الفصل السادس
«دع ذكر سلمى وبانات بذي سلم»واقصص علينا حديث السيف والقلم هلم أيها القارئ اللبيب، من غور الأردن إلى معسكر الملك ريكارد ملك الإنكليز بين عكاء وعسقلان، وانظر الخيام المضروبة كأنها الأفلاك والجنود المبثوثة في عرض البر كأنها عراجل الأسود. بهؤلاء الأبطال جاء قلب الأسد١ من بلاده عازمًا على افتتاح أورشليم وردِّها للنصارى، ولكن خانه السعد وأحبطت الخيلاء مساعيه، فاغتاظ منه أمراء الإفرنج وغلوا يديه وأيديهم عن العمل، ثم انكَفَئُوا راجعين إلى بلادهم موغرين الصدور بالأحقاد والضغائن. وكانت الأمراض قد فتكت بجنودهم، والشهوات قد أفسدت آدابهم وأضعفت أبدانهم، وسيف صلاح الدين نكلهم تنكيلًا فرجعوا إلى بلادهم شرذمات متفرقة، بعد أن خرجوا منها يجرون أذيال المجد والفخار ويتباهون بعَددهم وعُددهم. ولولا قلب الأسد وشدة بأسه وبأس فرسانه ما أبقى صلاح الدين على أحد منهم. ولكن مهما اشتد بأس الإنسان لا يقوى على الأمراض الخبيثة، فقد أصابت ريكارد قلب الأسد حمى من الحميات الشديدة المضعفة طرحته في فراشه وجعلته كأضعف البشر، فمنعته من الحضور في المؤتمرات الحربية التي كان أمراء الصليبيين يعقدونها. وغلت أيدي الجنود كلهم فأبطلوا الحرب والصدام، وتهادنوا مع صلاح الدين ولم يستعدوا في هذه الهدنة للزحف على بيت المقدس، بل حصنوا معسكرهم كأنهم استبدلوا بالهجوم الدفاع. فلما بلغ ريكارد ذلك اسودت الدنيا في عينيه، وكان رجاله يخافون منه خوفًا شديدًا، حتى أطباؤه لم يكونوا يجسرون أن يخالفوا له أمرًا. ولم يكن بين حاشيته إلا رجل واحد قادر أن يقف أمامه إذا غضب وهو البارون توما ده فو، فإن هذا الرجل كان يحبه محبة شديدة ويفضل سلامته على كل ثمين، وينهاه عما به ضيره ولو خاطر بنفسه، وكان بطلًا محنكًا جبارًا في قوته، خشنًا في طباعه لا يعرف التمليق ولا التدليس، يخدم مولاه ويسهر عليه لا كما يخدم العبد سيده، بل كما يخدم الصديق صديقه، قيامًا بشروط الصداقة والمحبة.
وذات يوم كان الملك نائمًا في سريره يتقلب متأففًا من شدة الحمى، وقد نحل جسمه وطال شعره، والبارون ده فو واقف بجانبه وهو طويل القامة ضخم الأعضاء، كث الشعر، وجهه مغطى بآثار الجراح، وموقفه بجانب سرير الملك لا يتغير إلا حينما يجرعه الدواء. والخيمة التي فيها الملك أشبه بمعرض حربي منها بفسطاط ملك رفيع الشأن، فإنها كانت مفروشة بأنواع الأسلحة وغنائم الحروب وجلود الحيوانات، وفيها ثلاثة كلاب من كلاب الصيد الكبيرة وهي محدقة بسيدها كأنها تقول له: «متى تقوم وتمضي بنا إلى الصيد والقنص؟» وترسه المثلث على مائدة صغيرة بجانب السرير، وهو من الفولاذ الصقيل وعليه رسم ثلاثة أسود رابضة، وبجانب الترس فأسه المشهورة التي كان يضرب بها الفارس فيشطره شطرين، وعلى باب الخيمة ثلاثة من رؤساء الحرس تلوح عليهم أمارات القلق وانشغال البال خوفًا على مولاهم وعلى نفوسهم إذا طال مرضه. وخارج الخيمة كثيرون من الخدم والحشم، وكلهم كاسف البال مبلبل الأفكار. فقال الملك بعد أن سكت عن الكلام وقتًا طويلًا بسبب شدة الحمى: «هل صار فرساننا نساء ونساؤنا راهبات وانمحت الشجاعة من معسكر فيه نخبة فرسان أوروبا؟»
فقال له البارون ده فو: «الهدنة تمنعنا عن الحرب والجلاد يا مولاي، أما النساء فلا أعلم من أمرهن شيئًا إلا أن الجميلات منهن ذهبن برفقة الملكة والأميرة إلى دير عين جدي لإيفاء نذر نذرنه لأجل سلامتك.»
فقال الملك: «وكيف خاطرن بأنفسهن وذهبن إلى مكان لا مأمن للرجال فيه؟» فأجابه البارون: «هن في مأمن من كل خطر؛ لأنهن أخذن إجازة من صلاح الدين.» فقال الملك: «صدقت، ولهذا السلطان منة عليَّ ومَنْ لي بأن أفيه إياها في ميدان النزال.» ولما قال ذلك أخرج ذراعه من تحت الدثار وهزها كما يهزها وهو قابض على سيفه أو على فأسه، فقبض عليها البارون ده فو وردها إلى تحت الدثار، وقال له: «أفرغ صبرك من هذه الحمى؟»
فقال: «أنا مريض، ولكن ما مرض ملوك النصارى؟ ماذا أصاب ملك فرنسا ودوق النمسا؟ ماذا أصاب مركيز منسرَّات ورئيس الاسبيطارية والهيكلية؟ ما هذا الداء العياء؟ وما هذا الفالج الذي منعهم من الحركة والكلام؟ وما هذه الآكلة التي أكلت قلوبهم ونخرت عظامهم حتى نسوا إلههم وداسوا شرفهم؟!»
فقال البارون: «بالله عليك يا مولاي أقصر عن هذا الكلام؛ فقد تناقلته عنك الألسن وكاد شملنا يتمزق بسببه، أَوَلا تعلم أنهم بدونك لا يقدرون أن يفعلوا شيئًا؟»
فقال الملك: «دعنا من التمليق.» وألقى رأسه على وسادته وصمت طويلًا ثم قال: «يا للعار! أتتضعضع أحوال هؤلاء الملوك والرؤساء بمرض إنسان واحد؟! علام يكون مرض ريكارد، بل موت ريكارد، مانعًا يمنع ثلاثين ألفًا من الزحف على أورشليم، وكل منهم بطل مجرب مثله؟! إذا صرع قائد الوعول اختارت الوعول قائدًا آخر في الحال ليقوم مقامه، وإذا ضرب الشاهين قائد الكراكي قام منها قائدٌ آخر في الحال، فعلام لا ينتخب هؤلاء الرؤساء قائدًا آخر عوضًا عني؟»
فقال البارون: «العفو يا مولاي، فقد بلغني أنهم قد تآمروا في هذا الأمر وفي نيتهم أن ينتخبوا قائدًا.»
فاتقدت غيرة ريكارد وقال: «أنسيني حلفائي وحسبوني ميتًا وأنا حي أرزق؟ لقد أصابوا. ومن ينتخبونه عوضًا عني؟» فأجاب البارون: «ينتخبون ملك فرنسا؛ فإنه أحق بذلك من كل أحد.»
فقال ريكارد: «ملك فرنسا ونافار نخبة ملوك النصارى، ولكني أخاف أن يبدل كلمة التقدم بكلمة التأخر، ويرتد بنا إلى باريس بدلًا من الزحف على أورشليم.»
فقال البارون: «بل ربما ينتخبون دوق النمسا.»
فقال الملك: «لماذا؟ ألأنه ضخم الجسم مثلك؟ هذا لا يصلح لقيادة الجيوش، بل لأكل اللحوم وشرب الخمور.»
فقال البارون: «وما قول جلالتك في رئيس الهيكليين فإنه شجاع ماهر في فنون الحرب، صاحب حكمة ودهاء وله مأرب في تخليص الأرض المقدسة؟»
فقال الملك: «لا ريب في مهارته، ولكن ليس من العدل أن تؤخذ الأرض المقدسة من صلاح الدين الملك العادل الكثير الفضائل والفواضل، وتعطى لهذا الساحر الذي يعبد الشيطان ويرتكب المحارم في معابد الله.»
فقال البارون: «وما قول جلالتك في رئيس الاسبيطارية، فلا لوم في سيرته؟»
فقال الملك: «ولكنه بخيل منتن، يبيع بالمال كل ثمين. أَوَلَمْ يبع أعداءَنا بالمال ما لم يستطيعوا امتلاكه بالسيف؟»
فقال البارون: «عندي إنسان آخر وهو المركيز كنراد منسرَّات، فهو حكيم وشجاع معًا.»
فقال الملك: «هو حكيم داهية، ولكنه ذئب في جلد خروف. وأما من جهة كونه شجاعًا فلا يغرنك ركوبه جياد الخيل ولبسه دلاص الدروع، فما كل مصقول الحديد يمانيًا. أوَلا تذكر أني قلت له مرة: «لو كان أمامك ستون رجلًا من العدو ومعك اثنان من الفرسان، أما كنت تهجم بهما عليهم؟» فماذا كان جوابه لي؟»
فقال: «أجابك أن أعضاءه من لحم لا من حديد، وأنه يفضل أن يكون له قلب إنسان على أن يكون له قلب وحش، ولو كان ذلك الوحش أسدًا. وعليه فلا رجاء من أخذ بيت المقدس إلا إذا كنت قائدًا لنا.»
فقال الملك: «ليس الأمر كذلك يا ده فو، بل في معسكر النصارى كثيرون من الفرسان، وهم أفضل مني لقيادة الجيوش، ولكن كل فارس يرفع علمه على البيت المقدس، وأنا مريض ويحرمني من هذا الفخر الذي أتيت لأجله لا يسلم من يدي حينما أشفى، وأظنني أسمع صوت البوق، فانظر ما هذا الصوت.»
فقال البارون: «هذه أبواق ملك فرنسا.»
فقال الملك: «ألم تعد تسمع؟! هذا صوت العدو وهذا تهليله.» قال ذلك وحاول القيام من فراشه، فحاول البارون منعه بكل قوته ولم يستطع حتى استعان ببعض الخدم، فلما رأى الملك نفسه عاجزًا عن المقاومة قال: «أتمنعني عن النهوض أيها الخائن؟! لو كنتُ في صحتي لطيرت دماغك.»
فقال البارون: «يا حبذا لو كنتَ في صحتك ولو طيرت دماغي!»
فمد الملك يده له وقال: «يا خادمي الأمين، سامحني على ما فرط مني؛ فإن الحمى هي التي أنطقتني بما نطقت. والآن أطلب منك أن تمضي وترى ما سبب هذه الضوضاء.»
فخرج البارون من خيمة الملك بعد أن أوصى الخدم والحشم أن ينتبهوا أشد الانتباه إلى سيدهم، وهددهم بالعقاب الشديد إذا بدا منهم تقصير، وكانوا يخافون منه كما يخافون من الملك.
١ لقب ريكارد ملك الإنكليز. الفصل السابع
لما خرج ريكارد ملك الإنكليز من بلاده قاصدًا الأرض المقدسة تبعه جمهور من الأمراء الاسكتلنديين هم ورجالهم، وكانوا يركبون لركوبه وينزلون لنزوله ويحاربون تحت لوائه، ولكنهم كانوا ينصبون خيامهم وحدهم مستقلين بأنفسهم كأنهم من أمة أخرى وشعب آخر. وكذا كان الفرنسيون والإيطاليون والجرمانيون والدانماركيون والأسوجيون. بل كثيرًا ما كان هؤلاء الشعوب يعاملون بعضهم بعضًا بالجفاء والقسوة في غير وقت الحرب. وكان البارون ده فو أشد الناس كرهًا للاسكتلنديين، ولكن ارتباطه معهم في الجهاد ألجأه إلى كتم ما في صدره من الكره، بل كثيرًا ما كان يبعث لهم بالطعام والدواء من عنده سرًّا لا علنًا؛ عملًا بوصية الكتاب القائل: «أحسنوا إلى مبغضيكم.» وقد تقدَّم في الفصل السابق أن الملك ريكارد أمره أن يخرج ويرى ما سبب صوت البوق والتهليل، فلم يبعد عن خيمة الملك حتى رأى جمهورًا من العرب بجِمالهم وخيولهم واقفين في قلب المعسكر وهم يضربون الأبواق والطبول، والجنود الإنكليزية متجمعة عليهم. وأول شخص التقى به كان السر وليم الفارس المتقدم ذكره في الفصول السابقة فتأفف من رؤيته، وكان قاصدًا أن يمرَّ به ولا يسأله عن سبب هذه الجلَبة، لكنَّ الفارس دنا منه وقال له: «لي معك كلام يا مولاي.» فقال البارون: «اختصر ما أمكنك؛ لأنني ذاهب بأمر الملك.» فقال الفارس: «أنا غرضي الملك؛ لأنني أتيته بالشفاء.»
فنظر إليه البارون ده فو من رأسه إلى قدمه كأنه يقيس طوله وعرضه، ثم قال له: «كان الأجدر بك أن تأتي الملك بالغنائم.» فاغتاظ الفارس من هذا الجواب ولكنه كظم الغيظ، وقال: «إن شفاء ريكارد هو الغنيمة الكبرى لنا ولكل النصارى، فهل لك أن تسمح لي بالدخول عليه؟»
فقال: «كلا، ما لم تخبرني بغرضك أولًا؛ لأن خيام الملوك ليست مباحة لجميع الناس.»
فقال الفارس: «إن أمر الجهاد الذي يجمعني معك يضطرني أن أغضي الطرف عما تقول، وجلية الأمر أنني أتيت بطبيب من أطباء العرب، وهو قادر أن يشفي الملك.»
فقال البارون: «ومن يكفل لنا أن هذا الطبيب لا يدس السم للملك مع الدواء؟»
فأجابه الفارس: «إن حياته الكفالة.» فقال البارون: «إن كثيرين من هؤلاء الحمقى لا قيمة عندهم لحياتهم، فيسرعون إلى الموت كما يسرعون إلى الوليمة.»
فقال الفارس: «نعم، ولكن صلاح الدين المعروف عندنا بالشهامة وكرم الأخلاق قد بعث بهذا الحكيم، وبعث معه موكبًا كبيرًا يليق بشأنه، وهدايا للملك، وبعث إليه برسالة يرجوه فيها أن يستعمل علاج الحكيم لكي يشفى سريعًا ويستعد لزيارته، فهل لك أن تأمر برفع الأحمال عن هذه الجمال واستقبال الحكيم بما يليق بمقامه.»
فقال البارون: «ومن يكفل لنا صدق صلاح الدين في هذا الأمر وموت ملكنا كاف وحده لتخليصه من مشقة الحرب كلها؟» فقال الفارس: «أنا أكفل أمانة صلاح الدين، أنا أكفلها بشرفي ودمي.»
فقال البارون: «وهذا أغرب من ذاك، ابن الشمال يكفل ابن الجنوب! الغربي يكفل الشرقي! ألا تخبرني يا مولاي كيف اتصلت إلى صلاح الدين والحكيم؟»
فقال الفارس: «كنت مرسلًا إلى ناسك عين جدي برسالة سرية …» فقاطعه البارون عن الكلام، وقال له: «أما تطلعني على الرسالة وجواب الناسك؟» فقال: «كلا، لا أستطيع ذلك.» فقال البارون: «أما تعلم أني من مشيري ملك الإنكليز وأهل سره؟»
فقال: «بلى، ولكن أنا لست من رعايا ملك الإنكليز، وقد أرسلني مجمع الملوك والأمراء والقواد العظام، ولهم وحدهم أرد الجواب.»
فقال البارون: «كن رسول من شئتَ، أما أنا فلا أَدَعُ أحدًا يدنو من خيمة الملك ريكارد إلا برضاي.» قال ذلك ودار وجهه وهم بالانصراف، فوقف الفارس في طريقه وقال له: «ألا تعلم أنني فارس مجرب ومن بيت شريف؟» فقال البارون: «كل الاسكتلنديين يدَّعون بالشرف من طفوليتهم. أما من جهة كونك فارسًا مجربًا، فهذا لا أنكره عليك.»
فقال الفارس: «قد اعترفتَ أنني فارس مجرب، فأنا أقسم لك بتربة أجدادي وبالجهاد المقدس الذي أتينا لأجله لننال الفخر في هذه الحياة وغفران الخطايا في الأخرى؛ أنه لا غرض لي إلا شفاء ريكارد قلب الأسد.»
فتخشع البارون ده فو من هذا القسم، وقال له بلطف: «هب يا مولاي أنك مقتنع بصدق هذا الحكيم وأمانته، فهل يجب عليَّ أن أقتنع نفس هذا الاقتناع وأسلِّم ملكنا لهذا الحكيم في بلادٍ صناعةُ التسميم فيها رائجة؟»
فقال الفارس: «يا مولاي، لا دليل عندي على أمانة هذا الحكيم إلا هذا، وهو أن خادمي الذي أبقته لي الحروب من كل رجالي مريض بالحمى المصاب بها الملك، وهذا الحكيم أعطاه دواء منذ ساعتين والآن قد خفت الحمى كثيرًا. فلا ريب عندي أنه قادر على شفاء الملك، ولا ريب عندي أيضًا بسلامة نيته؛ لأنه مرسل من قبل صلاح الدين الذي لا يرتاب أحد منا في صدق طويته، هذا والحكيم في أيدينا، فلا يعقل أنه يلقي بنفسه في التهلكة وهو قادر أن يخرج من عندنا بأوفر الصلات.»
فأطرق البارون إلى الأرض مترددًا بين الشك واليقين، ثم رفع رأسه وقال: «ألا تسمح لي برؤية خادمك؟» فاحمر وجه الفارس خجلًا ثم قال: «الأمر إليك يا مولاي، ولكن لا تنس حينما ترى خادمي أن أشراف اسكتلندا وأمراءها لا يعيشون عيشة الترفُّه مثلكم معاشر الإنكليز.» قال ذلك ومشى أمام البارون كأنه عن غير رضاه.
فلم يُرِدْ البارون أن يظهر ما يدل على شماتته بفقر الاسكتلنديين بل قال: «لا كان من يهمه الترفه في هذا الجهاد، ومهما تكن حالنا فنحن أصلح حالًا من الشهداء والأبرار الذين داسوا هذه الأرض قبلنا.» وحينئذ بلغ مخيم الفارس فوجده بقعة من الأرض تسع ثلاثين خيمة على عدد رفاقه الذين كانوا معه، وفيها أكواخ حقيرة من أغصان الأشجار، وفي وسطها كوخ أرفع من غيره قليلًا، وعليه العلم الاسكتسي. ودخل الفارس هذا الكوخ وتبعه البارون فوجد في الكوخ سريرين: أحدهما سرير الفارس، كما يظهر من الأسلحة الملقاة بجانبه، والآخر سرير خادمه المريض وهو مغطى بثياب الفارس وأرديته. وأمام الباب خادم آخر يضرم النار ويصلح الطعام وبجانبه قطعة كبيرة من لحم الغزال، وهناك كلب من كلاب الصيد رابض على الأرض، وهو أكبر من كلاب الملك ريكارد وأجمل منها منظرًا وأجود أصلًا. فلما رأى البارون هر عليه بصوت جهير كأنه صوت الأسد، ثم رأى سيده فكف عن الهرير.
وكان الحكيم جالسًا بجانب سرير المريض وهو لابس قلنسوة من عمل استرخان، وعيناه تتلألآن في وجهه كأنهما سراجان موقدان. فوقف البارون برهة طويلة لا يسمع إلا زفير المريض وهو نائم. وحينئذ قال له الفارس: «قد مضى على خادمي ستة أيام لم يذق فيها النوم كما أخبرت.» فقبض البارون على يده وقال له: «يظهر لي أن خادمك غير ملتفَت إليه الالتفات الواجب.» قال ذلك بصوت عال على جاري عادته، فاستيقظ الخادم وقال لمولاه: «ألا ترى ماء الكَلَيْد١ باردًا حلوًا بالنسبة إلى الماء الناقع الذي كنا نشربه بفلسطين؟» فقال الفارس للبارون: «ها هو مرتاح في نومه ولذلك يحلم ببلاده …» وقبل أن يتم كلامه نهض الحكيم ووضع يد المريض على السرير، وكان قابضًا عليها يجس نبضها، وأمسك بالبارون والفارس وأخرجهما إلى خارج الكوخ وقال لهما: «أقسمت عليكما بعيسى بن مريم ألَّا توقظا المريض؛ لأنه إن لم يَنَم مات لا محالة! فاذهبا الآن وارجعا عند صلاة المساء، فإن نام إلى ذلك الوقت نجا من الخطر وأمكنه حينئذ أن يتكلم معكما.» قال ذلك ورجع إلى مكانه. أما هما فلبثا واقفَين أمام الباب وكأن شيئًا منع البارون عن الانصراف، وكان الكلب قد قام من مكانه ودنا من سيده وجعل يثب عليه ويبصبص بذنبه، ثم يعدو في الأرض عدوًا سريعًا ويعود إلى سيده. وكان الاثنان ينظران إليه وكلاهما عارف بالصيد مولع به فقال البارون: «هذا الكلب نادر المثال وليس عند الملك ريكارد كلب مثله، ولكن ألم يبلغك أمر الملك وهو أنه لا يحق لأحد دون رتبة الأرل٢ أن يقتني كلب صيد في مخيم الملك إلا بإذن منه؟ والأرجح عندي أنك لم تنل هذا الإذن، وأنا أقول ذلك بصفة كوني مير ياخور الملك.»٣ فقال الفارس: «وأنا أجيبك بصفة كوني فارسًا اسكتلنديًّا أني لم أبايع ملك الإنكليز المُلْك علي ولا أقسمت له يمين الطاعة. نعم، إنني في الوقت الحاضر إذا بوَّق بُوق الحرب أكون أول من ركب وآخر من نزل، ولكن في غير ساعة الحرب لا سلطة لملككم علي.»
فقال البارون: «ومع هذا لا يليق بك أن تخالف أمر الملك، فاسمح لي أن أرسل لك حماية لهذا البطل.» قال ذلك مشيرًا إلى الكلب.
فقال الفارس: «هو يعرف حمايَ ولا يخرج منه، وفي حماي أنا أحميه بنفسي.» وكأنه ندم على هذا الكلام فاستتلاه قائلًا: «لا يحسن بي أن أجيبك بمثل هذا الجواب، فقد يرى أحد رجالكم رُزول (وهو اسم الكلب)، ويسيء إليه فيتصل الأمر بنا إلى ما لا نحب. ولا أخفي عليك أن رزول معتمدنا في هذه البلاد، وما كان الملك ليحرمَنا مما لا نذوق طعم اللحم بدونه.»
فقال البارون: «أحسنت، فإنه أكرم من أن يفعل ذلك، والآن لا بد لي من الانصراف وسأرجع نحو المساء.» ثم ودعه وخرج.
١ اسم نهر باسكتلندا.٢ لقب من ألقاب الشرف وهي خمسة: الدوق، والمركيز، والأرل، والفسكونت، والبارون. ٣ هو الموكل بخيول الملك وبصيده. الفصل الثامن
لما سمع الملك ما قصه عليه البارون قال له: «إن في الأمر عجبًا، أمتأكد أنت أن هذا الاسكتلندي حر صادق؟» فأجاب البارون: «لا يخفى على مولاي أن بلادي تجاور بلاد الاسكتلنديين، وقد خبرتُ هؤلاء الناس وعرفت مكرهم، ولكن يظهر لي أن هذا الرجل صادق، ولو كان شيطانًا.»
فقال الملك: «وهل هو فارس مشهود له؟» فقال البارون: «أنت أخبر مني بذلك.»
فقال الملك: «نعم، نحن رأيناه يثبت ثبوت الأبطال؛ لأننا نقف في مقدمة جيوشنا لا لنفتخر بشجاعتنا كما يزعم البعض، بل لنرى كيف يحارب رجالنا ونشجعهم على الثبات، وقد رأينا هذا الفارس وسرنا بأسه وإقدامه، ولكننا لم نغفل عن كبريائه واعتداده بنفسه.»
فقال البارون: «وأنا أرجو منك العفو؛ لأنني جاريته اليوم على كبريائه.» فعبس الملك وقال له: «وكيف ذلك؟»
فقال البارون: «يحق لي بمقتضى وظيفتي أن أسمح لمن كان شريف النسب أن يقتني كلبًا أو كلبين من كلاب الصيد، وعند هذا الرجل كلب لا يجوز التفريط فيه، ولم أر أحسن منه خلقًا، فإنه كبير الجسم أسود اللون مجدول العضل يسبق الظبي ويصرع الثور.»
فضحك الملك وقال له: «الظاهر أنك سمحت له باقتنائه، فحسنًا فعلتَ، ولكن لا تطلق يدك في السماح لغيره؛ لأن هؤلاء الأمراء كثار فلا يبقون لنا صيدًا. أما من جهة الحكيم فهل صادفه هذا الاسكتسي في القفر؟» فقال البارون: «كلا، بل إن الاسكتسي كان مرسلًا إلى ناسك عين جدي.»
فرفع الملك رأسه وقال: «من تجاسر أن يرسله إلى عين جدي، والملكة قد ذهبت إلى الدير الذي هناك؟!»
فقال البارون: «مجمع الملوك أرسله وهو لم يشأ أن يخبرني عن الغرض من ذهابه، أما ذهاب الملكة فالأرجح أن الملوك لا يعرفون شيئًا عنه.»
فقال الملك: «وأين التقى بهذا الحكيم؟»
فقال: «أخبرَني أنه التقى بأمير عربي في الطريق فتبارزا، ثم تصالحا وذهبا معًا إلى عين جدي، وهنالك علم الأمير بمرض الملك، فمضى إلى صلاح الدين وأخبره بالأمر، فبعث بهذا الحكيم وشيعه بموكب عظيم كأنه من الأمراء الكبار، وبعث معه رسالة ودية وقد ترجمها لنا الترجمان وها هي.»
فأخذها الملك وقرأها فإذا هو يقول فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من صلاح الدين ملك الملوك سلطان مصر والشام وعماد الدنيا والدين إلى الملك ريكار ملك الإنكتار. أما بعد، فقد بلغنا أن الله تعالى ابتلاك بمرض شديد، وأن الأطباء الذين عندك من النصارى واليهود عجزوا من شفائك؛ لأنهم لا يعتمدون على الله سبحانه وتعالى، ولذلك بعثنا إليك بطبيبنا الخاص. فنلتمس منك أن تكرم مثواه وتعتمد على علاجه لكي تنال الشفاء، فنستطيع أن ننهي هذه الحرب، إما بالصلح وإما بالاحتكام إلى السيف، وهو أعدل حاكم بيننا، فإني أضن ببطل كريم مثلك أن يموت حتف أنفه، وأسيافنا ظمآنة إلى دماء الأبطال، والسلام على من اتبع الهدى.
فلما أتم قراءة الرسالة قال: «علي بهذا الحكيم لعلي أشفى، فأقابل صلاح الدين في ميدان النزال وأنصفه بسيفي ورمحي.»
فقال البارون: «اذكر يا مولاي أن صلاح الدين عدو لنا.»
فقال الملك: «نعم، ولهذا السبب لا يريد أن أموت بالحمى، بل أن أقوم وأقابله في ميدان النزال، وأؤكد لك أنه يحبني كما أحبه وكما يحب الأبطال بعضهم بعضًا، فعار علي أن أرتاب في إخلاص نيته.»
فقال البارون: «مهما يكن من الأمر، فلا يحسن أن تسلم نفسك لهذا الحكيم قبل أن نرى فعل علاجه بالخادم الاسكتسي.»
فقال الملك: «ما أكثر ظنونك! اذهب وانظر فعل العلاج بالرجل، وأما أنا فقد سئمت الحياة فهي والموت عندي سيان.»
فخرج البارون وفي نيته أن يطلع أحد رؤساء الدين على ما في نفسه؛ لأنه كان مرتابًا من أمر هذا الطبيب، فمضى إلى رئيس أساقفة صور، وكان في المعسكر، وقص عليه الخبر فطيب هذا قلبه وأقنعه بجواز الاعتماد على الأطباء مهما كان مذهبهم. ثم قال: «أما هذا الطبيب ففي أمره ريب؛ لأن أهالي هذه البلاد ماهرون في دس السموم، فيدسها بعضهم لبعض في الطعام والشراب واللباس، بل في الرسائل التي يتراسلون بها، فلا يليق بنا أن نأتمنه على الملك قبلما نرى فعل دوائه بالخادم الاسكتسي، فقم بنا إلى خيمته، ولكن لا بد من استعمال شيء يقينا من العدوى، وأنا أشير عليك أن تستعمل حصى اللبنى منقوعة بالخل.» فقال البارون: «أشكر فضلك إلا أن الحمى لا تفعل بي، وإلا لسرت العدوى إلي من الملك.»
ثم سارا سوية، فلما بلغا خيمة الفارس الاسكتسي قال الأسقف: «هو ذا فارس شريف معدود من الأبطال، يأتمنه الملوك في أمور ذات بال، وهو يضع خادمه في مكان لا تبيت الكلاب فيه.» فقال البارون: «من ساواك بنفسه ما ظلمك؛ فإن هذه الخيمة يبيت فيها الفارس نفسه.»
وكان الأسقف شيخًا جليلًا أبيض الشعر جميل المنظر طويل القامة واللحية، لابسًا جبة من الحرير قد لُبِّست أهدابها بالفرو الثمين، وبجانبه خادمان: واحد رافع فوق رأسه مظلة من سعف النخل، والآخر يروِّح له بمروحة من ريش الطاووس. فدخل الكوخ وهو على تلك الحالة فوجد الطبيب جالسًا بجانب المريض حيث تركه البارون ده فو، فلم يحفل الطبيب بدخوله ولم يقم له، فاغتاظ من ذلك ولكنه كظم الغيظ وطارحه السلام باللغة العربية المتفرنجة، فرد له السلام ولم يزد. فقال الأسقف: «إذا كنتَ أنت الطبيب فلي مسائل أطرحها عليك لأنني أنا طبيب أيضًا.» فأجابه: «لو كان لك أدنى إلمام بالطب لعلمت أن الأطباء لا يتباحثون في غرف المرضى.» وحينئذ هر الكلب من داخل الكوخ، فقال الطبيب: «اسمع، حتى الكلاب تعلم بالغريزة أنه لا يجوز رفع الصوت بجانب المرضى، فإن كان لك شيء تسألني عنه فهلم بنا إلى خارج الخيمة.» قال ذلك ونهض وخرج أمامه، فتبعه الأسقف وتفرس في وجهه طويلًا، ثم سأله عن عمره. فقال: «سنو الجاهل تعد بأسرَّة جبهته، وسنو العالم بغزارة علمه، فأنا لم يكر علي أكثر من مائة عام.» ولما قال ذلك نظر البارون ده فو إلى وجه الأسقف مبهوتًا، وأنغض الأسقف رأسه كأنه لم يفهم معنى الطبيب. ثم قال له: «أين الشهادة التي تشهد أنك طبيب؟» فقال: «حسبك أن صلاح الدين الذي لا يرتاب صديق ولا عدو في صدق مقاله قد شهد أني طبيب، فماذا تطلب فوق ذلك؟» فقال البارون: «نطلب أن نرى شيئًا بأعيننا، وإلا فلا أدعك تدنو من سرير الملك.»
فقال الطبيب: «لا يليق بالإنسان أن يشهد لنفسه، ولكن هذا المريض قد أذابت الحمى لحمه وجففت ماء الحياة من عروقه، فلم يبق بينه وبين الموت إلا خطوة، وسترون كيف أنه يقوم معافًى بعد قليل. فهذه هي الشهادة التي تطلبان، وبذا يقضى الأمر الذي فيه تستفتيان.» ثم أخرج إسفنجة من إناء فضي ووضعها على أنف المريض فعطس، واستيقظ وجلس في فراشه هيكلًا من عظام. فقال له البارون: «أتعرف من نحن؟» فأجاب: «كلا يا مولاي، ولكن يظهر لي أنك أنت أمير من أمراء الإنكليز، وهذا من الأساقفة العظام.» وحينئذ قال الطبيب: «إن هذا أعدل شاهدي وقد صار نبضه منتظمًا مثل نبضكم.» وقرب يده إلى الأسقف ليجسها، فابتعد الأسقف عنها، وأما البارون فجسها وقال: «إن الرجل قد شفي من الحمى! فهلم أيها الطبيب إلى خيمة الملك.» ثم التفت إلى الأسقف وقال: «ما قول سيادتكم؟» فقال الطبيب: «أمهلوني ريثما أجرع هذا الرجل الجرعة الأخيرة من الدواء.» ثم أخرج كأسًا من الفضة وصب فيها قليلًا من الماء ووضع في الماء شيئًا موضوعًا في خرقة أبقاه فيه خمس دقائق، ثم أخرجه وسقى الماء للمريض وقال له: «نم الآن وقم معافًى بِإذن الله تعالى.»
فقال الأسقف: «أتشفي الملك بهذا العلاج البسيط؟» فقال الحكيم: «نعم، إن لم يكن ملوككم من طينة غير طينة بقية الناس.» فقال البارون: «قم بنا سريعًا إلى خيمة الملك فإن شفيته فبه، وإلا أصابك من يديَّ مرض لا يقبل الشفاء.» وقبل أن يخرجا رفع المريض رأسه، وقال: «بالله عليكما أخبراني أين سيدي.»
فقال الأسقف: «إن سيدك قد أُرسل بمهمة ولا يرجع قبل بضعة أيام.»
فقال البارون: «لماذا تخدع الرجل؟ يا صاح، إن سيدك قد رجع وستراه عن قريب.»
فألقى المريض رأسه على الوسادة ونام، وفيما هم خارجون، قال الأسقف للبارون: «أحسنت؛ فإن تطمين المريض لازم لشفائه.» فقال له البارون: «ما تعني يا مولاي؟ أتظن أنني أتكلم بالكذب ولو أحييت بكلامي عشرة مثل هذا الرجل؟!»
فقال الأسقف: «ألم تقل إن سيده؛ أي الفارس صاحب النمر الرابض، رجع من سفره؟»
فقال: «نعم، قلت ذلك، وقد رأيت هذا الفارس منذ بضع ساعات، وتكلمت معه، وهذا الطبيب أتى بصحبته.» فقال الأسقف: «ولماذا لم تخبرني قبل الآن برجوعه؟»
فقال البارون: «ألم أقل لك إن الطبيب جاء مع هذا الفارس؟! ولكن ما دخل رجوع الفارس بحذاقة الطبيب وشفاء الملك؟»
فرفس الأسقف الأرض برجله وقال: «له دخل كبير.» ثم قال: «ولكن أين ذهب، فلا بد من أن خطأ قد حدث؟»
فقال البارون: «هو ذا خادم آخر، فلنسأله عن سيده.» فنادياه ولما وقف بين أيديهما سألاه عن سيده، فقال: «إن قائدًا من القواد دعاه ليمضي إلى الملك قبل مجيئكما.» وحينئذ بلغت حيرة الأسقف أشدها فاستأذن من البارون بالانصراف، فتبعه البارون بنظره مستغربًا أمره إلى أن غاب عنه، ثم سار هو والطبيب نحو خيمة الملك.