3
في اليوم الثاني من العام الجديد تبدو مكتئـبًا. رغم أنهم يرددون- كل عام- تلك العبارة البلهاء :"سنة سعيدة"، نمت ليلة رأس السنة مبكرًا.. كنت حزينًا، وناقمًا على كل شيء..
تتذكر، الآن، عبد الله "البصبوص"، والذي جعل المتجر لا يطاق بتلك الرائحة، بعد خروجه من دورة المياه. علق "مبارك" في دهشة : "كنت أشم رائحة غريبة، ولا أعرف مصدرها". كان يجلس أمام المتجر، حيث تمارسون هواية التلصص..
زوجتك طلبت منك أن تتوقف عن تصفح تلك المواقع المشبوهة، فرويت لها مقهقهًا ما حدث ذات تلصص؛ أشرت إلى "مْعَايْط" أن يقترب منك، كان المقطع فيديو لامرأة تقوم بمداعبة (...)، ذلك الرجل الذي احتك بها في الزحام. ضحك "معايط"، بينما ذهب "مبارك" ليصلي العصر، وكأن شيئًا لم يحدث.
"مبارك" صديق الخيبات، أربعينيّ، مجاز في الفيزياء، لم تؤهله شهادته سوى للعمل في "محلبة"، ثم بائعا متجولا، وأخيرًا بائع عقاقير.. بيد أن ما يشدك فيه أنه يعيش حياته بلا أقنعة الملتحين، حتى لو كان مظهره يوحي بالتجهم الزائف مثلهم، تمامًا مثل قريبك عبد الله "اللحية"، المتعاطف مع جماعة إسلامية محظورة، ولكنه يشهق عند رؤية عجيزة مترجرجة، فيتمنى - متحسرًا- لو كان بإمكانه أن يزني؛ إذ يخشى عقوبة الرجم، لأنه متزوج، ويستطرد قائلا: إنه يمزح فقط، فهذا الاشتهاء مجرد شحن للبطارية.
تتذكر، هنا و..الآن، مقالا كتبته كرد فيسبوكي على أحدهم، رفضت نشره جريدتان.
***
البصبوص - وبعد غياب طويل- أخبركم أنه كان في زيارة. سألته - أنت ومبارك- : "ألم...؟". قال إنه كان في زيارة أماكن طاهرة. مازحته كان بإمكانك أن تستغل أي زحام و... ثم سألته : "ألم تعد إلى حي (عانقني)"؟، وذكّرته باليوم، الذي أخبركم فيه أنه ضاجع ثلاث عاهرات في أحد بيوت اللذة.
أغرقتم في الضحك، وهو يخبركم أنه كان - بعد كل شوط - يذهب لتناول كأس عصير في محلبة مجاورة. قال متحسرًا : "لم يعد هناك سوى بيتين، لم تبق سوى "العوراء" المجاورة للجزار".
سألته : "أين اختفى كل هذه الشهور؟ لا شك أنك تزوجت وأنجبت!".
كالعادة، لاحظت تهربه من موضوع الزواج، وعمره يزحف نحو الأربعين، فأشار بيده إلى دراجته الهوائية بعد التحسينات.
***
أيها "الأخ" الفاضل :
لقد اتهمتني بالاستعلاء، ومن حقي أن يكون لدي بعض الغرور، كمبدع؛ ستعذرني لو عرفت ما أمتهن في حياتي اليومية، وتلك الدونية القاتلة التي أكابدها... في كل ثانية! أنت لا تعرفني ولن تعرفني أبدًا. أكتب عن المهمشين، وأصادقهم، ومع ذلك لن أسمح لأي شخص ملتحٍ بأن يمارس علي دور خليفة الله (عز وجل) على أرضه.. لعلك لمحت بعض المقاطع الموسيقية في صفحتي، فاغتنمت الفرصة لكي تجلدني بسوط كلماتك أمام الملأ.. نعم أحب الموسيقى، وقد أبكي عند سماع المنشاوي أو عبد الباسط عبد الصمد، وحتى خوليو - مع أنه مسيحي؛ ورغم ذلك أحب هذا المسيحي؛ مثلما أحب كل الأنبياء، وربما سيدنا موسى (عليه السلام) أكثر، من خلال مقطع مجوّد لعبد الباسط عبد الصمد، لكن وجدتني أمقت ذلك التاجر اليهودي المغربي. لم أكن أرغب في شراء أي شيء منه؛ فقط الفضول الذي دفعني لزيارة محله، ومعرفة إن كانت ملامحه تشبه ملامحنا، ووجدت من غير اللائق أن أسأله أو أسأل مستخدميه إن كان هذا محل اليهودي، مع أن هذه شهرته في سوق "بِــيّاضة" (سوق الجملة في البيضاء)، لكن أحد أبناء الحلال قال لي: اسأل عن "مليح". هكذا أنقذني من هذه الورطة!!
بعد مغادرة محله، علق الاسم في ذهني، أولا، لأنه اسم كاتب مغربي يهودي، وأيضًا، وهذا هو الأهم، أن أحد أصدقاء مرحلة الدراسة الإعدادية كان اسمه "مليح".. (ترى هل كان هذا الصديق يهوديًّا، ونحن لا نعرف؟!). هل تعرف أنني ارتحت لعدم ارتياحه لي، لأنني فضلت أن تكون السلع التي أتبضعها من تجار مسلمين، حتى لا أساهـم، عن غير قصد، في أن تكون بعض دراهمي من تلك الزكاة، التي ترسل إلى تل أبيب.. (أظنك تعرف أن للتجار زكاة، لا يدفعها أغلبهم، لكن اليهودي يرسلها إلى بني جلدته الصهاينة (لا تتخيل مقدار الاحتقار الذي كان يرمقني به؛ احتقار يهودي لمسلم..!!!).
عذرا للإطالة، فأنا روائي، وتأسرني التفاصيل...
قبل رحلة البيضاء، كنت قد فكرت أن أكتب نصًا عن علامة تجارية شهيرة (إسبانية الأصل)، يحتكرها تاجر يهودي، ويساهم كل المسلمين بإقبالهم عليها - بسبب جودتها الفائقة، وأيضا هروبًا من التقليد الصيني المشوّه والرخيص، الذي غزا كل أسواق العالم- في قصف إخوانهم الفلسطينيين. وللأسف، من يقبل على هذه العلامة التجارية بناؤون، حدادون ونجارون مسلحون لا يفقهون أي شيء، ولا تتهمني مرة أخرى بالتعالي والغرور، لأنني أكتب عن شيء أعرفه، فأنا أتعامل معهم يوميًا.
أتمنى أن يكون انطباعك الأول قد تبخر، ولن أسامحك إن تصورت - ولو بينك وبين نفسك، أنني ملحد- لأنني أحتقر أي مبدع مغربي أو عربي بمجرد معرفة أنه ملحد، وأظنك تعرف أن الكثير من المبدعين العرب ملحدون.
أحدهم على حافة القبر، وما زال يصر على أن يبقى ملحدًا! ذات نقاش عابر - أظنه كان بسبب تطرفي الأخلاقي، واستهجاني لمشهد ما- صدمت بأنه يعتبر المنظومة الأخلاقية والدين اختراعين بشريين، تمّ توارثهما منذ عهد الفراعنة لبسط نفوذ طبقة ما من أجل مآرب أخرى، والأنكى أن صاحبنا ينكر وجود الله (عز وجل)!!!.
لقد غاليتَ، أيها "الأخ"، وبحماسة دينية لا محل لها من الإعراب في تأويل كلماتي، التي كانت مجرد تنفيس عن غضب ما، غضب آني على كل حال. لأنني لا أحب الملتحين، وأيضًا لأنهم خذلونا؛ ألم ترَ بنفسك ما فعلته بنا حكومة بنكيران؟ لمَ لمْ تعلق على استعلاء المدعو أبو زيد، وأنا الذي حاور كبار الكتاب العرب، وجمعت كل تلك الحوارات بين جناحي كتاب اخترت له من العناوين: "نكاية في الجغرافيا"، سيصدر قريبًا بمشيئته تعالى عن دار نشر عربية، و أبو زيد مقارنة مع من حاورتهم لا شيء.. لا شيء؟ لمَ لمْ تعلق على تعبير "مريض بالحنين"، هذا المرض الذي جعل صديقي الأميّ يتطاول علي ممارسًا دور المهدي المنتظر، فقط لأنني ذكرته ببعض أغاني "نصرو"؟
أخي.. كان يفترض أن أنام قبل ساعتين ونصف، وهأنذا أنتزعهما من سويعات راحتي، لأكتب ردًّا عابرًا قد لا يعني أحدًا، لكنك أسأت إلي، وأنت لا تعرفني.. اعتقدتَ أنني مجرد كائن فيسبوكي تافه، يستفز الآخرين بحثًا عن الشهرة. وقبل أن أنهي كتابة تعليقي أشير إلى أنني انتبهت إلى أنك ملتحٍ، وأدركت لم استفززتني بتعليقك (ربما تصورت أنني أسخر من قاموس الأربعة عشر قرنًا، بينما لم تدرك المغزى الحقيقي لكلماتي المخاتلة؛ فأنا أهوى إرباك الآخرين، وهذا ما تعلمته من الكتابة السردية، فصرت أعشق هذا الإرباك السردي. ولكي أبسط الأمر، أقول لك وحدك: لست بحاجة إلى أي شخص (يتصور أنه مالك الحقيقة المطلقة) كي يعلمني ديني، فهذه الأشياء نعرفها بالفطرة، وككاتب يهمني معرفة أشياء أخرى، تفيدني كمبدع.. أشياء أصادفها في حياتي اليومية ولا تنتبه إليها أنت، بدل أن يضيع شخصٌ مقيتٌ وقتي، ويوقفني في الشارع كشخص مشتبه فيه، ويحدثني عن جهنم، التوبة و..و..و.... أنا مبدع، وممتن لرب الكون تعالى لأنه وهبني هذه الملكة، وبفضلها "تصعلكت" ثلاثة أيام في السودان، بعد أن كنت مجرد بنّاء منسيّ يتعجب زملاؤه المبدعون لإصراره على الكتابة.. رغم كل الظروف.
أخيرا، ثق أن الفيسبوك مخادع، وكذلك المظاهر...
***
في لقاء الأحد، سألتك سعاد عن تاريخ اليوم، قلت لها:
الثالث عشر.
هل نسيت؟
.....
بعد يومين ستشرعون في الورش الجديد.
استحضرت صاحب البقعة المجاورة للورش، وحزنت لأن شهورًا إضافية من السعادة حذفت من يوميات قصة حبكما.
قلت بأسى:
يبدو أنه كان يريد معرفة أسعار البناء فقط.
كان بالي مرتاحًا، بمجرد أن أضع رأسي على المخدة أنام.. الآن أبقى أفكر فيك، وقلقة عليك.
(الجملة الحوارية الأخيرة وردت في روايتك البكر: "كائنات من غبار"، لكن أغلب من كتبوا عن الرواية أربكتهم التفاصيل، لأنك بدأت الرواية بهند. بيد أن ما ضايقك أن امرأة ما أخبرت زوجتك عن حبيباتك السابقات، فقلت، وأنت تزأر كأسد : "لو عرفت من هي لـ(...)، ماذا ستستفيد من كل هذا الفضول؟"، لكنها رفضت فضحها، واندهشتْ زوجتك حين عرفت أنك كنت مغرمًا بهند، التي كانت زميلتها. قلت لها : " كانت جميلة في مراهقتها. الآن تبدو بشعة...").
***
"إنها الثانية صباحًا، أتقلب في فراشي.. يا لها من ليلة مؤرقة يأبى فيها النوم أن يداعب جفنيّ. أفكر في الكلام الذي لم أقله لك، وفي ذلك الوغد، الذي صار يتعقبك... أفكر في أنني لم أكن عاديًا معك. لا يهمني أي أحد، ولا أحد يملي علي ما أفعل".
كتبتَ لها رسالة قصيرة معتذرًا، لأنك طلبتَ منها، في تلك الخلوة، أن تخلع سروالها، فاعتبرتك تعير أذنك لأقرانك الشباب، فأفتوا بضرورة ممارسة الحب معها.
... توسلتُ إليها، وهبتني ثديها البض.
كتبتَ لها : "سامحيني، لم أطق نفسي بعد الذي حدث. هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الرجل يتبع المرأة، لكن أن أكون معك مثلهم.. فهذا جرم لا يغتفر".
في تلك الليلة كتبت لها على الساعة التاسعة ونصف :" أنام الليلة في غرفتي، التغطية بها منعدمة.. أنا جد متعب، وأحتاج إلى الراحة. نامي ولا تفكري في. ارتاحي الليلة، فيوم الاثنين يكون دائمًا أسوأ يوم في الأسبوع. ليلة سعيدة."
***
عصرًا، كنت في مقهى نت، تنتظر أن يفرغ أي جهاز. عاودك ذلك الإحساس الكريه باليتم والخواء الوجداني، وبأنك مسؤول عن كل خطايا البشرية.. إحساس بالذنب لا يطاق، كتبت لها : "لو لم أكن في مقهى نت لبكيت. لا أعرف ما الذي حل بي؟".
ردّت في جفاء :
أنت حر، إن لم تكن تريد أن نلتقي اليوم، فلا داعي لذلك.
يومئذ، كانت مصممة على اللقاء.
هل يمكن أن تصف ذلك الأحد بأنه أجمل يوم في حياتك؟ لقد ضحيت بنصف عطلتك الأسبوعية، وجئت لتعمل في بيتها. على مهل، تعالج عيوب الملاط، واللمسات الأخيرة التي أهملها البناؤون؛ تعمل بدون مقابل، مكتفيًا بأن تكون قريبًا منها.. من ابتسام عينيها.
***
زوجتك مريضة، وأنت، هنا، تكتب بانتشاءٍ عن ماضيك العاطفي. أية خيانة هذه؟! ألم تترجاك، ظهرًا، أن تقفل المحل على الساعة السابعة ونصف، إنها التاسعة إلا ربع، سأخبرها بأنني بدأت في كتابة الرواية. يجب أن أكتب؛ فأنا غير راضٍ عن عملي..
"مبارك" طلب مني الكتابة عن ضياعنا المميز؛ ضياع مضاعف، لأن عملنا بلا مردود، بيد أن ما يؤلمني هو أقساط الشقة. المبلغ كبير جدًّا بالنسبة إلى عاطل مثلي. "يجب أن تكتب وتشارك في المسابقة"، هكذا حاولت مواساتي.. لكن، هل يمكن اعتبار هذيان كهذا كتابة روائية؟
خيالي صار معطوبًا، ووقتي نهبه زبائن كريهو المنظر. أحتاج إلى دقيقة تأمل، فأفشل فشلا ذريعًا في الظفر بها. اليوم، لم أستطع أن أختلي بنفسي. يجب أن أغادر هذه الخلوة المحببة. حبيبتي تشتكي دومًا من شعورها بالوحدة والاكتئاب.. لكن ماذا بوسعي أن أفعل؟ ويؤلمني أن تتعجب لقدرتي على النوم بمجرد وضع رأسي على الوسادة. إنني أعود متعـبًا، لأنني محبوس في المحل منذ الساعة السابعة والنصف صباحًا حتى الثامنة مساءً، (وفي الصيف يتمدد التوقيت الكريه حتى التاسعة والنصف). ثمة ساعة ونصف للغداء، وأحيانا ساعة لا غير. كتبٌ كثيرة متراكمة في البيت، وفي المحل وعلى الحاسوب أيضًا.. لكنها قد تتضايق كثيرًا حين تعرف أنني أكتب عن سعاد، لن أخبرها عن ذلك، ثم إنني أكتب من أجل مسابقة لا غير. سعاد لا تهمني الآن، ولا حتى قبل الزواج، إذ لم أرها منذ فراقنا..
أكتب من أجل أقساط الشقة. يكفي أنني عدت للكتابة في جريدة عراقية ككاتب متعاون، رغم أن تعويضها هزيل جدًّا جدًّا، وهذا أفضل من إرسال نص أو قراءة نقدية إلى إحدى المجلات العربية، ثم تنتظر نشرها شهورًا، وأخرى مثلها حتى تصرف المكافأة.