الفصل الثاني
كانت الساعة السادسة والشمس ما زالت وضاءة، ولكن الحديقة ارتمت فيها الظلال الرقيقة، وكان الجو كله ضوءًا وحرارة وسجوًا، وكانت ماريا إيفانوفنا تصنع مربى، فانبعثت تحت شجرة الزيزفون الخضراء رائحة قوية من السكر المغلي والتوت البري. وكان سانين يكدح نهاره في أحواض الزهر معالجًا أن ينفث الحياة في بعض أعوادها التي أضر بها التراب والحر.
فقالت له أمه مقترحة: «أولى لك أن تقتلع الحشائش أولًا. قل لجرونكا تصنع ذلك لك.»
وكانت ترقبة وتنتحيه بعينيها من حين إلى حين من خلال اللهيب الأزرق المرتعش.
فرفع سانين رأسه وهو متقد وقال باسمًا: «ولماذا؟» ورد شعره المتهدل على جبينه «لتنم كما شاءت فإني أحب كل أخضر.»
– «أما إنك لفتى مضحك!»
وهزت كتفيها باشة، وقد سرها جوابه لأمر ما.
فقال سانين بلهجة الجازم المقتنع: «إنكم أنتم المضحكون.» ثم انصرف إلى البيت ليغسل يديه، ولما عاد تمطى على كرسي ذي ذراعين مصنوع من عيدان الصفصاف وشاع في جواب نفسه الاغتباط وفي صدره ووجهه الانشراح، وأشعرته خضرة الروضة ونور الشمس وزرقة السماء لذة الحياة أيما إشعار. وكان نفورًا من المدن الكبرى يمقت ضجتها. أما هنا فليس إلا الشمس والحرية. ولم يكترث للمستقبل ولا أحس من أجله دبيب القلق، إذ كان غير متبطر — يتقبل من الحياة ما شاءت أن تهديه إليه — وأغمض جفنيه كل الإغماض ومط جسمه واهتز مسرورًا لتوتر عضلاته القوية الصحيحة.
وهب النسيم عليلًا وعادت الحديقة كلها وكأنها تزفر، وجعلت العصافير هنا وههنا تصخب متناغية عن حيواتها المهمة وإن لم تكن بالمفهومة، وكان كلبهم «ميل» مستلقيًا على الحشائش الطويلة منصتًا وأذناه مرهفتان ولسانه الأحمر متدل من فمه. وأوراق الشجر تتهامس وظلالها المستديرة ترتعش على الحصى الأملس.
وهاج ماريا إيفانوفنا أن طائر ابنها ساكن، وكان حبها له جمًّا كحبها لأبنائها جميعًا، فنازعتها نفسها لهذا أن تستثيره وأن تجرح احترامه لنفسه لتكرهه على الالتفات إلى كلامها ولتحمله على مشاطرتها نظرها إلى الحياة. وكانت كالنملة قد قضت كل برهة من عمرها المديد في إقامة ذلك البناء الواهي لسعادتها المنزلية. وما كان أطوله وأعراه وأخلاه من بواعث السلوى النافية للملال! بل ما أشبهه بالثكنة أو المستشفى! شيد بما يخطئه الحصر من دقائق اللبنات. وتالله ما أعجزها من مهندسة تحسب هذه مباهج الحياة، وإن لم تكن سوى متاعب ضئيلة غادرتها في حالة دائمة من الاضطراب والقلق.
قالت: «أتحسب أن الأمور ستظل سائرة على هذا المنوال فيما بعد؟»
وتضاغطت شفتاها وتظاهرت بأن المربى تستغرق عنايتها، فسألها سانين: «وماذا تعنين بقولك فيما بعد؟» ثم عطس فظنت ماريا إيفانوفنا أنه عطس عامدًا ليهيجها وقطبت وجهها على الرغم مما في هذا الخاطر من وضوح السخافة.
ثم قال سانين وكأنه يحلم: «ما أجمل أن يكون المرء هنا معك!» فأجابته بلهجة جافية: «نعم فإن المقام هنا ليس بالذميم جدًّا.» وسرها من ابنها إطراؤه البيت والحديقة، وكانا عندها كأنهما من ذوي قرباها الملازميها.
ونظر سانين إليها ثم قال وعلى وجهه هيئة التفكير: «لو أمسكت عن مضايقتي بكل أنواع الحماقات لعاد المقام خيرًا وأحمد.»
ونطق هذه الكلمات بصوت لين المكاسر فخالفت رقة اللهجة جفوة المعنى،
فحارت ماريا إيفانوفنا ولم تدر أترتاح إلى ما سمعت أم تمتعض وتغضب وقالت وهي مكتئبة: «إني لأنظر إليك وأذكر أنك في طفولتك كنت دائمًا غريب الحال والآن …»
فقاطعها سانين جدلًا: «والآن؟» كأنما توقع أن يسمع شيئًا ليس أمتع منه ولا أبعث على السرور.
فقالت بحدة وهزت ملعقتها: «والآن أراك أشد جنونًا منك في أي عهد!»
فضحك سانين وقال «هذا خير!» ثم بعد هنيهة «هذا نوفيكوف.»
وأقبل رجل طويل وسيم الصورة ينسجم على قوامه المعتدل قميص من الحرير أحمر يتوهج في ضوء الشمس وفي عينيه الزرقاوين نظرة فاترة واشية بسذاجته وخلوص سريرته. وقال بصوت الودود: «هذا أنتم! — أبدًا في خصام! وبالله عليكم فيم تختصمون؟»
– «حقيقة الأمر هي أن أمي ترى أن الأنف الإغريقي أليق بي وأنسب، ولكني راض أتم الرضى عن أنفي الذي في وجهي.»
ونظر سانين إلى أنفه وضحك ثم مد يده إلى يمنى صاحبة الكبيرة الغضة.
فقالت ماريا إيفانوفنا: «كذلك أحسبني أقول!»
وضحك نوفيكوف، وارتد إليهم من جانب الحديقة صدى رقيق كأنما هناك من يشاطرهم جذبهم ومرحهم.
«أظني أحزر ما أنتما فيه، إنكما من مستقبلك في لجاجة.»
فصاح به سانين ذاهبًا إلى المداعبة ومتكلفًا الفزع: «وأنت أيضًا؟»
– «إنك تستحق هذا عدلًا!»
– «إذا اتفقتما علي فخير لي أن أنصرف عنكما.»
فصاحت به ماريا إيفانوفنا وقد هاجت بغتة وغاظها أنها هاجت: «كلا! أنا التي أزايلكما.» واحتملت قدر المربي وأسرعت إلى البيت ولم تتلفت. ووثب الكلب ونصب أذنيه وهو يراقبها ثم حك أنفه بيمينه ورمى البيت بنظرة المستفسر ثم عدا إلى الحديقة.
فقال سانين وقد سره خروج أمه: «أمعك سجائر؟»
فأخرج نوفيكوف علبة وهو يتريث في حركته وقال بصوت رقيق نبرات العتب: «لا يجمل بك أن تكايدها هكذا. إنها سيدة عجوز.»
– «كيف كايدتها؟»
– «إنك ترى …»
– «ماذا تعني بقولك «إنك ترى»؟ إنها هي التي لا تزال ورائي. وما أعرفني سألت إنسانًا شيئًا فكان ينبغي للناس أن يدعوني وشأني.»
وصمت كلاهما برهة ثم سأل سانين صاحبه: «وكيف الحال يا دكتور؟» وتأثر بلحظة الدخان المتصاعد من سيجارته وهو يتأوى فوق رأسه.
– «الحال سيئ.»
– «كيف؟»
– «من كل وجه. كل شيء ممل وهذه البلدة الصغيرة تأخذ بمخنقي وليس ما يعمله المرء فيها.»
– «ليس ما تعمل؟ إنك أنت الذي شكوت من أن الوقت لا يتسع للتنفس؟»
– «ليس هذا ما أعني. إن المرء لا يستطيع أن يظل عمره يعود المرضى، ولا أحد غير المرضى، هناك حياة أخرى غير هذه.»
– «وما يمنعك أن تحيا هذه الحياة الأخرى؟»
– «هذه مسألة فيها بعض التعقيد والإشكال.»
– «وما وجه الإشكال فيها؟ إنك شاب جميل معافى البدن، فماذا تبغي فوق هذا؟»
فقال نوفيكوف بتهكم خفيف: «هذا لا يكفي في رأيي.»
فضحك سانين وقال: «لا يكفي؟ إني أراه حظًّا عظيمًا.»
– «ولكنه لا يكفيني» قالها ضاحكًا بدوره.
وكان من الجلي أنه ارتاح إلى ما قاله سانين عن صحته وقسامته على أنه استحيا كالفتاة.
فقال سانين وكأنه يفكر: «ينقصك أمر واحد.»
– «وما هذا؟»
– «صحة الإدراك للحياة. إن الملل يجثم على صدرك. ولو أن ناصحًا أشار عليك مع ذلك أن تنفض نعلك من هذا المكان وأن تخرج إلى الدنيا الرحيبة لأشفقت أن تفعل.»
– «وكيف أخرج؟ كمتسول؟»
– «نعم حتى كمتسول! إني كلما نظرت إليك قلت لنفسي: هذا رجل يستهين في سبيل إيتاء الدولة الروسية دستورًا بأن يسجن في قلعة شلوسلبرج١ بقيمة عمره وبأن يعقد كل حقوقه وحريته كذلك. ومع ذلك فما هو والدستور؟ وماذا يجنيه منه؟ أما إذا كانت المسألة مسألة تحول عن أسلوب ممل من الحياة وذهاب إلى جهات أخرى طلبًا لمصالح ومتع أخرى راح يسأل نفسه: كيف أرتزق؟ ألست على كل صحتي وقوتي عرضة للأذى إذا لم يكن لي مرتب معين وإذا لم أوفق لذلك إلى الزبدة إلى جانب الشاي وإلى قمصان الحرير والياقات الصلبة وسائر ما هو من هذا بسبيل؟ لعمري إن الأمر مضحك!» – «لست أرى في الأمر شيئًا مضحكًا على الإطلاق، فإن المسألة في الحالة الأولى مسألة قضية، فكرة، أما في الثانية …»
– «ماذا؟»
– «لا أدري كيف أعبر عما أريد» وعالج نوفيكوف أصابعه.
فقال سانين مقاطعا: «تأمل الآن! هذه طريقتكم أبدًا في الفرار من الموضوع. ولن أصدق أبدًا أن الشوق إلى الدستور أشد لحاجة في نفسك من الشوق إلى الانتفاع بحياتك على أتم وجه.»
– «هذه مسألة متنازعة. وقد يكون الأمر كما ذكرت.»
فلوح سانين بيده تلويح الضجر وقال: «لا تقل لي! لو أن رجلًا قطع أصبعك لآلمك الأمر أكثر مما يؤلمك لو أنه كان أصبع روسي آخر. هذه حقيقة. أليس كذلك؟»
– «أو أنانية» يريد نوفيكوف أن يتهكم فيخرف.
– «ربما. ولكنها الحقيقة على كل حال. ومع أنه ليس في روسيا ولا في كثير غيرها دستور ما، بل ليس فيها أضأل دليل على وشك ميلاد الدستور— فإن حياتك المملة هي التي تقيمك وتقعدك لا عدم وجود الدستور. وأقول لك أكثر من ذلك» وهنا لمع في عينه بريق السرور «إنك مكروب — لا من جراء حياتك بل لأن ليدا لم تمل إليك بالحب بعد، والآن أليس الأمر كما أقول؟»
«أي هذيان هذا؟» وصار وجه نوفيكوف كقميصه حمرة وبلغ من ارتباكه أن الدموع وثبت إلى عينيه الفاترتين الرقيقتين.
– «كيف ترى قولي هذيانًا وأنت لا ترى غير ليدا في الدنيا؟ إن الرغبة فيها مسطورة بأحرف جليلة على جبينك.»
فاضطرب نوفيكوف اضطرابًا محسوسًا وأخذ يسرع في خطواته جيئة وذهوبًا، ولو أن امرءًا غير أخيها كلمه على هذه الصورة لتألم أبلغ الألم، ولكن هذه الكلمات من فم سانين أذهلته. والواقع أنه لم يكد يفهم ما يقول في أول الأمر.
فتمتم قائلًا: «اسمع إما أنك تتكلف أو …»
– «أو ماذا؟» وابتسم.
فلوى نوفيكوف وجهه وهز كتفيه وصمت. وكان الذي جرى في ذهنه غير التكلف هو أن يعد سانين رجلًا مستهترًا خبيثًا، غير أنه لم يستطع أن يصارحه بهذا الخاطر إذ كان منذ أيام الدراسة في الكلية يخلص له الحب ويصدقه إياه، ومحال أن يكون نوفيكوف قد اختار لصداقته امرء سوء. وكان وقع هذا الكلام كريهًا مذهلًا، وأوجعته الإشارة إلى ليدا، ولكنها كانت معبوده فلا يسعه أن يحس الغضب لأن سانين ساق ذكرها وسره هذا، ولكنه آلمه كأن يدًا متقدة أمسكت بقلبه وضغطت.
وصمت سانين قليلًا وهو مبتسم منشرح ثم قال: «أتمم كلامك. فلست أتعجلك!»
فظل نوفيكوف يجيء ويروح كما كان مجروح النفس لا شك في ذلك. ودخل في هذه اللحظة الكلب يعدو وحك جسمه بركبتي سانين كأنما يريد أن يرى الناس مبلغ سروره هو الآخر فلاطفه سانين وهو يقول: «يا لك من كلب طيب!»
وحاول نوفيكوف أن يجتنب اتصال الحديث وأشفق أن يعود إليه سانين وإن كان أحب موضوع إليه وألذه وأنداه، وكل ما لا شأن له ﺑ«ليدا» عبث عنده لا يطاق.
ثم راح يسأل سانين عفوًا «وأين ليدا بتروفنا؟» وإن كان مع ذلك يكره أن يلقي السؤال البارز في ذهنه.
– «ليدا؟ وأين يمكن أن تكون؟ تتنزه مع الضباط حيث كل الفتيات في هذه الساعة من النهار.»
فسودت الغيرة وجه نوفيكوف وهو يقول: «كيف تنفق فتاة مثلها براعة وتهذيبًا وقتها مع هؤلاء الحمقى الفارغي الرءوس؟»
فقال سانين باسمًا: «يا أخي، إن ليدا فتاة جميلة موفورة الصحة مثلك بل هي فوق ذلك. إذ كانت قد أوتيت ما ينقصك — أعني الرغبة الحادة في كل شيء وهي تريد أن تعلم كل ما يعلم وأن تجرب كل أمر — هذه هي آتية وما عليك إلا أن تنظر إليها لتفهم هذا. أليست بالله جميلة؟»
وكانت ليدا أقصر من أخيها وأجمل، وعليها من العذوبة ولين القوة فتنة تميزها، وفي عينيها السوداوين نظرة شامخة، ولصوتها الذي تباهي به رنة موسيقية ملأى. فأقبلت على مهل تخطر برشاقة وإحدى يديها ممسكة بثوبها السابغ، وأقبل من بعدها ضابطان شابان.
– «من الجميل؟ أهو أنا؟»
وأشاعت في الحديقة سحر صوتها وجمالها وصباها.
ومدت إلى نوفيكوف يدها، وعينيها إلى أخيها وكانت أبدًا في حيرة من أمره لا تدري أجاد هو أم هازل.
وقبض نوفيكوف على يدها واضطرم وجهه، ولكن ليدا لم تلمح انفعاله وكانت قد ألفت منه نظرة الاحترام والحياء التي لم تضايقها.
وقال أجمل الضابطين وهو ناصب قامته كالجواد المتفحل: «عم مساء فلاديمير بتروفتش (سانين).»
وكان سانين يعلم أنه سارودين وأنه كابتن في فرقة الفوارس وأنه ألح عشاق ليدا.
وكان صاحبه «الملازم» تاناروف يعد سارودين مثال الجندي ويحكيه في كل شيء ويضرب على قالبه في كل أمر، وكان صموتًا ليس له رشاقة سارودين ولا قسامته.
فقال سانين مجيبًا أخته في رزانة: «نعم أنت!»
– «إني لجميلة لا شك! ولقد كان ينبغي لك أن تقول إن جمالي لا سبيل إلى وصفه.»
وضحكت جذلة وهوت إلى كرسي وهي ترشق أخاها سانين بعينيها. ورفعت ذراعيها وبدت بذلك معالم صدرها الجميل، وأخذت تخلع قبعتها فسقط دبوس طويل على الحصى فهدل شعرها ونقابها، فصاحت بالملازم الصموت بصوت أجش: «أندريه بافلوفتش! أعني.»
وتمتم سانين كمن يفكر بصوت عال وعينه مصوبة إلى أخته: «نعم إنها جميلة.»
فمالت إليه ليدا بطرفها في حياء وقالت: «إننا كلنا حسان.»
فضحك سارودين عن ثناياه الناصعة البراقة وقال: «ما هذا؟ حسان!! ها ها! لسنا نعدو أن نكون كالإطار يظهر وضاءة جمالك الباهر.»
فقال سانين دهشًا: «أقول يا لها من فصاحة!»
وكانت في صوته نبرة خفيفة من التهكم.
فنطق تاناروف الصموت وقال: «إن ليدا بتروفنا تحيل الغبي فصيحًا.» وكان يساعدها على نزع قبعتها فهدل شعرها فادعت الغيظ وهي ماضية في ضحكها.
وقال سانين «ماذا؟ وأنت أيضًا فصيح؟»
فهمس نوفيكوف في خبث ونفسه مرتاحة: «دعهم يتفصحون!»
وقطبت ليدا جبينها لأخيها وكأنما كانت عيناها السوداوان تقولان له بأصرح عبارة «لا تحسب أني عاجزة عن استبطان هؤلاء النفر، إنما أبغي أن أمتع نفسي، وما أنا بالورهاء الحمقاء وإني لأدري ما أنا فيه.»
فابتسم لها سانين.
وتم أخيرًا نزع القبعة. ووضعها تاناروف في تؤدة ووقار على المنضدة، ولكن ليدا صاحت به مداعبة مظهرة الحنق: «أندريه بافلوفتش! انظر! انظر ماذا صنعت بي! لقد أفسدت شعري فاختلط وسأضطر أن أدخل البيت لأصلحه.»
فقال تاناروف مضطربًا متلعثمًا: «إني آسف جدًّا.»
وهمت ليدا وجمعت ذلاذل ثوبها وعدت ضاحكة وعيون الرجال تتعقبها، وأحسوا لما خفيت عن أنظارهم كأنما خلصت أنفاسهم واستراحوا من ذلك الشعور العصبي بالتقيد الذي يعانيه الرجال عادة في حضرة فتاة جميلة.
وأشعل سارودين سيجارة وجعل يدخنها بالتذاذ واضح، وكان المرء يحس إذا سمعه يتكلم كأنما عادته أن يحدو الحديث، وإن ما يجري بذهنه يخالف ما يجري به لسانه وقال: «لقد كنت أحاول أن أقنع ليدا بتروفنا أن تدرس الغناء درسًا جديًّا فإن مستقبلها مضمون ما دام لها هذا الصوت.»
فقال نوفيكوف مشمئزًا: «تالله ما أبدعها من مهنة!» وأشاح بوجهه.
فسأل سارودين مستغربًا ونحى السيجارة عن فمه: «أي ضير في ذلك؟»
فرد عليه نوفيكوف وقد حمي فجأة: «ما هي الممثلة؟ إنها ليست إلا مومسًا!»
ومزقت قلبه الغيرة وقطع نياطه ما تصوره من منظر هذه الفتاة التي يشتهي جثمانها إذ تبدو أمام سواه من الرجال في ثوب فتان يكشف عن مفاتنها ويهيج عواطفهم،
فقال سارودين رافعًا حاجبيه: «لا شك أنك تذهب إلى أبعد مما يجب.»
وكانت نظرة نوفيكوف كلها حقدًا وبغضًا وكان يرى في سارودين لصًّا ينوي أن يخطف عشيقته وأمضه — فضلا عن هذا — حسن وجهه فقال: «كلا ليس في قولي تجاوز للحد. وتصور بروز المرأة على الملعب كاسية إلا أنها عارية — حاسرة في بعض الأدوار الشيقة عن مفاتنها الشخصية لأولئك النظارة الذين لا يلبثون أن يزايلوا المكان بعد ساعة أو نحوها كما ينهضون عن مومس بعد أن ينقدوها أجرها المعتاد! الحق إنها مهنة فاتنة!»
فقال سانين: «يا أخي، إن كل امرأة تحب أن يعجب الناس بمحاسنها الخاصة.»
فهز نوفيكوف كتفيه متململًا وقال: «ما أخشن هذا القول وأسخفه!»
فقال سانين: «ليكن خشنًا أو غير خشن. إنه الحق على كل حال وأحر «بليدا» أن يكون لظهورها على الملعب أعمق وقع. وإنى لأشتاق أن أراها ثم …»
وأحسوا كلهم بالقلق وإن كان هذا الكلام قد أثار في نفوسهم رغبة غريزية في الاستطلاع.
ولما كان سارودين يعد نفسه أذكى من زملائه وأحزم فقد بدا له أن يبدد جو الارتباك الغامض الذي اكتنفهم فقال: «وماذا تظنون الفتاة حقيقة أن تصنع؟ أتتزوج؟ أم تأخذ في نهج دراسي أم تدع مواهبها تأسن؟ إن هذا يكون جريمة ضد الطبيعة التي جادت.»
فقال سانين ولم يخف تهكمه: «آه إن فكرة هذه الجريمة لم تخطر لي قبل هذه الساعة.»
وضحك نوفيكوف ضحكة خبيثة، ورد على سارودين متوخيًا الأدب: «لماذا تعدها جريمة؟ لأن تكون المرأة أما صالحة أو طبيبة خير ألف مرة من أن تكون ممثلة.»
فقال تاناروف محنقًا: «كلا.»
فسألهم سانين: «ألا ترون هذا النوع من الحديث مملًّا؟»
ولكن سؤاله ضاع في نوبة سعال، وكان الواقع أنهم جميعًا يعدون هذه المناقشة مدعاة للضجر وهي بعد لا ضرورة إليها، على أنهم مع هذا ساءهم قول سانين فلزموا صمتًا بغيضًا.
ثم ظهرت ليدا وأمها ماريا إيفانوفنا على الشرفة. وكانت ليدا قد سمعت آخر ما نطق به أخوها وإن لم تدر ما يشير إليه، فقالت وهي تضحك: «أرى الملال اعتوركم بسرعة فلنمض إلى النهر فإنه الساعة رائق.»
ومشت أمام الرجال وقوامها الأنيق يخطر قليلًا وفي عينها نظرة مبهمة يخيل إليك أنها قائلة بها شيئًا أو واعدة بشيء.
وقالت أمها: «تمشوا إلى وقت العشاء.» فصاح سارودين: «يسرني ذلك.» وعرض على ليدا ذراعه.
وقال نوفيكوف متهكمًا: «أرجو أن تسمحوا لي بمرافقتكم.»
ولكن وجهه كانت عليه سمات من يهم بالبكاء.
فقالت ليدا: «ومن ذا يمنعك؟.»
وأرسلت إليه نظرة باسمة عن كتفها.
وقال سانين: «نعم اذهب أنت الآخر. وقد كنت أحب أن أرافقكم لولا أنها مقتنعة بأني أخوها.»
فاضطربت ليدا وأسرعت ناظرة إليه وأرسلت ضحكة قصيرة عصبية.
وبدا على ماريا إيفانوفنا الامتعاض وقالت: «لماذا تتكلم على هذا النحو السخيف؟ أظنك تحسبه أسلوبًا مبتكرًا؟»
فقال سانين: «الحقيقة أني لم أفكر في هذا على الإطلاق.»
ونظرت إليه أمه وهي مذهولة. وكانت لا تفهم ابنها ولا تعرف أذاهب هو إلى الجد أم يقصد إلى الدعابة. ولا تدري فيم يفكر وماذا يحس على حين ترى الناس المفهومين غيره يفكرون ويحسون مثلها. وعندها أن الرجل يجب أن يفكر ويحس ويعمل كما يفكر ويحس ويعمل غيره من أنداده المماثلين له من حيث المنزلة الاجتماعية والعقلية. ومن رأيها كذلك أن الناس ليسوا رجالًا متمايزى الشخصيات والخصائص وإنما ينبغي أن يصبُّوا جميعًا في قالب واحد عام، وشجعتها البيئة على اعتناق هذه العقيدة وقررتها في نفسها، فذهبت إلى أن التربية من شأنها أن تجعل الناس فريقين لا ثالث لهما: أصحاب العقول والجهلاء. وللفريق الثاني أن يحتفظ بشخصيته إذا شاء، ولكن هذا مجلبة لامتهان الآخرين. وأول الفريقين ينقسم إلى طوائف ولكن آراءهم لا تطابق صفاتهم الشخصية بل مراكزهم الاجتماعية، ومن هنا كان كل طالب ثوريًّا، وكل موظف مدنيًّا، وكل فني ملحدًا، وكل ضابط طالب رتبة، فإذا حدث مصادفة أن طالبًا مال إلى مبادئ المحافظين، أو أن ضابطًا صار فوضويًّا، فلا بد أن يعد هذا أمرًا شاذًّا باعثًا على أشد العجب بل مستنكرًا. وإذا ذهبنا نعتبر سانين وأصله وتربيته رأينا أنه كان ينبغي أن يكون على خلاف ما هو، ولذلك أحست ماريا إيفانوفنا — مثل ليدا ونوفيكوف وسائر من اتصل به — أنه خيب الأمل فيه. ولم يفت غريزة الأم ما يقع في نفوس الناس من ابنها فتألمت.
ولم يكن سانين يجهل ذلك وكان يود لو طمأنها، غير أنه لم يدر كيف يعالج ذلك مبتدئًا. وخطر له أولًا أن يرائي ويدعي المكذوب من العواطف ليهدأ روعها ولكنه لم يفعل شيئًا سوى أن ضحك.
ثم قام وخرج وظل برهة في سريره مستلقيًا يفكر وخيل إليه كأنما يريد الناس أن يحيلوا الدنيا ثكنة عسكرية خاضعة لقائمة من القواعد والأصول المجهولة للقضاء على الشخصية أو يجعلوها طوع قوة ما غامضة عتيقة.
وأخب به التفكير وأوضع حتى تناول المسيحية ومصيرها ولكنه مل هذا الشأن حتى أخذه النوم ولم يستيقظ إلا بعد أن حال المساء ليلًا حالكًا.
ولاحظته أمه وهو يخرج وزفرت هي أيضًا واستغرقها الفكر وحدثت نفسها أن سارودين يتحبب إلى ليدا خاطبًا ودها، وتمنت أن يكون الأمر جدًّا وقالت لنفسها: «قد بلغت ليدا العشرين، وسارودين رجل حسن على ما يظهر، وقد سمعت أنه سيعطي قيادة في هذا العام — نعم إنه غارق في الدين — ولكن … لماذا رأيت ذلك الحلم الشنيع؟ وإني لأدري أنه خاطر سخيف غير أني لا أستطيع أن أخلي منه رأسي!»
وكان الحلم الذي رأته قد بدا لها في نفس اليوم الذي دخل فيه سارودين البيت لأول مرة، فخيل إليها أنها رأت ليدا في ثياب بيضاء تسير في مروج خضراء متألقة الأزاهير.
وجلست ماريا إيفانوفنا على كرسي وثير وأسندت رأسها إلى كفها كما تفعل العجائز، وأتأرت نظرها إلى السماء المظلمة وساورتها الخواطر السوداء وعذبتها ولم تدع لها راحة وأحست شيئًا مبهمًا أثار مخاوفها وأزعجها.
هوامش
(١) قلعة يعمل فيها السياسيون أو كانوا يعتقلون فيها. الفصل الثالث
كان الظلام قد خيم لما انقلب القوم عائدين من الحديقة. وكانت أصواتهم الصافية الجذلة تدوي في الغسق اللين الذي اكتنف الحديقة، فجرت ليدا إلى أمها ضاحكة متألقة الوجه وحملت معها طيب النهر مشوبًا بأرج جمالها وريا شبابها الغض تضوعه رفقة المعجبين ومصاحبة المفتونين.
وصاحت بأمها مداعبة لها وجَرَّتْها معها: «العشاء يا أماه! هات لنا العشاء! وفي خلال ذلك يغنينا فيكتور سرجيفتش.»
فخرجت ماريا إيفانوفنا لتهيئ العشاء ونفسها تحدثها أن القدر لا يسعه على التحقيق أن يدخر غير السعادة لفتاة جميلة ساحرة مثل ابنتها ليدا.
ومضى سارودين وتاناروف إلى البيانو في حجرة الاستقبال. واطرحت ليدا في فتور وكسل على كرسي هزاز على الشرفة.
وجعل نوفيكوف يروح ويجيء صامتًا على أرض الشرفة ويخالس النظر إلى وجه ليدا وصدرها الناضج المكتنز وقدميها الصغيرتين في حذائهما الأصفر وساقيها الرشيقتين، وهي في غمرة من سحر الحب الأول وسطوته لا تكترث إليه ولا تلتفت إلى لحظاته، فأغمضت جفنيها وابتسمت لما يطوف برأسها من الخواطر.
وكان الصراع القديم دائرًا في صدر نوفيكوف: يحب ليدا ولا يدري ما شعورها نحوه، ويخطر له أحيانًا أنها تحبه ويهجس بقلبه أحيانًا أخرى أنها لا تعبأ به وإذ خال الجواب «نعم تحبك» قال لنفسه: ما أحلى وأسهل أن يؤاتيه هذا الجسم النقي اللين. وإذا كان «لا» فيا له من خاطر بغيض بشع! وراح تغضبه شهوته وذهب يعد نفسه نذلًا غير أهل لليدا.
ولما أنضته هواجسه آلى أن يستهدي الحظ. «إذا دست بقدمي اليمنى على آخر مربع خطبتها لنفسي وإذا دست بقدمي اليسرى فـ …» وجبن عن التفكير فيما يحدث في هذه الحالة.
وداس المربع الأخير بقدمه اليسرى! فتصبب العرق البارد ولكنه لم يلبث أن طمأن نفسه وهون الخطب عليها.
«يا لها من سخافة! لقد أشبهت العجائز! والآن — واحد، اثنان، ثلاثة — في الثالثة أذهب إليها وأكلمها، نعم ولكن ماذا أقول؟ هذا لا يهم فلأمض! واحد. اثنان. ثلاثة! كلا! بل ينبغي أن يكون العد ثلاث مرات! واحد، اثنان، ثلاثة! واحد، اثنان …»
والتهب ذهنه وعصب ريقه وبلغ من عنف دقات قلبه أن ركبتيه تخاذلتا وارتعشتا.
وصاحت به ليدا وفتحت عينيها: «لا تخبط الأرض كذلك! إني لا أسمع شيئًا!»
في هذه اللحظة فقط أدرك نوفيكوف أن سارودين يغني. وكان الضابط الفتى قد اختار أغنية قديمة مطلعها:
أحببتك مرة!
وهل يسعك أن تنسي؟
وما زال الحب يلعج قلبي
ولم يكن غناؤه قبيحًا ولكنه كان كأحداث الفن يعالج الأداء بالمبالغة في تخريج الأنغام.
ولم يلف نوفيكوف ما يلذه في هذا العمل فسألها بمرارة غير مألوفة: «ما هذا؟ أأغنية من تأليفه؟»
فقالت بحدة: «كلا! لا تقلقنا من فضلك. اجلس. وإذا كنت لا تحب الموسيقى فاذهب وانظر إلى القمر!»
وكان القمر في هذه اللحظة يصعد من وراء قمم الأشجار السوداء — كبيرًا مستديرًا متوهجًا — ولمست أشعته اللينة الدرج الحجري وامتدت إلى ثوب ليدا واستراحت إلى وجهها الباسم المفكر وكانت الظلال في الحديقة قد تكاثفت وصارت لها جهامة ظلال الغاب وعمقها.
فتمم نوفيكوف: «أنت عندي خير من القمر.» ثم لنفسه: «إنها لكلمة سخيفة!»
فاستضحكت ليدا وقالت: «يا له من إطراء خشن!.»
فقال باكتئاب: «لست أحسن الإطراء.»
– «حسن. إذن فاجلس واستمع.» وهزت كتفيها متضايقة.
ومضى سارودين يغني:
ولكنك لا تعبأين بي فلماذا أحزنك بهمومي
وكانت أنغام البيانو تدوي فضية الرنة في جوانب الحديقة الخضراء الرطبة وأخذ ضوء القمر يزداد تألقًا والظلال سوادًا.
ومضى سانين إلى شجرة الزيزفون وجلس في ظلها وهم أن يشعل سيجارة، ولكنه وقف فجأة وجمد كأنما سحره سجو الليل الذي زاد في سكونه البيانو وذلك الصوت الطري الفتي ولم يزعجه.
وقال نوفيكوف مسرعًا كأنما ينبغي أن لا تفلت هذه اللحظة: «ليدا بتروفنا!»
فقالت وهي تلحظ الحديقة والقمر والأغصان الحالكة بادية تحت قرصه الفضي: «ماذا؟»
– «لقد طال انتظاري — أعني أريد أن أقول لك شيئًا.»
فأمال سانين رأسه مصغيًا.
وسألت ليدا وهي غائبة الذهن: «أي شيء؟»
وكان سارودين قد فرغ من أغنيته ثم عاد يغني بعد فترة وكان يعتقد أن له صوتًا باهر الجمال وكان يحب أن يسمعه.
وأحس نوفيكوف أن وجهه يحمر ثم يمتقع كأنما يوشك أن يغشى عليه ثم قال: «إني — اسمعي يا ليدا بتروفنا — هل تقبلين أن تصبحي لي زوجة؟»
وكان وهو يتمتم هذه الكلمات يحس أنه كان ينبغي أن يقول شيئًا يخالفها وأن عواطفه كان يجب أن تكون غير ذلك أيضًا، وما كاد ينطق بها حتى أيقن أن الجواب سيكون «لا» ووقع في نفسه أن أمرًا بالغًا غاية السخافة سيحدث.
فسألته ليدا: «زوجة من؟»
ثم ما عتمت أن صبغ وجهها الخجل فنهضت نهوض من يهم بالكلام ولكنها لم تقل شيئًا. وانصرفت عنه بوجهها وهي مرتبكة فاستقبلها القمر بنوره وقال نوفيكوف: «إني أحبك!»
ولم يعد القمر يضيء في عينه وأخذ بمخنقه النسيم وشعر كأن الأرض ستنشق تحت قدميه ثم قال: «لست أحسن إلقاء الخطب — ولكن — هذا لا يهم — إني أحبك جدًّا.»
ثم حدث نفسه: «أأقول جدًّا؟ لكأني أحدثها عن القشدة المثلجة!»
وأخذت ليدا تعبث وهي مضطربة بورقة صغيرة هوت من الشجرة إلى يديها وحيرها ما سمعت إذ كان غير متوقع ولا طائل تحته. هذا إلى أنه أشعرها إحساسًا جديدًا من الكلفة البغيضة بينها وبين نوفيكوف الذي كانت تنزله منذ صباها منزلة القريب وتحبه على هذا الاعتبار فقالت: «لا أدري ماذا أقول؟ إني ما فكرت في هذا قط!»
فأحس نوفيكوف ألمًا وفتورًا يعتوران قلبه كأنما سيكف عن الخفقان ونهض مصفرًا وتناول قبعته.
وقال وهو لا يكاد يسمع صوته وتلوت شفتاه المرتجفتان عن ابتسامة لا معنى لها: «عمي مساء.»
– «أذاهب أنت؟ عم مساء.»
وضحكت ضحكة عصبية ومدت يدها فصافحها نوفيكوف مسرعًا وسار دون أن يغطي رأسه إلى الحديقة، ولما بلغ الظل وقف جامدًا وأمسك رأسه بكلتا يديه وخاطب نفسه: «رب! لقد قضيت لي مثل هذا الحظ! أأقتل نفسي؟ كلا! هذه سخافة أأقتل نفسي؟»
ودار بذهنه كل خاطر ضال غامض بمثل خطف البرق، وأحس أنه أشقى الناس وأذلهم وأسخفهم.
وأراد سانين أن يناديه ولكنه رد نفسه واقتصر على الابتسام مرتئيًا أن من الخرف أن يمزق نوفيكوف شعره وأن يبكي لأن امرأة يشتهي جسمها لم تشأ أن تبذله له، وسره في الوقت نفسه أن أخته الجميلة لا تحفل بنوفيكوف.
وظلت ليدا لحظة وهي جامدة في مكانها. وكان خيالها الأبيض في ضوء القمر قيد لحظ سانين.
ثم خرج سارودين من الحجرة المضاءة إلى الشرفة.
وكان سانين يسمع صوت مهمازه بوضوح.
وظل تاناروف في الغرفة يوقع لحنًا شجيًّا عتيقًا جعلت أنغامه المملة تسبح في الجو.
ودنا سارودين من ليدا ولف ذراعه بلطف وحذق حول خصرها.
ورآهما سانين يلتصقان حتى صارا شخصًا واحدًا يترنح في الضوء الغائم. وهمس سارودين في أذنها: «ما بالك تفكرين؟»
والتمعت عيناه لما لامست شفتاه أذنها اللطيفة الجميلة.
وشاع في نفس ليدا الطرب والخوف معًا ودبت في عودها هزة كانت تحسها كلما عانقها سارودين. وكانت لا يخفى عنها أنه دونها ذكاء وتهذيبًا وأنه لا قبل له بالاستبداد بها والغلبة عليها، غير أنها في الوقت نفسه سرها وأفزعها أن تدع هذا الشاب الوسيم القوي يلامسها. وكأنها تنظر إلى هاوية سحيقة ملتاثة الأمر وحدثتها نفسها أنها تستطيع أن تلقي بنفسها فيها إذا شاءت فقالت بصوت لا يكاد يسمع: «سيروننا.»
ولم تشجعه على احتضانها ولكنها على هذا لم تنفر منه فهاجه منها هذا الإمكان السلبي.
فقال: — «كلمة واحدة — لا أكثر» — وشدها إلى صدره وعروقه تنبض بها الرغبة: «هل توافينني؟»
فارتجفت ليدا ولم تكن هذه أول مرة سألها ذلك، وكانت كل مرة تحس رجفات غريبة تسلبها إرادتها.
فسألته بصوت خافت وهي تحلم إذ تنظر إلى القمر: «لماذا؟»
– «لماذا؟ لتكوني قريبة مني ولأراك وأحدثك. آه إنه لعذاب؟ نعم يا ليدا إنك تعذبينني. والآن هل توافينني؟»
قال ذلك وجذبها إليه بقوة الرغبة الجامحة به وكأنما لامسها منه حديد ملتهب سرت في أعضائها وقدته، وكأنما لفها ضباب كثيف حالم ضاغط، فتوتر جسمها اللين المرن ثم مالت إليه والسرور والخوف يرعشان منه. وعاد كل ما حولها وقد تغيرت وجوهه فجأة تغييرًا عجيبًا. ولم يعد القمر قمرًا بل دنا فحاذى مظلة الشرفة وصار كأنما هو معلق فوق بساط الروضة. وحالت الحديقة عما عهدته وتبدلت أخرى غامضة مستبهمة زحفت إليها والتفت بها. وهاج ذهنها وتراجعت وتخلصت بفتور عجيب من عناق سارودين وتمتمت بصعوبة وقد جفت شفتاها وابيضتا: «نعم.»
وانقلبت إلى البيت بخطى غير ثابتة وأحست أن شيئًا مرعبًا إلا أنه مغر يجرها إلى حرف الهاوية. وقالت لنفسها وهي تفكر: «هذا كلام فارغ؟ وليس الأمر كذلك. إنما أمزح. ويلذ لي هذا ويسليني أيضًا لا أكثر ولا أقل.»
وهكذا حدثت نفسها لتقنعها وهي تواجه المرآة المظلمة في غرفتها. ولم تر في صقالها إلا ظلها الأسود قبالة الباب الزجاجي لغرفة الطعام المضيئة. ورفعت ذراعيها في بطء فوق رأسها وتمطت في كسل وفتور وجعلت وهي تفعل ذلك تتأمل حركات عودها اللين وتحس لذتها.
أما سارودين فإنه لما صار وحده اعتدل ونفض عن أعضائه فتورها، وكانت عيناه مفتوحتين كمغمضتين وابتسم فالتمعت ثناياه تحت شاربه اللطيف.
وكان الحظ قد عوده أن يؤاتيه وتوقع في هذه المرة أن ينال من المتع واللذات ما هو أعظم في المستقبل القريب.
وتمثلت لعينه ليدا وجمالها المثير ساعة تبذل له منه وعصفت به هذه الصورة فأحس لها ألمًا جثمانيًّا.
وكانت ليدا في مبدأ الأمر — إذ هو لا يزال يتودد إليها وحتى بعد ذلك لما أذنت له أن يعانقها ويقبلها — لا تنفك تشعره شيئًا من الخوف. وكان يطالعه من عينيها السوداوين — وهو يمسح بيده شعرها — شيء عجيب لا يفهمه كأنما تحتقره في سريرتها.
وكانت أبدًا تبدو له أبرع من غيرها من النساء اللواتي لم يشعر في حضرتهن إلا بأنه أسمى منهن وأرقى. وهي من الاختلاف عنهن ومن الشموخ بحيث كان يتوقع إذا قبلها أن تلكمه بجمع يدها على أذنه.
فكادت فكرة احتيازها تبيت مزعجة ومرت به أحيان اعتقد فيها أنها إنما تعبث به، فكان موقفه في نظره غاية السخافة والحمق.
أما اليوم بعد هذا الوعد الذي قطعته له مترددة متلعثمة كغيرها من النساء فقد صار على يقين من قوته ومن وشك الظفر، ولم يبق عنده من ريب في أن الأمور ستجري على ما يحب. واختلط عنده الاحساس الناشئ عن انتظار مواقعة اللذات بشيء من الكيد. هذه الفتاة الطاهرة المهذبة المزهوة ينبغي أن تبذل له نفسها كما فعل سواها وسيستمتع بها وفق هواه كما استمتع بغيرها.
ومثلت لعينه مناظر مما صورت الشهوة والانحطاط: وصارت ليدا في خياله — عارية متهدلة الشعر حول عينين ما من سبيل إلى سبر غورهما — الصورة البارزة فيما حرك أشباحه قصف الشهوة والقسوة المضطرب. ثم بدت له فجأة على أوضح صورة منطرحة على الأرض وسك مسمعه هزم السوط وأخذت عينه خطًا داميًّا على جسمها العريان اللين الخاضع، فنبض رأسه لهذه الصورة وتطرح متراجعًا ورقصت لعينيه شرارات نار، وعادت وطأة الفكرة أثقل مما يطاق وارتعشت يده وهو يشعل سيجارة وتلوت أعضاؤه القوية تلوي التشنج ثم دخل الغرفة.
وكان سانين لم يسمع شيئًا إلا أنه رأى وفهم كل شيء فتبعه وفي نفسه مثل الغيرة وقال لنفسه: «أمثال هذا الوحش يمالئهم الحظ دائمًا. ماذا ترى معنى هذا كله؟ ماذا يهمان به هو وليدا؟»
ولما جلسوا إلى العشاء كانت ماريا إيفانوفنا غير مرتاحة على ما يظهر ولم يقل تاناروف شيئًا — كعادته — ولكنه كان يتمنى أن يكون سارودين وأن تكون له عشيقة مثل ليدا تحبه. إذن لأحبها ولكن على طريقة أخرى فإن سارودين — في رأيه — لا يحسن تقدير حسن حظه.
وكانت ليدا ممتقعة صامتة لا تنظر إلى أحد.
أما سارودين فكان جذلًا طروبًا متحفزًا كالوحش استروح فريسته.
وجلس سانين يتثاءب على عادته، وأكل وشرب كثيرًا من النبيذ، وكأنما كان يريد أن ينام، ولكن العشاء لم يكد ينتهي حتى أعلن عزمه على مرافقة سارودين إلى مسكنه.
وكان الليل قد أوشك أن ينتصف والقمر يصب ضوءه على رأسيهما، وهما سائران في صمت إلى ثكنة الضابط.
وكان سانين لا يفتأ من حين إلى حين يختلس النظر إلى سارودين ويفكر فيما ينبغي له أيلطمه على وجهه أم لا يلطمه. ثم قال فجأة لما قاربا البيت: «نعم؟ إن في هذه الدنيا كل أنواع الأنذال؟»
فسأله سارودين ورفع حاجبيه: «ماذا تعني بهذا؟»
– «إن الأمر كذلك — على العموم — والأنذال أعظم الناس فتنة وأخذًا.»
فقال سارودين باسمًا: «أَوَتعني ما تقول؟»
– «نعم هم كذلك، وليس أبعث على كرب النفس وضيق الصدر ممن يسمونهم الأعفة والفضلاء. ما هو الرجل الفاضل؟ إن كل امرئ يعرف برنامج العفة والفضيلة. وعلى هذا فليس فيه من جديد: ومثل هذه الفضلات العتيقة تسلب المرء كل شخصيته فيقضي حياته في حدود الفضيلة الضيقة المملة. لا تسرق، لا تكذب، ولا تغش، كلا ولا تزن، والمضحك في هذا الأمر أن كل من يولدون سواء! فكل امرئ يسرق ويكذب ويغش ويزني على قدر ما يستطيع.»
فقال سارودين محتجًّا نازعًا إلى التعالي: «ليس كل أحد.»
– «نعم. نعم كل إنسان! وما عليك إلا أن تفحص حياة المرء لتعرف ذنوبه. خذ الغدر مثلًا. فبعد أن نؤدي ما لقيصر لقيصر ونئوي في سكون إلى فراشنا أو نجلس إلى المائدة نرتكب كل أصناف الغدر.»
فصاح سارودين وبه بعض الغضب: «ما هذا الذي تقول؟»
– «إننا نفعل هذا على التحقيق. نؤدي الضرائب ونقضي مدة الخدمة في الجيش. نعم ولكن معنى هذا أننا نؤذي ملايين من الخلق بالحرب وبالظلم اللذين نمقتهما. ونذهب في سكون إلى الفراش، على حين ينبغي لنا أن نبادر إلى إنقاذ من يقضون نحبهم في هذه اللحظة لأجلنا وفي سبيل آرائنا. ونصيب من الطعام أكثر مما بنا حاجة إليه وندع غيرنا يموتون جوعًا وكان واجبنا — ونحن رجال فضل وخير — أن نقف حياتنا كلها على خيرهم. وهكذا تجري الأمور والمسألة واضحة. أما النذل — النذل الحقيقي الصميم — فخلق آخر. فهو أولًا مخلوق مخلص طبيعي الأحوال.»
– «طبيعي؟»
– «بلا شك! إنه لا يفعل سوى ما يفعله الرجل بطبيعته — يرى شيئا ليس له، شيئًا تميل إليه نفسه، فيأخذه. ويرى امرأة حسناء لا تريد أن تبذل له نفسها فيعالجها بالقوة أو بالحيلة وهذا طبيعي جدًّا، إذ كانت الرغبة والغريزة التي تتطلب إرضاء النفس من المميزات القليلة بين الإنسان والحيوان. وكلما كان الحيوان أكثر حيوانية كان أقل فهما للذة وأضأل إدراكًا لها وأعجز عن نيلها إذ كان لا يعنيه إلا سد حاجاته. ونحن متفقون على أن الإنسان لم يخلق ليتعذب وإن العذاب ليس قبلة المساعي الإنسانية.»
فقال سارودين: «بلا شك.»
– «حسن جدًّا إن اللذة هي غاية الحياة الإنسانية. والفردوس كلمة مرادفة للتمتع المطلق. وكلنا يحلم بفردوس أرضي وليست أسطورة الفردوس بسخافة، وإنما هي رمز أو حلم.»
ومضى سانين في كلامه فقال بعد فترة: «نعم إن الطبيعة، ما أرادت قط أن يكون الإنسان زاهدًا. وأعظم الناس إخلاصًا وصدق سريرة هم أولئك الذين لا يكتمون رغباتهم، أي أولئك الذين يعدهم المجتمع أنذالًا — أناسًا مثل — مثلك مثلًا.»
ففزع سارودين متراجعًا مذهولًا ومضى سانين في حديثة متظاهرًا بأنه لم يلحظ ما بدر من صاحبه وقال: «نعم مثلك. أنت خير رجل في هذا العالم. أو على الأقل أنت تحسب أنك كذلك. قل لي هل صادفت قط من هو خير منك؟»
فقال سارودين مترددًا: «نعم كثيرين.» ولم يكن في ذهنه أضأل فكرة عما يعني سانين ولا كان يعلم هل ينبغي له أن يتظاهر بالسرور أم بالسخط.
فقال سانين: «حسن. سمهم أسماءهم. تفضل.»
فهز سارودين كتفيه كمن هو في شك فقال سانين متهللًا: «هاذا أنت قد عجزت! إنك أنت خير الأخيار وكذلك أنا. ومع ذلك فإنا نحن الاثنين لا نرى ما يمنعنا أن نسرق أو ننسج الأكاذيب أو أن نزني — وعلى الخصوص أن نزني.»
فتمتم سارودين وهو يهز كتفيه للمرة الثانية: «يا له من رأي مبتكر.»
فسأله سانين وعلى نبرة صوته ظل خفيف من عدم الارتياح: «أتظن ذلك؟ إني لا أظنه! نعم. الأنذال كما قلت هم أشد من يتصورهم العقل إخلاصًا لأنهم لا يرون حدود الدناءة الإنسانية، ويسرني دائمًا على الخصوص أن أصافح نذلًا.»
ولم يكد يقولها حتى وضع يده في يد سارودين وهزها هزًّا عنيفًا وعينه محملقة في وجهه ثم قطب وقال بإيجاز فيه من سوء الأدب ما فيه: «عم مساء.» وانصرف عنه.
وظل سارودين برهة وهو جامد يرقبه ولا يدري على أي محمل يحمل مثل هذا الكلام من سانين، فحار وقلق ثم فكر في ليدا وابتسم: إن سانين أخوها وما قاله صحيح في الواقع. وأخذ يحس نوعًا من العلاقة الأخوية به، وقال لنفسه وقد استشعر الرضى عنها: «إنه لرجل ممتع!» كأنما سانين بعض ما يملك. ثم فتح البوابة واجتاز الفضاء المقمر إلى غرفته.
أما سانين فإنه لما بلغ البيت خلع ثيابه واستلقى على فراشه وحاول أن يقرأ «هكذا قال زردشت»١ وهو كتاب وجده في مكتبة ليدا، ولكن الصفحات الأولى كانت كافية لتزهيده فيه، وهو رجل لا يحرك نفسه مثل هذا الأسلوب المنتفح فبصق ورمى بالكتاب جانبًا وما عتم أنه أخذه النوم. هوامش
(١) اسم كتاب لنيتشه الفيلسوف الألماني المشهور. الفصل الرابع
كان الكولونيل «نيقولا بجوروفنش سفاروجتش» المقيم بهذه البلدة الصغيرة ينتظر وصول ابنه الطالب بمدرسة الصناعات في «موسكو»، وكان ابنه هذا تحت مراقبة البوليس فطردوه من موسكو لاشتباههم فيه ولظنهم أن بينه وبين الثوريين تواطؤًا.
وكان «يوري سفاروجتش» قد كتب إلى أبويه من قبل يبلغهما خبر القبض عليه وسجنه ستة شهور وطرده من العاصمة فتهيأ لأوبته.
ومع أن أباه نيقولا عد الأمر من أوله إلى آخره حماقة صبيانية إلا أنه تألم إذ كان مشغوفًا بابنه، فاستقبله فاتحًا له ذراعيه واجتنب أن يشير إلى هذا الموضوع المؤلم وكان «يوري» قد قضى يومين كاملين مسافرًا في الدرجة الثالثة، ولم تغتمض عيناه لحظة لفساد الهواء، ولما آذاه من كريه الروائح وصياح الأطفال فخارت قواه ولم يكد يحيي أباه وأخته لودميلا «ويسمونها في العادة لياليا» حتى استلقى على فراشه ونام.
ولم يستيقظ إلا مساء والشمس دانية من الأفق. نفذت أشعتها المائلة من زجاج النافذة ورسمت على جدران الغرفة مربعات وردية. وسمع يوري في الغرفة المجاورة صوت الملاعق والأكواب وصافحت أذنه ضحكة لياليا الجذلة وصوت رجل كذلك — لذيذ مصقول لا يعرفه.
وقام في نفسه ساعة استيقظ أنه ما زال في مركبة القطار وسمع ضوضاءه وصوت زجاج نوافذه والركاب في الجانب الثاني، غير أنه لم يلبث أن عرف أين هو الآن فاعتدل في فراشه وهو يتثاءب: «نعم هذا أنا هنا.»
ثم عبس وهو يزج أصابعه في شعره الكثيف الأسود القوي.
ثم خطر له أنه لم يكن ينبغي أن يعود إلى بيته ولقد تركوا له أن يختار مكانًا يقيم فيه فلماذا عاد إلى أبويه؟
لم يستطع أن يعلل ذلك.
واعتقد، أو شاء أن يعتقد أنه اختار المكان الذي خطر له. ولكن هذا لم يكن الواقع فإن يوري لم يضطر قط أن يكدح ليعيش، وكان أبوه لا يزال يمده بالمال وقد استهول أن يعيش وحده وبلا مورد بين قوم أغراب. وأخجله هذا الإحساس واستكره أن يعترف به لنفسه.
والآن خطر له أنه أخطأ. ويمكن أن يفهم أبواه حكايته كلها أو أن يكونا رأيا ما في قصته — هذا شيء واضح — وهناك إلى جانب هذا — المسألة المادية والأعوام العديدة الضائعة التي كلفت أباه. ومن شأن هذا أن يجعل من المستحيل حصول التفاهم الودي المتبادل. يضاف إلى ذلك أن الحياة خليقة أن تكون ثقيلة الإملال في هذه البلدة التي لم يرها منذ عامين. وكان يوري يعد أهل البلاد الريفية الصغيرة ضيقي العقول، عاجزين عن أن يدركوا أو يكترثوا لتلك المسائل الفلسفية والسياسية التي يراها الشيء المهم الوحيد في الحياة.
نهض يوري وفتح النافذة وأطل، وكان على طول جدار البيت حديقة زهر صغيرة يانعة من بين أحمر وأصفر وأزرق وقرمزي وأبيض، فكأنها الكليد سكوب١ ومن ورائها الحديقة الكبيرة الجهمة الممتدة إلى النهر كغيرها من حدائق هذه البلدة وهو يلتمع كالزجاج الخابي باديًا من خلال الأشجار. وكان المساء ساكنًا صافيًا وخالج يوري اكتئاب غامض، وكان قد طال مكثه وإلفه للمدن الكبيرة المشيدة بالأحجار، ومع أنه يحب أن يتوهم أنه يعشق الطبيعة فإنها لم تجد عليه بشيء: لا السلوى ولا سكون النفس ولا الانشراح، ولم تثر في صدره إلا حنينًا مبهمًا حالمًا مدنفًا.
ودخلت (لياليا) الغرفة وقالت: «آها. لقد قمت أخيرًا! وجاء قيامك في حينه.»
وكاد يوري — لثقل إحساسه بقلق مركزه وبشجى النهار — يقضي نحبه. ويضايقه مراح أخته وصوتها الطروب فسألها على غير انتظار: «بأي شيء سرورك هذا؟»
– «إنى لا أضجر!»
وفتحت عينيها وضحكت مرة أخرى كأنما أذكرها سؤال أخيها أمرًا ممتعًا وقالت: «وتصور سؤالك إياي ماذا يسرني؟ أنا لا أعرف السآمة. كلا، وليس عندي متسع من الوقت لهذا.»
ثم قالت بصوت وطيد وقد زهاها ما قالت: «إننا نعيش في أيام فيها من المتعة ما يجعل السآمة ذنبًا. وعندي العمال أعلمهم ثم المكتبة تستنفذ شطرًا عظيمًا من وقتي، فقد أنشأنا في غيابك مكتبة عامة وهي سائرة على منوال حسن.»
ولو أن هذا قيل له في أي وقت آخر لبعثه على الاهتمام ولكنه لم يكترث الآن لسبب ما.
وظلت لياليا جادة تنتظر انتظار الطفل ثناء أخيها.
فتمكن أخيرًا من أن يقول: «حقيقة؟» فقالت بصوت الراضي المطمئن: «إذا كان هذا كله أمامك فهل يسعك أن تمل!»
فلم يملك يوري أن يقول: «على كل حال أرى كل شيء يضجرني.»
فتظاهرت أخته بالاستياء وقالت: «ما ألطف هذا منك؟ إنه لم تمض عليك ساعتان في المنزل قضيتهما نائمًا ومع ذلك فقد ضجرت!»
فأجابها بلهجة فيها بعض الشموخ: «إن هذا ليس خطئي ولكنه سوء حظي.»
وظن أن من دلائل الذكاء السامي أن يضجر لا أن يسر.
فقالت متهكمة: «سوء حظك حقيقة! ها ها.»
وداعبته بكفها على خده: «ها ها.»
ولم يفطن يوري إلى أن مزاجه اعتدل وأن صوت لياليا الطروب ومراحها قد أماطا عن نفسه الكآبة التي كان يحسها حقيقة عميقة، ولم تكن لياليا تؤمن بكآبته هذه، ومن أجل هذا لم يقلقها ما قال.
ورفع يوري طرفه إليها وقال وعلى وجهه ابتسامة: «إني لا أعرف الجذل أبدًا.»
فضحكت منه «لياليا» كأنما كان قال ما يغري بالاستغراق في الضحك وقالت: «حسن جدًّا أيها «الفارس ذو الوجه العبوس» إذا لم تكن بالمنشرح فلست به. دعك من هذا وتعال معي لأعرفك بشاب فاتن تعال.»
وهزت يد أخيها وجرته معها وهي تضحك: «قفي. من هذا الشاب الفاتن؟»
– «خطيبي.»
قالت ذلك وهي فرحة مضطربة واستدارت بسرعة فانتفخ ثوبها.
وكان يوري يعلم من رسائل أبيه وأخته أن طبيبًا شابًّا نزل بالبلدة وأنه يخطب ودها ولكنه لم يكن يعلم أن خطبتهما صارت أمرًا واقعًا.
فقال وبه دهشة: «هل تعنين هذا حقًّا؟»
وخيل إليه أن من بواعث العجب أن يكون لأخته لياليا الصغيرة الحسناء النضرة عاشق وهي تكاد تكون طفلة، وأن توشك أن تصبح عروسًا وزوجة. وخالجه العطف على أخته والمرثية لها. فلف ذراعه حول خصرها ومضى معها إلى غرفة المائدة حيث كانت تلتمع آنية الشاي الصقيلة في ضوء المصباح، فألفى بجانب أبيه شابًّا وثيق التركيب، قوي معارف الوجه مليحها، حاد العينين براقهما إلا أنه ليس بالروسي في سحنته. وكانا جالسين إلى المائدة فوقف الشاب لما أقبل يوري بهيئة المتودد وقال: «قدميني إليه.»
فقالت لياليا متصنعة الوقار المضحك في إيمائها: «أناتول بافلوفتش ريازانتزيف؟»
فأضاف أناتول إلى قولها مازحًا بدوره: «وهو ينشد صداقتك وتسامحك.»
فتصافق الرجلان وهما صادقا الرغبة في التآخي، وكان من يراهما يقول إنهما يهمان بأن يتعانقا، ولكنهما كبحا نفسيهما واجتزآ بأن يتبادلا نظرات الود الصريحة.
قال ريازانتزيف لنفسه مندهشًا: «وهذا إذن أخوها؟»
فقد كان يتصور أن أخا لياليا القصيرة الجميلة الضحوك لا بد أن يكون قصيرًا جميلًا ضحوكًا مثلها. ولكن يوري كان على عكسها طويلًا نحيفًا أسمر وإن كان على هذا وسيمًا حسن الوجه.
ودار في نفس يوري وهو ينظر إلى ريازانتزيف هذا الحديث: «وهذا إذن الرجل الذي يحب المرأة في شخص أختي الصغيرة لياليا النضيرة الجميلة كالفجر في الربيع، يحبها كما أحببت أنا النساء.»
وآلمه لسبب ما، أن ينظر إلى لياليا وريازانتزيف، كأنما أشفق أن يقرأ خواطره.
وأحس الرجلان أن في نفس كل منهما كلامًا مهمًّا يجب أن يقوله لصاحبه.
وود يوري لو استطاع أن يسأله: «أتحب لياليا؟ حبًّا صادقًا حقيقيًّا؟ إن الأمر يكون محزنًا بل عارًا إذا أنت خنتها فهي نقية الذيل بريئة العهد.»
وإذن لود ريازانتزيف لو يجيبه هكذا: «نعم أحب أختك حبًّا عميقًا. ومن ذا الذي يستطيع ألا يحبها؟ انظر كيف نقاؤها وحلاوتها وفتنتها! وتأمل كيف تحبني! ما أحلى خدها!»
ولكن يوري لم يسأله شيئًا وسأله ريازانتزيف: «هل طردت إلى أمد طويل؟»
فكان جواب يوري: «لخمس سنوات.»
وكان أبوه نيقولا يقطع الغرفة جيئة وذهوبًا، فلما سمع منه هذا وقف برهة ثم تنبه وعاد إلى سيره بخطى الجندي المتزنة المنتظمة، وكان يجهل تفاصيل نفي ابنه فصدمه هذا النبأ الذي لم يكن يتوقعه، وقال لنفسه: «ترى ما معنى هذا كله؟»
ولم يفت لياليا مدلول هذه الحركة من أبيها وكانت تخشى أن تقع المشادة بينه وبين أخيها فحاولت أن تغير الحديث وقالت لنفسها: «كيف بلغ من حمقي أن أنسى أن أنبه أناتول؟»
ولكن ريازانتزيف لم يكن يدري حقيقة الأمر ولما دعته لياليا أن يتناول بعض الشاي أجابها إلى ذلك ثم عاد إلى مساءلة يوري: «وماذا تنوي أن تصنع الآن؟»
فقطب نيقولا وجهه ولم يزد.
وأدرك يوري معنى صمت أبيه، وقال متحديًا له قبل أن يفكر في عواقب جوابه: «لا شيء في الوقت الحاضر.»
فسأله نيقولا ووقف: «ماذا تعني بلا شيء.» ولم يرفع صوته ولكن لهجته كانت تحمل في ثناياها تأنيبًا مستورًا مؤداه: «كيف تقول مثل هذا الكلام؟ أمكره أنا دائمًا أن أتركك معلقًا بعنقي؟ كيف تنسى أني شيخ هرم، وأنه آن أن يكون لك مرتزق؟ لست أقول شيئًا. عش كما بدا لك، ولكن ألا تستطيع أن تفهم؟»
وعلى قدر إحساس يوري بأن أباه على حق فيما يجري بخاطره كان استياؤه فقال وهو محنق: «نعم لا شيء. ماذا تنتظر أن أصنع؟»
وهم نيقولا أن يكر عليه بجواب مؤلم ولكنه لم ينبس ولم يزد على أن هز كتفيه وعاود خطاه المنتظمة من ركن إلى ركن، وكان أحسن أدبًا من أن ينازع ابنه في يوم أوبته.
وراقبه يوري بعينين متقدتين وهو لا يكاد يضبط نفسه، فلو سنحت له أضأل فرصة لنازل أباه.
وكادت لياليا تبكي وجعلت تنقل لحظها بين أخيها وأبيها مستعطفة راجية.
وفطن ريازانتزيف أخيرًا إلى الأمر، وأدركه العطف على لياليا فحول الحديث إلى مجرى آخر تحويلًا ليس فيه حذق ولا خفة.
وزحف الليل بطيئًا ثقيلًا.
وكان يوري لا يريد أن يعترف بأنه ملوم، إذ كان لا يشايع أباه على أنه لم يكن من شأنه أن يشتغل بالسياسة.
وذهب يعد أباه عاجزًا عن فهم أبسط الأشياء لأنه هرم غبي وأخذ يلومه من حيث لا يشعر على شيخوخته وآرائه العتيقة وراح تهيجه منه وتستفزه هذه الآراء.
ولم يلتذ ما طرقه ريازانتزيف من الأحاديث، بل لم يكد يلقي إليه سمعه وجعل يرصد أباه بعين لامعة مظلمة.
ولما جاء وقت العشاء دخل نوفيكوف وإيفانوف وسمينوف.
وكان سمينوف طالبًا مصدورًا يعيش منذ شهور في البلدة حيث يدرس وهو نحيف دميم ضعيف، وعلى وجهه الذي أدركه الهرم قبل الأوان ظل الموت الزاحف. أما إيفانوف فمدرس، وهو رجل مجتوي طويل الشعر، عريض الكتفين لا تروقك شمائله.
وكانوا يتمشون في الشارع فسمعوا أن يوري عاد فوفدوا لتحيته، وصار المجلس بهم أنيسًا وكثر الضحك والمزاح، ودارت على الأكل الكئوس والأقداح وبذهم إيفانوف في هذا الباب.
أما نوفيكوف فإنه في الأيام التالية لخطبته المنحوسة لليدا هدأت نفسه قليلًا وخطر له أن تأبي ليدا قد يكون عارضًا، وهو على كل حال خطأ تلزمه تبعته، فقد كان ينبغي أن يعدها لمثل هذه المكاشفة، ولما كان يؤلمه مع ذلك أنه يزور أسرة سانين فقد جعل يتوخى أن يلاقي ليدا خارج بيتها — في الطريق أو في منزل صديق له ولها — وجعلت هي ترثي له وتنحي باللائمة على نفسها واندفعت لذلك تبالغ في ملاطفته، فتجدد الأمل في نفس نوفيكوف.
ولما هموا بالانصراف قال نوفيكوف: «ما قولكم في هذا؟ أقترح أن نخرج إلى الدير.»
وهذا الدير قائم على تل غير بعيد من البلدة، وإليه يذهب الناس كثيرًا طلبًا للنزهة وهو قريب من النهر والطريق إليه حسن.
فارتاحت لياليا إلى الفكرة وحمست لها، وكانت ولوعة بكل أنواع الملاهي من استحمام وتجديف وسير في الغابات وقالت: «نعم لنذهب. نعم بلا شك ولكن متى يكون هذا؟»
فقال نوفيكوف: «لماذا لا نذهب غدًا؟»
وسأل ريازنتزيف: «ومن ندعو غيرنا؟»
وسره أن يخرج إلى الهواء الطلق ليهيأ له من بين الأشجار أن يضم لياليا بين ذراعيه وأن يقبلها، وأن يحس أن الجسم الحلو الذي يشتهيه أدنى شيء إليه: «دعونا نفكر. نحن ستة. ما قولكم في شافروف؟»
فسأل يوري: «من يكون هذا؟»
– «طالب شاب.»
– «حسن جدًّا. وعلى «لود مللا نيقولايفنا» أن تدعو كارسافينا وأولغا إيفانوفنا.»
فسأل يوري مرة أخرى: «من هذان؟»
فضحكت لياليا وقالت: «سنرى» ولثمت أطراف أصابعها ونظرت إليه كأنما في الأمر سر.
فقال يوري مبتسمًا: «آها! حسن. سنرى ما سنرى.»
وبعد تردد قال نوفيكوف بغير اكتراث: «ولا بأس من أن ندعو أسرة سانين أيضًا.»
فصاحت لياليا: «آه لا بد لنا من ليدا.» ولم يكن ذلك منها عن إيثار خاص لليدا، بل لأنها تعلم حب نوفيكوف لها وتريد أن تدخل السرور على قلبه، وهي سعيدة بحبها تود أن يسعد من حولها مثلها.
فلاحظ إيفانوف بخبث: «إذن يتحتم أن ندعو الضباط كذلك.»
– «ماذا يهم؟ لندعهم. فكلما كثر العدد زاد السرور.»
ووقفوا جميعًا أمام الباب في ضوء القمر وقالت لياليا: «ما أجمل الليل!»
ودنت من حبيبها وهي لا تشعر وكانت لا تريد أن يفارقها الآن.
فضغط ريازانتزيف ذراعها الدافئ المفتول. وقال: «نعم إنها ليلة بديعة.»
وكان لهذه الألفاظ البسيطة معنى لا يدركه غيرهما.
فقال إيفانوف بصوته الضخم العميق: «ويحكم أنتم وليلتكم. إن النوم يغالبني فعموا مساء يا سادتي.»
ومضى مخترقا للشارع وجعل يطوح بذراعين كذراعي الطاحون.
وتلاه نوفيكوف وسمينوف، وظل ريازانتزيف لحظة طويلة يودع لياليا متخذًا من الكلام على النزهة حجة له وعذرًا.
ثم قالت لياليا لأخيها بعد أن ودعها حبيبها: «والآن يجب أن نذهب نحن أيضًا.»
وأصعدت زفرة أسف على الانكفاء عن الليل المقمر والنسيم المترقرق في حواشي الظلام وكل ما يطلبه جمالها وشبابها.
وذكر يوري أن أباه لم يذهب إلى مخدعه بعد. وخاف إذا هو لقيه ألا يلقيا بدًّا من الكلام الجارح الذي لا خير فيه.
فقال وعيناه قيد الضباب الأزرق الخفيف حوالي النهر: «كلا لا أريد النوم. وسأتمشى قليلًا.»
فقالت له لياليا بصوتها الرقيق الحلو: «كما تحب.»
ومطت أعضاءها وثنت جفونها قليلًا كالقطة، ومنحت القمر ابتسامة ودخلت.
ولبث يوري دقائق في مكانه يرصد الظلال الكثيفة التي ترميها المنازل والأشجار، ثم مضى على سمث سمينوف.
ولم يكن سمينوف قد أبعد فقد كان مشيه بطيئًا وكان ينحني كلما سعل. وفي أثره ظله يطارده على الطريق المقمر، فأدركه يوري ولم تلبث عينه أن أخذت ما طرأ عليه من التغيير، فقد كان سيمينوف أثناء العشاء يضحك ويمزح، كما لم يضحك سواه، ولكنه الآن يمشي مكتئبًا غارقًا في نفسه وفي سعلته الجوفاء شيء من اليأس والوعيد، كالداء الذي يخامره فقال بصوت رأى فيه يوري نفورًا: «أهذا أنت؟»
– «لم أطلب النوم إذا سمحت رافقتك.»
فقال سمينوف بدون احتفال: «نعم. افعل.»
وسأله يوري: «ألا تحس البرد؟» وإنما سأله لأن هذا السعال المزعج نبه أعصابه.
فأجابه متضايقًا: «إني دائمًا بردان.»
وتألم يوري كأنه كان تعمد أن يلمس جرحًا داميًا. وقال: «هل تركت الجامعة منذ زمن طويل؟»
فلم يجب سمينوف مباشرة وقال بعد برهة: «زمن طويل.»
فشرع يوري يحدثه عن إحساس الطلبة، وما يعدونه جوهريًّا مهمًّا وكان يتكلم في أول الأمر بهدوء وسكون، ولكنه أرسل نفسه على سجيتها وحمس تدريجيًّا وأجاد الإعراب عن خواطره.
ولم يقل سمينوف شيئًا وإنما أصغى.
ثم أخذ يوري يندب عدم وجود الروح الثورية بين الجماهير، وكان من الواضح الجلي أنه يتألم من ذلك أعمق الألم.
ثم سأله صاحبه: «هل قرأت آخر خطبة ألقاها بيل؟»
– «نعم قرأتها.»
– «ما قولك فيها؟»
فلوح سمينوف بعصاه تلويح المتضايق، وكان لها رأس ملتوٍ وحاكاه خياله فرفع ذراعًا طويلة سوداء ثم وضعها فمثلت لذهن يوري صورة أجنحة سوداء يخفق بها طير جارح ثائر.
ولوح بعصاه وحاكاه ظله.
ورأى سمينوف ذلك في هذه المرة فقال: «انظر! ها هنا ورائي يقف الموت يرصد مني كل حركة! ما أنا وبيل؟ إن هو إلا ثرثارة يهذي في هذا. وسيجيء مائق غيره يهذر عن ذلك. وسواء على هذا وذلك؟ وإذا لم أمت اليوم فسأموت غدًا.»
فلم يجب يوري واضطرب وتألم.
ومضى سمينوف في كلامه: «وأنت مثلًا تحسب هذا الذي يجرى في الجامعة وما يقوله بيل مهمًّا، ولكن الذي أراه هو أنك إذا أيقنت — كما أنا موقن — أنك ستموت، فلن تكترث لما يقوله بيل أو نيتشة أو تولستوي أو غير هؤلاء.»
وصمت سمينوف وكان القمر لا يزال بريق ضوئه خلف الرفيقين الخيال الأسود يتعقبهما.
ثم قال سمينوف فجأة بصوت آخر هزيل شاك: «إني مقضي علي … ولو كنت تدري كيف فزعي من الموت … لا سيما في ليلة قمراء رقيقة الحواشي كهذه.»
ولفت إلى يوري وجهه الدميم الغائر العينين اللامعهما: «كل شيء يحيا. أما أنا فلا بد أن أموت. وإني على يقين من أن هذا الكلام لا يقع من نفسك إلا موقع القول المبتذل — لا بد أن أموت — ولكني لم أقتبسه من رواية ولا أخذته من كتاب يطالعك أسلوبه بصدق الفن وبراعة التصوير، إني حقيقة سأموت، وهذه الألفاظ في مسمعي غير مبتذلة. وستكف يومًا عن حسبانها كذلك. إني أموت … أموت وسيقضى الأمر.»
وسعل سمينوف مرة أخرى وقال: «وكثيرًا ما يخطر لي أن الظلام سيشتمل علي بعد قليل وإني سأدفن في الأرض الباردة، وأن أنفي سيغور في وجهي وتتعفن يداي، على حين يبقى كل شيء في الدنيا كما هو الآن، إذ أمشي على طهرها حيًّا، وستكون حيًّا وتستنشق النسيم وتسبح في ضوء القمر وتمر بالقبر الذي يضم عظامي النخرة الشنيعة البلى. ماذا تظنني أعبأ ببيل أو تولستوي أو بمليون آخر من هذه القرود الهاذرة.»
وكان يوري أشد اكتئابًا من أن يسعه أن يرد.
ثم قال سمينوف بصوت ضعيف خافت: «عم مساء فسأدخل البيت.»
فهز يوري يده وأدركه العطف الشديد على هذا الرجل الخاوي الصدر، المستدير الكتفين، ذي العصا العوجاء المتدلية من عروة معطفه، وكان بوده لو استطاع أن يعزيه وأن يبعث فيه الأمل. ولكنه أحس أن هذا مستحيل فلم يزد على: «عم مساء.» وتنهد.
ورفع سمينوف قبعته وفتح الباب وتضاءل وقع قدمه، وخفت صوت سعاله ثم عاد كل شيء ساكنًا.
ورجع يوري يستقبل من طريقه ما استدبر وقد ماتت الدنيا في عينه — مات كل ما كان منذ نصف ساعة فقط، وضيئًا جميلًا ساكنًا — ضوء القمر ونجوم السماء والأشجار الفضية الروعة والظلال الغريبة — وطالعه من كل هاتيك برد القبر وفظاعته وهوله.
ولما بلغ البيت قصد إلى غرفته وفتح النافذة المطلة على الحديقة، فجرى بذهنه لأول مرة في حياته: أن كل ما استغرق حواسه ومدراكه وأظهر في سبيله من الحماسة والإيثار ما أظهر، ليس في الواقع بالمهم ولا بالصواب. وإذا رفف الموت فوقه يومًا مثل سمينوف فلن يقطع قلبه الأسف على أن جهوده لم تزد الناس سعادة ولن يحزنه أن مثله العليا لم تتحقق. وإنما يكون حزنه لأنه سيموت ويحرم النظر والاحساس والسمع قبل أن يتاح له أن يذوق كل مسرات الحياة ولذاتها.
ولكن هذا الخاطر أخجله فنحاه عن فكره وأخذ ينشد تعليل ذلك.
الحياة جهاد
«نعم ولكن جهاد في سبيل من، إن لم يكن في سبيل الذات، ومكان المرء تحت الشمس؟»
هكذا قال له صوت من داخل نفسه.
فتظاهر يوري بأنه لم يسمعه وحاول أن يفكر في أمر آخر، ولكن ذهنه كان يكر راجعًا إلى هذه الفكرة بلا انقطاع. فعذبه هذا حتى لقد أبكاه بكاء مرًّا.
هوامش
(١) مسطرة في أحد طرفيها قطع ملونة يتألف منها شكل جديد كلما هززتها. الفصل الخامس
لما تلقت ليدا بتروفنا دعوة لياليا أطلعت أخاها عليها وكانت تتوقع منه أن يرفضها. بل كانت ترجو ذلك لأنها تعلم أنها هناك على النهر ستكون قريبة من سارودين فيعاودها ذلك الإحساس الجامع بين اللذة والقلق، وأخجلها في الوقت نفسه أن يعلم أخوها أنها تحب — دون خلق الله — سارودين الذي يحتقره سانين من أعماق قلبه.
ولكن سانين قبل الدعوة مسرورًا.
وكان اليوم بديعًا وضيئًا، لا تضمر شمسه السحب، فلم يسع ليدا إلا أن تقول: «لا شك أنه سيكون هناك بضع فتيات حسان قد يعنيك أن تعرفهن؟»
– «آه. هذا حسن. والجو كذلك رائق. فلنذهب.»
ولما جاء موعد الذهاب حضر سارودين وتاناروف في مركبة كبيرة من مركبات فرقتهما، يجرها جوادان ضخمان من جيادها.
وكان سارودين في ثياب بيضاء معطرة فقال: «ليدا بتروفنا، إننا في انتظارك.»
وكانت ليدا في ثوب رقيق شفاف من المخمل الوردي، مشدود على خاصرتها فانحدرت إليهما ومدت إلى سارودين كلتا يديها فأمسك بهما لحظة وعينه جائلة في جسمها مفتونة به.
فنالت منها هذه النظرة التي تعرف معناها واضطربت لها فصاحت: «فلنذهب. فلنذهب.»
وسرعان ما عدت بهم المركبة في الطريق المهجور بين السهوب، وكانت أغيصان التبت تنثني تحت العجلات ويهب النسيم على رءوس أخواتها فتموج وتترنح. ولما جاوزوا البلدة أدركوا مركبة أخرى تقل لياليا ويوري وريازانتزيف ونوفيكوف وإيفانوف وسمينوف متكدسين متزاحمين وإن كانوا على هذا جذلين مبتهجين، إلا يوري، فقد حيره سلوك سمينوف بعد حديث البارحة ولم يستطع أن يفهم كيف يتهيأ له أن يضحك ويمرح كغيره واستغرب منه هذا المرح بعد الذي سمعه وجعل يسأل نفسه: «هل كل هذا تصنع؟» ويسارقه النظر إلا أنه أحجم عن هذا التفسير لما يبدو له من حال سمينوف.
وتبادلت المركبتان الفكاهة والدعابة، ووثب نوفيكوف عن مقعده إلى الأرض وراح يسابق ليدا على الحشائش وكأنهما آليا أن يتظاهرا بأنهما خير الأصدقاء فقد جعلا يتداعبان طول الوقت.
وقاربوا التل القائم على ذروته الدير بقبابه اللامعة وجدرانه البيضاء، وعلى التل غابات تخال أطراف بلوطها من الصوف، وإلى سفحه جزائر يتدفق حولها، النهر وفيها أشجار البلوط قائمة.
ومالت الخيل عن الطريق إلى الأرض اللينة وجعلت العجلات تحفر فيها أخاديد عميقة وسطع الأنوف من الأرض والأوراق الخضراء عرف ذكي.
وكان ينتظرهم في الموعد المضروب على المرج طالب وفتاتان في ثياب «الروسيا الفتاة» وكانوا جالسين على بساط الروض، وإذا كانوا أسبق من سواهم فقد اشتغلوا بإعداد الشاي والمرطبات الخفيفة.
ووقفت المركبة وجعلت الخيل تنفخ وتذود الذباب بذيولها ووثب كل من فيها عنها، وقد أنعشهم الركوب وهواء الريف النقي، وطفقت لياليا تقبل الفتاتين اللتين تعدان الشاي قبلات رنانة، وقدمتهما إلى أخيها وإلى سانين فجعلتا تتأملانه في خجل.
وأدركت ليدا أن الرجلين لا يعرف أحدهما الآخر، فقالت ليوري: «اسمح لي أن أقدم إليك أخي سانين فلاديمير.»
فابتسم سانين وصافحه.
ولكن يوري لم يكد يلتفت إليه.
وكان سانين امرأ يلذه كل إنسان فهو لهذا مرتاح إلى معرفة الناس.
ولكن يوري كان يذهب إلى أن الناس قل أن يكون فيهم من يطيب مخبره. ومن أجل ذلك كان يزهد في لقاء الغرباء وكان إيفانوف يعرف سانين قليلًا وقد راقه ما سمعه عنه فذهب إليه قبل سواه، وأخذ يحادثه وصافحه سمينوف محتفلًا.
وقالت لياليا: «الآن نستطيع أن نتمتع جميعًا بعد هذه الرسميات المتعبة.»
ولكن الكلفة ألقت ظلها على الجميع في أول الأمر، إذ كان كثيرون منهم لم يسبق لبعضهم ببعض عهد، فلما شرعوا يأكلون وأصاب الرجال من الأشربة والنساء من النبيذ لم تلبث الكلفة أن أخلت الميدان للمرح، فشربوا كثيرًا وكثر الضحك والمزاح وتسابق البعض وصعد الآخرون على التل، وكان كل ما حولهم من السكون والوضاءة والغابات الخضراء من الجمال بحيث لا يتأتى للكآبة أن تبسط ظلها على نفوسهم.
وقال ريازانتزيف وهو يلهث ووجهه متقد: «لو أن كل امرئ وثب وجرى على هذا النحو لاختفت تسعة أعشار الأمراض من العالم …»
فزادت لياليا: «والرذائل أيضًا.»
وقال إيفانوف: «أما من حيث الرذائل فسيبقى منها الكفاية دائمًا.»
ومع أنه لم ير أحد أن في هذا القول فكاهة أو سدادًا فقد ضحكوا جميعًا.
ومالت الشمس للمغيب وهم يشربون الشاي وتوهج النهر ونفذت أشعة النور الدافئة الحمراء من خلل الأشجار.
وصاحت بهم ليدا: «والآن إلى الزورق.»
وأمسكت بثوبها وانحدرت إلى الشاطئ وقالت: «من يكون أول واصل إليه؟»
فعدا بعضهم وراءها وتبعهم الباقون على مهل وبلغوا جميعًا الزروق الكبير المنقوش ضاحكين.
فقالت ليدا بصوت الآمر الطروب: «اخرجوا به.»
فاندفع الزورق عن الشاطئ وخلف وراءه على سطح الماء خطين عريضين لم يلبثا أن تكسرا على حافة النهر.
وسألت ليدا يوري: «ما لك صامتًا.»
فابتسم وقال: «ليس عندي شيء أقوله.»
– «مستحيل!»
ومطَّت أرقَّ شفتين ورمت رأسها إلى ظهرها فعل من يعلم أن الرجال لا يدرون لسحرها من رقية.
فقال سمينوف: «إن يوري لا يحب أن يهذر. وهو يطلب.»
فقاطعته ليدا: «موضوعا جديًّا؟ أهذا ما يريد؟»
وقال سارودين وأشار إلى الشاطئ انظروا: «هذا موضوع جدي.»
وكان على صخور الشاطئ بين جذوع شجرة بلوط عتيقة معقدة مدخل ضيق تغطيه إلا قلة من الحشائش والأكلاء.
فسأل شافروف وكان لا يعرف هذه الناحية: «ما هذا؟»
فأجاب إيفانوف: «غار.»
«أي نوع من الغيران هذا؟»
– «علم هذا عند الشيطان! على أنهم يقولون إنه كان في وقت من الأوقات مثوى نفر من مزيفي النقود قبض عليهم جميعًا كما هي العادة. أعمال خطرة أليس كذلك؟»
فقال نوفيكوف: «أظنك تود أن تضرب على هذا القالب وأن تزيف قطعًا من فئة العشرين كوبيك؟»
فقال إيفانوف: «كوبيك؟ كلا! الروبلات يا صديقي الروبلات!»
فهمهم سارودين وهز كتفيه وكان لا يحب إيفانوف ولا يفهم نكاته.
وعاد إيفانوف إلى قصته فقال: «نعم قبضوا عليهم جميعًا وامتلأ الغار ثم تداعى على الأيام وليس يغشاه الآن أحد. بيد أنه مكان لذيذ.»
فصاحت ليدا: «لذيذ؟ أحسبه كذلك.»
وقال يوري: «فكتور سرجفتش. هلم إليه إنك أحد الشجعان المغاوير.»
فسأله سارودين وقد ارتبك: «لماذا؟»
فقال يوري وقد أخجله أن يظنوا به المباهاة الكاذبة: سأفعل وشجعه إيفانوف فقال: «إنه لمكان عجيب.»
فسأله نوفيكوف: «أذاهب أنت أيضًا؟»
– «كلا إني أفضل البقاء هنا.»
فضحكوا منه جميعًا.
ودنا الزوق من الشاطئ.
وهبت على رءوسهم من الغار موجة هواء باردة.
وحاولت لياليا أن تحمل أخاها على العدول فقالت: «ناشدتك الله لا تفعل! إن هذا خرق حقيقة.»
فقال يوري مبتسمًا: «خرق نعم بلا شك! ناولني يا سمينوف هذه الشمعة.»
– «أين هي؟»
– «خلفك. في السلة.»
فأخرج سمينوف الشمعة متريثًا.
وسألته فتاة طويلة بديعة القوام رائعة التناسب: «أذاهب أنت حقيقة؟»
وكانت لياليا تسميها «سينا» ولقبها كرسافينا.
– «بلا شك. لماذا لا أذهب؟»
وتظاهر بعدم الاكتراث. وذكر أنه فعل مثل هذا مرة في بعض مخاطراته السياسية ولم تقع هذه الذكرى موقعًا حسنًا من نفسه لأمر ما.
وكان مدخل الغار رطبًا مظلمًا ونظر فيه سانين وانفرجت شفتاه عن «برررر» واستسخف من يوري أن يرتاد مكانًا خطرًا يكرب النفس لا لسبب سوى أن الناس يشهدونه وهو يفعل ذلك.
وكان يوري شديد الإحساس بنفسه فأوقد الشمعة وهو يقول لنفسه: «إني أعالج ما يضحك مني الناس أليس كذلك؟»
ولكن الواقع أنه بدل أن يثير سخرهم فاز بالإعجاب ولا سيما من النساء اللواتي راقهن منه ذلك وأعجبهن إلى حد الإزعاج.
وتمهل يوري إلى أن أضاءت الشمعة ثم ضحك تفاديًا من التضاحك وغاب في ظلام الغار وكأنما اختفى النور معه فقلقوا عليه وودوا لو يعرفون ماذا عسى أن يقع له.
وصاح به ريازانتزيف: «احذر الذئاب.»
فتهدى إليه من جوف الغار صوت ضعيف غريب يقول: «لا خوف فإن معي مسدسًا.»
تقدم يوري في بطء وحذر وكانت جوانب الغار قصيرة وعرة رطبة والأرض من الوعوثة وعدم الاستواء بحيث كادت تزل به قدمه مرتين في جحر وخطر له أن الأحجى أن يعود وأن يبقى مكانه برهة ليؤاتيه أن يدعي أنه توغل.
وفجأة وقع أقدام وراءه تخطو على الطين البليل ونفس مسرع فرفع يده بالشمعة وصاح مذهولًا: «سينا كرسافينا.»
– «هي بعينها» وأمسكت بثوبها وتخطت الجحر بخفة.
وسر يوري أن تكون هذه الفتاة الجميلة هي التي جاءت فحياها بعينين ضاحكتين.
وقالت سينا وهي خجلة: «دعنا نتقدم.»
فأطاع يوري ولم يعد تزعجه فكرة الخطر الآن.
وأخذ يعنى بإثارة الطريق لرفيقته ولمح مخارج عديدة كلها قد سدت ورأى في ركن بضع ألواح من الخشب يحسبها الرائي آثار نعش قديم.
فقال يوري وخفض صوته وهو لا يدري: «ليس بالممتع جدًّا …»
وأخذ نفسه الضيق في جوف هذه الكتلة الأرضية.
فهمست سينا: «بلى إنها لممتعة.»
والتفتت حولها فالتمعت عيناها في ضوء الشمعة. وكانت مضطربة فتوخت أن تكون قريبة منه ليحميها، ولاحظ هو ذلك وأدركه العطف على رفيقته الجميلة الضعيفة.
وعادت إلى الكلام: «لكأن المرء هنا مدفون حيًّا. وإذا صرخنا لم يسمعنا أحد.»
فقال ضاحكًا: «لا شك.»
وطاف برأسه فجأة خاطر دار له ذهنه؛ أن هذه الفتاة الجميلة النضيرة المشتهاة في قبضة يده وتحت رحمته، وليس من يراهما أو يسمعهما، ولكن هذا الخاطر من الدناءة بحيث لا سبيل إلى وصفه فأسرع فنفاه وقال: «ولنفرض أننا جربنا؟»
وارتعش صوته. أتراها أدركت ما دار بذهنه؟
فقالت: «نجرب ماذا؟»
قال: «إني أطلقت مسدسي؟» وأخرجه.
قالت: «هل تسقط الأرض علينا؟»
قال: «لا أدري.»
وإن كان على يقين من أنه لن يحدث شيء من هذا ثم قال: «أخائفة؟»
قالت: «لا لا! أطلق!»
وتراجعت خطوة أو بعض خطوة، ومد ذراعه بالمسدس وأطلقه فأبرق المكان ولفتهما سحابة من الدخان وتجاوبت الأصداء ثم فنيت تدريجيًّا.
فقال يوري: هذا كل ما حدث.
قالت: «دعنا نرجع.»
فعادا أدراجهما وسارت أمامه فأثار منظر ردفيها المكتنزين المستديرين في ذهنة خواطر جنسية كان من الصعب عليه أن يغض عنها، فقال بصوت مضطرب: «اسمعي يا سينا. إني أريد أن أسألك سؤالًا سيكولوجيًّا لطيفًا: كيف لم تخافي أن تأتي إلى هنا معي؟ لقد قلت إننا لو صرخنا لما سمعنا أحد. وأنت لا تعرفين عني شيئًا على الإطلاق!»
فخجلت في الظلام وصمتت ثم قالت أخيرًا بصوت خافت: «لأني رأيت أنك يمكن الثقة بك.»
قال: «وافرضي أنك كنت مخطئة؟»
فقالت بصوت لا يكاد يسمع: «إذا كنت … أغرق نفسي.»
فملأته هذه الألفاظ عطفًا وسكنت نزعاته واطمأنت نفسه.
وقال لنفسه: «ما أطيبها من فتاة.»
ووقعت منه أعظم وقع عفتها البسيطة الصريحة.
وزهاها ردها عليه وأرضتها موافقته الصامتة عنه، فابتسمت له لما عاد إلى مدخل الغار. على أنها كانت تعجب لماذا لم تر في سؤاله ما يسوء أو يفضح ولماذا ارتاحت إليه على العكس من ذلك؟