الجزء الثاني

5 0 00

الجزء الثاني

أن تقضي طفولتك ثم شبابك دون أب .. هذا أمر مرير ..

وأن تعرف أن هذا الأب مسجون معك في نفس الجزيرة .. فهذا أكثر مرارة ..

أما الشئ الذي لا يطاق .. أما الشئ الذي يحيل الحياة جحيماً .. هو عدم معرفة ما اذا كنت سترى والدك المسجون قبل موته أم لا ..

لا أمل وفي نفس الوقت هناك أمل !

***

كان جدي (أمين) يحكي لي بصورة مستمرة عن والدي البطل .. قضيت سنوات طفولتي بين آلام اليتم وبين آمال الفرج القريب .. تعودت منذ العاشرة أن أذهب بالقرب من القلعة

المسجون فيها والدي .. أتحرك أسفلها جيئة وذهاباً لعدة ساعات .. انه بالأعلى .. والدي البطل بالأعلى .. أرفع رأسي فأتأمل النوافذ الصغيرة للقلعة الشاهقة ..

من احداهن لابد أن أبي يطل على الدنيا من أعلى غير قادر على رؤيتي .. متى أراه ؟

هكذا بدأت أتعود على الذهاب يومياً الى هناك دون علم أهلي .. مع السنوات تحولت الساعات الى دقائق لكنها أصبحت كذلك طقس يومي لا يتبدل ولا يتوقف ..

في الصباح أساعد جدي على رعاية الأرض ومحاولة فهم تعقيدات زراعتها بينما انشغل أخي الكبير (محمد) بتجارة والدي السجين ..

و قبل الغروب أستمع من جدي لأحدى حكايات والدي بطل العرب الذي هز عُمان وهز سلطانها ولم يسجن الا بعدما ثار عليه لأجل زنجبار ..

هكذا أذهب في المساء الى القلعة في قلب الظلام لأتوقف متأملاً نوافذ السجن وعلى وجهي ابتسامة أمل وفخر .. كم أنا فخور بك يا والدي .. كم أنا فخور بك أيها البطل

العظيم ..

***

بداية من العاشرة بدأ جدي في تلقيني تعاليم والدي ومفاهيمه .. علمني أن مفتاح الفهم مدفون في الكتب .. وعلى أن أكرس حياتي في البحث عنه .. هكذا كنت أقرأ وأقرأ

.. أستمع لمفاهيم والدي البطل التي تعلمها جدي وأقرأ ما ينمي هذا الفهم أكثر وأكثر ..

هكذا أصبحت عدواً للسلطان ألعوبة الانجليز .. عدواً للانجليز أعداء ديني .. راغباً في أن أكون بطلاً مثل والدي العملاق .. الرمز الكبير ..

متى أراك يا والدي ؟ متى تخرج لتعطيني الختم النهائي بالموافقة على انضمامي لركبك .. ركب الأبطال ..

متى تخرج يا والدي ؟

***

عندما أتممت الواحدة والعشرين في عام 1856 لاح لنا الأمل بمفاجأة لم تكن على بال ..

لقد مات السلطان (سعيد) وهو عائد الى زنجبار من رحلة له في عاصمته الثانية (مسقط) ..

مات على سفينة اسمها (فيكتوريا) أهدتها له انجلترا بطاقمها البريطاني .. ويالها من خاتمة تثير التأمل والعِبر ..

برغم الحزن واليأس الذي انتاب كافة أبناء الجزيرة ، الا أن أسرتنا شعرت بدفقة هائلة من السعادة تغمرنا ..

هناك أمل الآن أن يخرج والدي .. هناك أمل الآن أن ينتهي سجن البطل ..

كان السيد (ماجد بن سعيد) ابنه قد تولى حكم الجزيرة نائباً حتى عودة والده ، فلما مات في الطريق قام بتنصيب نفسه حاكماً رسمياً للجزيرة وهو لازال في الثانية

والعشرين .. لكنه كان قوي الشخصية فيه حكمة ولين طباع وأقل أبناء السيد (سعيد) غروراً ..

هكذا بعدما مرت فترة الحداد في الجزيرة ، وبعدما بدأت الحياة تعود الى طبيعتها مرة أخرى ، تشجع جدي (أمين) وذهب بي وبأخي (محمد) لنطلب من السلطان الجديد الافراج

عن أبي المسجون ظلماً ..

قابلنا السيد (ماجد) بوجه هاش باش .. فقد كان على معرفة بأخي (محمد) بالذات بسبب علاقات تجارية سابقة .. وما ان بدأنا في الحديث عن والدي ومحنته حتى هز رأسه

في هدوء مبتسم وقال لنا أنه يعلم جزءاً من محنة والدنا .. و لهذا سيقوم بالافراج الفوري عنه بشرط أن لا يتحدث بالسوء عن السلطان الراحل ..

شعرنا بسعادة غامرة لا توصف .. وقفت أنا و (محمد) في ذهول ورحنا نشكره بشدة بينما جدنا ذهب له وانحنى يقبل رأسه ويدعوا له ..

طلب السيد (ماجد) من أحد حراسه مرافقتنا الى القلعة للافراج عن أبي .. خرجنا معه وقد أصابتنا حالة من الصمت كأن على رؤسنا الطير .. هل من المعقول أن يكون الأمر

بهذا اليسر ؟ هل من المعقول أن تكون أمنية حياتي أن أشاهد والدي متوقفة بكلمة ينطقها حاكم ؟ وماذا لو كان مزاجه متعكراً ؟ ألم يكن ليرفض الافراج عنه لعشرات

السنوات مرة أخرى ؟!

يا الله ! يا ويل الحكام الظالمين ! يا ويل كل من يزج بأحد في السجن متناسياً أن وراءه أسرة ستتمزق قلوبها عليه ! أشهدك يا ربي أن سأختصم (سعيد بن سلطان) يوم

القيامة على هذا ولن أسامحه ..

وصلنا الى القلعة وأُمرنا بالانتظار على بوابتها ..

مرت ساعة كاملة ونحن على هذا الحال .. أتبادل النظرات مع أخي (محمد) في قلق ورهبة دون حديث ، بينما جدي (أمين) واقف في مكانه ينظر الى الأرض شارداً ..

ألآن البوابات تفتح مرة أخرى .. انتبهنا وتحفزت أعصابنا حتى كادت تصرخ انفعالاً .. يخرج الحارس أولاً في هدوء ..

ثم يخرج رجل عجوز نحيل للغاية ذو لحية بيضاء يغطي عينيه من ضوء الشمس ..

وجدت جدي يهرع اليه هاتفاً في سعادة : أخي (راكان) .. أخي (راكان) !

أهذا والدي ؟

توقفت للحظات ثابتاً في مكاني لا أقوى على الحراك .. هرع (محمد) أخي هو الآخر بعدما فك نفسه من الجمود الذاهل .. كان والدي يحتضن (أمين) في دهشة ويستقبل (محمد)

في حضنه بنظرات مستفسرة !

ظللت متجمداً مكاني أراقب المشهد .. لطالما تصورت والدي أكثر قوة .. لطالما تصورته أكثر شباباً .. ان الصورة التي كانوا يصفونها لي في صغري ظلت ثابته في عقلي

حتى تحولت الى يقين لا يتغير ! لم أنتبه الى أنه ظل سجيناً ما يقارب العشرين عاماً !

أشعر بالغرابة من هذا العجوز وأشعر بذهول من موقفي الجامد !

كان (محمد) يعرفه بنفسه ، وبدأ والدي يفهم ويبتسم وان كان الذهول لم يفارقه ! بالتأكيد الصدمة كانت قوية وكبيرة ..

نظر نحوي في تساؤل .. شعرت بزلزال في داخلي !

هذا العجوز هو والدك البطل يا (مهيب) .. هذا العجوز هو الرمز الذي عشت تحلم برؤيته .. هذه العين الذابلة كانت يوماً في مثل شبابك وصحتك وعافيتك .. لماذا تُنكر

منظره ؟ انه والدك فتحرك يا مخبول !

قلت وصوتي يتحشرج : أبي ! أنا (مهيب) يا أبي .. ابنك الأصغر ..

وجدته يقول في سعادة : ابني (مهيب) ! يا الله ! هل قضيت سنوات بهذا الطول بعداً عنك !

فتح ذراعيه ليستقبلني فاندفعت وقد هزني جلال الموقف .. للمرة الأولى يحتضنني أحد !

حتى جدي لم يفعلها !

حتى أمي لم تفعلها ! كانت دائماً جادة حازمة تعوض غياب أبي بالقيام بدوره مناصفة مع جدي !

لكني الآن أشعر بأمان هائل .. أمان مذهل ..

قد أضحى رمزك حراً مرة أخرى يا مهيب .. قد أضحى حراً مرة أخرى ..

فاهنأ بالاً ..

الشيخ مشغول عنا بالصمت والتأمل !

يبتسم لنا لكنه قليل الكلام ..

و ان تكلم كانت ردوده مقتضبه باسمة محايدة لا تضر ولا تنفع ..

يربت جدي (أمين) على كتفي قائلاً ان المحنة كانت شديد .. فلنصبر حتى يعود لنا كما كان ..

هل سيعود حقاً كما كان ؟ أعترف أن جدي ملامحه وجسده أكثر صبا من أبي .. بل انه يبدو كأنما هو في نفس عمره أو أقل !

هل كان مثلما تخيلته فعلاً ؟ اذن لماذا هذا الصمت المحايد ؟ أحكي له عشرات الأمور في سعادة وأعيد على مسامعه تعاليم الولاء والبراء فأجده يستمع لي هادئاً ثم يهز رأسه بلا معنى واضح !

ماذا حدث ؟ هل نسي الكتب ؟ هل نسي المبادئ التي قاتل من أجلها ؟

حين تحدثنا عن السلطان (سعيد) ووفاته كانت لهجتي كلها مقت وشماتة ، توقعت نظرة مغضبة كارهة لهذا الخائن ، لكني فوجئت بوالدي يشرد بعيداً عني وهو يقول بلهجة فيها بعض التعاطف : رحم الله الرجل .. أفضى الى ما قدم !

ماذا هناك ؟

من هذا ؟

أين الثورة ؟ أين التبروء من السلطان الخائن ؟

أين البطل العربي ؟

أين أبي ؟

***

لماذا لم تعد رائحة زهور القرنفل بنفس الشدة كما كانت ؟

***

لم أعد وحدي !

سمعت اليوم بالصدفة أمي تشتكي لجدي من أفعال والدي معها ..

وهي تتلخص في أمر واحد : لا شئ !

نعم .. والدي هو رجل غريب بالكامل عنها .. كان حديثاً منفعلاً بينها وبين جدي .. تخليت للمرة الأولى عن مبادئي وظللت واقفاً أنصت لهذا الحوار دون علمهما ..

الخلاصة أن والدتي تكرر نفس ما أفكر فيه لكن بصورة أخرى : من هذا الرجل ؟

اذن هي الأخرى لا تعرفه ! هي التي عاشرته قديماً لا تجد في هذا العجوز الصامت المتأمل رجلها القديم !

كان جدي منفعلاً .. راح يتهمها بالغباء ويؤكد أن زوجها مر بما لا يطيقه بشر .. سجن وحده طوال عشرين عاماً .. فكيف تظن أنها ستجد نفس الشخص !

- وما العمل ؟

أن تصبري .. أن تتعودي على هذا الرجل الجديد .. هو زوجك القديم وواجبك أن تعيشي معه وتتحمليه ..

فارقت مجلسي وذهبت الى خارج المنزل ..

كان أخي (محمد) في المزرعة يتحدث مع بعض العبيد في شئون المنزل .. قاطعتهم وذهبت أبلغه بمشاعري !

كان (محمد) هادئاً كعادته :

- وماذا كنت تعتقد يا بني ؟ أبينا ظل في السجن سنوات طوال ! لو وجدته يتحرك في نشاط وهمة ويتحدث بأريحية لشككت في انه كان مسجوناً أصلاً !

- لكن .. لماذا لا يتفاعل معي ؟ أحكي له عن مبادئي التي تعلمناها فأجد بسمة فاترة ! أتنكر هذا يا (محمد) ؟

نظر (محمد) الي في جدية :

- (مهيب) .. والدك قد عاد .. افرح بعودته واحتفل ولا تعد لمثل هذا الحديث الآن !

ثم أشاح بيده في ضيق :

- دائماً أنت متعجل وحماستك تقودك ! والدك لم تره طوال حياتك ومع ذلك منذ عاد وروحك قلقة بلا سبب مفهوم !

- بل هو مفهوم .. مفهوم جداً .. لكنك لن تفهمني للأسف !

***

أرقٌ علـــــــــى أرقٍ ومثلي يأرق .. وجــــــوىً يزيد وعبرة تترقـــــرق

***

بعد أسابيع من عودته وصمته بدأ يتحدث أبي ..

وما أغرب ما تحدث به !

***

بدأ كل شئ في احدى المرات التي كنت أحكي له عن خطورة أفعال (ماجد) الذي يسير على خطا والده في القرب من الانجليز ..

غابت الابتسامة عن وجه والدي وهو يستمع ، نظر لـ (محمد) بسرعة ثم قال لي في حزم :

- الفتى لازال في بداية الدرب .. واجبنا أن ندعمه كما دعمنا وأفرج الكربة عني وعنكم ..

شعرت بذهول ، هذه هي المرة الأولى التي يتبادل فيها الحديث معي بصورة متفاعلة ..

- يا أبي .. لكنه يوالي المجرمين الكفار .. لن أعينه في هذا ولا في غير هذا ..

بنفس الضيق تابع :

- ليست موالاة .. انما الشاب ورث من أبيه مملكة كبيرة مستقرة .. انه مجرد تحالف بين قوتين كبيرتين .. ولسنا مأمورين بمعاداة كافة خلق الله ..

- لكن .. لكن يا أبي الأمر ليس بهذا السهولة .. ان الانجليز يغتصبون بلاداً اسلامية عديدة .. كيف بالله عليك أقبل التحالف معهم وهم أعداء المسلمين ..

- ما داموا لم يقوموا بالاعتداء على مسلمي بلدك بل سعوا في رخائها فلا ضير على حاكمنا ان تعاون معهم لما فيه خير المسلمين .

ارتج علي ! هل أكلم والدي حقاً ؟

التفتُ الى (محمد) أنشد النجاة فوجدته قد اطرق برأسه صامتاً معلناً الحياد !

لا .. ليس هذا ما تربينا عليه !

- يا أبي .. انهم يقومون منذ عهد السلطان (سعيد) بتنصير أجزاء كبيرة افريقية من السلطنة وخارجها ويفتنون المسلمين عن دينهم .. فأي رخاء ذلك ؟

- المسلم الحق لن يفتن .. ليس عليك هداهم ..

- لكن واجب الحاكم المسلم أن يمنع فتنة الناس في عقيدتهم ..

- ومن أدراك أنه لم يفعل ؟ ومن أدراك أنه قصد تركهم يقومون بتنصير المسلمين ؟

انتثرت واقفاً .. قلت له متسائلاً في غضب :

- ولماذا سجنت اذن ؟ ألم تسجن لأنك أردت منع هذا ؟

- لو كنت مُخلصاً حقاً في غضبتي أيامها لذهبت أدعوا الناس لدين الله و أقابل فكر المُبشر بالقرآن والسنة والحجة والدليل .. لا أن أهين سلطان بلدي و أسعى لقتل المستأمنين عنده !

من الذي صب الماء الساخن فوق رأسي ؟ انها توشك على الاحتراق !

- أبي ! أنت نادم على ما فعلت ؟

للمرة الأولى غضب قائلاً في عصبية :

- ضاع عمري .. ضاع عمري .. ما الذي كنت أفكر فيه عندما ضيعته ؟ ها هي زنجبار تعيش الرخاء لتُكذب توقعي بأنها ستنهار بسبب (سعيد بن سلطان) .. ها هي زنجبار تعيش الرخاء لتُكذب توقعي بأن من يتحالف مع الانجليز سيقومون باهلاكه .. ها هو ابنه العفيف المؤدب بشهادة الجميع يقوم باخراجي في لفتة لن أنساها له .. كيف تطلب مني أن لا أندم على اضاعة عُمري ؟

الهزة بداخلي تتلو الهزة .. أكاد أسقط .. أنا موشك على الانفجار .. من هذا ؟

نظر لي (محمد) في قلق عندما راقب صمتي الغاضب .. قبل أن يقف ليمسكني من كتفي ويقودني لخارج الغرفة قائلاً :

- أبي محتاج للنوم الآن يا (مهيب) .. أستأذنك يا أبي للرحيل ..

خرجت من الغرفة متماسكاً في صمت ، قادني (محمد) حتى خرجنا من المنزل تماماً ..

هنا ..

انفجرت في البكاء ..

***

عمرت الدهر ملتمسا بجهدي .. أخا ثقة فألهاني التماسي

تنكّرت البلاد ومن عليها .. كأن أناسها ليسوا بناسي

الأيام تمضي ..

حال الرجل لم يعد خافياً على أحد ..

ناقشناه عدة مرات تالية فتيقنا بأن هذا لم يعد أبي (راكان) الذي عرفناه ..

إنه مجرد شخص متهدم يشعر بالندم على ضياع عمره وحياته ..

ويلقي اللوم على مبادئه التي أضاعته !

هكذا توقفت عن النقاش .. كانت آخر مرة شديدة الحدة وبعدها أقسمت أن لا أجلس معه ثانية لأناقش مثل هذه المواضيع والمبادئ ..

حتى أخي (محمد) كف عن الاعتذار له ..

جابه غضبي بشرود قبل أن يقول في حسم :

- المبادئ ثابتة وهي حق .. الأشخاص والنفوس تتغير وهي وهم .. فلنقدس الأفكار و لا نلتفت للأشخاص كيلا ننتكس !

- لكنه الرجل الذي علمنا كل هذا أساساً ؟ لقد أثبت هو بنفسه أن مبادئه أكذوبة ! لقد تركها بغير رجعة فلم نتمسك بها ؟

بحزم أشد يخفي ضيقاً ومرارة قال (محمد) :

- لا يعرف الحق بالرجال .. إنما يعرف الحق فيعرف الرجال .

- ومن أين أعرف أنه الحق ؟

هنا احمر وجه (محمد) وقال غاضباً :

- أيها الأحمق ! لقد درسنا كل تعاليمه التي نقلها لنا جدي ، وعرفنا أن كتب أهل الفقه والدين والقرآن الكريم شاهدة على صدق هذه التعاليم وهذه المبادئ ، انه لم

يخترع لنا ديناً ننتكس معه ان انتكس هو ، ان ديننا ثابت وهو من تغير ..

- و ماذا عن رفضه للعبودية ؟ انه أيضاً جاء بالجديد !

- و هل الولاء لأهل الاسلام ومعاداة أهل الباطل جاء هو بها من عنده ؟ أتختزل كل تعاليم الاسلام في هذا ؟

- بل أقول أنه أيضاً ابتدع فكرة من عنده ، فلماذا لا ابتدع أنا أيضاً فكرة أخرى رافضة للولاء والبراء هذين !

نهض (محمد) غاضباً وهو يقول :

- تباً لك ! لن أكمل الحديث معك أيها المجنون ! لكن لا تنس أبداً أنه والدك !

في صرامة رددت عليه :

- إنه لم يكن يوماً والدي .. لقد كان رمزاً مُقدساً لا يأتيه الباطل .. وهو من هدم نفسه بنفسه !

***

ان هي الا أسابيع وجائنا الخبر الجديد ..

والدي سيتزوج !

امرأة أخرى ؟

ياللجنون !

الجنون حقاً فيمن سيتزوجها ، انها طليقة رجل مشهورة في المدينة بتسلطها و تصرفاتها الشرسة ..

امرأة اسمها (فاطمة بنت تيمور) !

***

البيت اشتعلت فيه النار ، وقفت أمي تتحدث بحدة في وجه أبي الجالس في صمت ، كان أخي (محمد) قد اطرق برأسه صامتاً كالمعتاد بينما جدي (أمين) جلس شارداً ينظر الى

أبي في هدوء عجيب !

كانت أمي في حالة شديدة العصبية والغضب ، راحت تذكره بأنها انتظرته طوال سنوات كثيرة وفي النهاية يعاملها كالغريبة ، ثم بعد كل هذا يتزوج مرة أخرى .. الى آخر

هذا الكلام العصبي المتوقع ..

وما ندري الا وهي تهتف في غضب مذكرة أبي بأنه ظل عاشقاً لفاطمة حتى عندما كانت متزوجة !

هنا نهض أبي في غضب و صفعها في ثورة ، بينما تلقفها جدي محاولاً فض الاشتباك !

تبادلت أنا و (محمد) نظرات الذهول !

ما هذا ؟!

كانت أمي الغاضبة تصر على أن ما تقوله حق ، كانت تقسم بأيمان الله كلهم أنهما كانا عاشقين حتى وكل منهما متزوج !

ياللجنون .. وقفت وأنا أشعر بقلبي ينقبض حتى أصبح في حجم حبة الرمال !

كان أبي قد بلغ الغضب منه مبلغ رهيب لم أتخيله ، راح يهددها بالطلاق ، بينما راح جدي يصرخ فيها طالباً التوقف عن الحديث !

فقط أنا و (محمد) ظللنا نراقب وكل منا فاغر فاه في ذهول !

الصنم الكاذب .. الوهم .. السراب .. اللعين عاشق الزوجات .. ترى ماذا فعلت أكثر من هذا أيها الآثم !

في وسط ملحمة الصراخ والدموع والألم نطقها السجين السابق .. الثائر الآثم ..

طلق والدتي ..

***

هيَ الرّزِيّة ُإنْ ضَنّتْ بِمَا مَلَكَتْ

منها الجفونُ فما تسخو على أحدِ

***

فليسد الجنون .. فلتسقط أيها الصنم الكاذب .. فلتغرق أكثر من هذا في المستنقع بلا عودة .. فلتغرق بمبادئك بأفكارك الخادعة ..

والدتي لا تتوقف عن الحكايا .. عرفت منها الكثير عن علاقة أبي المشينة مع تلك المرأة اللعوب .. يبدو أنهما لم ينقطعا عن بعضهما حتى برغم الزواج .. تباً للصنم

الكاذب ..

جدي انقطع عنا غاضباً من الجميع ، فليذهب بلا عودة فقد كان رسول الصنم الكاذب !

(محمد) انقطع عنا في غرفته ، يتأمل في ضيق وألم لكنه لا يتحدث ، ظللنا أياماً في المنزل لا علاقة لنا بالدنيا .. كنت أدور حول نفسي بصورة مستمرة .. كنت أبحث

عن بقايا الصنم الموجودة بداخلي وأفتش عنها بنشاط وهمة ، كلما وجدت أحد تعاليمه هنا أو هناك قذفتها في آتون اللهب الضخم المشتعل .. والذي كانت أمي تقوم بتزويده

بالفحم اللازم للاستمرار .

في النهاية وجدت (محمد) خرج من عزلته ، استعد لمباشرة أعماله كأن لم يكن ..

استوقفته وسألته عن خطتنا للتعامل مع أبي ، في توجس من مقالبه المستمرة استفسرت منه عما اذا كان سيقاطعه مثلنا أم لا ..

في حزم أخفى به ضيقه المستمر قال :

- لن أقاطع أبي ! من حقه أن يتزوج بمن يشاء ..

رددت في ذهول :

- اللعنة على برودك ! بعد كل هذا لازلت تعبده ؟

- أنا لا أعبد غير الله .. و الحق ما أقوله .. قلت لك أني لا أزن الحق بأفعال الرجال .. ووالدي بشري له أخطاء وواجبي أن أغفرها له ..

- ماذا وراؤك ؟ أخبرني ما الذي غيرك ؟ كنت حتى الأمس في ضيق وهم و غم ..

- تأكدت بان ما تحكيه والدتي وهم .. انها إمرأة غاضبة تشعر بالهجر والخيانة و الأحمق فقط هو من يصدق أحاديث امرأة عن زوجها في هذه الحالة ..

- من أين أتاك هذا اليقين الكاذب ؟

- من جدي نفسه ! لقد زرته وأكد لي أن أمي لا تقول الصدق وأن أبي لم يكن يعرف هذه المرأة الا في مراهقته لأيام قليلة .. اني أصدق جدي ..

- بعد ما فعله بنا جدك تصدقه ؟ اذا كان والدك نفسه تبرأ من تعاليمه التي نقلها لنا جدك المخرف !

دق (محمد) في عصبية شديدة على الحائط المجاور وهو يقول غاضباً :

- مهيب .. اني أحذرك .. اني أحذرك .. أقسم بالله لولا أنك أخي الصغير المحبوب ولولا أنني أقدر ما أنت فيه من صدمة لكان لي شان آخر معك !

حاولت تمالك أعصابي ، قلت له بضيق :

- اذن تدافع عن الصنم ولن تتركه ! حسناً .. كما تشاء .. برر له و دافع عنه حتى الموت .. لكني أصدق أمي و لا أرغب في رؤيته مرة أخرى ..

- أنت وشأنك .. لكن حذاري من اختبار صبري كثيراً على اهانتك لأبي وأبيك .. اياك ثم اياك ..

***

تزوج الصنم المهدوم بـ(فاطمة بنت تيمور) .. قام أخي عابد الصنم بحضور الزفاف برغم أن هذا كان شديد الخطورة لمشاعر أبناء الفاسقة فاطمة الملتهبة .. بالتأكيد

أبناء هذه الفاسقة لم يتحملوا رؤية دليل خيانة أمهم وهم في هذا السن .. لكن (فاطمة) هذه كانت تملك الرجال والقوة والنفوذ .. كانت تدير أرض والدها بحنكة رهيبة

طوال عمرها ولم تسمح لأحد أبداً بادارتها معها ، لم يشعر الأبناء بتغيير لأنهم كانوا يديرون التجارة مع والدهم ولم يكن لديهم رغبة بالعمل في الزراعة ..

هكذا استقر الصنم المهدوم في بيت زوجة تصرف عليه ! هل هناك أحقر من هذا في جزيرة زنجبار ؟

***

أفقت اليوم أكثر انتعاشاً ، وقفت في النافذة أنظر للبحر المتلاطم ..

انني انسان جديد .. في هذا البحر غرق كل الماضي في ظروف غامضة ..

كل شئ انتهى يا (مهيب) .. كل الألم انتهى ..

هيا تحرك بمبادئ جديدة وأفكار جديدة ..

فليكن قدوتك هو الرجل الناجح الذي قاد (زنجبار) للنجاح والازدهار ..

الرجل الذي ثار صنمك القديم الفاشل عليه ..

من مبادئ (سعيد بن سلطان) فلتتعلم ..

فهو النجاح ..

و هو الثبات ..

و هو القدوة الحقة ..

***

إذا كان الغراب دليل قومٍ

يمرّ بهم على جيف الكلابِ

ر كل بن آدم معرض للفتنة ، يقول رب العالمين (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين) ..

ووالدي جرب الخوف والجوع وغياب الأموال والأبناء .. سُجن لحوالي عشرين عاماً ..

فهل هناك فتنة رهيبة أشد من هذا ؟

نعم والدي قد أصابته فتنة في السجن ..

لكنه سيبقى والدي .. وستبقى التعاليم التي نقلها الينا محفوفة بالجلال لا لشخصه انما لكمال منبعها : القرآن والسنة ..

فالمنبع كامل ثابت .. والنهر ناقص متقلب ..

البشري الناقل للتعاليم كهذا النهر ، والأحمق وحده هو من يربط ثباته بثبات النهر المتقلب ..

العاقل هو من يربط ثباته بثبات المنبع الصافي ..

لهذا أكرمني الله بالثبات في هذه المحنة التي مرت علينا ..

***

كانت هذه الأيام هي الأصعب في حياتي ..

أخي (مهيب) أصيب بضربة هائلة ولم يستطع الصمود في فتنته الخاصة ، فقد الإيمان بأبي وتعاليمه و بالتالي لم يعد يحترم أي شئ من الماضي ..

استقل بالأمور التجارية وساعدته والدتي في ذلك ، و أصبحت أدير تجارتي وحدي ..

في سرعة تقدمت لأحد المنازل وتزوجت من فتاة على خلق ودين ، ورحلت عن المنزل بعدما أصبحت كالغريب فيه ..

***

هل والدي بهذا السوء حقاً ؟

بعد زواجه من السيدة (فاطمة بنت تيمور) بدأ يرتاح لي تماماً بسبب موقفي المؤيد لرغبته والرافض لمقاطعته .. بدأنا نجلس معاً لفترات أطول ..

وفتح أبي الباب كي أدخل منه الى أعماقه .. كي تنتهي حيرتي ..

***

حكى لي والدي عن فاطمة وتعرفه عليها ، حكى لي عن انقاطعه عنها ، فسر لي سبب انتقاله لأرضها التي كان جزء كبير منها أرضه أصلاً لكنهم طردوه منها ظلماً ..

إذن أبي لا يعيش عالة على أحد !

أبي مظلوم في هذا الموضوع تماماً .. كل ما في الأمر أن حياته أفسدتها التقاليد البالية فحاول اصلاح الأمر والعقدة هذه بعد أن أصبحت المرأة التي أحبها يوماً

حرة ..

في المساء أكد لي جدي كل كلام والدي .. كنت أشعر براحة هائلة تغمرني ، لكن كيف أقوم بتوصيل هذا الى أخي (مهيب) ؟ ألن يرفض كل حرف أنطق به ؟ إن أبي وجدي هما

الصنمين الكاذبين عنده ولن يقبل حرفاً يدافعان به عن نفسيهما ..

لكني عدت لوالدي أستفهم عن سبب التغيير في موقفه تجاه سعيد بن سلطان ، هنا وجدت كلاماً آخر يتحدث به !

انه لم يغير موقفه تماماً كما فهمنا !!

- لكن يا أبي ! كلامك هذا غير السابق ؟!

تنهد أبي و أطال النظر من النافذة الى البحر دون تعليق .. عاد بوجهه وهو يقول في أسف :

- بعدما خرجت من السجن هناك أمور كثيرة مهزوزة يا (محمد) .. أنا غير قادر حتى الآن على تحديد رأي نهائي .. كنت في أزمة وقتها مع والدتك وكنت في أزمة مع نفسي

.. الآن بعدما هدأت ثائرتي بالزواج من فاطمة واستقرار حياتي في الأرض التي قضيت شبابي فيها بدأت في مراجعة كاملة لكل شئ .. من الخطأ أن تطلب مني آراء وأنا في

هذه الحيرة ..

- لكنك أنكرت تعاليمك يا أبي .. أنكرت كل شئ ..

- لقد كنت مستنكراً لحياتي كلها .. أنا في تيه منذ العشر سنوات الأخيرة من سجني يا بني .. هناك اضطراب نفسي هائل وأخوك (مهيب) لم يراع هذا على الإطلاق ! لقد

كان مُصراً على الضغط بكامل قوته على الجرح و كان مُصراً على أن يثير نفسي الهائجة الحائرة !

السماء تنقشع منها الغيوم ، البلابل تشدو في أرجاء العقل لتطفئ بأنفاسها العطرة نار الحيرة و ترشد بصوتها العذب السفينة الحائرة الى بر الأمان ..

بإبتسامة واسعة صافية غابت طويلاً عني قلت لأبي :

- الآن يا أبي هدأت حيرتي والعواصف بداخلي .. اللهم بارك لي فيك ..

قمت وانحنيت لأقبل يده فقبل رأسي ..

وأثناء انحنائي همس في أذني بلهجة حانية :

- أدع لي يا بني أن تهدأ حيرتي أنا الآخر !

***

هكذا تمضي الأيام في هدوء ، برغم الجراح التي لم تلتئم في منزل أمي ، والحيرة التي لا تنتهي في منزل أبي ، والغضب الثائر الذي يهدأ في نفس أخي ..

بدأت تجارتي تنمو ، وبدأت تجارة أخي تنافسني ، كنت في غاية السعادة بهذه المنافسة ، لكن حدث يوماً ما كدر سعادتي !

***

- لماذا تنشئ العلاقات مع الانجليز و (ماجد) ؟

رد (مهيب) في سخرية :

- لأنهم الحق .. أليس من واجبنا معاونتهم ؟

- كف عن المزاح و أخبرني ، لماذا تنحدر إلى هذا الطريق ؟ مهما كانت صدمتك يا (مهيب) فمن المستحيل أن تبيع كل شئ في خلال عام واحد !

- بل أنا لازلت أحب الصنم وأعبده ! أليس هو القائل بمعاونتهم و إمكانية التحالف معهم ؟! أنت الذي لا تطيع تعاليمه !

- إسمع !

أنا ليس لدي أصنام .. و محاولتك الطعن في والدك لكلام قاله و هو في زمن الحيرة أمر يُحسب عليك لا لك ، إنك تثبت أن الايمان للقضية لم يدخل قلبك يوماً ، أنت

آمنت بوالدك .. وهو أسخف إيمان و أقله إخلاصاً !

نفخ (مهيب) في ضيق وقال بنفاد صبر :

- إسمع أنت !

موضوع والدك هذا انتهى وأنا سأقوم بما تمليه عليه مصلحتي وضميري .. لا تحدثني عن قيم وهمية وتعاليم أكل عليها الزمان وشرب ..

- إذن .. فأنت مصمم بالتعاون مع الإنجليز بلا عودة في القرار ..

- بل ومع الشيطان ذاته ، وليس لك شأن بما أفعله من الآن فصاعداً !

- ستندم يوماً يا (مهيب) .. أنت اخترت طريق أعداء الله مثل أسرة (سعيد) وستندمون جميعاً يوماً ما ..

- الندم كان على الماضي الذي اكتشفت أنه سراب !

لا ندم بعد اليوم ..

***

تمر السنوات ، يجيئني (وحيد) و (مهدية) و (خالد) .. بينما يتزوج (مهيب) ويُنجب (هشام) و ( ثويني) و (ماجد) و ( رقية) ..

تجارة (مهيب) أصبحت خرافية ، أصبح من السادة المقربين لماجد والإنجليز ، عبر البحر الى ممباسة و أصبح شاطئ شرق أفريقيا يتغنى بتجارة (مهيب) و كرمه ، بينما الانجليز

يفتحون له كل الطرق والوسائل ..

تجارتي ظلت صغيرة لكنها جعلت حياتي تسير في خط هادئ و سعيد ..

يسألني أبي الذي عبر السبعين الآن عما اذا كنت نادماً على تعاليمه التي قيدتني و لم تجعل تجارتي تصل الى ما وصل إليه أخي ..

أبتسم في هدوء و أقول له :

- يا أبي .. تهون الدنيا و تجارتها وثرائها .. فلتذهب الى الجحيم إن واليت الكفار المحاربين لدين الله .. أيقول ربي (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ

مِنْهُمْ ) ثم أذهب اليهم طائعاً ؟

سُحقاً للدنيا و زخرفها ان كانت ستجعلني موالياً لهؤلاء ..

- لكنك ترى بعينيك يا حبيبي كيف أن أخيك والجزيرة كلها تنعم بالخير على يد الانجليز و أعوانهم ..

-(ونبلوكم بالشر والخير فتنة) .. هكذا قال ربي .. إن هذه الجزيرة مبتلاة بالخير .. وهو أشد فتنة من الشر ! إنهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً و إنهم لمُفسدون ..

أطرق والدي برأسه قليلاً ، ثم رفع رأسه وهو مبتسم في إشراق :

- الحمد لله أن قر عيني برؤيتك يا (محمد) .. انك يا بني وصلت الى ما لم أصل اليه يوماً ..

- ما وصلت الى هذا إلا بفضل الله ثم إياك يا أبي .. فأدع لي بالثبات ..

- سأدعو لك يا بني .. سأدعو لك ..

فالثبات نعمة أغبطك أنا نفسي عليها ..

أداعب السلاسل ، أنظر من النافذة الى السماء .. نفس المشهد الثابت طوال سنوات لا يعلمها إلا الله ..

متي تنتهي هذه الغمة ؟

ياللسجن .. ياللمرار .. ياللسجن ..

أين صاحبي يوسف يمدحونني عند الملك كي ينهي عذابي ؟

لقد سأمت .. أريد الموت الآن الآن ..

ياللمرار وياللعذاب ..

ياللسجن ..

***

أشاهد أحفادي يكبرون أمامي .. من بينهم كان (خالد) بن (محمد) هو الأقرب لي .. منذ طفولته بعث في نفسي السعادة بتعلقه المذهل بي ..

يميل على أذني (محمد) ابني .. يطلب مني هامساً راجياً أن أكون مُعلم (خالد) في هذه الحياة .. (وحيد) طفل يعشق اللهو ولا يستقر .. لكن (خالد) مُختلف .. خالد

شديد الهدوء شديد الرزانة ، يبدو في العاشرة كأنه رجل عاقل هادئ ..

أستعيد الذكريات المريرة .. ماذا أورثتني هذه التعاليم القديمة غير المشقة يا بني ؟

لكن (محمد) يُصر ويرجوني ..

و أنا لن أُخيب ظن ابني الحبيب ..

لن أفعل أبداً ..

***

صغير السن صغير العقل .. (مُهيب) ابني الذي أصبح الآن واحداً من السادة المقربين من السلطان (ماجد) والإنجليز .. ابني الذي ضيعته أفكاري و تنازلي عنها ..

لكن ماذا كان بمقدوري أن أفعل يا بني ؟ أنت لم تخض العاصفة التي خضتها .. أنت لم تجرب مرارة السجن في الحلوق .. سجن طويل أبدي لا ينتهي .. لا موت ولا حياة ..

كيف تطلب مني أن أظل متماسكاً بعد هذه الرحلة الطويلة في سرداب اليأس المظلم الملئ بصرخات الوحوش المخيفة ؟

حين خرجت كان لابد لي أن أُفكر طويلاً فيما حدث ، كان لابد أن أخاف و أرتعد من المفاجأة التي وجدتها برؤية ابني الأصغر نسخة أخرى أكثر تهوراً مني ، كنت أتأمله

دون أن يدري فأجد في عينيه و كلامه (راكان) الذاهب الى السلطان مُصراً على مواجهته مهما كانت النتيجة .. راكان الشاب الأحمق المتسرع .. كنت أراه مُصفداً طوال

أجمل وأحلى سنين عمره فينتفض قلبي جزعاً .. كان لابد أن يزيد تراجعي .. حاولت اقناعه بما لم أكن شديد الإقتناع به .. لكن لا جدوى .. فقدته الى الأبد .. زادت

حيرتي وهمي ويأسي .. لم أستطع تحمل فقدان ابني الآخر العاقل المؤمن الرزين ..

لهذا أقوم الآن بتعليم (خالد) وحثه على القراءة و التفكير .. لا تتوقف عن التفكير يا (خالد) .. لا تتوقف أبداً ..

***

ها هي (فاطمة) التي أصبحت عجوز مثلي الآن تسير في المنزل بقوة وصحة تُحسد عليها ، لديها شخصية ثابتة الجنان قوية كما عودتني يوم عرضت علي الهرب و نحن صغار ..

و لولا قوة شخصيتها ما تم زواجي بها بسبب الحرب التي قادها أبناء زوجها السابق ضدي وضدها ..

أي مجتمع ذلك الذي يقبل بأن تبقى المرأة المطلقة بلا زواج طوال ما تبقى من عمرها بينما زوجها ينعم بزوجات أخريات ؟ أي مُجتمع ذلك الذي يضع كافة العراقيل الممكنة

أمام زواج كبار السن بحجة تجاوزهم حدود اللياقة والأدب ؟

بلى والله كنت أحتاجها .. و كنت أحبها .. و منذ يوم تزوجتها عادت لروحي كثير من شبابها الضائع .. أعرف أن في نظرتها الكثير من الحكمة و في شخصيتها الكثير من

الإختلاف .. بالفعل المرأة التي تزوجت سابقاً تفقد الكثير من حيويتها مع زوجها الجديد .. لكنها صنعت الكثير من أجل إسعادي .. أعطتني أرضي المسلوبة مني و قامت

بمراعاة محنتي و رعايتي بكل الطرق و الوسائل .. (مهدية) زوجتي السابقة لم تفعل .. أو ربما فعلت وأنا ظلمتها ؟ لا أدري ! المهم أني كنت أشعر بأنها شخصية غريبة

على نفسي منذ خرجت .. ولم يكد نبأ طلاق (فاطمة) الذي حدث منذ سبع سنوات قبل خروجي يصلني حتى ذهبت الى دارها أخطبها بلا تفكير ..

نعم معها شعرت بالحب .. لن أخجل أن أقول هذا .. و معها أعيش السنوات الأخيرة من عمري في راحة وهدوء ..

***

يتطور (خالد) يوماً وراء الآخر .. (وحيد) ينضم لوالده في تجارته .. بينما (خالد) يبدو منبهراً بالعلم والشريعة و الأفكار الجريئة .. برغم مظهره الرزين الهادئ

لدرجة قاتلة يخفي هذا الفتى بداخل نفسه روحاً شديدة الثورية ..

أصبح صديقي وونيسي .. لم يعد بمقدوري العناية النشطة بالأرض وكذلك بدأت (فاطمة) الحبيبة تقلل من حركتها لألم حل بمفاصلها .. ببطء بدأ (خالد) يحوز على ثقتنا

في إبلاغ الرسائل للفلاحين .. ياللأيام .. ها أنا أجلس الآن على مقعد أستاذي و أبي الراحل (ثويني البريكي) و الرجل الطيب السيد (تيمور) .. لم أعد أصدق أن السنوات

مرت بهذه السرعة ..

سرعة ؟!

وماذا عن السجن الطويل المرير ؟

لا لم تكن سريعة .. كانت بطيئة مملة رهيبة ..

لكن مع ذلك يزيد يوماً وراء الآخر الألم الممض والشعور بأن شبابي سُرق مني بسرعة .. حياتي تبدو مبتسرة كأنها بناء رائع مُزخرف و مع ذلك ينقصه أهم غرفة فيه !

الآن أرى في (خالد) شبابي ..

أرى فيه مبادئي التي في أعماق نفسي لم أعد بذات اليقين في صحتها ..

أرى فيه الحماس والعمل ..

وأخاف عليه مصير من يحمل بين جوانحه مثل تلك الأفكار ..

***

لم يفتني كذلك مراقبة كيف جرت الأمور في السلطنة ..

كيف أنه بعد وفاة (سعيد بن سلطان) ثارت مشكلة بين (ماجد بن سعيد) الوالي على زنجبار ، وأخيه (ثويني بن سعيد) والي مسقط و عُمان ..

هكذا حدث الصراع بين الإخوة وكل منهم رفض الإنضمام تحت حُكم الآخر .. هكذا لا أهمية للشعب والعقلاء و ليست السلطنة سوى ميراث يتقاسمونه ..

ومن كان العاقل الذي تدخل لتهدئة الصراع ؟

نعم .. إنهم الإنجليز !

لقد أصبحوا هم الطرف العاقل الرزين الخائف على مصلحة السلطنة !

وبعد سنوات من الجدال والمناوشات التي قاموا بتزكية نيرانها بين الأخوين قدموا اقتراحاً يُنهي الخلاف بصورة جذرية ..

قسموا السلطنة بين (ماجد) و (ثويني) !

هكذا دائماً كان اقتراح إنجلترا التوسعية دائماً : التقسيم والتجزئة !

أخبرني بعض من درسوا القوم و رافقوهم أنهم يؤمنون بمبدأ (فرق .. تسد) !

و هل هناك تفرقة أكبر من فصل امبراطورية عربية ضخمة الى جزأين باستغلال خلاف أخوي لعبوا فيه دور الوساطة في الصلح حتى أنهوا العلاقة بينهما للأبد ؟!

هذا وفاء أصدقائك يا (سعيد) .. هذا ميراثك لأبنائك ..

***

لكنها لم تكن النهاية !

(ماجد) قام بصراع مع أخيه (برغش) في زنجبار على من هو الأحق بالحُكم ..

وكان الإنجليز هم الوسطاء كالمعتاد !

فماذا كانت النتيجة ؟

قام ماجد بالإستعانة بهم لقصف منزل أخيه (برغش) بالسفن البريطانية ونفيه الى (مومباي) !

الإنجليز .. الوسيط الأمين الذي فرق بين الإخوة وقسم الإمبراطورية ..

الآن أصبحا هم الشريك الفعلي في الحكم مع (ماجد) ..

و ما ان توفي (ماجد) حتى قام الإنجليز بمساعدة (برغش) على تنصيب نفسه سلطاناً لزنجبار يدين لهم بالفضل و الولاء ..

هكذا عادت لي أفكاري كلها مرة أخرى بعدما أثبتت الأيام صحتها ..

ضباب الشعور بالذُل و العبودية أصبح يخيم على كل عاقل هنا في زنجبار ..

لكن يا للأسف .. ابني (مهيب) لم يكن منهم !

كان يندفع في خدمة الإنجليز يوماً وراء الآخر بلا حساب ..

عزائي الوحيد في (خالد) الذي يراقب كل ما يحدث بعين الصقر ..

ويوماً ما ظهر السؤال الذي خشيته لسنوات طويلة ..

***

- ماذا نفعل يا جدي ؟ أنعرف الحق ثم نكتمه ؟ كيف نواجه هؤلاء ؟

- علينا البلاغ و نشر الفكر ..

- لكن هذه حيلة اليائس العاجز .. أنا شاب يا جدي وبمقدوري مع بعض الشباب الآخر بعمل محاولة لخلع (برغش) حليف الإنجليز ..

- وهل تظن (برغش) وحده هو الحليف يا بني ؟ ان المجتمع كله يعيش في كنفهم ولا يدري خطرهم ! ألا ترى عمك وأمثاله من الأثرياء لا غنى لهم عن الإنجليز ؟ ألا ترى

جيش سلطانك لا يستطيع العمل دون مشورتهم ؟

إنهم أكبر وأعظم من (برغش) .. تغلغلوا في نفوس المجتمع والسلطنة و أصبح من المستحيل الخلاص منهم ..

- هل أيأس يا جدي ؟ لماذا تدفعني الى هاوية الاستسلام ؟

- لا تندفع نحوها يا (خالد) .. فقط آمن بأفكارك و انتظر الوقت المناسب للعمل بها .. حاول نشرها وتوريثها لأبنائك و اسأل الله الثبات على الحق ..

ظل (خالد) ينظر لي في هدوء ، بداخله ثورة لكنه قادر بصورة إعجازية على كتم ما في نفسه ..

- يا جدي .. أرغب في الكثير والكثير لكني سأعمل بنصيحتك .. ماذا ترى أن أفعل الآن ؟

- تزوج يا خالد .. هات لنا المزيد والمزيد من النسل الذي يحمل راية هذه المفاهيم .. سنحتاج لهم يوماً ما .. أريد يوم تثور هذه البلد على الإنجليز وحلفاؤهم أن

يكون بين الثائرين نسلي ..

حقق لي هذه الأمنية يا (خالد) ..

إنه زمن الغروب يا (راكان) ..

تشعر بهذا في عظامك .. تشعر بهذا في لحمك .. تشعر بهذا في كيانك كله ..

إنه الغروب ..

ويالها من حياة عجيبة مبتسرة ..

***

رحل (أمين) .. ثم رحلت وراءه بزمن وجيز (مهدية) ..

زلزال هز كياني الضعيف .. هل حقيقي أن العمر في غروب ؟

ماذا فعلت في حياتي ؟ ماذا أنجزت ؟ كيف مر الزمن بهذه السرعة ؟

الآن هناك أجيال نشأت على مبادئ لا سبيل لتطبيقها في أرض الواقع .. هل أنا المسئول عن هذه الكارثة ؟ هل هي كارثة فعلاً أم شئ يستحق الفخر كما يؤمن ابني (محمد)

؟

إن (خالد) حفيدي يعتبر هذا هو أهم ما يُميز أسرتنا .. لكني لست بهذا التفاؤل و لا الفخر !

ألم تتسبب هذه المبادئ في ضياع ابني الأصغر ؟

ألم تتسبب في ألم و حيرة بداخلي لم تخفت برغم أنني عبرت الآن حاجز الثمانين ؟

لست بهذا الفخر للأسف ..

ولا .. لا أشعر بالراحة ..

***

(أمين) و (مهدية) ذكراني بالنهاية .. ويالها من تذكرة مؤلمة سببت لي إرتباكاً كبيراً .. أما القاصمة فكانت وفاة (فاطمة) !

إنهم يتركونني .. إنهم يرحلون ..

لم أعد أستطيع الكف عن البكاء في هذه الفترة .. أحفادي وأبناء أحفادي ينظرون لي في دهشة .. (خالد) نفسه لم يفهم سبب سقوطي المدوي في هذه الحالة .. يحدثني محاولاً

مواساتي ولكن الحيرة تبدو وراء كلامه :

- جدي .. علمتني الإيمان .. فإثبت يا جدي .. فمنك أستمد الثبات !

إنه لا يفهم ما أمر به .. إنها النهاية يا بني .. أخافها و أخاف تأخرها في نفس الوقت .. (محمد) يزداد تقدماً في العمر هو الآخر .. إنه يسير في الطرقات بصعوبة

لمرض غريب داهم ساقه .. إن وجهه يزداد يوماً وراء الآخر قرباً من جده (أمين) ..

هل سيرحل الجميع و يتركوني ؟

ذاكرتي ضعيفة ولم أعد أتذكر الماضي الموغل في القدم .. لكن (ثويني) و (سعيد) و (تيمور) و العشرات من الوجوه الغائبة كانت تزورني لمواساتي .. برغم هذا لم يفلح

أي منهم في اخفاء الحقيقة الجلية .. حقيقة أنه لم يعد متبق من الزمن القديم أحد .. أنا الآن غريب وسط أغراب !

وفي وسط هذه الغُربة .. تذكرت القبطان (برغش) الثرثار !

كم تمنيت أن أراه و أتحدث معه الآن بالذات ! (برغش) الذي كان عجوزاً حين كنت أنا في بداية الشباب !

هكذا تسلطت تلك الفكرة الغريبة علي لأيام حتى بدأت في الضحك على نكت لم يقلها أو أستغرق مُفكراً في حكاياته عن بطولات القواسم و جنونهم !

ترى هل لازال حياً ؟

***

الوحدة صعبة .. أمضي الأيام الأخيرة في منزلي مع بعض الخدم الشباب المشغولين بأنفسهم وبرعاية منزلي .. (محمد) مشغول دائماً و مرضه يزيد من انعزاله و (خالد)

هو الآخر بدأ ينشغل بحياته و بتربية أولاده الصغار .. الكل يبتعد عنك رغماً عنه .. لم تعد لديك القدرة على الحكي والتذكر أو إضافة تعاليم جديدة .. والآخرين

لم يعد أي منهم محتاج لما تقوم به أو تقوله !

و (مهيب) يزداد تألقاً .. ينتهي السلطان (برغش) و ينتهي السلاطين الذين يجيئون بعده و (مهيب) يزداد قوة و تسلطاً .. لقد علم القوة الحقيقية هنا و تحالف معها

بلا إنفصام .. هكذا يوماً وراء الآخر تزداد قبضة الإنجليز في (زنجبار) حتى أصبح السلطان نفسه ممنوع تعيينه إلا بعد الحصول على موافقة القنصل البريطاني !

لن أنسى اليوم الذي تم توقيع هذه الإتفاقية و كيف بكى (خالد) من القهر .. هاهم سلاطين زنجبار المسلمين يوقعون على شهادة وفاتهم رسمياً ! لقد كانت إنجلترا قاسية

لا ترحم ! الكثير من العقلاء أصيبوا بانتكاسة أيامها .. الكثير بدأ يفيق و يلعن (سعيد) على تحالفه مع ثعالب وذئاب كالإنجليز .. (محمد) حدثني مبتسماً في فخر

عن توقعي بهلاك أسرة سعيد وضياع زنجبار بسبب تحالفه مع الإنجليز .. لم تعد ذاكرتي بنفس القوة لكن (محمد) أكد لي بأن هذا الحوار بالذات هو سبب ضياع ربع عمري

في السجن !

بدأت في القلق لهذه الذاكرة المتدهورة .. إن كنت سأموت فلا أريد أن أنتهي مجرد رجل (سفيه) لا يتحكم في بوله ولا يتذكر اسم إبنه !

نظرت لوجه إبني (محمد) و حفيدي (خالد) الفخورين ..

و سألت نفسي : هل سيتبقى بداخلهم أي فخر عندما أبول على نفسي ؟

***

الأجواء مُلبدة .. إنها منتصف التسعينات .. الحياة تغيرت تماماً هنا في (زنجبار) تحت قيادة السُلطان ( حمد بن ثويني) .. الرجل فعل ما بوسعه كي يُثبت للإنجليز

أنه رجلهم الأفضل في الجزيرة ! هكذا أصبح القنصل كالرجل المُمسك بالعصا لتأديب عبده إن أخطأ !

الإزدهار يقل .. هناك قناة شقها المصريين في أرضهم قللت من توافد السفن على زنجبار .. هكذا يقل الخير يوماً وراء الآخر ..

(خالد) أصبح هو كل حياتي الآن .. حفيدي الحبيب العامل بالتجارة شاعراً بيأس كبير بداخله .. الآن أصبح يجيئني حفيدي (ماجد بن مهيب) معه !

أخيراً رأيت شخصاً من عائلتك يا (مهيب) ؟ كم أشتاق لرؤيتك يا ابني .. برغم كل أفعالك أشتاق لرؤيتك ولو للحظة واحدة ..

(ماجد) مُتنقع بأفكار (خالد) .. أبوه (مهيب) كان يحب (خالد) برغم أنه يراه مجرد مغفل آخر .. لكنه كان يحبه حقاً .. ولكم سبب هذا من مشاعر مضطربة لدي (خالد)

! لقد كان يتمنى أن يكون عمه وغداً زنديقاً كي يكرهه ، لكنه وجده خفيف الدم والروح يحبه بشدة برغم خلافه مع أبيه !

هكذا سمح (مهيب) لإبنه أن يزورني .. و هكذا وقعت في حب (ماجد) للشبه الكبير بينه وبين أبيه .. تمنيت لو رآني و رأيته في سن أصغر لأُصلح ما أفسدته مع والده ..

لكنني أحمد الله على أن عافاني من السقم الشديد .. فما عدا ذاكرتي الضعيفه فجسدي به حيوية كأني في السبعين ! لازال بمقدوري المشي و متابعة حوار أحفادي الذي

لا ينتهي عن كيفية التحرر النهائي من الإنجليز .. يشعران بأني لا أتابعهما أحياناً لكني أرجوهما أن يكملا حديثهما .. إنهما يعيدانني إلى الشباب .. إنهما يشعرانني

بالألفة و الدفئ الذي أحتاجه في كل لحظة .. يكفيني النوم في سريري البارد وحدي مساءً !

لا تقطعوا حديثكم يا شباب .. بكم أظل مرتبطاً بهذا العالم ..

***

مات السلطان (حمد بن ثويني) اللعين .. هذه الأيام (خالد) في قمة سعادته لموت الخائن ، بينما انقطع (ماجد) عن زيارتي !

سألت (خالد) عن السبب فقال مُتضايقاً :

- لقد أمره عمي (مهيب) بمغادرة السلطنة الى (ممباسة) هو وباقي الأسرة !

- لماذا ؟

- لا أدري .. لكن السحب من بعيد شديدة السواد وفيها بروق !

- ماذا هناك ؟

- الإنجليز رفضوا السلطان الجديد ! قالوا أنه لم يأخذ موافقتهم قبل تنصيبه وبالتالي لابد أن يتنازل حتى يفكر القُنصُل البريطاني في الشخص المناسب !

- رحماك يا ربي .. يالذل أولادك يا (سعيد) ..

- اللعين هو السبب .. لا أدري أكان مجرد أحمق آخر أم كان خائناً حقيراً .. لكنه السبب فيما نحن فيه من ذل على يد هؤلاء القوم ..

شعرت بوجيب في قلبي من لهجة (خالد) ..

- ابتعد عن الأمر يا (خالد) ..

رد (خالد) في حسرة :

- و ماذا بيدي لأفعله يا جدي ؟ إن تاريخ هذه الأسرة كله إنبطاح للإنجليز ! سيسعون لإسترضائهم كالمعتاد بل وتقبيل الأحذية ! لا أمل في العمل يا جدي !

ظللت أنظر اليه شاعراً بألمه .. إن الشعور بالمهانة والذل لا فكاك منه .. لقد طال عمري حتى لم أعد أشعر بمثل تلك المشاعر القديمة .. إنني أنتظر النهاية في أية

لحظة الآن ولم تعد هذه الدنيا بقادرة على إحداث التأثير الكبير في نفسي ..

لكن قلبي لا يتوقف عن الخفقان حزناً على حزن حفيدي الحبيب ورفيقي في هذه الدنيا .. لا يتوقف عن الخفقان خوفاً من أن يتهور هذا الشاب الهادئ كما تهورت يوماً

.. أخاف أن يفقد هذا الشاب الحبيب حياته لحماسة مفاجئة كما فعلت يوماً ..

- كيف حال والدك الآن ؟

- كما هو للأسف يا جدي .. لم يعد بمقدوره التحرك من سريره بسبب الألم ..

- يا (خالد) .. والدك و أسرتك يحتاجونك ..

لا تتهور يوماً يا بني ..

***

في ذلك الصباح الصاخب جائني (خالد) مهرولاً ، على وجهه سعادة لم أرها طوال حياتي ، شعرت بالذعر إذ رأيت في يده بندقية !

- خالد ! لماذا تحمل بندقية ؟ لماذا يهرول الجميع في الشوارع ؟

هتف (خالد) في سعادة كبيرة :

- السلطان (خالد بن برغش) أعلن الحرب ضد الإنجليز يا جدي .. زنجبار الآن ستجاهد ضد الإنجليز .. سنخرج من التبعية يا جدي ..

لماذا لا أشعر بالفرح ؟

- و لماذا البندقية ؟

- يا جدي .. اليوم الذي ربيتني وربيت أهلي من أجله قد جاء .. اليوم نجاهد ضد الإنجليز يا جدي .. أدع لي بالتوفيق ..

وقفت ذاهلاً وقد أصابني الخرس ، احتضنني (خالد) وقبل رأسي قبل أن يقول بصوت ملئ بالجذل :

- أعرف أنك كنت تحلم بالجهاد معي يا جدي .. لكن إعتبرني مكانك .. سأقتص للمسلمين من الإنجليز الأوغاد و أذنابهم ..

ثم تركني ليركض في الطريق نحو قصر السلطان ..

(خالد) .. حفيدي ورفيقي ..

لن أطيق الجلوس هنا في الإنتظار ..

ناديت أحد الخدم وطلبت منه أن يأخذني الى قصر السلطان .. نظر لي الخادم في ذعر .. شعرت أنا الآخر بالذعر من أن يرفض نقلي ! أخبرته بلهجة أقرب للضراعة :

- يا بني .. حفيدي هناك .. أرجوك أوصلني إليه ..

دوى صوت المدفعية من ناحية البحر ، الإنجليز الأوغاد بدأوا القصف ، ترقرقت الدموع في عيني وأنا أقول للخادم بصوت باك :

- أرجوك يا بني .. سأكتب لك كل ما أملك .. خذني الآن الى هناك لأجئ بحفيدي ..

نفخ الفتى من منخريه وقال :

- سأذهب بك يا والدي دون شئ .. سيدي (خالد) غال جداً علي .. لكن أرجوك توقف عن البكاء بالله عليك ..

ركبت على البغلة التي راحت تسير في تؤدة بين الشوارع الفارغة .. صوت المدافع المنهمرة من الإنجليز تخلع قلبي لكن صوت المدافع الزنجبارية تزيدني ثقة بأن المقاومة

لن تموت ..

وصلت الى منطقة بالقرب من ساحة المعركة .. الإقتراب أكثر من هذا مستحيل .. بعض الجهات مغلقة بسبب وجود قوة برية تحاصر القصر .. القذائف تنزل كالصواعق في كل

مكان و الإنفجارات لا تتوقف ..

رحل الخادم هارباً من هول الموقف ، لم أقدر على لومه .. ترجلت من البغلة و توغلت في منطقة القصف وأنا أمشي ببطء ..

لم أخف القذائف المنهمرة .. ليت احداهن تصيبني لتنهي وحدة الشيخوخة وآلامها .. لكن لا .. ليس قبل أن أطمئن على حفيدي ..

نظر لي بعض الجنود المختبئين في دهشة وذهول ، ليس من بينهم (خالد) فتابعت طريقي .. لكن أحدهم هرول ناحيتي صارخاً :

- أيها العجوز .. ماذا جاء بك هنا ؟

- أبحث عن حفيدي ؟

- أي حفيد وسط هذه الحرب ؟ أجننت يا رجل ؟

- أرأيت حفيدي ؟ اسمه (خالد بن محمد) !

أصيب الرجل بالخرس لثوان وهو ينظر لي داهشاً ..

- أهو من جند السلطان ؟

- لا .. واحد من الأهالي ..

- اذن تعال معي .. وليكن الله في عوننا ..

عبر بي بسرعة في وسط ساحة القصر فأصابني بإرهاق شديد .. سلمني الى أحد الجنود المتمترسين مع الكثير من الأهالي و أخبره بأني أبحث عن حفيدي ..

لم أنتبه له و رحت أبحث بعيني في وسط المدنيين حاملي السلاح ، كنت خلفهم و جميعهم منتبه و جالس بسلاحه يطلقه لمواجهة وإيقاف القوات الزنجبارية البرية الخائنة

بقيادتها الإنجليزية التي تهاجم القصر ..

لكن لم يكن بينهم حفيدي ..

- إنه ليس هنا ..

- هؤلاء هم كل الجنود الأهليين ..

- لكني واثق بأنه جاء الى هنا ..

- إذن اذهب الى هذا الخندق الصغير هناك .. فيه الجرحى ..

جرحى ؟ لا ..

تحركت نحو الخندق و قلبي يكاد يقف .. لا أريد أن أراك يا (خالد) .. يا ربي لا تجعلني أراه الآن ..

لكنه كان هناك !

انهمرت الدموع فوراً وأنا أتفحص جسده في لوعة .. لم يكن أحد بجواره لأن الكل مشغول بالقتال .. العبيد والنساء والجميع يُقاتل ..

عنده اصابة بليغة في جانبه .. تبدو كشظية طلقة مدفع لفداحتها .. صرخت أطلب النجدة بصوت عال ضاع وسط دوي المدافع ..

فتح (خالد) عينيه .. ابتسم عندما رآني وقال بصوت خافت شيئاً لم أتبينه ، قربت أذني من فمه فوجدته يقول :

- أشهيدٌ أنا يا جدي ؟

وسط دموعي المنهمرة التي أغرقت لحيتي قلت والهزيمة تفوح مني :

- أفعلتها من أجل السلطان أم من أجل المسلمين يا خالد ؟

الدماء خرجت من فمه وهو يقول بصعوبة :

- من أجل المسلمين يا جدي .. والله شهيدي ..

سقطت رأسه في حضني ، رحت أصرخ و أبكي بلا توقف .. أمسكت بندقيته .. إن طلقة واحدة منها كافية لقتلي من اندفاعها .. لكن تباً لدنيا بلا (خالد) .. تباً لدنيا

بلا رفيق .. تباً لدنيا فيها المنتصر هو الوغد .. تباً للإنجليز ومن حالفهم .. أذناب الإنجليز قتلوا إبني .. أذناب الإنجليز قتلوا حفيدي ..

وضعت رأس (خالد) حبيبي على الأرض .. أخبرته بأني قادم اليه بعد قليل .. خرجت من الخندق لأجد المتمترسين في حالة ذعر بالغة .. الجند الزنجباريين الخونة المحاصرين

للقصر بقيادة الإنجليز و حلفاؤهم يتقدمون ويجتاحون كل شئ .. كان القائد يطلب من الجميع الإستسلام .. لقد خسرنا الحرب .. الإنجليز تفوقوا ..

لا والله .. حربي لم تنته .. بل بالأحرى .. بدأت الآن !

كان جميع الجنود يهرولون الى الخلف نحو القصر .. وحدي جلست و أعددت البندقية الجاهزة للإطلاق .. ياللحيوية .. أتذكر الآن الماضي .. أتذكر يوم هرب الجيش النجدي

الذي أنتمي اليه وظللت في المقدمة .. دائماً كنت متهور يا ( راكان) .. دائماً كنت تفعل الغير متوقع .. مغامرة الجبل في البريمي .. مغامرة السجن في مسقط .. مغامرة

مصارحة السلطان هنا في زنجبار ..

كان حظك السئ يكمن في نجاتك كل مرة ! كلما نجوت أصابك الإرتباك و الحيرة .. هل كنت على صواب أم على خطأ !

لتحرص هذه المرة على الموت ..

لتحرص على الشهادة ..

فلتنه حياتك و أنت في هذه اللحظة الرائعة من اليقين ..

لقد أثبتت الأيام صحة كلامك ..

أثبتت صحة معتقدك ..

فمُت من أجله .. كما مات حبيبك و حفيدك ..

رفعت البندقية .. الجيش الخائن وقادته الإنجليز يتحركون الآن في حرية أمام البوابة و قائد حامية القصر يسلمهم نفسه .. اطلاق النار توقف والرايات البيضاء مرفوعة

فوق القصر الذي تهدم ..

لا أحد يتوقع أي غدر الآن .. انهم يتقدمون في تفاخر .. هناك ظابط إنجليزي يتقدمهم .. إنتظرت حتى يقترب أكثر كيلا تطيش الرصاصة .. الآن أشعر بعمري في الخمسين

.. هناك نصف قرن من الحيوية في قلبي وعضلاتي الآن ..

لكن ..

من هذا الضاحك بجواره ؟

أليس هذ هو (مهيب) ابني ؟!

(مهيب) ؟!!

أصبح كهل الآن لكن ملامحه لم تغب عني طوال هذه السنوات !

يا للهول ! كيف نسيت هذا ؟

(مهيب) ابني كان مع الإنجليز ؟

(مهيب) ابني قتل حفيدي ؟

الآن أعيد التفكير .. أيهما أولى بالقتل ؟

(مهيب) أم القائد الإنجليزي ؟

رفعت البندقية .. لم أعد أرى (مهيب) .. كلما اقترب رأيت وجه (سعيد بن سلطان) !

تذكرت ذلك اليوم الذي واجهته فيه .. اليوم الذي سجنني بعده .. اليوم الذي سمح فيه للمنصرين بالعمل و فتح باب كل هذا الهلاك ..

لقد ظللت محتاراً طوال عشرات السنوات يا (سعيد) .. ظلت حيرتي وتساؤلاتي عما اذا كان ما فعلته معك كان هو الصواب ..

الآن أدركت الحق ..

الآن وصلت لليقين ..

أطلقت نار بندقيتي و أنا أصرخ :

- هو الصواب يا (سعيد) ..

سادت هرجلة كبيرة بين الصفوف المتقدمة بينما سقطت على ظهري من اندفاع البندقية ، حاولت النهوض بينما الصرخات الإنجليزية تملأ الجو من حولي .. صوت عشرات الطلقات

تنهمر على مخبئي ..

و أخيراً ..

جاء صوت المدفع ..

ترى هل تكون هذه موجهة نحو .....

.............................

انتهت