ـ 3 ـ

10 0 00

ـ 3 ـ

رَوت لي أمل بعد أن انتهينا من شرب القهوة، وأحضر النّادل كأسين من عصير البرتقال، وتحوَّل الحوار من السخونة إلى البرودة. وتدخّلت العواطف والكلمات الحميمة الدَّافئة.

قالت: أعرف قصَّتك، قرأتها في كتاب التطور التاريخي للمجتمعات البشرية.

دفعتْ شعرها إلى الخلف، وظهر وجهها البلّوري أكثر صفاءً، غابت بعض التجاعيد الخفيفة عن جبينها.

أنتَ في وادٍ، وأنا في وادٍ. أين ذهب ذهنك يا رجل، وليس الأمر كما تتصوَّر إنَّ قصة الطبقات هذه، غير قصة تاريخ الطبقات.

سألتها: ماذا تقصدين من هذه التسمية يا أمل؟

إنّها طبقات الكذب، والكذب كما تعلم لا يشكّل طبقة واحدة، متجانسة مثل الطبقة العاملة، فهو يتعدّد ويتلوَّن، ويترقّى من أدنى درجات السلّم إلى أعلاها. والكذاب الشاطر المحترف، الانتهازي، يحقق النجاح في التسلّق قبل الكذَّاب الجبان، الخائف على ريشه من النتف السريع. وهناك طبقة الكذب المزدوجة، أو الشخصية المزدوجة، التي يتنقّل صاحبها بين طبقتين. فمرّة يحمل صفات هذه الطبقة، ويعدّه "عمّي" ابناً حقيقياً لها، لأنّه سرعان ما اندسَّ في صفوف الحزب، علماً أنّه، كما يروي والدي، كان قبل أن يصبح مديراً لأكبر مصرف تجاري في البلاد، أي عندما كان على مقاعد الدراسة، يدّعي أنّه كجدّه، بعظمه ولحمه، يحمل ملامحه الآسيوية. دخل البلاد مع إحدى القبائل المهاجرة.. هكذا كان يردّد عمّي في جلساته وهو يقرأ أصول وفروعها. شجرة العائلة. وكان يُمازحنا لأنه في الحقيقة لا يعرف أصولنا الحقيقية، لكنَّ الاسم يوحي لنا بأننا من "حرمون".

رجل طويل، يضفي شاربه شيئاً من الهيبة والصرامة، يميل لون عينيه إلى الاخضرار. مرّة كما يقول والدي: (يعكس صورة الأجنبي الذكي، ومرّة تكسو البساطة شكله الخارجي).

وكلّما تمعّنتُ في تفاصيل صورة قديمة لـه، وهو في السنة الدراسية الأخيرة، وقبيل تخرّجه، أتذكّر مدى الدهاء، وحبّ السيطرة والجشع، اللّذين يبدوان أنّهما صفات موروثة، غير مكتسبة، بعكس البساطة والودّ، فهما يشكلان أصالة والدي.

يمكنك ألاَّ تقلق من حديثي، وتتصوّر أنّني أدفعك إلى الحقد على عمّي "عطا". لقد انتهت قصّة العائلة، وما حدث قد أصبح من الماضي. ولا نواجه مشكلة الآن، فالأمور تسير بهدوء، ولا مَنْ يُعكّر صفاءها.

تيقّنت أنَّ أمل لا تكذب. كانت تحاول أن تفلسف درجات الكذب وتماهيها مع الواقع. أتخيّل أنّها تسترشد بوصايا أُمها "المرحومة" لأنّها تكرّر وتُعيد أقوالها كأنها فيلسوف عصرها، ولا تذكر قولاً لأبيها.

وعندما توقفتْ عن الحكي غير المجّاني في معظمه، بدا الحزن يشرب حُمْرة خدّيها، فأمسكتُ يدها، ودلكتها بين كفّيَّ. كانت باردة على الرغم من اعتدال الطقس الربيعي. وشجعتها للتخلّص من أفكارها واستطراداتها المبللة بعبق عتيق، مصاحباً بالتوتر، والبوح بعجالة.

قلتُ مواسياً: كلّ الناس هكذا... الكثيرون يكذبون، ويسوّغون كذبهم، لكنهم يطلقون عليه "الكذب الأبيض".

هل تُصدِّقين أنَّ هناك كذباً أبيض، وكذباً أسود؟

الكذب هو الكذب لا يتغيّر، لكن هناك كذبة صغيرة، وكذبة كبيرة. فعندما كنت طفلاً، وعمري خمس سنوات، وهذا من المؤكّد حصل معكِ، ويحصل مع كلّ الأطفال. مددتُ يدي إلى محفظة أبي، وسرقتُ ليرة سورية. وكانت آنذاك مبلغاً مرموماً، بالنسبة إلى طفل. لاحظت أُمّي أنّني أكرر زياراتي إلى دكان أبي بشير. وحينما اقترب موعد الغداء، استلقيتُ على سريري. أغمضتُ عينيَّ لعلّي أغفو، ففشلت محاولاتي. ورفضتُ نداء أُمّي لتناول الطعام.

تعرّضت مساء إلى مساءلة صعبة، بعد أن خرج والدي مع أحد أصدقائه. ارتبكتُ في الإجابة عن أسئلة أمي، ثم اعترفتُ لها بالذنب الذي اقترفته. وما زلتُ أتذكّر أنّها لم تضربني. ابتسمت أُمّي، ونبهتني، وحذرتني من تكرار ما قمتُ به. قالت: (السارق يا بُني تقطع يده. وإذا كرر السرقة يقطع الشيخ لسانه. أي العين بالعين والـ....).

بلتُ على ثيابي من الخوف. وسال خيط الماء على البلاط. تركتُ أُمّي وأسئلتها ووصاياها وهربتُ مسرعاً إلى غرفتي، ندمتُ على ما قمت به. وتعهدت في نفسي ألاَّ أكرر السرقة ثانية.

كنتِ تريدين أن تقولي إنَّ عمك سرق الأموال، فهو لصٌ كبير، والسرقة كما تلاحظين رافقت الإنسان. ويكذب السارق إذا تعرَّض للمساءلة، وحتماً سيقول: (ورثتُ هذه الأموال من أبي أو عمّي الغني...) ويمكن أن نسمّي هؤلاء (سارقين وكذَّابين)! وعمك كذب كذبة كبيرة... وكلّ شيء لـه حسابه.

أقول لك إنَّ حبل السرقة، كما هو حبل الكذب، قصير جدّاً، لكن عندما تتكاثف وتتضخّم تلال السرقة، تتحوّل إلى قضية كبيرة. ألم تقل لك أُمّك (الذي يسرق إبرة يمكن أن يسرق جملاً).

أشرقت الابتسامة. وكان النُّور الهابط من سقف "الكافتيريا" يعطيها ألواناً برتقالية، بلون العصير..

أكَّدت أمل كلامي. قالت: الحقُّ معك. يجب علينا أن نميّز بين الكذب والسرقة، وبين السرقة الصغيرة والكبيرة، وبين الفساد والإفساد، وما حصل معك عندما نشلت ليرة من محفظة أبيك، حصل معي أيضاً، لكّني سرقت نصف ليرة من محفظة أُمّي، واشتريت بها أحمر الشفاه، فتورَّدت شفتاي.

تضاحكتْ أُمّي وهي تراقبني، وأنا "أَتَغَنْدر" أمام المرآة. رَّبتتْ على كتفي ساخرة (الله يكبِّرك يا بنتي، لاحقة على الغندرة. أنتِ جميلة بدون هذه الصبغة... عمري خمسون عاماً وربيّت كل أولادي، ولم أصبغ شفتيَّ وأتغندر إلاَّ في ليلة زفافي...).

سألتْ أمل: هل تعرف الحكومة كلّ السَّارقين؟ وكيف تسكت عن مثل هذه الجرائم، تشمُّ الحكومة يا حبيبتي تلك الرائحة الكريهة، فأنفها يستنشق كلّ هواء البلاد، ويملأ زفيرها كلّ الأماكن الرسمية والشعبية. والدليل على ذلك ما تنشره يومياً الصحف المحلية، لكّنها تكتم أسرارها عنّا. كلّ دولة من دول العالم لها أسرارها الخاصة. والسرقة الكبيرة هي سرّ كبير، والصغيرة هي سرّ صغير، سَرْعان ما يظهر في أعمدة الصحف. ألم تسمعي، فمنذ أيّام فاحت رائحة شركة "محروقات"، وسرقت إحدى الموظفات أكثر من مليار ليرة، وهربت، لكنَّ الحكومة رأت أنها تسرق دفء المواطنين وتعويضات التدفئة، فلاحقتها وأعادتها إلى البلد، وقرأت السَّارقة قصّتها، وقصص الذين اشتركوا معها، وكلّهم شخوص رئيسة في هذه الرواية.

أية رواية؟

رواية من القطع الكبير، عنوانها "السرقات".

إذا قُدِّر لك أن تسرقي الحُبّ من قلبي، فأين سأحاكمك؟ وفي أية محكمة؟

إذا تمَّ ذلك، ونجحتْ خطّتك، فأين تخبّئين المسروقات؟

وضعتْ أمل يدها على قلبها. قلت: إنّه مكان آمن، مُحصَّن، لا أحد يكتشفه بسهولة، وهذه ثروتنا، علينا ألاَّ نبدّدها، أن نحافظ عليها كي لا تخرج مشوَّهة. والحُبّ المشوّه، مولود مَعوق يعيش حياة ناقصة بين أترابه الذين ينظرون إليه نظرات الشفقة، وأحياناً يسخرون منه، فينفر منهم، ويبتعد عنهم، ينزوي بعيداً في باحة المدرسة، وفي أمكنة اللّعب، خوفاً من تشويهه أكثر.

في هذا اللقاء شعرتُ أنّني في أفضل حال. تطابقتْ آرائي مع آرائها. وهذا إلى حدّ ما يساعد على إعادة تشكيل صيرورتنا وتماهينا، وهو من جانب آخر، وفي تصوّري، إذا استمرَّ هذا الاندماج عن دراية ووعي، سيكون صائباً. وإذا ظهرت بوادر خلافية مع المحافظة على هذه الصيرورة، فهو الأكثر قدرة على الاستمرار والديمومة.

أثنتْ أمل على صحّة هذه الفلسفة التي تسمعها للمرة الأولى، لكّنها عارضت كيفية صياغتها بهذا الشكل. تبلور عندها مفهوم آخر. تحوَّلت إلى امرأة من نوع آخر في نظري، عندما شرحت موقفها من "فلسفة الحُبّ" هذا الكائن الخلاّق الذي وصفته بالتجدّد إذا كانت التربة التي ينمو فيها غير معرضة للتملّح. أمَّا إذا كان الحُبّ سلعة رخيصة في سوق التداول، يبتاعه أيٌّ كان وفي أيّ زمان، فهو مُعرَّض لتشكيل أغشية رقيقة، من السهل خدشها بدبّوس، وتنفيسها. ويحدث هذا دائماً بين البشر الذين يدّعون أنّهم جبلوا من طينة واحدة.

رفعتُ يدها بقدسية، وقبَّلتها بفرح. لم تُمانع، وفهمتُ من نظرتها الوديعة أنّها تذكّرني بموعد زيارة أبيها، كي نستكمل مشروعنا وفلسفتنا، لأنَّ مشروعنا مُكْلف من الناحيتين المادية والروحية، وتحتاج فلسفتنا إلى تفسير وشرح لأركانها، والأعمدة التي سينهض عليها هذا البناء.

تستحقُّ هذه الجلسة التسجيل في "كاسيت"، فقد أمتعتني أمل بجمال حديثها، وهذه القدسية النّورانية، والإلحاح المسحوق تحت أقدام مشاعرنا، المشدود بخيوط من الحرير المقدّس، المكرّس للنذور على جدران مقام السّيد المجهول الاسم.

أحسستُ أنّني في زيارة لأَفي نذوري بدون لهاث وقهر أو ندم. إنَّها تَشْغل تفكيري، وتَدْخل إلى قلبي بعاهاتها. تدسُّ أتفه الأفكار والمشاريع بين زفيري وشهيقي، فيخرج فساد روحي نظيفاً من الغشِّ واللعنات.

طوَّقت ذراعاي عنقها. دسستُ أنفي في شعرها الأسود النّقي، الصافي، فاحترقتُ، واشتعلتُ من الدَّاخل، وهي تشتعل أيضاً، ويتأجّج اللَّهب في جسدها، فعجزتُ رغم مقاومتي، وصبري عن إطفاء حرائقنا. تراجعتُ وتركتها تُصلح ما خرَّبته أناملي.

نَظَرتْ إليَّ بعينين ذابلتين. حفظتُ جيّداً ما أكَّدته عليه، ونحن نترك "الكافيتريا" خلفنا. نترك دفئاً، وجيشاناً، ولهاثاً، ظلَّ أسيراً تحت سقف صدرينا. ولا يمكن أن أنسى ما أوصتني به. سأكون عندها مساءً، وأبدأ ببناء فلسفتنا الجديدة!