2
تقرأ على صفحة الخميس 1 ذو القعدة 1424هـ، الموافق لـ 25 دجنبر 2004 م إشارة إلى قصتك: "الطيور تهاجر لكي لا تموت..."، والتي كتبتها في أواخر تسعينات القرن الماضي، وضرورة إعادة كتابتها بتقنية السيناريو، حتى لو تأخرت حتى الصيف، وفي الورقة الخاصة بأول يناير2004م ملاحظة عن فن كتابة القصة القصيرة...
***
تقلب الأوراق، تكتشف أن ثمة صفحات تـمّ اقتطاعها بمهارة بمقص، حتى لا تضيع أوراق الضفة الأخرى، ولأن المفكرة كانت باللغة الفرنسية، فقد بدأت الكتابة من اليمين.. من آخر التقويم الميلادي. تلفت نظرك ورقة من دفتر مدرسي مطوية بعناية، تحتضن أوراقًا معينة من المفكرة، تتلصص عليها، تزفر: "إنها أيام الألم البغيض"، تعيدها إلى مكانها، وتبحث عن البداية.
***
في صفحة يوم 24 دجنبر 2004م كتبت:
لقاء الخميس :
أنا لم أشغل بالي بك، إلا بعد أن التقينا أكثر من مرة، وتحدثنا.
أول مرة رأيتك فيها.. عند زيارتكم للبيت، حيث كنت أعمل وحدي. كان معكن أخوك "امجيد"، وقال لي : إن الملاط ينقصه الإسمنت.
(كان هذا اللقاء، بعد عودتها من العمل مساءً، في أحد الأزقة القريبة من بيتها).
في لقاء الأحد، يوم عطلتكما.. التقيتما، كانت ذاهبة لقضاء أمسيتها عند أختها، التي تسكن قريبًا من حيّكم.
لا أحب الرجل الذي بدون شارب..
ولكن "امجيد" بلا شارب...
ذلك أخي. لو كنت أخي، لكان الأمر عاديًا.
(سبق أن كتبت عن شاربك في قصة: "وشاية بأصدقائي"، وعدت مرة أخرى للكتابة عن "سعادك" في نص آخر، وبلغة أكثر شجنًـا، وبلا تباكٍ. كتبت عنها، بعد سنوات من التشرد العاطفي!).
***
في مقصورة قطار الجديدة، غاص قلبك في بحيرة شجن، وقد خدّر حواسك عطر المرأة المجاورة لك، والشمس تحنّ إلى معانقة سمرة المغيب الشاحبة. شرد لبك برهة، وأنت على شفير النشيج..
قبل سبع سنوات، مدججًا بالأشواق كنت تنتظر اللحظة، التي ترسم فيها الشمس تلويحة وداع على الجدران. تنتظر الساعة الخامسة والنصف، حيث تغادر الورش، وكأن الريح تحتك، في اتجاه الملتقى، مختلسًا لحظات بهجة في حضرتها.
في الطريق، فكرت في قرار ربّ الورش بأن تعودوا إلى التوقيت العادي؛ لن تغادروا حتى الساعة السادسة مساءً، تلعن فصل الربيع، وتتمنى لو أن كل فصول السنة خريف وشتاء، حيث تداهم العتمة الورش مبكرًا. لن تغادر إلا بعد وصولها إلى البيت، ولن يمكنها أن تخرج بعد ذلك.
في طريق عودتكما إلى بيتها، انتابك فرح غامر، وهي تلمّح - وبنبرة ملتاعة- إلى أنكم أوشكتم على الانتهاء من البناء. أدركت أنها تحبك وستفتقدك.. حتى لو لم تنطق بهاتين الكلمتين العذبتين.
أهو الخوف من ألا تراك ثانية؟
في الصباح، بدوت حزينًا، عند نقلك إلى ورش آخر، بدون سابق إعلام، ومن مقر عملك الجديد، أرسلت إليها رسالة قصيرة ((sms تبلغها بذلك. مساءً، عند وصولها إلى البيت، اختلست سعاد نظرة إلى الورش، ولاح لها صديقك، الذي تمازحه بــ"أخو البْهَايْمْ" واقفا في الشرفة، ولأنه كان في مثل سنك، فوجئت بها تتهمك بأنك تتهرب منها.. رأيتُكَ، وكنتَ ترتدي "جاكيت الجينز". وفي دقائق، وجدت نفسك عند الورش، تصبّ جام غضبك على صديقك.
لا تنكر أنه من أهداك هذا الحب، حين أخبرك - لأنه كان يبيت في الورش- أنها تمرّ في هذا التوقيت. لكن، ليس معنى هذا أن يستمر في مراقبتها، وهو من رآها عند دكان بقال الحي، ولم تكن ترتدي الجلباب.. ثارت ثائرتك : لماذا تخرجين ليلا، وأنت تعرفين أن المكان مليء بالبنائين، وأغلبهم بدو وأوباش؟ فليذهب غيرك للدكان. أنا جئت للاتصال بك. لا تتصلي بي، ولا تخرجي ليلا.. ثم ماذا كنت ترتدين؟ هل تظنين نفسك في البادية، حتى تخرجين بثياب البيت؟
قبل أيام، أخبرتكَ أن هناك من اتصل بصديقتها هاتفيًا، وخمنتْ أن يكون ذلك الشاب، الذي كان يتلصص عليها، وهي تركب رقم صديقتها في مخدع الهاتف العمومي، المجاور للدكان، فحفظ الرقم.. زفرت: هؤلاء الغوغاء، أولاد القـ...
أرسلت إليها رسالة قصيرة ورنة، تعلمها أنك قريب من البيت، وأنت تعرف أنك لن تراها، ولن تطل من الشباك في وجود أخيها، كئيب السحنة.. أف، لماذا خلق الله للحبيبات إخوة نتعذب بسببهم؟ هجرت نادية، وهي مغرمة بك، باحثًا عن حب آخر، بسبب إخوتها البغال.