٤

6 0 00

٤

وانعطف بنا إلى اليمين فمشينا خطوات، ثم انتهى بنا إلى دهليز، فرقينا درجات، وخادم صبية تسعى بين أيدينا وقد حملت في يدها اللطيفة سراجًا صغيرًا يضطرب منه ضوء ضئيل، حتى إذا بلغنا أعلى السلم وقف يبحث في جيبه عن بعض الشيء، ثم أخرج مفتاحًا فأداره في قفل أمامه حتى إذا فتح له الباب صاح صيحة عريضة أن اخلع نعليك فقد بلغت الغرفة الحرام.

ولم أكد أسمع هذه الجملة حتى انحنيت إلى حذائي أريد أن أخلعه حقًّا، وأي غرابة في ذلك؟ فقد تعودت خلع الحذاء مرات في كل يوم، حين كنت أختلف إلى الدروس في الأزهر أو في جامع محمد بك، أو في جامع العدوي، أو في جامع الأشرف. هناك حيث كنت أستمع لدروس الأصول والفقه والنحو والمنطق والتوحيد، وتعودت خلع الحذاء حين كنت أزور بعض الدور، ولا سيما دور شيوخنا من العلماء، ولا سيما هذا الشيخ الذي كان الخديو قد نفاه من الأزهر نفيًا وحظر عليه التعليم فيه. فتبعناه إلى داره وألححنا عليه في أن يمضي في إلقاء ما كان يلقي علينا من الدروس لا حبًّا في علمه ولا تهالكًا على شخصه، ولكن تحديًا لذلك السلطان الذي كنا نراه جائرًا متحكمًا، ولا نريد أن نذعن لجوره، ولا لتحكمه، وآية ذلك أننا نشرنا في الصحف خبر إلحاحنا على الأستاذ، واستجابة الأستاذ لنا، واختلافنا إلى داره في الضحى من كل يوم نسمع منه الأصول في بعض الأيام، والمنطق في بعضها الآخر.

هنالك في الدرب الأحمر كنا نبلغ الدار مختلفين، فبعضنا يتخذ أحذية الشيوخ، وبعضنا يتخذ أحذية الأفندية، وكلنا كان يخلع حذاءه، إذا بلغ المنظرة، فلم أجد غرابةً إذًا في أن يطلب إليَّ صاحبي أن أخلع نعلي حين بلغنا غرفته هذه، فلعل ما كان يغطي أرضها من بساطٍ أو حصير كانت تقام عليه الصلاة، كما كانت تقام على ما يغطي أرض المساجد وأرض منظرة الشيخ من بساطٍ أو حصير. ولكني لم أكد أنحني على حذائي لأخلعه حتى امتلأ الجو بضحكٍ عريض رائعٍ مخيف، ثم امتدت إليَّ يد صاحبي الغليظة فردتني إلى اعتدال القامة، وصاحبي يقول: ماذا تفعل؟ أفتظن أنك في الأزهر؟ أوَهذا كل ما علمته من البيان؟ قلت في شيءٍ من الدهش عظيم: وأي غرابة أن تخلع النعال عند أبواب الغرف؟ وأين يكون البيان وأبوابه من خلع النعال؟ قال: يا سيدي إنهم يدرسون لكم في الأزهر التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية. وما أشك في أنك تستطيع أن تعيد عليَّ كل ما سمعته من هذا، ولكنك تملأ صدرك بما لا تفهمه ولا تحسن الانتفاع به، فإني لم أرد أن تخلع نعليك، وإنما أردت أن تكبر هذه الغرفة التي بلغتها والتي ستدخلها؛ لأنها غرفة العلم والأدب، ومستقر الأسفار والكتب، ومهبط الوحي إن كان ما يقع في نفس رجل مثلي يريد أن يكون أديبًا شيئًا يمكن أن يسمى وحيًا. فلو أنك تدرس علم البيان درس فهم وانتفاع حقًّا، لما أعياك أن تفهم عني ما كنت أريد. قال ذلك في صوتٍ غليظ يقطعه هذا الضحك الذي يصور السذاجة والمكر وحب السخرية في وقتٍ واحد، ثم أخذ بيدي ومضى معي حتى أجلسني على كرسي أمام مائدة لم أكد أضع عليها يدي حتى لمست كتابًا.

وكانت الخادم في أثناء ذلك ما زالت قائمة وفي يدها اللطيفة سراجها الصغير. فالتفت إليها مغضبًا ضاحكًا معًا، وهو يقول: وما وقوفك أنت هنا كالصنم؟ ثم خفض صوته قليلًا وقال: ومع ذلك فإن منظرها جميل يصور بعض ما تركه لنا القدماء من آثار الفن.

ولم تنصرف الصبية بسراجها، وإنما ظلت في مكانها حتى مد يده إلى سلسلة تضطرب في الجو فجذبها إليه في شيءٍ من العنف، حتى إذا هبط إليه المصباح المعلق في السقف أضاءه ورفعه، وقال للصبية: انصرفي الآن وعشينا إن كان عندك طعام.

ثم جلس مني غير بعيد وأشار إلى غلامي الأسود الصغير أن استرح حيث تشاء، وبدأ حديثه معي في لهجة الحازم الجاد، فقال: والآن يا سيدي يجب أن ندع اللغو فما جئنا هنا لنلغو ولا لنلهو، وأن نأخذ في الجد فللجد وحده أقبلنا، فحدثني من أنت، وسأحدثك من أنا، حتى إذا عرف كل منا صاحبه وأخذنا فيما ينبغي أن نأخذ فيه قلت: فإنك تنظم الأمر كما تحب، تتحكم في ذلك تحكمًا غريبًا؛ لا تسألني عن شيء، ولا تستشيرني في شيء! فإني لم أطلب إليك أن أجيء إلى هذا المكان ولا أن آخذ معك في لغوٍ أو جد. قال مقاطعًا: فأنت لا تريد إذًا أن تحدثني عن نفسك حتى أحدثك عن نفسي، فسأحدثك عن نفسي ولكن بعد أن أنبئك أني أعرفك حق المعرفة، وكنت خليقًا أن تعرفني لولا أنك حديث السن.

ثم قص عليَّ من أمري ما كنت أظن أنه أبعد الناس عن العلم به، ولكني لم أدهش لذلك حين ذكر لي اسمه وتحدث إليَّ عن أسرته، وأنبأني بأنه من هذه القرية التي ليس بينها وبين مدينتنا إلا ساعة أو بعض ساعة للذين يمشون على الأقدام، وأنه قد نشأ في مدينتنا، أو أكثر التردد عليها حتى كأنه نشأ فيها، وأنه قد تعلم القراءة والكتابة في نفس الكتاب الذي تعلمت فيه، وقد عرف إخوتي الذين سبقوني إليه، وقد ظلت المودة متصلة بينه وبين بعضهم حتى تركت أسرتنا هذه المدينة إلى أقصى الصعيد، وحتى هبطنا نحن إلى القاهرة نطلب العلم في مدارسها المختلفة.

منذ ذلك الوقت تقطعت الأسباب أو رثَّت بينه وبين من كان يود من إخوتي، يسألني عنهم واحدًا واحدًا، وأنا أجيبه، ثم أسأله عن نفسه كيف تعلم وماذا يعمل الآن؟ فينبئني بأنه أتم درسه الثانوي منذ أعوام، واتصل بوزارة الأشغال يعمل فيها كاتبًا في بعض الدواوين يختلف إليها وجه النهار، ويعكف آخر النهار وجزءًا غير قليل من الليل على القراءة والدرس حتى كلف بهما أشد الكلف، وأصبح عمله في الوزارة وسيلة آلية، على حين هو عند أترابه من الشبان غاية لا يلتمسون غيرها غرضًا من أغراض الحياة.

ولم يكد يتقدم الحديث بيننا في هذه الشئون حتى أقبلت الخادم تزيل ما على المائدة من كتب لتهيئها للأطباق وآنية العشاء، وقد زالت الكلفة بيننا، وأخذت أسمع منه وأتحدث إليه كما يكون الأمر بين إلفين قد بعد العهد بما بينهما من المودة والحب والمخالطة، فليس بينهما تصنع ولا تكلف ولا عناية بما يقولان.

وما هي إلا لحظات حتى كنا نلهو ونضحك من ذكريات لم نلبث أن وجدناها مشتركة بيننا، وكلها متصل بحياتنا في الريف.