(4)
نهض الماوردي.. وما زال وجهه يحمل بعض ما تبقى من طبقات النوم التي لم تفارقه بعد. وكأنها الكلس الرطب. تطلع عبر النافذة فرأى مزيجاً بشرياً متنوعاً باختلافاته. هنود وعرب وأفارقة وصينيون وفيتناميون وأوروبيون وأمريكيون لاتينيون و باكستانيون وإيرانيون وأتراك. كأنه يعرف ذلك من خلال قراءة الوجوه بالفراسة. كل وجه يحمل جغرافية البلد الذي ينتمي إليه.
ها أنتَ يا ماوردي بين بشر من كل القارات. قالها وهو يتأمل المباني المنتشرة في هذا المكان القديم الذي كانت تبنى فيه السفن. والكبير في مساحته التي تضم بشر المنافي هؤلاء. كانت الساعة تقارب التاسعة مساءً.. لكن الشمس لم تزل ترمي بخيوطها على شرشف الأفق، وكأنها لا تريد مغادرة هذا المكان، كي لا يشعر الغرباء بالوحشة والنفي والعزلة عن تلك الأوطان التي قذفت بهم إلى المجهول.
"قد تكون ساعتي هي التي أخطأت التوقيت!"
قالها الماوردي وهو في الطريق إلى غرفة المرشد المسؤول عن المعسكر، والذي بدأ يرافقه بهدف التعرف على المطعم وغرفة الطبابة والملاعب وقاعة الاجتماعات والمرافق الخاصة بغسيل الثياب والدراسة والرياضة. إلا أن مسؤول الصليب الأحمر، طمأنه على صحة توقيت ساعته تماماً. فالشمس لا تغرب أيام الصيف في بلاد الاسكندناف، إلا في ساعات متأخرة جداً، قد تبلغ منتصف الليل. وهذا ما راح يصدقه الماوردي بالتدريج، على الرغم من أنه كان يقوم بتكذيبه داخل نفسه أثناء مطالعاته للكتب المدرسية في الماضي.
- ماذا بعد.. وبلاد جلالة الملكة هنا، تمنحنا وقتاً إضافياً من الشمس التي فقدناها هناك؟
- ولكن حرارة الشمس التي كانت لدينا هناك، أقوى من هذه الهاهنا.
- ها أنت تبدو متحزباً وعنصرياً لشمس الشرق يا ماوردي؟
- كلا. ولكن النظام الكوني هو من يقرر ذلك. فنحن في بلداننا ضحية مزدوجة للمناخ والسلطات التي تكاد تجفف الدم في الأوردة والشرايين. بعد أن فقدت أحلامنا كل إيقاع.
- لكنك الآن مع أحلامك يا ماوردي. وكل هؤلاء الذين أمامك ومن حولك هم من ضحايا القمع والإرهاب والدكتاتوريات والحروب القذرة. الجميع هارب من الجحيم. السياسيون الذين تطاردهم حكوماتهم. الكتاب والمثقفون الذين لم يستنشقوا هواء الحرية. المعارضون للحروب والدماء والعنف. الفقراء الذين جعلت الأنظمة من جلودهم الأحذية والسياط. كل هؤلاء معك يا ماوردي. قضيتك وقضيتهم واحدة. ونضالك ونضالهم مشترك. هؤلاء سيصنعون التاريخ الديمقراطي الجديد في بلدانهم مستقبلاً.
لم تكن ليالي الصيف في الساندهولم مملة. فالعتمة شفافة إلى حد عدم الشعور بغياب النهار. والبشر في مثل هذا الصيف التموزي، يفترشون عشب الحدائق ومقاعدها، أو يمارسون ركوب الدراجات واللعب بالورق والشطرنج وطاولة النرد ومختلف الألعاب الرياضية. هذا إلى جانب الصالة التي توفر للمشاهدين متعة رؤية ما يبثه التلفزيون من برامج ومسلسلات وأفلام. أما بعد تناول وجبة الغداء، فترى الأغلبية من سكان المعسكر وهم ينزحون إلى مدينة مجاورة للتبضع أو النزهة وقضاء بعض الوقت في الأسواق و التمتع برؤية النساء الشقراوات. إنها العادة اليومية التي يمارسها الجميع بلا استثناء. فالمواطن الأجنبي هنا، يتمتع بكل وقته. داخل وخارج المعسكر. وقبل حصوله على إذن الإقامة المؤقتة حتى.لم تمض عشرة أيام على وجود الماوردي في المعسكر، حتى بدأت عيناه تلتقط الصور المصغرة، لتقوم بتخزينها في الذاكرة. ربما للذكرى على سبيل المثال.. وبدأ العالم الجديد بالتفتح في الرأس شيئاً فشيئاً.
"لا يمكن أن تنمو خارج هذا الأصيص المزدحم بالأزهار السوداء والملونة يا ماوردي."
"بأية طريقة يمكن قياس انتماء المخلوقات البشرية إلى بعضها البعض؟"
كانت كاميرا العين تزداد نشاطاً، وتفتحاً واقتحاماً للمشاهد في معسكر الساندهولم. كل شيء يكبر، وكأنه يملك قراراً بعدم الانكماش. أحزان الناس. تفاهات بعضهم. جنون آخرين. مخالفات زمر الوقاحة والاعتداء وتجاوز القوانين والتمرد عليها. أجل ففي كل يوم يزداد تراكم الصور في الذهن. أحداث متفرقة. معارك هامشية هنا وهناك. تحطيم الأثاث الموجود في القاعات والغرف. تهريب الأطعمة والمواد الغذائية إلى خارج الأسوار. المشاكسات مع موظفي وموظفات الصليب الأحمر ورجال البوليس. الضرب و الاعتداءات الشخصية.. وإلى ما هنالك من الصور المختلفة التي تحدث على مدار ساعات اليوم الواحد.
- ما علاقتك يا ماوردي بكل هذا الذي يغرز عينيك. أم أنك ضجرت من أحوال المعسكر بهذه السرعة؟
- عفواً. أتخاطبني؟
- إذا لم يكن لديك مانع من أن نكون صديقين هنا. أي في هذه الصحراء!؟
- كلا. ليس من مانع يحول دون ذلك. أنا الماوردي.
- وأنا فاتح الرملاوي؟
- أهلاً. فرصة طيبة.
- حصل لنا الشرف في هذه المعرفة.
- سمعتك تصف هذا المكان بالصحراء يا رملاوي. فماذا وراء ذلك؟
- وماذا في ذلك. فنحن ننتقل من صحراء إلى أخرى. وعالمنا ضيق كقوقعة الحلزون!
- ألست سعيداً هنا؟ على هذه الأرض الجديدة أقصد؟
- وهل يمكنك تقسيم السعادة يا ماوردي؟ فنحن كلما خرجنا من بئر، سرعان ما وقعنا في آخر. أي في الأعمق من الأول. حتى تكاد رئاتنا تتمزق من الاختناقات. انظر. ماذا ترى أمامك. حولك. في داخلك. فوقك. إنها الغيوم وليس غير. وغداً ستكتشف كل عفونة بنفسك.
- أعتقد إنها فرصة ذهبية لتقيؤ الطعام.
ألقى الماوردي بالملعقة في الصحن الذي أمامه،، وغادر مطعم المعسكر الذي كان يضج ويعج باللاجئين، وخرج من المكان وهو يثرثر في نفسه متسائلاً عن هذه اللعنة التي تعرف عليها قبل لحظات في المطعم.
"هل ستعود إلى نقطة الصفر من جديد يا ماوردي؟ أنتَ الذي هربت بجلدك من منغصات الحياة، لتضع نفسك وجهاً لوجه مع منغصات العالم الجديد. كلا. فالرملاوي يكذب أنه يحاول تشويه الصورة في حياتك مرة أخرى. ولكن حذار أن تستسلم لمثل هكذا قذارات
فيما كان الماوردي يفكر بالرجل وأفكاره التي تسببت بتسميم وجبة الطعام في داخله، وجد نفسه فجأة في المبنى المخصص لغسل الملابس. فرأى البعض يغسل الثياب والأغطية، فيما رأى البعض يضع أيضاً، الأحذية في الغسالات ويدير أقراص التشغيل. وفجأة... أفرغ ما كان في معدته من محتويات. بعدها توجه إلى الغرفة المخصصة له، ليقذف بجسده على السرير، كالدابة التي أجل ذبحها لليوم التالي.
"اللعنة عليك يا رملاوي. كيف تريد تشويه المناضلين؟"
قالها الماوردي.. وهو يحس بأن معدته قد بدأت بالاستقرار في مكانها الطبيعي. تناول قرصاً من العدة التي تقوم بتجهيز النوم له، و راح في الرحلة السباتية التي تعود عليها لقمع الدماغ في الساعات الصعبة.
كانت الساعة التاسعة مساءً.. البشر في الخارج يمارسون مهن الليل. شرب القهوة والشاي أو البيرة في الحدائق وعند منافذ القواطع. أو اللعب بالورق ومشاهدة التلفاز. في حين كان المراهقون يطاردون الفتيات على الدراجات من مكان إلى آخر، بهدف الحصول على تحية أو غمزة أو قبلة خاطفة لا تؤدي إلى معارك الشرف بين هذه العائلة أو تلك.