الفصل الثاني
كان قلب إدوين فلورانس في تلك الليلة ينبض بكثير من الاهتياج, كان قد جلس بمفرده في غرفته يسترجع الحوار الذي جرى أثناء مقابلته الأخيرة للآنسة ليمنور, وكانت ذاكرته خلال بضع ساعات قد قلّبت العديد من صفحات سجّل حياته. كم كان سيشعر بالسرور لو كان بإمكانه أن يحوّل بصره لكي يتفادى النظر إلى تلك الصفحات, لكنه لم يكن قد تمكّن من ذلك...
كان السجّل مفتوحًا أمام ناظريه وكان عليه أن يقرأه. كان وهو يقرأ يشاهد عيني إديث ينظران إليه. كانت نظرتها في البداية نظرة محبة وحنان كما كانت عليه في أيام تعارفهما الأولى, ثم تحولت إلى نظرة حزن وقد امتلأت عيناها بالدموع.
كانت يدها بين يديه بكل ثقة ثم كانت قد سحبتها بسرعة.
كانت يراها جالسة إلى جانبه تسند رأسها على كتفه، ثم كانت تُعرض عنه ببرود، وتسقط على الأرض أشبه بشجرة طرية حُرمت من الدعامة التي كانت تستند إليها...
آه... ليت كان بإمكانه فقط أن يمسح هذا السجّل من ذاكرته لكي لا يعود إليه بذكرياته، ولكي لا يعود لقراءته! كم كان يتمنى أن يشرب من مياه نهر النسيان لكي يكون بإمكانه أن ينسى كل ما مرّ به!...
والأكثر من ذلك الآن أن ما لقيه من تعنيف من الآنسة ليمنور يكاد يقوده إلى الجنون. كان بهجرانه إديث قد ترك قلبه يتوجه نحو
محبوبته الأخرى بكل إخلاص. لكنها صدمته الآن برفضها عرضه الزواج...
تلا ذلك ليلة من الأرق، ولم يكن الصباح قد جلب له كثيرًا من الهدوء, كما لم يكن قد جلب لروحه الكئيبة السكينة.
كان مع ذلك قد أصبح أكثر هدوءًا، وحلّ في نفسه شعور لطيف عندما عاد بأفكاره من جديد نحو إديث والتر. كان عندما عاد بذاكرته إلى المشاعر الرقيقة التي جعلت قلبه ينبض نحوها لمدة طويلة قد شعر من جديد بالتقدير لجمال شخصيتها وتساءل:
"كيف كان بإمكاني أن أفتتن بغيرها؟ ما هو ذلك السحر الذي أصابني عندما تعرّفت على الآنسة ليمنور؟"
كانت تلك هي الكلمات التي نطق بها دون شعور والتي أشارت إلى تغيّر مشاعره نحو الآنسة ليمنور, وكان ذلك التغيير قد بدأ يتزايد مع مرور الأيام إلى أن عادت عاطفته السابقة نحو إديث تملأ قلبه. لكنه كان قد تذكّر بأنه كان قد تركها بنذالة ما جعله يتساءل عما قد يكون موقفها تجاهه...
كان ضوء جديد قد سطع أمام عينيه حينذاك ما جعله يشعر بأنه لن يتمكن بعد ذلك من الالتفات إلى أي جمال أو لأي فتنة سوى في محبوبته الأولى.
تساءل: "هل بإمكانه أن يعود إليها من جديد؟ هل ستقابله؟ هل ستتيح له المجال لشفاء جروحها؟"
وكان قلبه قد ارتعش وهو يتساءل عن ذلك؛ لأنه لم يكن واثقًا من الإجابة التي ينتظرها.
كان إدوين فلورانس قد قرر آخر الأمر بأن عليه أن يجتمع بإديث؛ لكي يحاول إصلاح ما نجم عن سوء تصرفه تجاهها, وبأن ذلك سيكون لأجلهما معًا لأجلها ولأجله...
كان قد اتخذ ذلك القرار بعد مرور ثلاثة أشهر على رفض الآنسة ليمنور الارتباط به، لكن عدة أسابيع كانت قد مرّت قبل أن يتمكن من إرغام نفسه على التصرف وفق ذلك القرار. لم يكن إدوين فلورانس طوال تلك المدة قد التقى بتلك الشابة, كما لم يكن قد عرف عنها شيئًا.
كان مساء ذات يوم من أيام الخريف قد توجّه نحو المنزل الذي تقيم فيه مع خالتها تتنازع قلبه عدة مشاعر. كانت محبته للآنسة إديث قد عادت إليه بذات العنفوان ما جعل روحه تهفو إلى العلاقة السابقة بينهما.
طرق الباب وكان عندما فتحت له الخادمة الباب قد سألها:
"هل بإمكاني أن أقابل الآنسة والتر؟"
أجابته الغريبة: "تفضل بالدخول."
وكان فلورانس بذلك قد دخل إلى البهو الصغير الذي كان قد أمضى فيه ساعات طويلة مع إديث. ساعات لا يمكن أن تُمحى من ذاكرته... ساعات سعيدة أكثر مما بإمكانه أن يصفها... لكن تلك الذكرى كانت قد أحرقت قلبه بالألم وكان وهو ينظر حوله إلى الأشياء التي كان عرفها قد شعر بمشاعر غريبة...
كان بعد وقت قصير قد سمع وقعًا خفيفًا لأقدام كانت تنزل السلالم وتتوجه نحو الممر، ثم فُتح الباب. ها هي إديث أخيرًا... لا... لم تكن إديث بل كانت تلك خالتها مَنْ دخلت البهو.
نهض الشاب ـ وهو يلهث ـ استعدادًا لاستقبالها ومدّ يده لكي يُحيّيها لكنها أعرضت عنه و قالت له ببرود:
"أهلًا سيد فلورانس!"
وكان فلورانس قد همس:
"كيف حال إديث؟"
أجابت خالتها: "إنها تتراجع بسرعة."
كان إدوين قد ترنح وتراجع إلى الخلف. جلس على أحد المقاعد وسألها ـ وهو يرتجف ـ:
"أهي مريضة؟"
كانت خالتها قد أجابته بطريقة تنم عن الكثير من الامتعاض:
"هل تسأل عما إذا كانت مريضة؟ إنها تموت."
قال السيد فلورانس بأسى: "تموت؟"
ثم سأل من جديد:
"هل هي مريضة منذ زمن طويل."
قالت خالتها:
"إنها تموت منذ أربعة أشهر... وهي تموت يومًا بعد يوم."
كان في نبرة صوتها ما يشير إلى الاتهام ما جعل الشاب يفهم على الفور ما تعنيه. لم يكن ذلك ما كان يتوقعه من تلك الزيارة.
سأل من جديد: "هل بإمكاني أن أراها؟"
كانت الخالة قد هزت رأسها بالنفي وقالت:
"دعْها ترحل بسلام."
قال فلورانس:
"أرجوكِ لن أزعجها وإنما سأعمل على تهدئتها... أرجوكِ دعيني أراها فقد يكون بإمكاني أن أعيدها إلى الحياة!"
قالت الخالة: "فات الأوان... فهي مُشارِفة على الموت."
كان إدوين قد وثب على قدميه، وقال من جديد ـ بانفعال شديد ـ:
"دعيني أراها! دعيني أراها!"
قالت خالتها: "لو رأتك وهي في تلك الحالة فسوف تتسبب بإطفاء ما تبقى من نبض الحياة فيها. اذهب أيها الشاب! فقد فات الأوان! لا تحاول تحريك المياه التي كنت قد أثرتها لمدة طويلة بعد أن رقدت بهدوء... دعْ روحها ترحل بسلام!"
كان فلورانس قد ارتمى في مقعده من جديد. جلس هناك لبضع دقائق وهو في حالة من الشلل العقلي.
أما في الغرفة الأعلى فكانت إديث الشاحبة مُمددةً هناك إلى جانبها شابة كانت مُمسكة بيدها النحيلة. كانت تلك الفتاة تعيش معها منذ سنوات أشبه بشقيقة لها. كان وجه المريضة موجَّهًا نحو الجدار. كانت مُغمضَة العينين تتنفس بهدوء.
وكان أحد الخدم قد دخل الغرفة بعد حوالي عشر دقائق، وهمس لتلك الفتاة بأن هناك شخص في البهو. كانت إديث قد استدارت على الفور وقالت لرفيقتها بصوت خافت هادء :
"لابدّ أن السيد فلورانس قد جاء."
ما جعل رفيقتها تُصعق ويصعد الدم إلى وجهها.
وأضافت الشابة المشارفة على الموت بكل هدوء:
"لابدّ أنه الآن في الردهة. ألن تطلبي منه الدخول؟"
كانت رفيقتها بعد بضع دقائق من التردد قد نهضت متسلِّلةً خارج الغرفة، وكانت قد وجدت الخالة والسيد فلورانس بانتظارها في الممر. كانت الخالة قد استجابت أخيرًا لرجاء السيد فلورانس بعد كل ما كان منها من رفض ومعارضة...
قالت الفتاة: "أبدت لي إديث رغبتها برؤية السيد فلورانس."
سألتها الخالة بدهشة: "من الذي أعلمها بوجوده هنا؟"
"لم يعلمها أحد بذلك فأنا نفسي لم أكن أعلم بذلك."
قال السيد فلورانس: "إنه قلبها... لابدّ أن قلبها قد أعلمها بوجودي هنا"
وكان وهو يتحدث قد تجاوز الخالة بخطى سريعة ودخل إلى الغرفة التي ترقد فيها المريضة المشارفة على الموت.
كانت إديث عندما دخل إلى الغرفة تنظر إلى الباب لكن لم يكن في نظرتها أي تعبير.
لم يكن بإمكان فلورانس عندما شاهد ما تبقى من الشابة التي كان قد أحبها والتي كان قد أساء إليها بكل قسوة, أن يتمالك نفسه وكان قد ارتمى على مقعد إلى جانب سريرها أشبه بطفل وبدأ يقبل جبينها ويديها ما جعل دموعه تسيل على خديها.
كانت الخالة قد لحقت به بسرعة وأمسكت بذراعه بقوة وبدأت تسحبه إلى خارج الغرفة لكن المريضة قالت لها بصوت خافت:
"لا...لا... دعيه هنا... كنتُ بانتظار قدومه... كنتُ أعلم بأنه سوف يأتي إليّ وها هو هنا الآن."
ساد الصمت لبضع دقائق وكان فلورانس قد جلس إلى جانب السرير وهو يحاول السيطرة على مشاعره., بينما كانت الخالة والصديقة ـ بإشارة من المريضة ـ قد انسحبنا من الغرفة وبذلك بقيت المريضة بمفردها مع الشخص الذي أحبته والذي كان قد لعب بمشاعرها...
كان إدوين عندما أُغلِق الباب عليهما قد نظر إلى إديث وقد بدأ يشعر بالسكينة وقال لها بصوت يفيض بالحنان:
"حاولي أن تعيشي لأجلي."
لكن إجابتها كانت:
"ليس هنا... ليس في هذا العالم... فقد تحطمتْ الكأس الذهبية وتفكّك الوثاق..."
قال فلورانس: "لاتقولي هذا إديث! دعيني أعيدك إلى الحياة. لا زال العالم جميلًا وسوف يكون بإمكاننا أن نلقى السعادة معًا."
أجابت المريضة: "لا إدوين! انتهى تاريخ أيام حياتي هنا وها هي الملائكة على وشك قطع ما يربطني بالحياة. أنا ذاهبة إلى المكان الذي لا يمكن أن يتسبّب لي فيه أحد بالحزن. كنتُ أرغب بأن أراك لمرة واحدة قبل أن أرحل عن العالم, وها أنت هنا الآن وأنا سعيدة بذلك. كانت شمس حياتي قد غابت عندما أعرضتَ عني وكانت الزهرة التي نشرت عطرها في الضوء قد ذبلت... ها قد عاد الضوء إلى حياتي لكن لم يعد سواك بإمكانه أن يُعيد الانتعاش والجمال إلى القلب الذي ذبل."
قال فلورانس بلهفة:
"إديث أرجوكِ لا تقولي هذا! لتعيشي لأجلي... فليس لديّ في قلبي سواك... سوف تنتعش الزهرة التي ذبلت من جديد وسوف ترفع رأسها نحو الشمس عندما تزول الغيوم.
كانت إديث وهو يقول ذلك قد رفعت نفسها فجأة وألقت بنفسها على صدره وكانت بعد لحظات قد فارقت الحياة.
كان إدوين بعد أن أرقدها من جديد في سريرها قد حدّق بذلك الوجه الذي فقد الحياة، ثم أسرع بالخروج.
وبذلك كانت صفحة أخرى قد دُوّنت في سجل الذاكرة لكي تتم قراءتها طوال الحياة...
كم كان إدوين يتمنى أن يمحو تلك الصفحة من ذاكرته بأي ثمن لكن وأسفاه! لم يكن بإمكانه ذلك.
لم يكن إدوين فريسة للحزن فقط، وإنما كان يشعر بتأنيب الضمير؛ لأنه حطّم قلب الفتاة التي وثقت به، ولأنه لم يكن قد تاب عما ارتكبه بحقها إلا بعد أن فات الأوان لإصلاح ما تم تدميره...
أما بالنسبة لِمَا قيل ولِمَا كان عليه موقف الآخرين تجاهه فلم يكن إدوين يأبه بذلك كثيرًا فقد كان لديه من الأسى ومن تعذيب الضمير ما يكفيه...
كان قد ابتعد عن المحيط الاجتماعي، وعاش لمدة ثلاثة أعوام حياة الناسك. لكن عزلته تلك لم تكن قد جلبت له السكينة أو السعادة؛ لأن الذكريات المؤلمة كانت معه دومًا. كان كل يوم تقريبًا يُطالع في سجل ذاكرته إحدى تلك الصفحات الكئيبة.
وكان إدوين بعد ثلاثة أعوام من وفاة إديث عندما بدأ يشفى إلى حدٍّ ما من التأثيرات المأساوية التي نجمت عن ذلك الحدث, قد تلقّى دعوة للمشاركة بإحدى المناسبات الاجتماعية. كانت رغبته للعودة إلى المحيط الاجتماعي قد جعلته يستعيد رباطة جأشه لبعض الوقت ما يُشير إلى أن عزلته الإرادية لم تكن مُجدية لتغيير الماضي.
حدّث نفسه وهو يُحدّق في بطاقة الدعوة التي كانت بين يديه:
"الماضي مضى وفات... لن يكون بإمكاني أن أعود إليه أو لا أن أمحوه... كما ليس بإمكاني تغييره... من المؤكد أنني قد كفرّت عنه تمامًا؛ لأن توبتي كانت لمدة طويلة كما أنها كانت توبة صادقة... لو كان بإمكان إديث أن تطّلع على ما في قلبي لكانت روحها ستلقى السلام. ولكانت ستشعر بالكثير من الرضى, وحتى لو لم يكن بإمكانها ذلك فقد أصبح عليّ الآن أن أعود للاختلاط بالمجتمع.
وكان فلورانس بناءً على ذلك قد ظهر في تلك المناسبة الاجتماعية لكنه كان قد شعر بأنه غريب عن تلك الأجواء؛ لأن التأثيرات والانفعالات السابقة كانت قد اجتاحت ذهنه من جديد. كان قد شاهد أمامه في كل ما ينظر إليه صور الماضي الذي مضى من زمن بعيد, وكان يُخيَّل إليه وهو يسمع صدى الأصوات التي كانت تملأ الغرف أنه يسمع صوت إديث.
كم كانت ذاكرته تعود إلى الماضي!... كان قد حاول دون جدوى أن يُبعد عن ذهنه تلك الصور لكنها كانت تعود وتظهر في ذهنه من جديد. كانت تلك الصفحات تُفتح أمامه من جديد, ولم يكن بإمكانه ألا يقرأ ما كان مُدوّنًا فيها...
كان ذلك قد حدث تلك الأمسية لبعض الوقت إلى أن اقترب من الموجودين لكي يتحدث إلى من كان يُسرّ بصحبتهم سابقًا...
كانت بين المتواجدين في ذالك الحفل شابةٌ أتت من مدينة مجاورة. كانت تلك الشابة قد جلبت انتباه الجميع بشخصيتها اللطيفة وبأسلوب تصرفها. كانت الفتاة على الفور من دخول فلورانس إلى الغرفة قد نظرت إليه باهتمام وكان فلورانس أبضًا قد التفت عدة مرات وظلّ يُحدق بها وكان بعد ساعة قد سأل أحد أصدقائه:
"من تكون تلك الشابة؟"
أجابه صديقه:
"تدعى الآنسة ويلدن وهي من ألبانيا."
قال فلورانس: "تبدو شخصية تستحق الاهتمام."
قال صديقه: "إنها بالفعل رائعة الجمال كما أنها ذكية جدًّا."
ولم يكن قد مرّ وقت طويل إلا وكان قد تم التعارف بين الاثنين.
كان حديث الشاب مع تلك الشابة ذات الذكاء والشخصية المتميزة قد جعله يستمتع بصحبتها. لكنه كان أثناء تحدثه معها قد لاحظ عدة مرات بأن هناك من يرقبهما باهتمام في الجهة المقابلة من الغرفة. لم يكن لذلك تأثيره عليه في البداية, لكنه كلما نظر إلى الجهة المقابلة من جديد كان يشاهد تلك العينين تنظران إليه نظرة بغيضة إلى أن أدرك بأن تلك المرأة هي خالة إديث والتر ما جعل قلبه يغوص بين أضلاعه.
وبذلك كانت المرآة السحرية للذاكرة قد ظهرت أمامه على الفور وكان قد شاهد فيها مشهد اللقاء الأخير مع إديث, وبذلك كان إدوين فلورانس بعد وقت قصير قد اختفى من صحبة تلك الرفقة اللطيفة...
أين كان؟...
كان جالسًا في غرفته وحيدًا منعزلًا مع ذكريات الماضي. كان يقرأ من جديد صفحات سجل حياته التي دوّن فيه تاريخ أحداث علاقته بإديث. كان يبدو له بأن ما كتب في ذلك السجل قد حدث في الأمس فقط. حاول أن يُغمض عينيه, وحاول أن يُحول نظره عنه, لكن ما سُطّر في ذلك السجل كان أشبه بالسحر بحيث لم يكن بإمكانه سوى أن يستمر في قراءة ما كُتب فيه.
همس لنفسه وهو يحاول أن يُحرّر نفسه من عبودية الماضي وما فيه من ذكريات:
"نعم, أعلم بأن ذلك كان خطأ فادحًا! كان خطأ فادحًا بالفعل! لكن كيف يمكن لتصرف واحد أن يتسبب بشقاء المرء طوال حياته؟ ليت بإمكاني فقط أن أزيل كل ما سُجل في ذاكرتي! ليت بإمكاني أن أمسح ما تمت كتابته فيه! ألم تكن هناك أية فائدة من الحزن ومن التوبة؟ لكن الماضي انتهى إلى الأبد ولن يكون بإمكاني تغييره؟ لِم عليّ أن أظلّ تعيسًا على الدوام؟ لِمَ ليس بإمكاني أن أغيّره؟ لن يفيد هذا إديث! هي الآن سعيدة! هي الآن أكثر سعادة مما لو كانت على هذه الأرض المتعبة..."
لكنه, على الرغم مما تفوه به من تلك الكلمات التي حاول بها جلب السكينة لنفسه, كان قد أدرك مقدار المعاناة التي تسبب بها لتلك الفتاة البائسة عندما أعرض عن محبتها له وأدرك بأنه كان قد حطم قلبها...
مرّت ساعات طويلة كان إدوين خلالها يلوم نفسه وهو يشعر بالمرارة ولم يكن قد تمكن من النوم إلى أن انتصف الليل.