4

4 0 00

4

الخميس 3 يناير 2013م :

هذا صباح الخسارات بامتياز، تفتح مبكرًا على أمل أن تبدأ نهارك بصباح مختلف.

غبّ ساعةٍ من الكنس ورش الماء أمام المحل، جاء ذلك البدين يطلب منك أن تقوم بتثبيت يد الساطور، رغم أن هذا ليس اختصاصك، حيث تنتهي مهمتك عند بيعهما منفردين. كنتَ قد فتحتَ برنامج الـ"وورد"، وشرعت في الكتابة، وكنت على وشك أن تكتب عن إمكانية كتابة رواية من لا شيء.

اعتذرت له بأنه لا وقت لديك، وقد يأتي الزبائن. أمام رجائه، انزلق الساطور، وأصبت بالتهاب، بصقت على الأرض.. بلا لعاب، ولعنت هذا الصباح. ثم آتى صبي الحداد، ليبتاع منك صباغة ذهبية، لم يكن المبلغ الذي في حوزته كافيًا، ولأنك لم تبع أي شيء من ذلك الصنف، آثرت التخلص منه، ولو ببعض خسارة، لكن سرعان ما عاد الصبي ملطخ الثياب واليدين. أيقنت أنه وقع أرضًا، لأنك لمحت على غطاء العلبة المعدنية أثر ارتطام بالأرض، وادّعى أنك أعطيته العلبة مفتوحة، أعدت إليه ماله، وشتمته. جن جنونك عند فتح الآنية. اكتشفت أن نصفها ضاع سدى مثل عمرك وعمر "مبارك"، الذي رفض اقتراح أصدقائه بأن يقدم ملفه للتعليم، لكنه أبى أن يكون أستاذًا، حتى يكون دكتورًا..

"لقد أخطأنا في الحساب"، هتف "مبارك" أمس، وأنتما تتناولان وجبة فطوركما، وروى نكتة ذلك الذي يتسول درهمًا، بعد أن ضيع الميراث. اعتقد أن ثروة أبيه ستضمن له عيشًا كريمًا حتى مماته، فتبخر المال قبل أن يشيخ، ووجد نفسه مجبرًا على التسول - بعد أن صار عاجزًا عن العمل- قائلا للمارّة: "شي درهم على الله، راه غلطنا في الحساب".

***

أمس، بدا صديقك "مبارك" على غير عادته. علمت أن تاجرًا يزوده بالبضاعة قام بدفع الشيك. هذا ثاني شهر يقترض منك مالا من أجل تجاوز ضائقته المالية.

لم تخبره، هذا الصباح، أن تلك التي سمّاها: "الهجيجيلة" (تصغير أرملة)، والتي تعودتَ أن تتعقبها بنظراتك، وتكون بصحبة ابنيها الصغيرين، وهما في طريقهما إلى المدرسة. تأسرك عجيزتها، التي تتعمد دومًا أن تبرزها بارتداء جلابيب ضيقة، رغم أن ملامحها تفتقر إلى لمسة بهاء تسرق النظر.

أول مرة، رأيتها تلتفت خلفها قبل أن تنعطف، لتتأكد إن كنت تلاحقها بنظراتك النهمة.

هو يوم مشؤوم كمؤخرتها!

***

ذات صباح، لاحظ "مْعايْـط" أنها ترمي بصرها ناحيتكم، وأنتم جالسون أمام المحل، قال "مبارك": "إنها مغرمة بي، (ولأنه أكبركم سنّا استطرد بلهجة واثقة)، هي لن تقلق لو ارتبطت بي، لأنني متزوج وراشد"، وضحكتم حتى الدمع.

وأنت تثبت عصا الساطور، التفت إلى واجهة المحل، وانتبهت إلى أنك لم تضع مكنسة بدل تلك التي بعتها قبل أيام. حين قمت بضرب العصا على الأرض، لمحت شرخًا في المكنسة الخشبية.

بعد عودتك من محل الحداد، أبلغك قريبك الصبّاغ "كريم" أن الملوِّن الزيتي قد جف، رحت تتأكد من ذلك، فوجدت القارورات الخمس المتبقية قد يبست، ورفض من اشتريتها منه تبديلها، لأنه لن يعيدها إلى الشركة، قائلا : "أنت لا تريد الخسارة لنفسك، وتريدني أن أخسر. لا بد من الخسارة. إنك تزكي عن المحل.. ماذا لو شبت فيه النار، واحترق كل شيء؟...".

***

زوالا، استفسرت زوجتك عن سبب تأخرك ليلة البارحة، أجبتها بأنك كنت تكتب. قالت : "براءة.. هذه المرّة". قبل مغادرة الحجرة، سألتك: "عمّاذا تكتب؟"، قلت بنبرة متأرجحة بين الجد والهزل: "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول".

***

ذات زوال بهيج، كتبت لك سعاد :

امحيني من بالك، وستنام.

أرجوكِ، أخبريني.. لم صرت أستيقظ في منتصف الليل، أمّا نهارًا، فحدث ولا حرج.. ماذا أفعل حتى لا أفكر فيك؟ هذا ليس حبًّا، وإنما عذاب.

لا أستطيع... أنت الروح التي أحيا بها.

اتصلتَ بها هاتفيًا، وتمنيت لو توقف الزمن عند شهر يناير؛ أسعد شهر في قصة حبكما. أخبرتها أنك تناولت غداءك بصعوبة.. ربما، لأنك أحسست بأن قصة حبكما على شفير النهاية. لكن، ما الذي سيجعل شهر يناير أتعس الشهور فيما بعد؟ هل كانت زوجتك محقة حين وصفته بأنه شهر اكتئابك بامتياز، بعد أن قرأت قصتك: "نشيج الروح"، التي كتبت فيها عن أصعب فراق، بل ألهمك الهجر لتكتب عن سعاد عدة نصوص؟

قبل أن تتوب عن الهوى، عشت في أكذوبة كبرى، بعدما فقدت الثقة في كل النساء؛ رميت قلبك لمحترفات بيع الهوى على ضفاف العالم الافتراضي. كان ذلك مخدرك العاطفي، بعدما نذرت نفسك للوحدة و"العزوبية"، وكلما سـألتك أمك: "متى ستتزوج؟"، ترد بجفاء: "...لا أريد!".

***

بعد عودتها من المعمل مساءً، كتبتْ بنبرة تشي بقلقها :

إن كان ما فهمته... تَزَوَّ... لن يقع لي أي شيء. سعادتك....

أعدت قراءة الرسالة النصية أربع مرات، وتضاعف قلقك:

حرام عليك، لماذا تذكرينني بما أريد نسيانه؟

بعد نصف ساعة، وصل ردها :

حين أخبرتني أنك لم تستطع أن تتناول غداءك زاد قلقي. سترتاح الليلة مني، أنا متعبة جدًّا.

ليلة سعيدة حبي الأخير.

تـزلزلك عبارتها الأخيرة. تذكرك بلقائكما في تلك الخلوة، حين أسندتْ رأسها إلى فخذيك، وأقسمتْ ألا تعرف أحدًا بعدك..

نم لكي ترتاح، انساني حتى لا تصاب بالأرق.

أحبك جدا.

ليلة سعيدة حبي، أنام وأنا أستمع إلى أغنية "الداودي" التي تذكرني بأجمل الذكريات. لن تجدي من يحبك مثلي، ولن أمنح قلبي لأية امرأة أخرى.

انقلبت أجمل الذكريات دموعًا. هل كانت تعرف "نجاة" أنك كنت معي أمس؟ عذرًا، أنا رومانسي أكثر مما ينبغي. لا أدري لم لا أكون مثل الآخرين. تعالي نتفق ونطفئ جهازي الهاتف المحمول. ينتظرني، غدًا، الكثير من الشقاء في العمل، وأحتاج إلى أن أنام مبكرًا..

أرسلتْ أيقونة دامعة، وكتبتْ : "وأنا أيضًا... نجاة لا تعرف".

لم تفهم، حينئذ، أنها كانت تعني أن الذكريات الجميلة أدمت قلبها، فذرفت دمعها، فكتبت مستفسرًا: "ماذا تقصدين بأنت أيضًا؟".

لم ترد، وقضيت ليلة مسهدة، مترقبًا رسالة قصيرة تطفئ لهيب قلقك..

صباح الخير، هل نمت جيدًا؟

صباح الخير توأم روحي. لا.. ولم أحب أن أزعجك.

***

تحاول مواصلة قراءة مفكرتك الخضراء اعتباطيًا، سطر من هنا، سطر من هناك. تربكك هذه اليوميات.. يبدو أنه يتحتم عليك أن تنهي هذا الفصل هنا، وأن تنعم بقسط من الراحة، وببعض التسلية بعد قدوم "البصبوص"، رغم أن ريح "الشرقي" أفسدت طعم بقية النهار، وهي تتوغل في مسامك، رغم كل الملابس.

***

الجمعة 4يناير 2013م :

صباحًا، حدثك عمك عن عزمه وأحد أصدقائه شراء بقعة أرضية، لأنه يبحث عن مصدر لتحسين دخله، بعد أن ضاق بمهنته كبنّاء، بينما هناك متطفلون، غرباء عن المهنة صاروا أغنياء عقار.

أيقنت أن كل شيء يتمحور حول المال، لم تشأ أن تخبر أحدًا عن تلك المكالمة، التي جاءتك في وقت مبكر؛ اتصلت بك زوجتك لتبلغك أن نتيجة اختبار الحمل المنزلي إيجابية، وسألتكَ: "ماذا تعني؟"، قلت بفتورك الصباحي المعهود: "حامل".

قبل شهرين، كانت تنتظر هذه النتيجة على أحر من الجمر، وليلة البارحة، طلبت منك الذهاب إلى صيدلية لابتياع دواء مسكن للألم، ورجتك ألا تحضر جهاز اختبار الحمل، فنامت كسيرة: "لا أريد أن أصدم مرة أخرى".

***

عاتبك "مبارك" باسمًا :

تترك زوجتك، وتتعقب بقية النساء...

لذت بالصمت، لم تقل له إنها رياضة للعيون، وتسلية بريئة في جو كئيب كهذا.. حتى بشرى الحمل أحسست أنها تهم شخصًا آخر غيرك، فــ"الفرح ليس مهنتك". لقد صرت ماديًّا أكثر مما ينبغي، قد تفرح بنشر نص ما في مجلة سيارة، لكن سرعان ما يتبخر الفرح، ويصير الأمر عاديًا جدًّا، كسائر الأحداث الرتيبة في حياتك اليومية.