الملاصقة، لقد كانت أمي تمارس جميع ألوان اللعب بجوار أمها، ففي الوقت الذي كانت فجدتي تصنع الخبز على الصاج كانت هي تصنع العرائس من العجين، وكانت جدتي تجففها وتخيط لها الثياب من بقايا القماش الملون. وعندما كانت جدتي تذهب مع النساء لجمع الكرم أو الزيتون، كانت أمي تلعب مع باقي البنات بجوار أمهاتن. لم تحرم أمي من شيء على الإطلاق وكذلك أنا.

ـ وهل أخذت من أمك هذا الجمال أم من جدتك؟

ـ أخذت منها شيء أفضل من الجمال

ـ ما الذي يمكن أن يكون أفضل من الجمال؟

اكتشفت عالية مهارة ابنتها في الطهي مبكرا، لم يحدث هذا فجأة بل حدث بالتدريج على مرور الأيام. كانت الأسئلة التي توجهها لها حول طرق إعداد الطعام أسئلة مميزة، وكانت تصر على عمل بعض الأكلات بمفردها، وتلح على والدتها بتمكينها من الطهي منفردة بدون إشرافها. تعلمت نسرين وهي في العاشرة عمل كل أصناف الطعام السوري، بل كانت تجدد في طرق صنعها وتبتكر إضافات جديدة لها. ولما كانت في الخامسة عشر كانت قد أتقنت الأكلات الشعبية لمعظم الدول التي تتعامل مع أفرادها في المدرسة، هكذا أتقنت عمل الكبسة، والمرقوق، والسليق، والملوخية، والكشري، والكسرة، والعصيدة، والكبوس، والجباب، والباجا. وعندما بلغت العشرين كانت تقوم بإعداد موائد كاملة من قوائم الطعام الشرقي والغربي.

لم يرض نسرين مهارتها في صنع الطعام فقد كانت طامحة في الأكثر من هذا. كانت تتمنى أن تصل إلى روح المعرفة كما تقول أمها. تلك التي تمكنها من معرفة ما يمكن أن تضيفه للطعام كي تصل بك إلى حالات المرح، أو الغواية، أو مسح الحزن والفرح.

كانت بالطعام الذي تصنعه تخلق حالة مغايرة للحالة الكائنة. وكانت قادرة على أن تفعل كل هذا بنوع واحد فقط من الطعام مع تغير بسيط في خطوات إعداده أو أوقات تقديمه، فتعرف متى تقدم الحساء بالحم والأعشاب الخضراء ومتى تقدمه بالخبز المحمص والخضر المسلوقة. تتمنى نسرين أن تمتلك تلك الروح التي تتسرب من والدتها إلى الطعام اثناء إعداده. تلك الروح التي تسميها أمها بالحب. فالحب يجعلها تعرف المفردات الصغيرة لروح من تحب، وهو نفسه يجعلها تدرك أسرار العناصر التي تستخدمها، فتشعر بطاقة مضيئة تضيء لها عقلها وروحها، بهذه الطاقة من الإلهام تصنع عالية الطعام. تعتقد نسرين أن هذه المرحلة لن تصل إليها حتى تنتقل إلى حياة أخرى تكتمل فيها خبراتها فتتحرك روحها التي هي حبيسة جسدها في كون أكثر اتساعا عندما تقترن بعالم آخر وتتحد به. حتما سيحدث لها هذا عندما تتزوج من ياسر.

ـ لن تسمح لي أبلة فاتن بحضور زواج نسرين .

ـ هل لو حدثتها ستسمح لك ؟

ـ بل ستصر على رفضها، انتقاما مني لأني أخبرتك بأنها زوجة أبي.

قالت نسرين:

ـ دعي هذا لي .. سأتصل بوالدك وأدعو الأسرة كلها للحفل.

كان محمود يعمل رساما للكاريكاتير في إحدى الصحف المصرية، عندما قرأ إعلانا عن طلب مدرسين للرسم فتقدم للسفر على أمل أن يحسن من حالته المعيشية. هكذا سافر هو وزوجته مضحيا بالوظيفة والفن معا. قصت علينا مها كيف سافروا منذ تسع سنوات لقضاء الإجازة الصيفية في القاهرة كعادتهم كل عام، وبعد وصولهم بساعات جمعت أمها الأغطية والملاءات المتسخة لغسلها، ثم وضعتها في الغسالة وصبت عليها الماء، وعند توصيل الكهرباء، لامست يدها المبتلة سلك الكهرباء المكشوف. جاءت المصيبة سريعة ومفاجئة حتى أن الأمر لم يتعد الخمس دقائق فارقت فيها أمها الحياة.

ـ هل تصدقي أني قد نسيت وجه أمي، لقد أخذت ملامحه تختفي من مخيلتي بالتدريج، حتى لم يعد يتبق منه في ذاكرتي سوى الشامة السوداء بجوار شفتيها، هذا هو الشئ الوحيد الذي لا زلت أذكره.

بعدما ماتت سميرة بشهر واحد فقط سافر محمود إلى القرية باحثا عن فتاة تقبل بالزواج من أرمل ولديه طفلة في السابعة من عمرها. ولأنه لم يعش في القرية لم يكن أحد يعلم بأن له ابنة بل لم يعرفوا بأنه قد تزوج من الأصل، لكنه لم يخف هذا على فاتن فقد أخبرها بزوجته المتوفاة وابنته التي تعيش مع خالتها في القاهرة. كانت فاتن تحكي لزميلاتها في المدرسة عن العريس الذي جاء خاطبا لها من الخارج، تريهم صورته وهي تشرح كيف اشترط عليه والدها أن لا يتم الزواج قبل عام حتى تنتهي من امتحانات الدبلوم، وأنه قد وعدها بإقامة فرح كبير لها وباصطحابه لها للخارج في إجازته القادمة. ومحمود الذي لم يصدق نفسه عندما وجد فتاة بكر تقبل بالزواج من "خرج بيت" وافق على جميع شروطها. هكذا وجدت فاتن ابنة الحلاق ـ التي لم تحلم بأن تسافر إلى أبعد من القرية ـ نفسها تجلس في مقعد الطائرة وترتدي أغلى الملابس، وفي يدها أساور وخواتم من ذهب.

كانت فاتن قد حكت لصديقاتها وأقاربها كل شيء عن محمود، ما عدا ابنته الصغيرة. فقد كان شرطها للزواج منه أن لا يخبر أحدا بأنه كان متزوجا من قبل. لأجل هذا كانت تضطر لإخفاء ابنته في الشرفة كي لا يراها أحد. كانت مها تجد نفسها، حبيسة الشرفة في كل أجازه، حتى باتت تكره السفر، وتكره ليالي الصيف الطويلة، التي يأتي فيها معارف أبلة فاتن للسلام عليها، فتطول الزيارة، حيث يحلو السهر واسترجاع الذكريات. كانت زوجة أبيها تضع لها الطعام والشراب وعلبة فارغة من الصفيح في الشرفة، ثم تغلق عليها الباب:

ـ لو لدغك ثعبان لا تتفوهي بصوت.

المرة الأولى التي ابتلعت فيها شعرها، كانت تجلس وحدها في الشرفة، بعدما حضر ضيوف زوجة أبيها. لم يسعفها الوقت لأخذ طعام معها، قد حضروا فجأة لزيارتها وقت الظهيرة، وفي الوقت الذي كانوا يتناولون فيه طعام الغداء، كانت هي تتلوى من الجوع في الشرفة. كانت تعرف جيدا ماذا سيحدث لو أنها طرقت الباب .. لذا جلست على الكرسي مستسلمة للجوع. لم يكن معها شيء تؤنس به وحدتها، نظرت أمامها على الطاولة، وجدت شعرة قد سقطت منها، فأمسكتها ثم بدأت تصنع خطوطا بها، ولما لم تكف الشعرة، نزعت أخرى من رأسها ووضعتها بجوارها. رسمت بهما ممرا طويلا ليسير عليه أمير وأميرة، ثم نزعت شعرة أخرى للأشجار، وثالثة، ورابعة للبيوت ... ظلت تلعب بالشعر حتى جاءتها فكرة مفاجئة. ماذا لو رسمت وجه أمها؟ إن زوجة أبيها في الداخل، ولن تراها وهي تستحضره من الذاكرة.

رسمت مها بالخطوط وجها مضلعا، أضافت إليه أنفا من قشة نقلها الهواء إلى الشرفة، وفما مبتسما وعينان سوداوان. التقطت حصاة صغيرة من الأرض، وصنعت منها خالا أسودا بجوار الفم. أخذت تنسج صورة لأمها من الخيال، حتى أفاقت فجأة على حركة فتح باب الشرفة، خافت أن ترى زوجة أبيها صورة أمها، وخشيت أن تعاقبها على نزع شعرها، فلم تجد أمامها سوى أن تبتلع الشعر.

ما حدث لمها بعد ذلك كان غريبا ومذهلا، فقد شعرت في ذلك اليوم بالشبع بعدما منحها وجه أمها شعورا بالامتلاء، حتى أنها لم ترغب في الطعام بعد أن كانت جائعة. فيما بعد توارى وجه أمها ولم يتبق لديها سوى الشعر، تبتلعه كلما شعرت بالجوع أو الخوف.

ـ لقد حاولت كثيرا أن لا أنسى وجه أمي، ولكني عجزت بعدما مزقت أبلة فاتن جميع صورها. ولم أستطع أن احصل على صورة لها من أخوالي بعدما قطعوا علاقتهم بأبي، هكذا لم يتبق لي من أمي سوى الحلم الذي يبدأ سارا وينتهي مفزعا.

ـ هل تحلمين بأمك؟

ـ كثيرا ما أرى في المنام أني أسير في شارع "الوزير" بعد أن أعبر بوابة " الثميري " من شارع " البطحاء " متجهة للسوق حيث سألتقي بأمي لنشتري معا فستان العيد، من نفس المحل الذي اشترت لي منه الفستان الأخير، وأنا محملة بالفرح، يخالطه شعور بالخوف من أن لا أعرف وجه أمي، وعندما أصل إلى المكان أجد أمهات كثيرات يمسكن بأيدي أطفالهن، وأنا أبحث عن وجه أمي، أعلم أنه موجود في المكان لكني لا أعرفه، فأظل أبحث، وأسأل من أراه عن وجه لا أستطيع أن أصفه، فلا يستطيع أن يساعدني أحد، فأظل أبحث وأنا مثقلة بالخوف فأنادي على أمي وصوتي محمل بالرجاء:

ـ أمي .. أمي . وأظل أنادي حتى أصحو من النوم وقلبي يتمزق من اليأس.

الخوف الذي تشعر به مها أثناء النوم، يجعل قلبها يدق عنفا حتى يكاد يتوقف، يهيأ لها أنها ستموت يوما أثناء نومها، لذا لا تقبل على الفراش برغبتها، ولا تنام حتى يتسرب النوم إلى أجفانها بلا تخطيط.

ـ إذا أردت أن تتقبلي أحلامك فانظري إلى أحلام والدي.

ـ ماذا تقصدين؟

ـ لعلك تدركين أثناء الحلم أن أحلامك مستحيلة، فيجعلك هذا تصبرين عليها حتى يأتي الفرج وتستيقظين من النوم. ولكن ماذا يفعل من يدرك حقيقة أن أحلامه ممكنة بل واقعة لا محال.

كنا نجلس في غرفة حبيبة نشاهد ألبومات صورها في المغرب وفي قصر الأمير عبد الله. عندما بدأت أحكي لهن عن أحلام أبي التي لا تخطئ.

كان أبي نادر الأحلام، لكنه كان يخشاها أكثر من مها، فقد كانت أحلامه واقعة لا محال. هكذا اعتادت أمي أن لا تستهتر بها. ففي المرة الأولى التي حكى لها حلما كان قد مر على زواجها منه ثلاثة أشهر فقط. كانت قد استيقظت فجأة على حركته في الغرفة وهو يرتدي ملابسه فسألته: إلى أين؟

أجاب: سأسافر فورا إلى دمياط

ـ لماذا ؟

ـ إنه "فتحي" لقد أيقظني من النوم وقال لي هيا لتلحق جنازتي

ـ وهل تصدق هذا يا رجل.

لم يقل لها أبي سوى جملة واحدة:

ـ إنك لا تعرفين .. إنك لا تعرفين

أدركت أمي أنها بالفعل لا تعرف شيئا عندما لحق أبي بجنازة صديق عمره وقد فاتته الصلاة عليه. من بعدها أصبحت تقدس أحلام أبي، تتعامل معها بحرص وحذر وبالأخص تلك الغامضة التي لا تجد تفسيرا لها. لأجل ذلك لم تستهن برؤيته في ذلك الصباح، عندما كانت جالسة على الفراش تحضر الدروس كعادتها ساعة الفجر. في ذلك الصباح قام أبي مفزوعا من النوم. سألها:

هل سمعت الأذان ؟

ـ نعم

ـ ماذا كان يقول

ـ كان يقول أشهد أن لا إلا الله وأن محمدا رسول الله

ـ غير صحيح.. كان ينادي الملك لله ثم لخالد بن عبد العزيز

ـ استعذ بالله يا أبو أشهب لا بد أنه كابوس .

أمي التي جعلها أبي تؤمن بكل ما هو خفي وغيبي، لم تترك حلم أبي يمر بسلام، كتمت الأمر في نفسها وكأنها لم تسمع منه شيئا وبمجرد وصولنا المدرسة قالت لي:

ـ ابحثي عن " أبلا آمنة " في كل مكان. بحثت عنها كانت تجلس مع معلمة التدبير المنزلي في غرفتها بجوار الدرج تنتظر صفارة الطابور كي تهل علينا بجسدها الطويل والممتلئ. تحمل في يدها حقيبتها التي تضيع في ضخامة جسدها.

اختلت أمي بالست آمنة نصير، وحكت لها حلم والدي بكل تفاصيله، وكيف أنه لم يصدق بأنه كان نائما. كان على يقين من أنه قد سمع المؤذن يقول الملك لله ثم لخالد بن عبد العزيز، وما يستدعي العجب أنه كان في نفس الوقت الذي ينادي فيه المؤذن الصلاة خير من النوم. بعد أن انتهت أمي كان وجه الست آمنة خضير قد هربت منه الدماء

ـ إنها ليست حلما ، إنها رؤية .. يا لطيف .. استر يا رب

ـ خير يا ست آمنة؟

ـ اسمعي يا ست فوقية، أنا لا شفتك ولا شفتيني، ولا سمعت منك شيء.

ـ هل في رؤية زوجي ما يدل على خطر؟

ـ هس... اخفضي صوتك ولا تقصي رؤية زوجك على أحد وإلا رحنا كلنا في داهية .. الملك لله هذا حق، ولكن أن يكون لولي العهد من بعده فهذا يعني....

ـ ماذا يعني بالله عليك؟

ـ يعني أن الملك فيصل سيموت، ويتولى الملك من بعده خالد بن عبد العزيز

ـ متى كانت رؤية أبيك بالتحديد؟

ـ كانت يوم الأحد 11ربيع الأول 1395هـ أي قبل يوم الثلاثاء المشئوم بيوميين كاملين

في ذلك الثلاثاء كان أبي قد أصيب بمرض في إصبعه، وكان الطبيب قد حدد له الثلاثاء موعدا لإجراء عمليه له لقطع عقلة من إصبعه، في نفس المستشفى التي نرقد فيها الآن.

قاطعتني العنود:

ـ هل نقل الملك فيصل بجلالة قدره إلى مستشفى الشميسي العام هنا حيث نرقد نحن عامة الشعب؟

ـ كانت الشميسي أيامها هي المستشفى الأولى والأخيرة أيضا، لم يكن غيرها في الرياض من الأصل.

ـ هيا أكملي، ماذا حدث بعدها

ـ عندما وصل أبي المستشفى لم يتمكن من الدخول فقد وجد الأبواب كلها مغلقة، والأمراء يتجمهرون حول الأبواب يضربونها بأقدامهم وأيديهم، منهم من يبكي ومنهم من يزعق بأعلى صوته:

ـ افتحوا الأبواب .. فداك أرواحنا يا زين الرجال

ـ معقول .. مات الملك ؟!

ـ نعم .. قتل بيد غادرة

ـ وماذا فعل أبيك ؟

ـ رجع على الفور إلى البيت وأدار التلفاز، فجاء صوت المذيع ينعى للناس مليكهم الحبيب، عندها ألقى أبي بنفسه على المقعد، وقال بصوت يختنق بالبكاء:

ـ خسارتك يا تاج العرب.

بكت حبيبة من الفرح عندما أخبرها زيدون بعزمه على كتابة رسالة للأميرة حصة وترشيحه لها للعمل مكانه في القصر.

وافقت حبيبة على السفر كي تتخلص من الفقر والملل معا، كانت على يقين من حصولها على المال الذي سترسل منه إلى أسرتها، ويساعدها على الزواج في نفس الوقت. هي التي لا تجيد شيئا سوى خياطة الملابس، والتي تفوقت فيها حتى رشحت للسفر من قبل المعلم زيدون لتأخذ مكانه في قصر الأمير. زيدون الذي ضعف بصره بسبب كبر سنه، قال للأميرة حصة:

ـ أنت تعرفين يا طويلة العمر، أن مهنة الخياطة تعتمد على سلامة النظر، أنا صرت عجوز... أريد أن أترك ذكرى طيبة هنا، لا أريد أن يقولوا زيدون كبر وخرف.

ـ نحن لا نأخذ الناس لحم ونرميهم عظم يا زيدون، إنت ما لك أولاد في المغرب، ابق معنا وخذ راتبك بدون عمل.

ـ لكن يا طويلة العمر أريد أندفن مع أمي وأبي في القرية التي نشأت بها.

ذكرها كلام زيدون عن قريته "بالنُعَّيْ" قريتها التي تقع في وسط جبل "سلمى"، وقضت بها السنوات الأولى من عمرها.

لا تزال أيام النعي محفورة في ذاكرة الأميرة "حصة". لعبها في شوارعها صيفا، ورحلات الصيد في الربيع. حكايات أمها التي لا تنضب عن شاعر الفرسان "عنترة بن شداد العبسي" الذي قتل ودفن في سفح قريتهم، وعن والدها شاعر"قفار"، "وبني خالد" بأكملها، أقاصيص أمها عن كرمه ومروءته تذكرها، فتزيدها نبلا وإصرارا على الكرم. كانت أمها تحكي كيف سافر جدها للسلام على الإمام "فيصل" عندما مر بهم أربعون ضيفا أناخوا ركائبهم أمام مضافته، حينها ذبحت جدتها إبل "السواني"() المخصصة لسقي الزرع وأطعمتهم بها، قالت لأبنائها:

ـ لا تخبروهم أن صاحب البيت على سفر، قدموا لهم الطعام وقولوا:

ـ" تفضلوا على فضل الذي إذا غاب وصَّى وإذا حضر تقصَّى".

كانت أمها تحكي كيف سأل أمير "حائل" ضيوفه الأربعين:

ـ أين قضيتم ليلة البارحة ؟

فقالوا:

ـ كنا في ضيافة "بن الخشيم"، وقد علمنا بعد تناول الطعام إنه كان مسافرا.

تحكي أمها أيضا كيف أرسل الأمير لجدتها إبلاً أخرى شكرا على كرمها. تحكي هذا على استعجال لكنها تتمهل وهي تحكي بفخر كيف قص هؤلاء الضيوف القصة على الأمير " فيصل" أثناء تواجد جدها "بن الخشيم" نفسه في مجلسه، ولم يعرفوا أن ذلك الذي يجلس بجوارهم هو من نزلوا في ضيافته، عندها رفع جدها رأسه فوق رأس الجميع.

هكذا يفخر جدها بالقصة التي يتداولها العربان، وعندما يثني أحد على زوجته أمام سمعه يردد:

ـ أجوديّة بنت اجواد. يشير بهذا إلى أخوالها الذين جاءوا من نسل "حاتم الطائي" .

حفظت أم حصة الشعر عن أبيها، وعندما تزوجت من والد "حصة " كانت قد أتمت القرآن في كتاب "هيلة " حفظا وتجويدا لذا أصرت على تعليم بناتها، كانت تقول لزوجها:

ـ أنا أعلم بنياتي لأجل ما يكونوا زوجات شيوخ.

فرحت "أم حصة" عندما تقدم الأمير عبد الله لخطبة ابنتها. قالت لها يكفي ما حصلت عليه من مدرسة الكتب، والحين جاء دور مدرسة الحياة. أنت الآن شيخة وباكر تصبحين أم شيوخ.

"حصة الشمري" التي قدمت من الشمال، كانت تشبه الغزال الشارد من الصحارى، بوجهها القمحي، الذي تشتهر به بنات "شم". ملاحة وجهها كانت سببا في خطبة الأمير لها. لا زالت تذكر اليوم الذي تزوجت فيه، وتذكر كيف بكت وهي تودع أمها، قالت الأم وهي تنظر لوجه ابنتها المليح:

ـ حفظك الله يا ابنتي ..

قالت المليحة وقد زادتها الدموع حسنا

ـ لا تطولي عليّ يا أمي.

ـ سآتي لزيارتك كلما سمح أبوك.

لم تنس الأميرة طفولتها في "النعي" أو صباها في "حائل" كانت تستمع إلى المذياع بشوق عندما يأتيها صوت "طلال مداح" شجيا:

يا نسمة الوادي

يا وردة بلادي

حايل رُبى الشادي

يا نرجسي وكادي

كانت تغني معه حتى تصل إلى المقطع الذي يسيل دموعها

من بين أجا وسلمى(1)

تلقى المها تفتن

بين الزهر والما

جنة وادي عوفل

تتذكر صديقات الصبا "هند الصقري" ، "وبدرية الناصر"، " وفوزية العقلا ". فتردد معه :

حيوا جبل "شمّر"

الزهر فيه انضر

ما أجمل المنظر

يا مرجنا الأخضر

حايل يا حايل

عندما طلب زيدون من الشيخة أن تأذن له بالسفر، كان يعلم أنها لن تفرط فيه بسهولة، هي التي حدثت زوجها الأمير كي يأتي به من حائل، للعمل كخياط في القصر. وقد كان يخيط لها ولأسرتها ملابسهم منذ أن قدم للبلاد. لم يتأخر الأمير، وأرسل من يستأذن "محمد العتيق " في انتقال زيدون للعمل لديه، عندها أرسل "بن العتيق" الرد مع الرسول:

ـ قل لطويل العمر والله لو كان ذبيحة ما عشته، غالي والطلب رخيص.

لكن زيدون الذي كان رخيصا عند كفيله الأول لم يكن ذبيحةـ سواء أشبعت أو لم تشبع ـ لدى كفيله الجديد، فقد كان له شأن كبير لدى الشيخة زوجة الأمير. أليس هو من تنبأ لها بأن تصبح ملكة في المستقبل، ها هي الآن زوجة لولي العهد، وغدا لا تعرف ماذا تخبئ لها الأيام. كان عزيزا عليها حتى أنها أسكنته أقرب المساكن في قصرها. هذا ما جعل يشعر بالحزن وهو واقف أمامها، إنها تستحق ما وقع في قلبه وقلب حاشيتها من حب، فهي تعرفهم جميعا وتعرف أحوالهم وأخبارهم، وكأنهم جزء من عائلتها.

عندما وقف "زيدون" أمامها ليودعها قالت له :

ـ يعز علينا فراقك يا زيدون ...سامحنا لو كنا قصرنا معك؟

أدمعت عيون زيدون، وقد منعه الحياء من تقبيل يدها، تلك التي تستحق عرشا عاليا في السماء.

اعتادت الأميرة الشمرية أن تنادي على من تشاء من الخدم باسمه، وتسأله عن طلبها بصيغة غير آمرة:

ـ " قماشة "

ـ لَبِّيه يا عمتي.

ـ لو تخرجي الورد من غرفتي قبل النوم.

ـ أمرك يا طويلة العمر.

قدمت حبيبة من المغرب لتحل محل زيدون. ومثل كل من سكن القصر وقع حب الأميرة الشابة في قلبها منذ اليوم الأول. كانت قد دخلت غرفتها، عندما دق الباب، وسمعت من يستأذن في الدخول.

ـ أنا قماشة وصيفة طويلة العمر.

وضعت قماشة حقيبة كبيرة بجوار فراش حبيبة وقالت :

ـ تسلم عليك طويلة العمر، وتقول لك إن شاء الله تكوني خليفة زيدون .

فتحت حبيبة الحقيبة فوجدتها مليئة بالملابس والأحذية والعطور، تذكرت ما قصه عليها عمها زيدون، عندما كان في المطار وأعطاه علي السائق السوداني مظروفا مغلقا وقال له عبارة مشابهة:

ـ تسلم عليك طويلة العمر وتقول لك تصحبك السلامة.

عندما فتح زيدون المظروف وجد به خمسة آلاف دولار.

تذكرت حبيبة هذا وهي تكاد أن تقسم، بأنها لن تغادر هذا القصر إلا ميتة.

وكما وقعت حبيبة في حب الأميرة حصة، وقعت ابنتها الأميرة الجوهرة في حب حبيبة. كانت المربية السورية " زين " تشكو لطويلة العمر، قضاء الأميرة الصغيرة معظم الوقت في غرفة الخيّاطة، ولما لا تعيرها الأميرة اهتماما تقول:

ـ لكن يا صاحبة السمو، إذا كنا نسمح للأميرة تجلس مع الخياطة في غرفتها، ما لازم نسمح للخياطة تناديها باسمها، هذا عيب وما يليق بالشيوخ.

في حفل عيد ميلاد "الجوهرة " خاطت حبيبة فستانا أثارت به حسد صديقاتها، كانت قد رأته في مجلة أزياء شهيرة أرسلت في طلبها من باريس. قالت للجوهرة:

ـ سأقيم لك حفلا يتحاكى به الجميع.

خاطت المغربية ـ كما يطلقون عليها في القصرـ أثوابا لأشجار الحديقة تحمل أشكال الحيوانات. طلبت من الأميرة الصغيرة قائمة بأسماء المدعوين، لكي تخيط لكل منه زيا تنكريا خاصا به. صنعت أقنعة على شكل رؤوس الدجاج، ستلبسها المتسابقات اللاتي ينقلن البيض إلى السلة في ملاعق يمسكنها بأفواههن. أمرت البستاني بأن يحشد عماله لتعليق الفاكهة الحقيقية على الأشجار، كي يقطف منها الأطفال ما شاءوا. كلفت النجار"شندي" الباكستاني بصنع أكواخا صغيرة من الخشب، على شكل المشروم، وجذع الشجرة، وثمار التفاح والموز والبرتقال، لتختبئ فيها الأميرة وصاحباتها في مسابقة "أين أكون".

استغرق الإعداد للحفل شهرين متتاليين، تدرب فيهما العاملين بالقصر على أدوارهم. سيلبس "جون" الفلبيني زي المهرج، التي خاطته "حبيبه" بإتقان، وسيضع على وجهه مساحيق حمراء وبيضاء لرسم وجه دائم الابتسام. "إلسي" ، " بيجوي" ، "وبيتا" سيرتدين الملابس التنكرية الخاصة بمسابقة "من أنا" ستصعد كل واحدة على المسرح، مرتدية زي الأميرة النائمة، أو القطة والفأر، وسيكون دور"سندريلا" من نصيب " إلسي" الفاتنة ذات الجسد الصغير والأقدام المتناهية في الصغر، وستنسى إلسي بعد نزولها من المسرح حذائها الجميل، فتمسك به مقدمة الحفل ـ والتي ستكون حبيبة بالطبع ـ لتسأل عن شخصيتها، فيتسابق الأميرات الصغيرات على الإجابة في مرح. وسيأخذ الفائز هدية جميلة تشترك الجوهرة في شرائها مع حبيبة. أما شخصية الساحر فسوف تقوم بها حبيبة بنفسها، سوف تقوم بآداء ألعاب الخفة التي تعلمتها من جارهم الذي يعمل في السيرك.

في تلك الليلة، وبعد انتهاء الحفل، ارتمت الأميرة الصغيرة في حضن أمها وقالت لها:

ـ أريد أن أهادي حبيبة يا أمي.

قالت الشيخة وهي ترى الفرحة في عيون ابنتها:

ـ اصعدي إلى غرفتي وأحضري لها ما تشائين.

صعدت الجوهرة إلى غرفة أمها، وفتحت الدرج الخاص بالساعات، أخرجت ساعة أعجبت ببريقها، ثم نزلت بها إلى أمها. أمسكت الأم بالساعة وناولتها لحبيبة قائلة:

ـ ما وفينا يا حبيبة .

ـ هذا كثير عليّ يا طويلة العمر.

ـ ما تيجي من غَلاتِك عندنا(1)

أصرت الجوهرة أن تنام حبيبة معها في غرفتها بالقصر، وهذا ما جعل مربيتها زين تنفجر بالغضب:

ـ يا الله .. لقد قضيت أربعين عاما من عمري في قصور الشيوخ، أربي الأميرات وأعلمهن البروتوكول، لم يحدث وأن نامت خادمة في سرير عمتها من قبل.

كنت مستلقية في فراشي عندما طرقت نسرين باب غرفتي سألتني:

ـ أريد أن أقضي معك الساعات القليلة الباقية ؟

نظرت إلى العنود التي كانت نائمة ثم همست:

ـ لا يوجد أحد في غرفتي ما رأيك لو ننتقلين للجلوس معي

عندما دخلت غرفة نسرين أغلقت هي الباب متأكده من إحكامه. كان القلق يبدو ظاهرا في صوتها، شعرت بأنها ترغب في الكلام لكنها تخشى شيئا لا أعرفه. قلت لها:

ـ وجهك يوحي بأنك تريدين الحديث في شيء ما

ـ نعم ولكني مترددة

ـ هيا لا تتتردي وهاتي ما عندك

ـ أشعر بأني قد تسرعت عندما اعترفت لفدوى بأني درزية، كان علي أن أنكر هذا لكني لم أفعل. لقد شعرت برباط قوي بيننا، لذا لم أستطع الكذب.

ـ ولكن لماذا تكذبين؟

ـ غير مسموح لنا بإظهار هويتنا الأصلية، لو أدركت السلطات هذا فسوف أجلب لعائلتي الضرر

ـ ولماذا ترفضكم السلطات من الأصل؟

ـ بسبب الأمور العقائدية .. أنت تعرفين

ـ أنا لا أعرف شيئا عن الدرزية، ربما أقرأ عنها بعد خروجي من المستشفى

ـ لا ..الأفضل أن تسأليني وأنا أجيب فمعظم ما كتب عنا مغلوطا أو ناقصا... أستطيع أن أخبرك بما تشائين، لقد علمنا أبي كل شيء

كان والد نسرين يجمع أبناءه الثلاثة ومعهم نسرين في المساء، يحكي لهم عن صاحب الصورة المعلقة على الجدار، جدها لأبيها، العقل نور الدين رضوان الذي كان قطبا من أقطاب الطائفة الدرزية، بل كان رمزا من رموزها.

ولد نور الدين في أوائل القرن التاسع عشر في قرية تعلا بجبل العرب، كان صغيرا عندما اشتعل فتيل الثورة السورية ضد فرنسا في، لكنه أدرك وهو صبي الحروب التي شنتها الدولة العثمانية لإخضاع الدروز وكسر شوكتهم. وعندما احتل الأتراك جبل العرب وانتهكوا حرماته، وجد نور الدين رضوان نفسه عضوا في جيش سلطان الأطرش، يحارب ويقاتل معه. هكذا تنقل بين حلب، والكرمل، وغوطة دمشق، وخان أرنبة، وأقطار أخرى، يحارب بكل شجاعة ليحافظ على أرضه ويصون عرضه. كان يرى أن الإيمان الحقيقي يكمن في الشجاعة، وكان يردد دائما:

ـ شيئان لا يجتمعان الجبن والإيمان. إن لم تكن شجاعا لتحمي ما تؤمن به، فلن يكون لك إيمان من الأصل.

ـ السلام والحرب. السلام لمن يرغب فيه، والحرب لمن يدفعنا إليها.

ـ الدرزي يحافظ على عرضه كما يحافظ على دمه

كان العقل نورالدين حكيما بالفطرة، وكان شغوفا بقراءة كتب الفلسفة، بينما كان منشغلا في الحروب والدفاع عن الجبل. كان يقرأ لفلاسفة اليونان والفرس والهند، وعندما أتم الأربعين حفظ كتاب المنفرد بذاته في عام واحد عن ظهر قلب.

ذلك الفارس الذي كانت بداية حياته محاربا ونهايتها عقلا من عقلاء الدروز، وحارب بكل أنواع السلاح كان يتحول إلى حمل وديع بمجرد دخوله البيت. كان يصر على تجميع أبنائه حوله ساعة العشاء يتناولون الطعام، ثم يستمعون إلى عزف أخيهم الأكبر على العود، ليكون هذا آخر صوت يدخل آذانهم قبل النوم.

كل ما كان يحكيه والد نسرين عن جدها العقل نور الدين رضوان كان وجها من وجهي العملة النادرة، أما الوجه الآخر فتحكيه عنه أمها التي عاشت معه في البيت منذ كان عمرها ثلاثة عشرة سنة. كانت والدة نسرين ترجع كل ما تحكيه عن جدها من تميز إلى زوجته المتفردة. تلك المرأة التي اعتمدت في ثقافتها على المذياع الذي يملكه زوجها وعلى ما تملكه في نفسها من فطرة سليمة، كانت تملك من الوعي ما لا يمكن الجزم به.

تزوجت منصورة والدة نسرين بنور الدين وهي في الثالثة عشر من عمرها. ولأن حماتها قد ماتت قبل زواجها بعامين، فقد تحملت عبء البيت الكبير وحدها . كانت تخدم والد زوجها القعيد وإخوته وضيوفهم في صمت وصبر. لم يكن لها متنفس في هذه الحياة سوى المذياع، كانت تمتلك أذنا موسقية وصوتا ملائكيا يرفعها إلى أعلى درجة أثناء الغناء. كانت تنسى نفسها أحيانا عندما تسمع عزف إبنها على العود فتترنم بكلمات الأغنية في صوت عذب. اعتاد أبنائها أن يختبئوا لسماع صوتها الذي يتوقف فجأة لمجرد رؤيتها لهم

ـ يا الله .. صوتك حلو كتير يا مو

كانت تبتسم بخجل من يعتذر عندما يمسك به متلبسا بخطأ ما، وكان زوجها يترجى منها الغناء أكثر من ترجيه الحب والرضا. في إحدى الليالي كان ولدها البكر يعزف على العود وكان عزفه مؤثرا في قلوب الجميع عندها نظر إلى زوجته وقال لها :

ـ مشان الله لتغني إلنا الليلة

ـ يي ... ما بقدر

ـ يا قلبي... صوتك بيرد لي الروح .. مثل المي في نهار الصيف

ـ كيف بتقول هيك وانت عقل الضيعة ؟؟ يا عيب الشوم شو بيقولوا الناس لو سمعوا صوتي

ـ شو رح يقولوا؟ كروان بيسبح ربه

تلك المرأة التي ملأت البيت دفئا وهدوءا لم تكره في حياتها سوى الصراخ. كان بالنسبة لها جريمة لا تغتفر، وعلى من يصرخ أمامها أن يتحمل ما يحدث له. ذات يوم فتحت كنتها الكبرى بيت المونه لإحضار الدقيق عندما فوجئت بفأر كبير يقفز في وجها ويختفي وراء برميل الزيت. عندها صرخت صرخة اهتز لها قلب منصورة مثلما اهتزت له جدران البيت. كانت ذبذبات الصرخة تزلزل أحشاءها وكأنها مستمرة بلا انقطاع . قلبها الذي لم يمرض ذات يوم أخذ يدق بعنف حتى شعرت بالإعياء، وشحب لونها، فدارت بها الدنيا وسقطت على الأرض.

أخذ الإبن البكر زوجته إلى بيت أبيها، لم يوجه لها كلمة تأنيب واحدة، تركها أمام الباب ثم غادر في صمت. لما علمت منصورة بما فعله ولدها توسلت إليه كي يعيدها إلى البيت، لكن الإبن الذي ورث عن والدته رهافة الحس وعشق العزف على العود، كان قد ورث من والده صلابة الموقف، فأقسم أن لا تعود زوجته للبيت قبل مرور أربعين يوما.

تجنبا لمثل هذه المواقف كانت منصورة تصر على تلاوة شرطها على أسماع أهل الفتاة قبل خطبتها لها:

ـ مو مهم تكون بتعرف تعمل المقلوبة أو المقدوس .. ما يهمني إن كانت ست بيت أو ما بتكون ..المهم ما بأسمع صراخها بالبيت.

كانت أسر الكنات ـ حرصا على سعادة بناتهم ـ يدعونهن للولادة لديهم بالبيت، تجنبا لصراخ محتمل أثناء الوضع. وهل يمكن أن تلد امرأة بلا صراخ؟

فقط منصورة التي كانت الدموع تنهمر منها بغزارة أثناء الولادة، فقد وضعت سبعة من الذكور دون صرخة واحدة. كانت القابلة تتعجب لها وهي تئن من الألم تدعوها للصراخ للتنفيس عن نفسها، فترد عليها مستنكرة:

ـ كيف أستقبل حبيبي بالصراخ؟

الصراخ عمل شائن لا يليق باستقبال أو توديع الأحبة، الدموع تكفي للتعبير عن الحزن والفرح معا.

كانت الدموع هي سلاح منصورة الذي يخشاه الجميع، فقد كان يكفي أن تظهر استيائها من الشيء كي يبتعدوا عنه بل وتعافه أنفسهم جميعا، ربما خوفا من دموعها التي تذرفها لأتفه الأسباب. هكذا يتحتم على من يشعر بالمرض من أبنائها أن يخفيه عنها قدر ما يستطيع. ما تتعجب له والدة نسرين : كيف استطاعت تلك المرأة تربية سبعة من الذكور دون أن تعنف واحدا ذات يوم، وهم في المقابل لا يقوون على إغضابها، بل ونشئوا جميعا نشأة حسنة وتعلموا تعليما عاليا.

لا يستطيع "الفهد" والد نسرين أن ينسى ذلك الموقف الذي أقسم من بعده بأن لا يسيل دموع هذه المرأة مادام حيا. كان في الخامسة عشر وكان يشعر بالملل ورتابة الحياة عندما قرر فجأة الخروج. ذهب إلى حيث أخذته قدماه بلا تخطيط ، كان يسير في الطريق الذي يربط القرية بالقرى المجاورة عندما توقفت إحدى السيارات بجواره وسأله سائقها:

ـ محتاج توصيلة

وأمام شعوره بالملل لم يفكر في الإجابة فقال بسرعة :

ـ يا ليت

في ذلك اليوم عرض عليه سائق السيارة أن يواصل معه الرحلة حتى السويداء كرفقة طريق، على أن يمنحه ما يستأجر به ركوبة إلى قريته من جديد. لم يتخيل الفهد ساعتها أن الأمطار ستهطل طوال الليل وستقطع عليه الطريق، مما يضطره للمبيت في المدينة حتى يأتي الصباح بالنور والفرج. عندما عاد إلى البيت كان حريصا على أن لا يراه أحد، ففتح الباب ودلف منه بهدوء. لم يكن قد نام طوال الليل، فتمدد في فراشه وغطى وجهه وجسده كله بالغطاء. في ذلك الوقت كانت أمه قد شعرت به ففتحت عليه الباب واتجهت مباشرة إلى السرير. وجدته نائما فسحبت الغطاء من على قدميه ثم قبلتهما، وقالت:

ـ الحمد لله انك رجعتلي بالسلامة يا ولدي

في ذلك اليوم شعر الفهد بأنه وضئيل مثل نملة، بل مثل صرصور لا يستحق الحياة، وأنه مهما فعل لهذه المرأة فلن يوفيها حقها، عندها أقسم أن لا يفعل ما يغضبها طوال عمره سواء كانت حية أم ميته.

كان والد نسرين في العشرين عندما تزوج عالية، وكان يدرس اللغة العربية في الجامعة عندما ترك زوجته مع والدته في القرية، كان يعرف بأنها في أيدي أمينة، فالحماة التي لم تعنف قدرتها على التوجيه والتدريب قوة مضاعفة. لقد رأى هذه القدرة في تعاملها مع زوجات إخوته الأكبر منه، لم تغضب واحدة منهن من قبل، وفي نفس الوقت لم تسمح لإحداهن بتجاوز الحدود. لقد حولت منصورة البيت إلى خلية نحل بلا طنين، يتحرك الجميع فيها ويعمل كأطياف لا ترى، ولا يصدر منها ضجيج، فلا تسمع فيها صوت مشاحنة أو شجار.. فيما دون ذلك فليفعل كل ما يحلو له، كان الصمت هو ثمن الرضا الذي حصلت عليه الكنات. لقد علمتهن جميعا كيف يقمن بالطهي وجلي القدور دون أن يصدر عن ذلك صوت، بل دون أن تبتل ملابسهن أو تتسخ أثناء العمل، وقد ابتكرت لهذا أسلوب جديد. كانت تطلب من الزوجة أن تغتسل وتتطيب ثم ترتدي أفضل ما عندها من ثياب، وعندما تفعل تطلب منها أن تجلي الصحون أو تطهو الطعام، وأثناء ذلك تشجعها بصوتها الحنون:

ـ هيك تضلي قمر طول اليوم.

كانت تعلل للكنات:

ـ نحن نقضي اليوم بأكمله في أعمال البيت ولا مبرر لأن نظل في حالة رثة طوال الوقت.

الجمال عند منصورة قسمان، داخلي وخارجي. أما الداخلي فأسراره كثيرة، ولكن المرأة لا يمكن أن تحافظ عليه إذا كان خارجها غير جميل. لو أن ما بداخل المرأة ناصع البياض، فلن يقترب منها أحد إذا كان خارجها مقزز أو قبيح.

هذه النصائح التي كانت تمنحها بكرم لبناتها ـ كما كان يحلو لها أن تناديهن ـ كانت سببا في تميزهن عن باقي النساء، وبالتالي كانت سببا في حب كناتها لها. فهي لم تقتصر على النصائح التي تجعل منهن ربات بيوت فحسب، بل تعدت إلى النصائح التي تجعل منهن زوجات محبوبات أيضا، فهي حين تؤكد على ضرورة التأدب نهارا، لا ترى مانعا من التخلي عن الأدب ليلا، فقط عندما يستتر الزوجان وراء الأبواب. كانت تطلق مثل هذه النصائح دون أن تغير من ملامح وجهها الجادة، ثم تنتقل إلى موضوع آخر تاركة النساء يتدبرن ما قالته دون نقاش أو تلميح.

البيت الهادئ الذي لا تسمع فيه سوى عزف العود هو المكان الذي انتقلت إليه والدة نسرين. وقد كان عمرها ثلاثة عشر عاما عندما تقدم الفهد لخطبتها. لم يكن الفهد غريبا عليها فقد كان جارا وصديقا لأخيها في نفس الوقت، لأجل ذلك فقط وافقت أمها عليه، قالت لابنتها:

ـ ستكونين بالقرب مني ولن تغيبي عن عيني ولا يوم.

كانت الأم قد دربت ابنتها جيدا وعلمتها فنون الطهي، ولما تقدمت منصورة لخطبتها تباهت أمامها بمهارتها في طهي الطعام، عندها قالت لها منصورة عبارتها المعتادة:

ـ المهم أن لا أسمع لها صوت عالي أو صراخ.

لم يسمع لعالية صوت صراخ ليس بسبب حماتها، وإنما بسبب شخصيتها الهادئة، والتي أورثتها بدورها لابنتها نسرين. كانت قدرة نسرين على التعلم تفوق قدرة عالية خمسين مرة. هكذا تعلمت حب ياسر مثلما تعلمت أمها حب الفهد. فكانت تدير أنوثتها بتلقائية وتحوطها بخجل فطري.

اعتاد والد نسرين أن يجلسها على ساقه ويمتدح جمالها:

ـ من فين ها الوجه الأبيض؟

ـ من ماما

ـ وها العيون الكحيلة؟

ـ من بابا

كانت عالية تعترض:

ـ عيب... كبرت البنت ... ما بيصير تجلس بحجر بيها وهيي بها السن.

ـ قولي إنك غيرانة

ـ أنا ؟! بغار من بنتي؟

ـ لا مني أنا، بديك اياها ما تجلس إلا بحضنك

ـ آه ظنيت العكس

ـ حبيبة بابا بتضل بعيني صغيرة مهما كبرت وخطفها العريس.

كان الفهد يتفنن في أدب الكلام واللسان العذب، وكانت عالية تخجل من أن تكون أقل منه عذوبة، فكانت تكيل له كلمات المدح والشكر طوال اليوم، و هو في المقابلكان يدللها مثلما يدلل نسرين وكأنها طفلة أخرى له. لم يكن أكبر منها بكثير فقد كان فارق العمر بينهما سبع سنوات فقط، لكن حلاوة اللسان كانت منهج البيت الذي نشأ به. هكذا رأى والده يعامل والدته، وهكذا أراد لزوجته أن تكون. هو مؤمن بأن الكأس الذي تصب فيه العسل سوف يفيض حتما بالعسل. وهذا ما حدث له بالفعل مع عالية. لقد أحبها فأحبته ودللها فدللته.

كانت نسرين تراه وهو يزداد من تدليله لها أمام الضيوف وكلما ازداد ازدادت هي، غالبا ما كانت تدور بينهما مثل هذه الحوارات:

ـ بدك تشرب شي قهوة حبيبي؟

ـ بعملها أنا يا روحي

ـ يي.. تتعب حالك وأنا موجودة

ـ انت تعبتي كتير اليوم

ـ ولو.. عيوني لو تطلب

ـ تسلم لي هالعيون

ـ تسلم ويسلم لي عمرك

كانا لا يكفا عن المناغاة وكأنهما عصفورين حتى بعد مرور ثلاثين عاما على زواجهم. كثيرا ما كان الغرباء يعتقدون بأنهم يبالغون في إظهار الحب، ولكنهم بمرور الوقت أدركوا بأنهم حالة نادرة من حالات استمرار الحب إلى ما بعد الزواج. الحقيقة أن علاقة الفهد بعلياء لم تكن حالة امتداد واستمرار، بل كانت حالة تطور ونماء، فقد جعلتها عالية بقدرتها الفائقة على التعلم حالة عشق متجدد، لقد تعلمت من أمها فن إشباع الزوج ومن حماتها فن إسعاده. كانت تسمع من أمها:

ـ الطريق إلى قلب الرجل معدته.

ومن حماتها:

ـ إذا كره الرجل زوجته فابحثي في سرواله.

رددت عالية أمام نسرين هذه العبارت معتمدة على قدرة إبنتها على التعلم، تلك القدرة التي مكنت عالية من إثبات مهارتها وجدارتها كربة بيت مستقلة في سنين قليلة، مما جعل والد نسرين يتشجع باستقلاله عن الأسرة والسفر إلى الخارج مع الصغيرة التي أنجبت له أربعة أطفال ولا زالت تبدو كأخت لهم. من يرى عالية ونسرين يعتقد أنهما أختان، في الوقت الذي يبدو فيه الفهد أكبر من سنه بكثير

ـ من كثرة ما شال الهم بابا شعره شاب

ـ أريد أن أنام على السرير يا أمي.

ـ لا يوجد سوى هذه الأرض، إن أردت فنامي مثل جمانة أو ظلي مستيقظة.

أخذتني ست فايزة في حجرها، أخذت تمسد لي ظهري وهي تغني:

يا الله سمية تنام

يا الله تجيها العوافي

يالله يجيها النوم

يالا تنام .. يالا تنام

لاذبح لها طير الحمام

ضحكت أمي وقالت:

ـ غني لها الأغنية التي تحبها وتغنيها مع صديقتها إيمان با نعمان

ـ غنيها انت يا سمية .. مشان خاطري

بصوت ضعيف يغلبه النوم أخذت أغني:

هوها يا دوها .. . والكعبة زاروها

من زمزم غسلوها

سيدي سافر مكة .. جاب لي زنبيل كعكة

والكعكة في المخزن .. والمخزن بلا مفتاح

والمفتاح عند النجار .. والنجار يبغى فلوس

والفلوس فوق الجبل .. والجبل يبغى المطرة

ويا مطرة حطي حطي .. على قرعة بنت أختي

لم تفلح الأغنية في إبعاد أفكار السوء عن خيالي . حاولت أن أغمض عيني ولكن لا فائدة، لعله كان أول خوف حقيقي أتعرض له. أن أستغرق في النوم بعيدا عن البيت الذي لا أعرف الطريق إليه .. فيرحل من معي وينسوني في هذه الصحراء، التي لا جدران لها، وتحت هذه السماء التي يتساقط منها الشهب، وتزيد نجومها المتناثرة من ضآلتي وإحساسي بالضياع. كنا قد نزلنا جميعا من السيارة الونيت، الرجال من الكابينة المزدوجة، والنساء والأطفال من الصندوق الخلفي، الذي كنا نجلس فيه متلاصقين أو نكاد نكون مكومين فوق بعضنا البعض.

ـ بكيت من الخوف ومن شدة التعب

قالت خالتي لأمي:

ـ حرام عليك يا أم أشهب، خذي البنت في حجرك تتنام، إحنا يا كبار متعذبين، فكيف بالصغار.

ـ إذا أرادت النوم ستنام في أي مكان، انظري إلى جمانة كيف تغط في النوم

ـ لقد اعتادت جمانة على السفر والترحال أما سمية فلم تسافر في سيارة من قبل.

ـ ما هي إلا ثلاث ساعات ويطلع الفجر، ظهري يؤلمني، أتمنى لو أفرده على مكان مستوي ولو لنصف ساعة.

كانت الرحلة توشك على الانتهاء، بعد مرور ثلاثة أيام متواصلة في السيارة، لم نتوقف فيها إلا للطعام والصلاة . حتى في الليل كانت ثلاث ساعات كافية كي يستعيد سعد السيف، نشاطه ليستكمل القيادة. كان يستيقظ في الفجر قبل الجميع، يوقظ من غفا من الرجال:

ـ اصح يا أبو أشهب، هيا يا أبو عمرو، يا أستاذ حسن ما يكفيك نوم وأنت في السيارة ؟ يقولها ثم يبدأ في الوضوء.

ـ يا الله على بابك ولا خاب طلابك

بينما تدب الحياة فيمن نام، تكون السماء قد تلونت بالرمادي الداكن، ثم البرتقالي ثم الأحمر، حتى تشرق الشمس واضحة وساطعة.

سأل زوج خالتي سعد سيف :

كم باقي يا أبو محمد على مكة ؟

ـ يالله عن نياتهم لا تعوقهم

يتوضأ الأستاذ حسن، وأبو كمال الحلاق السوري، وميسر أخو الست فايزة الذي قبل بأن يسافر معها كمحرم، في مقابل أن يقتسم معها راتبها. لأجل هذا فقط جاء معها إلى هذه الأرض، التي يعيش ناسها عيشة الضبان التي يأكلونها.. كان يصرح بهذا دون خجل.

يقدم سعد السيف زوج خالتي للإمامة

ـ أنت الإمام يا أبو عمرو.

ـ أنت الأكبر يا أبو محمد.

ـ بل أحفظهم لكتاب الله.

ـ بهذا يكون أبو أشهب القائم بها، لقد حفظ كتاب الله كاملا في الأزهر.

يتقدم أبي للإمامة، وأنا أفرك عيني بيدي:

ـ أريد أن أنام يا ماما .

الطريق من حريملاء حتى مكة يستغرق ثلاثة أيام بلياليهن، ولكن سعد السيف يقطعها في ثلاثة أيام وليلتين، أو ثلاثة ليال ويومين، بالقيادة المتواصلة تارة وباختصار الطرق تارة، وتارات كثيرة بالسرعة الفائقة.

فوق " جبل الهدا" أخذت أتابع الطريق الصاعد، بينما أخذت أمي ترتجف من الخوف. كانت قد بدأت بتلاوة الدعوات منذ اللحظة التي شعرت فيها بارتفاع الطريق عن الأرض، وكلما انعطفت السيارة يمينا أو يسارا يتزايد رعبها..

ـ الطريق يتلوى مثل الثعبان، لو كنت أعرف أنه سيأخذ هذا الطريق ما كنت ركبت معه.

زاد خوف أمي من توتر خالتي، قالت بعصبية:

ـ لا أعلم لماذا سمح له الرجال بذلك، يوجد طريق آخر على الأرض المستوية. لو سقطنا من هنا الآن فلن يستطيعوا تجميع رفاتنا.

لاحظت الست فايزة تأثري من حديث أمي وخالتي. نادتني:

ـ سمية تعي جنبي هون، لا تكوني خوافة مثل ماما وخالتو.. شوفي جمانة كيف شجاعة .. تعرفي أنا بيتي في سوريا فوق جبل وما عمر حدا وقع منه أو مات.

ـ صلوا على النبي يا جماعة ، " اللي يبغى الدّح ما يقول أح ". انتم قلتم له تريدوا توصلوا بسرعة وهذه الطريق مختصرة، وبعدين إذا تريدوا تأخذوا ثواب لازم تتحملوا.

كان الجو فوق جبل الهدا باردا، وكانت السماء تحتجب وراء غيمة جعلت الجبل يبدو مظلما. كان الجو الغائم جديدا بالنسبة لي، جعلني هذا أستمتع بالرحلة بالرغم من الخوف الذي لازم أمي وخالتي، خاصة عندما اختفت الشمس وراء السحب، وبدأت الغيمات تنذر بالمطر. كنا قد توقفنا لأداء صلاة الظهر بجوار مسجد مبني وسط أشجار طويلة، عندها بدأت السماء تمطر حبات " البَرَدْ " . أخذت أجري وراءها أنا وجمانة نمسك بها ثم نضعها في كفوفنا الصغيرة، نضحك ونحن نراقبها وهي تذوب في أيدينا بسهولة. وهو يشرف على الأرض من كل جهة. يلتف بالغيمات وينحدر في التواء لولبي نراه من الأعلى، بينما تتناثر الزهيرات الصغيرة على طول الطريق الإسفلتي صعودا وهبوطا. لا شيء بجوار الإسفلت سوى الزهيرات البنفسجية، والخضرة والصخور. وكعادتي في كل مكان ...شغلت بمتابعة الألوان. كانت ألوان الجبل متناغمة، البنفسجي مع البني والرمادي، والأخضر الفاتح. تجمعت كل هذه الألوان تحت غيمة نشرت سحرها على المكان. الألوان الجميلة والبرد الذي نزل نداه على قلبي، أزالا عني مشقة الجلوس لثلاثة أيام متتالية، في صندوق خلفي بسيارة نصف نقل.

انتقلت حبيبة للعيش داخل جدران القصر. في الجناح الخاص بالأميرة الجوهرة وبالتحديد في الغرفة الملاصقة لها، بعدما تغير مسمى الوظيفة الخاص بها في كشف الرواتب، من خياطة القصر إلى وصيفة سمو الأميرة الجوهرة ، وبعد أن كانت تقضي معظم وقتها، في خياطة الزي الموحد للخادمات والعمال والطهاة، أصبحت تقضيه في اللعب مع الجوهرة، ومتابعة دروسها، ومصاحبتها في النزهات والسفر. أما زين التي حاولت مرارا التقرب إلى الصغيرة ولم تفلح، فقد تحولت إلى صندوق فارغ مخزن على الرف. لقد وجدت نفسها شيئا فشيئا تخرج من حياة الأميرة الصغيرة، حتى غادرتها للأبد. كانت تعلم أن طويلة العمر احتفظت بها فقط من أجل بض الشكليات التي تعرفها جيدا، فلا يجوز أن تظهر الأميرة الصغيرة في المجتمعات، بلا مربية خاصة بها.

في اليوم التالي ليوم الحفل طلبت حبيبة من "عم علي" الذي تثق به من دون جميع السائقين، أن يأخذ الساعة التي أهدتها لها الجوهرة، إلى محل الساعات الشهير الذي تتسوق منه الأميرة، في شارع "الستين" ليسأل عن سعرها. عاد "علي" إليها وعلى وجهه علامات الاستياء. قال لها:

ـ يا حبيبة عمك زيدون كان مثالا للأمانة والإخلاص، لم تمتد يده على مال حرام قط. والله لولا إخلاصي له لبلغت عنك الأمير.. إن لم تعيدي الساعة سيقيموا عليك الحد ويقطعوا يدك.

لم يصدق علي أن الأميرة قد أهدت الخياطة ساعة ذهبية، مرصعة بالماس الحر ماركة شبرد، وعليها خاتم الشركة المصنعة في جنيف . كان قد ذهب بالساعة إلى متجر الساعات الشهير الذي ترتاده الأميرة، عندما قال له البائع:

ـ هذه لا تفصل هنا، خذها إلى متجر المجوهرات.

وفي متجر المجوهرات قال له الصائغ: إنه لا توجد منها سوى ثلاث نسخ فقط إحداهن بالذهب الأصفر والأخرتين من الذهب الأبيض. قال أن إحدى النسخ في لدى أميرة موناكو والثانية لدى ثري كويتي، والثالة في قصر الأمير عبد الله

لم تصدق حبيبة أذنها. أخذت الساعة من عم علي وقالت له غاضبة:

ـ لو كان هناك شيء يستحق القطع فهو لسانك الذي يتهمني بالسرقة.

خرجت حبيبة من عند عم علي وهي تترنح من المفاجأة، ستحتفظ بالساعة ولن تبيعها مهما حدث، حقا إن ثمنها خمسة وأربعين ألف ريال؟ ولكنها سوف تلبسها يوم زواجها، هي الآن في الخامسة والعشرين، بعد أربع سنوات ستعود للمغرب، لن يكون العمر قد مضى بها كثيرا، وستجد حتما من يغرم بها، وسيكون لديها ما يساعدها على الزواج، فتتزوج منه بعدما تفتتح متجرا خاصا بها. وستعلق عليه لوحة نيون كبيرة مكتوب عليها بالخط العربي والفرنسي معا الجوهرة للأزياء.

حبيبة التي داست بقدمها على شوكة الحديقة، الخاصة بتمشيط الحشائش لتنقيتها من أوراق الشجر، وتكسرت عظام قدمها، تتذكر هذه الأحداث التي جرت لها منذ خمسة عشر عاما، قبل أن تسافر الجوهرة لاستكمال دراستها بالخارج، وتصبح هي الأخرى مثل زين ..صندوق في الأربعين، فارغ ومخزن على الرف.

جاءت مسئولة التغذية تدفع أمامها عربة الطعام تسبقها، رائحته الشهية .. قرأت الاسم المكتوب على السرير، ثم سحبت الحامل المثبت للطعام، ووضعت عليه الوجبة الخاصة بكل منا، ثم انسحبت في هدوء .

بدأت العنود " في تناول الطعام، وهي تشكر ربها.

ـ الحمد لله يارب على هذه النعمة.

أثناء الغداء قصت علي كيف قطعت رحلة السفر من الكويت إلى الرياض بدون كسرة خبز.

ـ لنا أقرباء في "حفر الباطن" ولكن... الإنسان ثقيل أينما نزل. لا ملجأ له سوى بيته، لا يهم السقف، المهم الجدران التي تستره.

كانت العنود تعمل معلمة في الكويت، قبل أن تضطر إلى مغادرتها ليلة الحرب. في تلك الليلة كانت تنام في فراشها بجوار زوجها عندما استيقظت على صوت طلق ناري، قامت فزعة، قال لها زوجها:

ـ لا تخافي، هذا طلق نار من العرس. الليلة خميس والأعراس كثيرة، بعد قليل تنتهي ويعود الهدوء. لكن الهدوء لم يأت، ولم ينته صوت إطلاق النار، بل زاد حتى غطى على صوت شخير زوجها.

أصبح شخير عبد الرحمن جهاز القياس الذي تقيس به العنود مدى كرهها له. كان في بداية زواجها يغيظها إلى الحد الذي جعلها تتمنى أن تكتم انفاسه بيدها. لكنه مع استمراره في الشخير أصبحت تتمنى لو تقتله. هي لا تستطيع النوم إلا في الهدوء التام، وهو لا يستطيع النوم إلا لو كان ملتصقا بها، بل واضعا ساقه الثقيلة والضخمة على فخذها. كانت تشعر بثقل ساقه وشخيره كجدار يطبق على صدرها. كرهت حياتها، إلى الحد الذي جعلها تفكرت في الانتحار.

ـ لن تعذريني حتى تعيشي مع " عبد الرحمن ".

ـ ألهذه الدرجة شرير ؟

ـ كان طيبا إلى الحد الأسوأ من الشر، حتى عندما أقدمت على الانتحار، لم أستمر به بسبب تأنيب ضميري، لمن سأتركه؟

كان " عبد الرحمن الصويغ " يعمل موظفا في البريد عندما تزوج من العنود. خطبتها له أخته "بدرية" التي كانت تعمل معها في نفس المدرسة، قالت لها :

ـ والله لو لفيت الدنيا ما تلاقي مثل أخوي. إنه أطيب رجل في الوجود.

لم تكذب أخته عندما وصفته بالطيب الذي لن تجد مثله في الدنيا. طيبته جعلته أكبر شرير في نظرها. لو أنه لم يكن طيبا لاستطاعت أن تتخلص منه بسهولة، بالقتل أو بالطلاق أو حتى خيانته، ولأنه لا يستحق الغدر لم تستطع أن تفعل ما يرد لها قيمتها.

زواج عبد الرحمن كان الحل الوحيد لبدرية كي تتخلص من مسئوليته. بعد موت أمه حبس نفسه في غرفتها، لم يخرج منها حتى لإطعام كلابه التي يقتنيها. كانت تطعمها وهي متضررة، تخشى إن تركتها تموت أن تسوء حالته، كانت تقوم بذلك على أمل أن تشده الكلاب إلى الحياة مرة أخرى، كيف لا وقد كانت سببا في مرضه وشفائه من قبل.

كان عمره عشر سنوات عندما وقعت له تلك الحادثة التي غيرت مسار حياته، كانت السماء تمطرفي شتاء شديد البرودة، وكان يقف في النافذة يراقب المطر أثناء سقوطه على الأرض، عندما ظهر فجأة كلب ضال واتجه إلى مدخل البيت ليحتمى به من المطر. عندما رأى عبد الرحمن الكلب فتح النافذة وقال له:

ـ هيا اذهب من هنا.

قالها بهدوء ولم يكررها مرة أخرى، فقد خفض الكلب رأسه في مذلة، وخرج من حيث أتى. لو أن الكلب قد تمسك بوجوده أو حتى تردد في الخروج، لما أصاب عبد الرحمن ما أصابه من ندم، لكنه انسحب على الفوركمن يعاقبه على قسوته.

ـ ما الضير في احتمائه بمدخل البيت؟ ما الأذى الذي سيجلبه لك؟ ألهذه الدرجة مات قلبك؟ لم ينشد الكلب سوى الدفء فلماذا حرمته منه؟ كان عبد الرحمن يوجه كل هذا اللوم لنفسه أثناء بحثه عن الكلب تحت المطر، ولما لم يجده، عاد إلى البيت وهو يرتجف من البرد. استيقظت أمه على صوت اصطكاك أسنانه ببعضها، وهو يهذي:

ـ الكلب .. الكلب.

ظنت الأم أن الكلب قد عض ولدها، لكنها عندما فتشت جسده ووجدته سليما أدركت أنه يهذي. أقسمت أم عبد الرحمن التي كانت تكره الكلاب، لو أن الله شفى ابنها وخرج من المستشفى، أن تسمح له بتربية ما يشاء منها، حتى لو كان الثمن أن تطعمها مما تطعم به أولادها.

في خلال سنوات قليلة كان عبد الرحمن يعرف كل شيء عن الكلاب "بلاك جاك " النحيف ذو اللون الأسود المخيف، "والرومي" البني كثيف الشعر الذي يشعر بالدفء وهو يدس يده في شعره الغزير، "والأرمنتي" الشرس المهجن بالبلدي شديد الوفاء، والبتبول أكثرهم قوة وخطورة، والوولف الذكي، واللابرادو التي تجيد السباحة، والهاوند التي تطارد الفرائس في الصيد .... وغيرهم الكثير ممن لا تحفظ العنود أسماءهم. كان يقضي الوقت في إطعامهم وتنظيفهم، وتزويجهم، واصطحابهم للنزهة. الحديث الوحيد الذي يحدث به العنود كان يدور حول الكلاب، مواطنها، أسمائها، صفاتها، طباعها، أمراضها، علاجها، مواعيد تطعيمها، ما تحب وما تكره، الأصلي منها والهجين.

ـ الكلاب لا تعض إلا من يعتدي عليها... ذكورها أكثر شراسة من إناثها... تصوري حتى الكلاب تقدر الحريم فهي تعض الذكور أكثر من الإناث.. الكلاب تشم رائحة المرض مثلما تشم رائحة البارود، الكلاب.....الكلاب ...الكلاب

ـ هل يجب أن أكون كلبة كي يفهم ما بداخلي.

تضاءلت قدرة عبد الرحمن على المواجهة مع قدرة كلابه على النباح، كان يكتفي بها لتعبر عن صوت عالي لا يستطيع أن يصدره. العزلة والبعد عن البشر كانا العزاء الوحيد له بعد موت أمه. الكلاب ـ التي هي أوفى من البشرـ كانت أكثر قربا إليه، وأكثر قدرة على فهمه. قال لزوجته ذات يوم:

ـ لولا أن العمل يطعم كل هذه الأفواه ما خرجت من البيت وتركها لحظة واحدة.

وجدت العنود نفسها متزوجة من الفراغ والوحدة، وكانت على استعداد لأن تغفر لزوجها كل شئ إلا ندمه على الزواج منها. فهي ـ مثل كل امرأة ـ تتمنى رعاية زوجها لها، أو حتى اقتناعه بها، أن يشعرها بأنوثتها وأهميتها له.

ـ أنا لست نادما على الزواج منك، لكني نادم على الزواج في حد ذاته. كنت أتمنى أن أبقى حرا، مع كلابي بعيدا عن البشر. إن كان ولا بد أن أتزوج فأنت الوحيدة التي تصلحين لي.

رغبة عبد الرحمن في العنود، وندمه على الزواج منها في نفس الوقت جعلها تتذبذب ما بين البقاء معه، والانفصال عنه. كلما رأته متأذيا من حمل مسئوليتها ومسئولية الأسرة، تقرر الانفصال عنه، وكلما رأته متعلقا بها تراجعت وأشفقت عليه. الشفقة هي التي حافظت على استمرارها معه طوال السنوات السبع الماضية. ليس أطفالها الثلاث ولا طيبته معها. هذه الطيبة التي أصبحت شرا بسبب عدوانه على شخصها، بالإهمال تارة وباحتياجه لجسدها تارات كثيرة.

لم تعد تستطع أن تقرر شيئا في حياتها، كل الأمور أصبحت متشابهة .. متقاربة، لها نفس الطعم، ونفس الرائحة، ونفس اللون .. لا جديد ولا مفاجأة . تتمنى لو تعود للوراء، إلى اليوم الذي جاءت أخته لتخاطبها له، لكي تقول بفم مليء بالثقة:

ـ لا.

قالتها لنفسها مئات المرات بعدما تزوجته، في كل مرة كانت تنظر فيها إلى جسده الضخم وهو غارق في الشخير فتقول لنفسها:

ـ أهذا الذي سأعيش معه باقي العمر؟

كان هذا في السنين الأولى للزواج، أما الآن فقد زال عنها إحساسها بالأسى، لقد ساءت حياتها حتى أصبح الرفض والكراهية رفاهية لا تحلم بهما، هي لا تعلم بالضبط متى تسرب إليها الموت وتجمد الدم في عروقها فقد وجدت نفسها شيئا فشيئا تتسرب منها الحياة، فلا ترغب في الاعتراض أو حتى الموافقة.

ـ لن تصدقي .. لو أنك أتيت لي الآن بكل ما كنت اشتهيه أو أحلم به أمام عيني، لما تحرك لي طرف.

اعتادت العنود أن تنزوي بنفسها في غرفتها، تستخرج من خزانتها حقيبة جلدية وضعت بها صور طفولتها وقصاصات مراهقتها، تستخرج الصور وتستعيد معها ذكريات الحياة التي كانت تجري في عروقها. صورتها وهي تشب النار في الحطب بجوار صخرة في البر، وأخرى مع أخوتها البنات فوق غصن شجرة يشبه الذراع الممتد، وثالثة بجوار أثلة عتيقة مع خالها الذي يمسك في يده بـ "باز" معصوب العينين.

تتذكر الأيام الماضية وهي تفتح الأوتوجراف الصغير، ذلك الذي اختارته على شكل قلب أخضر وكتبت في مقدمته " الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان فإذا دق ناقوس الفراق، سأتذكركم بما تجود به أنفسكم من كلمات" .

كلما شعرت بالجفاف فتحت الأوتوجراف وقرأت الكلمات التي كتبتها صديقاتها فيعاودها الحنين والإحساس بها، "منال السالم، فاطمة القاضي، لولوة العسكري" . تقرأ الكلمات التي كتبتها لها " أبلة حمدة المطيري" التي أحبت لأجلها تدريس اللغة العربية، تنتعش ذاكرتها وهي تستعيد أحاسيسها الفياضة التي شعرت بها أثناء دراستها لمادة الأدب والنصوص.

كانت مشاعرها تتصاعد مع أبيات "الفرزدق" وهو يمدح زين العابدين :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلــهم هذا النقي التقي الطاهر العلم

وقلبها يتمزق على "المتنبي" وهو يحدث "سيف الدولة" :

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت بي الأقاويل

كم سالت دموعها مع "الخنساء" وهي ترثي أخيها:

تبكي خناس على صخر وحق لها إن رابها الدهر إن الدهر ضرار

كل هذا كان في الماضي عندما كان الحزن يشعرها بآدميتها، مثلما كان يفعل الفرح. الآن تغير كل شيء..فلم تعد قادرة على الحزن أو الفرح

ـ تعرفي .. أشعر بأني لا أحب أطفالي، ولا أكرههم. إنهم بالنسبة لي تحصيل حاصل، بشر ضعفاء أقوم برعايتهم على أكمل وجه، ليس لأني أحبهم ولكن لأني يجب أن أقوم بدوري معهم. يهيأ لي لو أحدهم قد مات لن يتحرك قلبي بالحزن، شيء ما غير الخوف يحركني، غير الفرح أوالحزن، إنها الحياة التي تحيانا ولسنا نحن من يحياها. أعيشها ليس حبا وإنما قدرا.

عندما اكتشفت العنود أن طلق النار ليس قادما من العرس، كان صوت انفجار القنابل وأزيز الطائرات، يدوي في الليل من فوق وحول البيوت، عندها أيقظت زوجها الذي قام مسرعا، وأخرج صناديق نقل الكلاب من المخزن، ثم أسكن فيها الكلاب ووضعها في الشاحنة الكبيرة استعدادا للرحيل.

ـ لقد وضع عبد الرحمن الكلاب في الشاحنة، ووضع معها طعامها، ونسي أن يحمل ولدنا الصغير... تركه نائم في ملحق البيت قبل أن ينتبه لهذا فنعود لأخذه، ونحن نقاسي ويلات الدخول والخروج من جديد.

جلست أنا ومها وأم سلوان والعنود ونجوى وفدوى، على المقاعد الجلدية فوق السطح ننتظر قدوم العروس، كانت نسرين تصعد الدرج وصوت الزغاريد يسبق خطواتها. ظهرت والدة العريس أمامنا، كانت محاطة بصديقاتها وأقاربها من العجائز، تحمل في يدها كيسا به قروش ذهبية وترترا لامعا، ومن حولها أربعة أطفال يرتدين ثيابا وردية يحملن سلالا بها أوراق زهور وورود حمراء وبيضاء ينثرنها على العروس، أخذت أم العريس تنثرالقروش الذهبية على العروس ثم الحضور وهي تزغرد وتغني فيرد عليها صاحباتها:

إيه .. ويها، يا مرحبا بيكي ياللي عابرة عالدار

إيه .. ويها، سألت رب السما الواحد القهار

إيه .. ويها، تظلي بديارنا وتكثر الصبيان بالدار

لللل....لللل....لللل....لللل

كانت نسرين تبدو كملكة وهي تجلس على المقعد الوثير بردائها الأبيض وشعرها الذي زينته بزهور "الجبسفيل" الصغيرة. تلك التي صنعت منها أيضا باقة ورد مطعمة بالريحان. كانت تمسك في يدها بالصولجان اللامع الذي صنعته لها حبيبة، تبتسم وهي تشير لنا من وقت لآخر، بينما جلست سلوان بجوارها ممسكة بشمعة كبيرة.

لم تستطع هتون أن تحضر الزفاف بسبب عودتها إلى جدة، أما حبيبة فلم يأذن الطبيب بالخروج كي تحضر الزواج، فصنعت للعروس صولجانا من الستان الأبيض، في نهايته هلالا مرصعا باللؤلؤ، وخرج النجف المنثور. قالت لي حبيبة وهي تناولني إياه في المستشفى:

ـ لا تنسي أن تقولي لنسرين أن حبيبة خسرت الرهان، لم أتوقع أن تعودوا لزيارتي مرة أخرى.

قلت: الصولجان جميل

مها: و ثوبها أيضا جميل

فدوى: فرحتها أجمل من الاثنين

نجوى: يارب أكون مثلها واتزوج الشاذلي

العنود: قومي اقرصيها في ركبتها عشان تحصليها في جمعتها

نجوى: في هذه الحالة أعضها أحسن

قبل أن تغادر نسرين السطح نظرت إلى نجوى نظرة ذات معنى، غمزت لها الأخيرة بعينيها، عندها ألقت العروس بباقة الورد من وراء ظهرها فالتقطتها نجوى، صاحت بفرح.

ـ الدور علي... أنا العروس المقبلة

بعد خمس سنوات

نجوى تزوجت من الشاذلي، وأنجبت منه "نو"، بعدما سافرت إلى السودان هاربة من أبيها، الذي حصل على الجنسية، وتزوج من بيجوي السريلانكية .

تزوجت هتون من عبد القدوس صديق والدها، وسافرت معه إلى أمريكا لتستكمل دراستها العليا في التاريخ.

العنود عادت إلى منزلها في الكويت، ولا زالت تعيش مع زوجها عبد الرحمن, الذي أصبح يمتلك مزرعة لكلاب الشرطة وكلاب الحراسة، يورد منها إلى الدول المجاورة.

سلوان عادت إلى اليمن وتزوجت من ابن عمها، أرسلت إليّ صورتها وهما يقفان بجوار بعضهما، كانا طفلين في الثانية عشر، بملابس الزفاف.

مها تخرجت من كلية التربية، وتعمل معلمة رياض أطفال في إحدى المدارس الخاصة بالرياض .

حبيبة لا زالت تعيش في القصر مع الأميرة حصة، بعد زواج الجوهرة وانتقالها إلى قصر زوجها.

نسرين أنجبت طفلين وتعيش مع زوجها في " تبوك ".

ريتا تركت التمريض وتزوجت من جندي أمريكي، سافرت معه إلى أميركا بعد أن استقال من الجيش.

فدوى اختفت في ظروف غامضة ولم نعرف عنها شيئا بعد ذلك.

سمية تركت دراسة التاريخ وتعمل الآن صحفية في إحدى الجرائد العربية.

نوفمبر 2005م