الفصل الثاني
العذاب.. الضيق...الأماني العراض التي أفترسها الفشل..كل ذلك إنحرف بمسيرته..وأهلك القناعة بداخله،وأوقد في نفسه رغبة مسعورة لتحقيق ما يريد!!
تأمل حاله المزرية..
بطالة طاغية..فقرٌ مقدع..أبوه الصياد كهلٌ متعبٌ..حطمته الأيام،ونهشه الفقر والحاجة المستديمة للمال،فأصبح يذكر الموت أكثر من ذكره ملذات الحياة..
لكنه مع ذلك زاهدٌ عفيفٌ،لم يسأل أحداً يوماً فلساً واحداً.وعمل مع والده في صباه كثيراً.. أصبح حواتاً ماهراً يصيد السمك بحربة الصيد مع أي جزء يشاء،ثم عمل حمَّالاً..ثم مزارعاً..ثم حرفياً.
لكنه ولد بنفس طموحه.. إلى المجد والجاه.. إلى الصيت الذائع،وتراكم في نفسه إعتقاد راسخ بأن مشكلته وسعادته في المال.. فسعى للبحث عن الثراء بوحشية!
مارس التجارة ففشل،ونفد كل ما معه من نقود.. جرَّب القمار فلازمته الخسارة الدائمة..ثم عمد إلى موهبته الأصلية..الشعر.. استعار جبة وعمامة عريضة.. ودخل على الولاة وكبار القادة،ونظم القصائد في المديح والتملق،فلم يظفر إلا بالقليل،فترك الشعر وعاد إلى القمار فخسر من جديد.. وأرهقته الديون وتراكم عليه البؤس وقادته الأحزان إلى الخمرة وإقداح النبيذ.
ومع الأيام القاسية إنحرف تفكيره فظن أنه خُلق حقوداً شريراَ...فصار لصاً.. يسطو على المنازل.. وشُكي إلى والده،فأمسكه الكهل وربطه إلى جذع نخلة في صحن الدار وجلده حتى بال على نفسه وخر مغشياً عليه.
وعاد إلى السرقة من جديد فقبض عليه وسجن وجلد في سجن الوالي ببغداد،وكادت يده أن تقطع ذات مرة!وهدده والده بالبراءة منه ثم طرده أخيراً.
بات يمشي حتى منتصف الليل وأدركه التعب فجلس متكئاً على صرة ثيابه، ثم أستلقى على رمل ناعم وبقي يهذي بكلام غير مفهوم،ثم غط في نوم عميق.
نام طويلاً في مكانه ذاك حتى أيقضته شمس الضحى الساخنة،فقام وتمطى ونفض ثيابه والعرق يغطي جسمه المتين،وغمس وجهه في مياه دجلة،وأروى عطشه ، ثم أستلقى من جديد تحت ظل شجرة،وعاود النوم حتى أنحسر عنه الظل فتحول إلى موضع الظل،ونام ولم يستيقظ إلا منتصف العصر!
استيقظ والجوع والعطش يستبدان به فقام وواصل مسيره بعدما شرب من دجلة الكثير.
وصل إلى إحدى القرى الواقعه على النهر، وتجول في بعض طرقها وطلب من بعض أصحاب الحوانيت إقراضه شيئاً من الطعام،فلم يعطه أحدٌ شيئاً، فمنظره الكئيب، وشعره المشعث ونظراته القاسية لم تكن تبعث على الطمأنينة، وألح في المسألة على أحدهم فنهره وطرده فخرج غاضباً وتمنى لو يحرق القرية على من فيها.
ومضى مبتعداً عن القرية متوكئاً على غصن عريض.وصادف أحد الصيادين راكباَ حماره، ومعه سلة فيها سمك فسأله عن بغداد فأخبره أنها على مسيرة نهار كامل من هنا.. تأمل غياث بن عبد المغيث الرجل وحماره بنظرات شرسة أثارت ريبة الصياد، وقبل ان ينخس حماره ليبتعد أهوى غياث بهراوته على مؤخرة رأسه فسقط عن ظهر الحمار مغشياً عليه..وبهدوء بحث غياث في ثيابه وسلب ما معه من المال وركب الحمار ومضى.
عندما حل المساء توقف على الشاطئ.. كانت الغيوم قد حجبت ضوء القمر،فعم الظلام الدامي أرجاء المكان.. وأشعل نارا وشوى بعض ما في السلة من السمك.. وجلس يأكل بشهية مفتوحة حتى شبع وعاد إلى نشاطه ، وتمنى في هذه اللحظة قدحاً من النبيذ يذهب به عن الدنيا.
كان قد بقي على بغداد مسافة ليست بالقصيرة، ومع أنه كان نشطاً إلا أنه أثر أن يكمل مسيرته في الصباح.
لم يذهب إلى بغداد إلا مرتين في حياته.. الأولى وهو صبي في صحبة والده.. والثانية عندما حُمل مكبلاً وجلد هناك لقيامه بالسرقة. كم هالته المدينة الكبيرة العامرة.. التي تعج بمئات الآلاف من البشر من جميع الأنحاء.. في بغداد يسهل التخفي،وتكثر الأوكار الأمنه،والأرزاق والجواري وأطيب الخمور.. وهناك سيجد من يعاضده في أعمال الليل وغزوات المنازل!
ظل مستسلماً لخواطره حتى إجتذب سمعه أنين خافت!! تلفت حوله فلم يرَ شيئاً فعزى ذلك إلى توهمه..لكن الصوت عاد ثانية، وتتبعه غياث.. كان أنيناً لرجل موجوع أو مصاب.. أرخى سمعه مرة ثالثة ليجد الصوت منبعث من خلف كثيب صغير قريب منه. فقام وذهب إلى الكثيب ليجد رجلاً في نحو الخامسة والأربعين ملطخاً بالدماء، وفي كتفه جرح بدم يابس.
كان واضحاً أنه تعرض لعراك شديد.. فثيابه ممزقة.. ورأسه حاسر مشعث الشعر .. وكان يمسك بطنه بإحدى يديه.
ولإنقاذه حمله غياث بين يديه وأنزله إلى جانب النهر ورش وجهه بالماء وجعل يضرب خديه بخشونة حتى أستفاق.
وفتح الرجل عينيه وأدارهما في غياث ثم في الليل برعب وريبة وسأل بوجل:
- أين أنا؟وأين الجمل؟!
فأجاب غياث:
- أنت هنا على شاطئ النهر.
- والجمل؟!
- لم أرَ جملاً هنا!
ثم قال يطمئنه:
-لا بأس عليك، جرحك بسيط وسيندمل سريعاً.
ولم يعلق الرجل بغير الأنين. فظهرت خشونة غياث وقال في ضجر:
- أنت تئن كالثكالى.. كأنك..
ولم يكمل عبارته لأن الرجل أبعد يده عن بطنه فبان تحتها جرح غائر طويل بطول الكف!! فصاح غياث:
- ويحك يارجل .. أنت تحتاج إلى طبيب!!
فقال الرجل يائساً:
- أنا أحتاج إلى كفن.
وسأله غياث بما يشبه الزعيق:
-من أنت؟ ومن أين جئت؟!
فقال بيأسه الأول:
-سأخبرك بما تريد.. لكن أرفعني قليلاً عن الأرض.
واستجاب له غياث رافعاً ظهره عن الأرض فأدار الرجل عينيه المرعوبتين،ومسح بهما أرجاء المكان، وقال وهو يشير بيده التي ليست على الحرح إلى جهة من البر:
-هناك.. ستجد الجمل هناك.. لقد رأيته يذهب من هذه الناحية عندما سقطت من على ظهره.
وذهب غياث إلى حيث أشار الرجلُ الجريحُ ليبحث عن جمله.. تجول قليلاً في الفلاة المظُلمة وهم بالرجوع وهو يشتم الرجل:
-قتله الله.. لم تنته مصيبتي حتى أبلى به!!
لكنه وجد الجمل ملتفاً بالظلام باركاً على الأرض.. يجتر ماأكله في النهار.. هدر الجمل عندما رآه، فأقتاده غياث إلى الرجل الذي أخذه الأعياء فنام.
قذف غياث إلى النار ببعض الحطب فأرتفع اللهب متراقصاً.. مضيئاً المكان.. تأمل غياث الرجل وبدا له أنه يعرفه وحاول أن يتذكر..كان دقيق الملامح..مهزولاً.. على جانب صدغه الأيسر أثر جرح قديم،منعه بعض شعر اللحية من الظهور.. وعندما تذكره هزًّ رأسه!
وبهدوء وحذر تحسس ثيابه وجيوبه، فلم يجد غير بضعة دراهم، فسلبها ووضعها في جيبه.. وراعه أن جسد الرجل كان يفور بالحرارة!
وأحس الرجل به فاستيقظ وتكلم وهو يلهث:
-هل جئت؟
-نعم.. وقد وجدت جملك.
-إذاً أنظر هناك.. ستجد قارباً كبيراً.. أنزل به أحمال الجمل.. ولنصعد إليه ونعبر إلى الضفة الأخرى من النهر، فهناك بقايا نخل وبيت صغير مهجور.. هيا بسرعة.
-لماذا لا نبيت الليلة هنا، ونمضي إلى البيت في الصباح؟!
-لا..لابد أن نكون هناك حالاً.
-تبدو مستعجلاً.. هل هناك شيء؟!
-ستعرف فيما بعد..هيا بسرعة..
بسهولة وجد غياث القارب .. ووجده قديماً متهالكاً.. فحمل الرجل إليه وأبقاه مستلقياً على ظهره في قاع القارب، ويده لا تفارق بطنه،وقد عاد إليه الأنين.
وعمد إلى أحمال الجمل.. فوجدها خرجين متوسطين معلقين على جانبي الجمل.. وكانا ثقيلين محكمي الإغلاق والربط.
حملهما إلى القارب ولم ينسَ صرة ثيابه.. وحل قيود الجمل والحمار وترك لهما الحرية.. وبدأ يجدف مجتازاً النهر الهادر لكي يصل إلي الجهة الغربية.
ظل يجدف حتى صاح الرجل فجأة:
- الماء!! الماء سيغمر القارب؟!
كانا في منتصف النهر، وبحث غياث في القارب فلم يجد مصدر الماء بسبب الظلام. فجعل يتحسس بطن القارب بيديه حتى وجده فصاح بغضب:
-إنه مثقوب!كيف لم تخبرني أنه مثقوب؟!
-لم أكن أعلم.. وإلا لما تركتك تبحر به.. ربما حطمه الجمل! لم يفهم غياث شيئاً وظل يجدف بإنفعال في سباق مع المياه المتدفقة التي أبطئت بسرعة القارب، فترك غياث المجاديف، وجعل ينزح المياه من القارب بدلو وجده.
ومع الوقت عجز عن السيطرة على الماء فجلس يستريح ويدلك زنديه القويين.
فهتف به الرجل ملهوفاً:
-لاتتوقف.. أنا لا أستطيع النهوض وستغرقني المياه وأنا مستلقٍ قبل أن يغوص القارب!
فقال غياث في برم:
-قبحك الله.. وماذا أصنع بك؟ كل ماأستطيع فعله أن أخفف من حمل القارب حتى يسحل التجديف.
وقذف بالصناديق والشباك والحبال إلى جوف النهر. وتناول احد الخرجين بسرعه وقذف به إلى الماء . ومد يده إلى الثاني فصاح به الرجل الجريح:
-لا ...إنه الذهب !!؟
كانت صيحته منكره.. جعلت شعر غياث يقف!
وضم الرجل الخرج الثاني إلى صدره كأنما يريد حمايته وخاطب غياث بغضب وأسى:
-لماذا قذفت به ياأحمق؟!فقال غياث بدهشة:
-أنت لم تخبرني أنه ذهب.. لقد ظننته من سائر المتاع!
وعاد ينزح المياه من القارب بالدلو.. في صراع مع النهر ثم يجدف وهو ينقل بصره مابين قعر القارب، وصفحة النهر الداكنة المخيفة. ثم حانت منه إلتفاته إلى الرجل فوجده يذرف دموعاً غزاراً.. كان الشعور بالعجز والخسارة قد غلبه.ثم سمعه غياث يهذي:
-طعنت وقاتلت من أجله.. وهانذا أخسر نصفه.. عذبك الله ياعدي كما عذبتني!
بصعوبة وصلوا إلى الضفة الأخرى من النهر، وحمل غياث الرجل إلى حيث يوجد النخيل والبيت..وكان النخيل قليلاً..متقارباً وخاوياً.. وبداخله قامت حجرتان متداعيتان من الطين وأمامهما عريش صغير من جريد النخل .
وضع غياث الرجل على الأرض. لكنه صاح:
-بالداخل.. بداخل الغرفة فلا طاقة لي بالبرد!
كان الجو معتدلاً..لكن الحمى كانت تفترس الرجل.. فحمله غياث إلى الداخل وهو متشبث بالخرج المتبقي وأنزله في الحجرة المظلمة وهو يئن.. ويهتف لاهثاً:
-نار ..أوقد ناراً.. الجليد يكاد يقتلني.. أنا محموم!
ثم غاب عن رشده، وعاد إلى الهذيان وإلى شتيمة عدي.. وأشخاص أخرين..حنظلة..بكرة بن مرة.. زليط.
وسقط الخرج من يده محدثاً صوتاً أثار فضول غياث الذي قام وجمع بعض الحطب وأشعل ناراً أضائت أركان الحجرة. ثم عمد إلى الخرج فتناوله وفتحه.. ليطلق صيحة مكتومة عندما وجده يكاد يفيض بالذهب الخالص!
الفصل الثالث ..
الذهب بغيته..شرط سعادته..إبتسمت له الدنيا فجأة..أرتمت الثروة والمجد تحت قدميه بسهولة..هذا المال غنيمه بارده سيناله بلا مخاطرات ولامتاعب..فالسرقة مهنته.. والرجل الجريح عاجز لا يكاد يقوى على الحراك، وليس هناك رقيب ولا شرط..فليأخذ هذا الخرج الممتليء وليرجع لإستخراج الثاني بعد حين.. ليقتنص الفرصة ولينهي شقائه إلى الأبد.. وسيجد بعدها مئة جواب لمن يسأله عن ثرائه المفاجيء!واحس بتصاعد أنفاسه وتلفت..ثم تفكر ملياً وأعاد المال إلى مكانه.. ووجد نفسه متردداً في سلب الرجل، مع أنه سلبه قبل قليل بعض دريهمات!
حرك النار فتصاعد لهبها.. تأمل هذه الثروة التي تربض عند قدميه كالكلب الوفي.. ماذا لو أخذها ولاذ بالفرار وترك الرجل لمصيره يموت بهدوء.. لقمة سائغة.. فهو يسطو على المنازل ويقتحم الأخطار من أجل أشياء قليلة تضيع منه في صباح اليوم الذي يليه.. والآن وجد ما يكفيه مدى عمره كله،فلماذا يترك هاذه السعادة القابعة في حقيبة هاذا الجريح العاجز تضيع منه؟..إنه في الغالب سيموت، فقد تلقى في جوفه طعنة نافذة.. وهكذا لن يثقل كاهله بقتله.. فلا مجال للتقاعس والوجل؟!
وتناول الخرج الثقيل مرة ثانية.. لكن شكوكه عادت فأرجع الخرج إلى مكانه.
لقد علمته التجارب أن يكون حذراً ويفكر في كل شيء قبل أن يقدم على عمل جريء كهاذا. وقد تحصلت هنده قناعة تامة أن لهذا الذهب الوافر طلاباً غيره،وأنهم لابد أن يتتبعوه أينما ذهب.. فما زالت تطن في أذنه كلمات الرجل وهو يهذي ويقول: إنه طعن من أجل الذهب ثم خسر نصفه. وتلك الأسماء التي كان يرددها..حنظلة..زليط..عدي.. ولاشك أن الرجل لص مثله.. فقدرآه يوماً أو شخصاً يشبهه! والأشخاص الذين ذكرهم هم أعوانه أو أعدائه. ولهاذا قرر أن يحتال على الرجل ليعرف قصته، ويكون ذلك أدعى للأمن وأخذ الحيطة. وخطرت له فكره..
أخذ الخرج محاذراً أن تحدث محتوياته صوتاً وحفر حفرةً صغيرةً في جهة من الحجرة، ودفن الخرج فيها وغطاه بطبقة رقيقة من التراب،ووضع صرة ثيابه قوقها وسوى الموضع ، ثم قام إلى الخارج ورفع رأسه وملأ رئتيه من الهواء الندي، وجاء ببعض الحطب وقذف به إلى النار التي كادت تخمد، وعلى ضوئها طفق يتفقد محتويات الغرفة.. ووجد شِباك صيدٍ قديمةٍ وسلال فارغة، وحبال وثياب وخرق بالية، ووجد صندوقاً به سيف صديء، ورماح وسماح، وكان الغبار يغطي كل شيء. ثم ترك الحجرة بعدما ألقى على قدمي الرجل المرتعش بعض الأغطية. وجمع المزيد من الحطب والأخشاب، ثم عاد ليجد الرجل قد أستيقظ ووجده يكاد يجن فرقاً على حقيبته، وعندما وقعت عيناه على غياث سأله بفظاظة وريبة:
-أين أموالي؟
-هل تقصد الخرج؟
-نعم.. هل رأيت أحداً جاء إلى هنا وأخذها؟
-كيف يأتي أحد ليسرقها ولا أمنعه؟!
-إذاً قل لي أين ذهبت؟
-لقد استوليت عليها أنا.
-أنت؟
-نعم.
وتوقع غياث أن يلعنه الرجل ويغضب ويحاول القيام أو يقذفه بأي شيء.. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث!! بل تغيرت سحنته، وتكدرت ملامحه إلى هيئة مهزومة ساذجة.. وحزينة بشكل كاد يبعث الأسى في نفسه!!
لقد أُتي من مأمنه، وسُرق من الشخص الذي كان يظن أنه منقذه. وعاد يستفسر بطريقة أراد لها أن تكون ثابتة متوعدة:
-بأي حق تأخذ مالاً ليس لك؟!
-وليس ل كانت أيضاً!
كيف تقول هذا .. إنها أموالي؟!
رد غياث مصطنعاً الثقة:
-لقد عرفتك ساعة نظرت إليك.. لقد أخذت هذه الأموال ظلماً وعدواناً.. وليست هذه أولى أعمالك فأنا أعرف عنك الكثير!
لم يكن غياث متأكداً مما يقول، وكان مستعداً لن يتنازل عن شكوكه لو إستمر الرجل في إنكاره غير أن استسلام الرجل السريع أدهشه. حيث قال الرجل مناوراً:
-أنت لا تعي شيئاً مما تقول.. أنا أسمي شهاب الدين وأنا تاجر من تجار حلب وقد داهمني الصوص عندما كنت..
-بل أنت لص من لصوص العراق واسمك مروان!
وتقلبت عينا الرجل مبهوتاً.. وحدج غياث بنظراته المرعوبة المدهوشة في صمت وحنى رأسه، وجعل يتحسس جرحه بيده الملطخة بالدماء اليابسة وخاطبه غياث:
-لقد رأيتك أول مرة في سجن الوالي من أجل جبن سرقته وتدعي الآن أنك تاجر وأن لك أمولاً!؟
واستقام الرجل في جلسته لاهثاً بعدما تجلى عنه الكثير من وطأة الحمى، وأسند ظهره إلى الجدار وقال بصوت هاديء مستسلماً:
-إذاً فأنت تعرفني يافتى؟
فقال غياث معلناً عن نفسه بصراحة:
نعم أعرفك.. فجميعنا أصحاب مهنة واحدة.. وعندما كنت تهذي فهمت من كلامك ما يمكن أن تكون وقد سمعتك تهذي بإسم حنظلة وعدي وبكر بن مرة وزليط.
وعند ذكر عدي تمتم.."مروان"وهو يخاطب نفسه:
-عذًبك الله يا عدي..
ثم قال لغياث بسذاجة ناسياً عجزة:
-ستشاركني هذه الغنيمة .. سأهبك نصف المال مقابل أن تساعدني..؟
فأبتسم غياث مستغرباً.. كيف أصبح هذا لصاً فاتكاً ثم قال بمكرٍ مستجراً مروان إلى الكلام:
-حسناً.. وكيف أساعدك؟
-تركبني على ظهر الجمل وتدفع بي إلا سبيل النجاة.
-سأفعل..ولا أريد نصف المال،فهذا كسب لك وحدك، وإنني من القناعة بحيث يكفيني القليل إذا أخبرتني كيف سلبتَ المال.. ولك أن أساعدك؟
-ومن يضمن لي أنك لا تخونني؟
-لاخيار لك..فأنت عاجز.. وإذا لم تستجب لي قمت وتركتك!
- والذهب؟
رد غياث محاولاً كسب ثقة مروان:
-الذهب لك إلا ما تصدقت به عليً،فما كنت لآخذ ما حصلت أنت عليه بجهدك..
ورفع إلا فم مروان قدحاً كان قد ملأه من النهر.. فشرب وقال:
-سأحكي لك.
وسكت برهة يتحسس جرحه ثم قال بنكد:
-هذا المال لتاجر ثري، يسكن بغداد وهو من أهل فلسطين يقال له ذاهب المقدسي، وكان متصلاً بالخلفاء والولاة وقد جمع من الأموال الكثير وكانت له ضياع ودور وعقار.
وقد وشى به بعضهم عند الخليفة فجفاه وعنَّفه،وأظهر له العداوة فضاقت عليه الدنيا وكره بغداد وعاف المقام فيها، واعتزم الرحيل إلى بلاده، والتحول إلى موطنه الأصلي فلسطين فأرسل أولاده وأسرته إلا هناك مع قليل من المال على أن يلحق بهم بعد أشهر.
وطفق يبيع ضياعه وعقاره، وكل ما يملك وأشترى هذا الذهب الذي رأيته، وحمل أمتعته وأمواله على بعض الجمال.. وأستأجر خمسة عشر فارساً لحراسته مع خمسة من عبيده.
وكان من أصدقاء المقدسي رجل يحقد عليه ويحسده أسمه حنظلة، وكانت قد جرت بينهما المعرفة في مجلس الخليفة ولم يكن ذاهب يخفي عن حنظلة شيئاً من أموره. فجمع حنظلة تسعة من الفتاك وأنضممت أنا إليهم مع أخ لي، وأتفقنا على أن نستولي على الأموال ونهاجم الرجال ليلاً.. ولم نكن على قلب واحد ولكن جمعتنا حمرة الذهب. وكان المقدسي صاحب حيطة وتدبير، فلم يخبر أحداً بمسيره ولا بما تحمله جماله. ولم يكن يشك في إخلاص حنظلة، لذا علمنا بكل شيء وتيسر لنا رصد الرجال ومتابعتهم . وأختبأنا لهم ليلة البارحة في بعض الطريق، ثم أنقضضنا عليهم متلثمين،كانوا أشد منا قوةً وأكثر عدداً لكن مفاجئتنا لهم ساعدتنا على غلبتهم فقاتلناهم قتالاً شديداً بالنبال والسيوف وقد أخفى زعيمنا حنظلة نفسه،فلما رأى كفة القتال تسير لصالحنا أنضم إلينا.وبدا لي أنه لن ينجو من رجال المقدسي أحد،بينما لم يقتلْ منا سوى أربعة ،وفرَّ بقية الفرسان إلى بعض الصخور طلباَّ للنجاة فطاردهم رجالنا لإفنائهم وكان هذا رأي حنظلة حتى لا يعود أحدٌ منهم إلى بغداد فيعلم الناس بنا. إنه لئيمٌ ويحب الدماء ويقتل بلا دافع للقتل!وقد ساءني من حنظلة أنه لم ينضم إلينا إلا بعد أن هزمنا القوم، وأنه كان يحافظ على نفسه،وقدرت أيضاً أن هذا الذهب لو قُسَّم بيننا فلن ينالني منه ما أصبو إليه ، وكل هذا جعلني أتسلل في غمرة الهياج والبحث عن الجمل الذي فيه الذهب، وأهرب به تاركاً الرجال يتقاتلون مستعيناً بالظلام والغبار.. وسرت قليلاً وظننت أني فزتُ بالمال،لكن أحد أعوان حنظلة وأسمه عدي اعترضني وقد عرف مقصدي وبدلاً من أخفي فعلتي تصرفت بحماقة فصحت به إن الذهب لي وحدي. فعلقت به وأصابني في بطني ورأيت أخي يأتي مسرعاً، وقد فهم ماحدث فأنضم إليَّ والتحم مع الرجل في مبارزة وأمرني أن أهرب بالجمل..وهربت.. ممسكاً بجرحي ممتطياً ظهر الجمل.. وكنت أعرف موضع القارب فتحاملت على جرحي وعالجت الجمل حتى برك في جوف القارب.. وقطعت به النهر وهذا ما زاد من آلامي ثم أنهضت الجمل وركبت عليه، لكني بدأتُ أفقد رشدي فسقطتُ من على ظهره، وغاب عقلي حتى جئتني رأنت.