الجزء الثالث

5 0 00

الجزء الثالث

يوم ولد ستيفن

في الصباح التالي ، وصلت جينيفر الى مكتبها متأخرة لإنها لم تنم إلا بعد قضائها الليل تتقلب على فراشها أرقة . شعرت بالذعر تفكر كيف استسلمت لجاذبية رجل لا تكاد تعرفه . ثم غفت أخيرا لتستيقظ و في ذهنها حقيقة واحدة : ألا ترى ستيفن ليرى مجددا إذ يمكن لهذا الرجل أن ينسيها نفسها و من تكون .

إنها حفيدة (( بارني نورثون )) الناجحة الرائعة الجمال و هي قرة عينة . لكنها أيضا تلك التي تؤوي الحيوانات الشريرة الضالة ... لماذا ؟ لأنها تشعر أنها هي نفسها أسبه بالضالة الشريدة . و لولا هذه الحيوانات لشعرت بحياتها فارغة موحشة . و ها هي الآن امرأة عاملة في القمة و قد سئمت العمل . في أعماقها ما تزال تلك الصبية ذات العشر سنوات التي هجرها أبوها من دون أن يلتقي عليها نظرة واحدة ، و كم كانت شغوفة به !.

فكرت في دايفيد الذي أحبت فيه الرقةو اللطف ، بينما لم يعجب به أحد من أسرتها . قال جدها إنه ممل ، أما تريقور فكان أكثر جرأة في تفسير ذلك : لن يشعل أبدا نهر التايمس.

لكنها لم ترد رجلا يشعل نهر التايمس ، بل إنسانا أن تعتمد على ثباته . و قد ناسبها دايفيد من هذه الجهة تماما . كان كذلك على الاقل ، إلى حين خلافهما ... لكنه ذنبها أيضا كما أكدت لنفسها ، فقد جرحت كرامته بطريقتها الخرقاء في تقديم المساعدة . و عندما يت****ان ستكون أكثر أكثر حذرا.

دايفيد رجل مسالم جدير بالثقة ، صحيح أنها تمنت أحيانا لو كان أكثر حزما ، خاصة حين يمس ضعفه قلبها . لكنها تحمل في أعماقها قوة هادئة .

و على قدر ما تحتاج إلى رجل تعتمد عليه ، فهي أيضا بحاجة إلى رجل يعتمد عليها ، إذ لا يمكنها أن تتخلى عن أي شخص بحاجة إلى حمايتها . و هكذا لم يكن على دايفيد سوى أن يبتسم قائلا : ماذا كنت لأفعل من دونك ؟ حتى تذوب أمامه حبا و حنانا ، و لهذا أحبت دايفيد بكل جوارحها . و لهذا أيضا لن تقع في حب ستيفن على الإطلاق ، فهو لا يملك ما ينبئ عن ضعف في شخصيته .

أما ما حدث بينهما فشعور مختلف ...كان أشبه بتحذير من حواسها لئلا تقع في شباك الرجل غير المناسب .

وصلت المكتب باندفاع و نشاط و بالكاد لاحظت نظرات موظفيها ترمقها بفضول . كالعادة ، استهلت مهماتها بتفقد أسعار أسهم الشركة . و ما أنجزت هذه المهمة حتى جلست تحدق في شاشة الكمبيوتر و هي تقطب جبينها .

- لا يمكن أن يكون هذا صحيحا . لماذا ترتفع أسعارنا إلى هذا الحد منذ أمس ؟.

لكن الأرقام نفسها عادت إلى الظهور ، و في الدقيقة التالية رن الهاتف بجانبها و إذا بتريقور يقول لها : الأفضل أن تأتي إلى هنا و تعلمينني بما يجري.

اجتازات جينيفر الممر إلى مكتبه و قد تملكتها الحيرة ثم قالت له و هي تغلق الباب خلفها : لم أفهم أيا من هذا .

- إنني أتحدث عنك و عن شركة (( مشاريع تشارترز )).

- ليست لي أية علاقة مع (( مشاريع تشارترز )).

فأجابها تريفور ساخرا : آه كلا ؟ كما أنك لم تكوني مع مديرها الليلة الماشية ، كما أظن.

- إنك تعلم أني كنت الليلة الماشية .. في الحفلة مع مايك هاركر ..... كلا ، انتظر ... قال إن اسمه الحقيقي هو (( ستيفن ليري )).

- إذاا أخبرك بذلك ، و لم تسمعي صفارات الإنذار ؟.

و ألقى تريفور صحيفة على مكتبة ، فاتسعت عينا جينيفر و هي ترى صورتها و ستيفن يرقصان . أما التعليق تحت الصورة فيصف تفاصيل الحفلة ، كما تحدث عنها و هن (( ستيفن ليري )) مدير شركة (( مشاريع تشارتيريز )) ، و مالك أكبر قسم من الأسهم و مهندس نجاحها الرئيسي.

قال تريفور: يظن الناس أننا نتعامل مع شركة (( تشارتريز )) و لهذا ترتفع أسهمنا بشكل سريع...

قالت بذهن شارد: لا أفهم هذا . لقد أخبرني أن (( مايك هاركر )) هو ممثل فاشل.

فرد أخوها و هو يصرف بأسنانه : لكن هذاليسمايك هاركر .

- حسنا ، إنه الرجل الذي ظهر على عتبة بابي . هذا .... أنا لا أفهم . لقد وقفت و تحدثت مع عدة رجال .

- مثل هذا ؟.

وضع تريفور إصبعه على صورة إخرى فتنفست جينيفر بحدة و قد فهمت ما يعني ، لقد التقطت الصورة عندما كان ستيفن يراقصها .

أخذت تتأمل الصور بذعر . كيف كانت تنظر إليه بتلك الطريقة ؟ و هو ؟ هل فقد رشده هو أيضا ؟ أم تراه يضحك لأنه نجح في خداعه ؟.

قالت عابسه : أظنني سأتحدث إلى السيد هاركر ... أو ليري .... لأو مهما يكن اسمه.

اتصلت بشركة (( مشاريع تشارتيريز )) فردت عليها السكرتيرة ، و بسرعة أمرتها جينيفر: أبلغي من فضلك السيد ليري أنني لا أعرف ما هي لعبته ، لكنني سأعرفها حتما .

* * * * * * * * * * *

وصل ستيفن إلة مكتبه فوجد الصحيفة ملقاة على طاولته ، و موظفيه مغتبطين لهذا الانقلاب المفاجئ . كانوا يعلمون أن ستيفن يفاوض منذ مدة لشراء شركة (( كير كسن ديبوتز )) الواقعة في نفس منطقة (( نوثون )).

لكن كير كسن يظل يطلب ثمنا مرتفعا للغاية . و هكذا افترض الكل الآن أن ستيفن يقوم بلعبة خفية .

أمعن النظر في الصورة ، و تأمل ثوب الساتان الذي يغطي جسد جينيفر . أما هي فكانت ترفع بصرها إليه ، و كأن مرافقها هو الرجل الوحيد في العالم .

تريده أن يعتقد أن هذا كله مجرد تمثيل ، و ذلك من أجل رجل آخر ، و قد كاد يخدع تقريبا .... حتى آخر لحظة في السهرة ...بإمكانها أن تنكر قدر ما تشاء فهو يعلم الحقيقة الآن .

فتحت سكرتيرته الباب . أليس امرأة كفؤ في منتصف العمر .. فقالت : جايمس كير كسون هنا.

أطل جايمس كير كسون و هو يتفوه بكلمات مثل الت**** و إعادة التفكير ، أما ستيفن فقد أخفى ملامحه خلف ستار من الجمود ليغطي شعوره بالفوز . بعد دقائق ستصبح شركة (( كير كسون ديبوتز )) ملكه ، و ستكون هذه أنجح صفقه له . لكن الهاتف قطع عليه حبل أفكاره و إذا بصوت أليس يقول : إنها الآنسه (( نوثون )) . إنها غاضبة جدا و هي في طريقها ألينا .

ألقى ستيفن نظرة على كير كسون ، ثم اتخذ قرارا مفاجئا : عندما تصل قولي لها إنني مجنون بحبها .

- حسنا جدا يا سيدي.

- بعد ربع ساعة بالضبط ، انفتح باب أليس و دخلت جينفر و هي تقول بحزم : أريد رؤية ستيفن ليري.

- هذا غير ممكن مع الأسف . ألا تتفضلين بالجلوس؟.

- وقتي لا يسمح لي بالجلوس . إن رئيسك رجل متستر مرواغ ..

- لا بد أنك الآنسة نوثون ؟.

- نعم ، هذا صحيح .

فقالت أليس بجمود : في هذه الحالة ، السيد ليري يحبك حتى الجنون .

تسمرت جينيفر في مكانها و اخذ رأسها يدور و بلحظة واحدة توهج العالم و اندفعت النجوم في الفضاء . لكن سرعان ما عادت حواسها إليها و أدركت أن ستيفن يهدف إلى خدعة ما ... سألتها و هي تلوي شفتيها : هل يوظفك عنده لكي تقولي مثل هذه الاشياء ؟.

- نعم ، في مناسبة كهذه .

- مهما بلغ ما يدفعه لك فهو غير كاف .

- أوافقك على هذا . أتريدين قهوة ؟.

- ما أريده منك هو رأس ستيفن ليري على طبق . لكن أفضل أن أحضر ذلك بنفسي.

تحركت السكرتيرة نحو الباب ، لكن جينيفر أسرع منها ، إذ اندفعت إلى مكتب ستيفن و هي تصرخ : كيف تجرؤ على إخبار الصحافة كل ذلك الكلام الفارغ عنا بينما تعلم جيدا ...

لم تقل أكثر من هذا ، لأن ستيفن ترك كرسيه مندفعا نحوها ليمنعها من الكلام .

ما زاد من سخط جينيفر و ثورتها قوله لها : المتعة مع العمل ، يا حبيبتي .

ثم أخفض صوته متابعا بسرعه: أظهري لي حبك ، أرجوك .

فأجابت : و لا بعد مليون سنة.

- إنك تبدين رائعة و أنت غاضبة .

لكن احساسها بقربه منها جعل العالم يدور حولها فعجزت عن التفكير أو القيام بأية حركة ... كانت تلك الاحاسيس في داخلها تفجر فيها ما هو أقوى من الغضب .

لكنها لحظة و انطفأت ، استعادت بعدها جينفر رشدها . فابتعدت عنه و قلبها يخفق بعنف .نظرت إلى وجهه متوقعة أن ترى بريق الفوز ، لكنها ذهلت و هي تلمح صدى مشاعرها هي . كانت عيناه تلمعان بوميض غريب ... قال بصوت مبحوح : جينيفر ... دعيني أقدمك إلى ... أين هو ؟.

أجابت أليس من عند العتبة : تسلل السيد كير كسون خارجا أثنا انشغالكما.

قال ستيفن ثائرا و هو يترك جينيفر بسرعة لا تليق بالمحبين: تبا لذلك كان على وشك الخضوع.

- اتجرؤ على لومي؟.

- لو أنك ام تدخلي لاشتريت شركة كيركسون بثمن بخس.

- شركة (( كير كسون ديبوتز))؟ إذا فهذا هدفك من مرافقتي الليلة الماضية ؟.

- كلا ، أبدا . كان الأمر مجرد مصدافة .

- هذا غير صحيح .

- لا تكذبيني . عليك أن تجيبيني عن الكثير .

- أنا ...؟

- لقد أفسدت علي صقفة كانت ستجلب إلى الشركة مبلغا كبيرا.

- صفقة ما كانت لتحصل لو أنك لم تخدعني .

قال وهو يصرف بأسنانه : أنا لم أخدعك . إن مايك هاركر صديق بدا لي نصف ميت من الأنفلونزا ، و هكذا أخذت مكانه ، هذا كل شئ.فتحت أليس الباب مرة أخرى : مخابرة تليفونية للآنسة نورثون . حولتها إلى المكتب.

رفعت جينيفر السماعة و قد تملكتها الحيرة ، فوجدت نفسها تتحدث إلى أخيها و هو يقول متذمرا : لقد اندفعت إلى الخارج م دون تفكير ... اتصل بنا جدنا ، لقد طار فوق السحاب من شدة الفرح و هو يرى ارتفاع سعر الأسهم .

- آه ، كلا !.

قالت ذلك بصوت منخفض فعند إنشاء الشركة كان حلم جدهما أن يرتفع سعر الأسهم ، و هاذقد أبصر حلمه النور.

- طلب منك أن تدعي ستيفن ليري إلى العشاء.

فقالت لستيفن : انظر ماذا فعلت ! إن جدي يدعوك للعشاء .

- حسن جدا ن لقد قبلت الدعوة .

- و هذه القص الجنونية ، أين ستنتهي ؟.

فقال بخبث : من يعلم ، و لكن من الممتع أن نعرف .

ثم تناول السماعة من يدها و أخذ يتحدث : يا سيد نوثون ، يسرني قبول دعوتك .

رفعت جينيفر سماعة التيلفون الثانية : فسمعت تريفور يقول : لقد دعانا جدي جميعا إلى بيته بعد الغدر. و هو يرجو ألا تمانع فب أن تكون زائدا عن العدد.

اجاب ستيفن : يمكنني أن أصحب أختي لكي تقوم بحمايتي أيضا .

- من الطبيعي أن يزداد سرورنا بأختك ، يا سيد ليري ، هذا إذا كنت لا تظنها ستسأم .

- (( مادونا )) فتاة جادة تماما ، و هي تحب كسب المال . أنا واثق من أنكمما ستنسجمان تماما.

- سأترك لجينيفر أن ترتب الأمور معك.

و أقفل الخط.

نظر إلى عيني جينيفر الساخطتين ، و قال : إنني متشوف للتعرف إلى أسرتك ... سأخبر أختي.

قالت جينيفر : إن جدي يحب ابتداء المساء الساعة الثامنة.

- سنكون هناك عند الثامنة . والآن ، مالذي تودين فعله؟

قال ستيفن ذلك بتأمل و كأنه يحدث نفسه.

أخيرا قالت و هي تحاول أن تبدو هادئة : ما أود أن أفعله فعلا هو خارج حدود التهذيب . عندما أفكر في تصرفاتك الليلة الماضية ، عندما جعلتني أظنك مجرد ممثل فقير .. ثم أخذت الأزرار الثمينة تحت ستار ادعائك ذاك ...عليك أن تعيدها إلي .

- هذا غير ممكن ، فقد أعطيتها لمايك هاركر.

- فقالت بصعوبة : لقد حان وقت ذهابي .. سأراك أثناء حفلة العشاء.

- و أنا متشوق لذلك .

* * * * * * * * * *

هذه المرة كان الحظ وحدة قد أسعف ستيفن حتى يمر بمنزل جينيفر في المساء التالي . فقد كان يزور أحد زبائنه المهمين و إلا لما صادف وجوده في تلك الناحية أبدا.

خطر له أن ينزل لزيارتها . سيكونممتعا أن يراها على طبيعتها ، و الأحسن من ذلك أن يفاجئها . و بما أنه كان صادقا مع نفسه ، فقد اعترف بأنه سيسر بهذه الزيارة.

لكن الحظ انقلب على الساحر كما يقال . لقد توقع شتى أنواع الترحيب إلا ذاك الذي حصل عليه فما إن رن جرس الباب حتى سمع وقع أقدام تتسارع . و إذا بالباب ينفتح و تبدو جينيفر و هي تقف على العتبة و تتكلم بسرعة و قد بدا عليها الارتياح : الحمد لله أنك هنا.آه ، رباه ، أنت وحدك!

كانت النساء عادة تستقبل ستيفن بطرق نختلفة تتراوح ما بين : يا حبيبي ، ما أروع هذا – إلى – كيف تجرؤ على أن تريني وجهك مرة أخرى ؟ ... و لكن رباه أنت وحدك !! هذه جديدة عليه.

- نعم ، هذا أنا . أظنك تتوقعين سواي .

و من دون أن تجيبه ،مرت بجانبه ثم نزلت إلى ممر الحديقة و منه إلى الشارع . و عندما لم تر أحدا عادت أدراجها محبطة .

لم يكد ستيفن يعرفها . فقد كانت تلبس بنطلون جينز قديما و قميصا لا شكل له غطى جسمها ما عدا ساقيها ، فلديها أطول ساقين رآهما لامرأة.

كان وجهها خاليا من الزينة و شعرها مسترسلا و كأنها كانت تنكشه سخطا و قلقا . بدت مختلفة تماما عن تلك المرأة الانيقة الرائعة التي عرفها في الحفلة ، ـو ذلك الملاك المنتقم الذي اقتحم عليه مكتبه.

قالت نائحة و هي تعود إلى بيتها و تغلق الباب خلفها : هذا فظيع.

رد بشئ من الضيق: شكرا . آسف لكوني مصيبة حلت عليك.

حاولت أن ترجع شعرها إلى الخلف لكنه عاد فغطى جبهتها : ليس ذنبك .

- من كنتي تتمنين أن أكون ؟.

فقالت بحدة : البيطري .. (( مخالب )) على وشك الولادة .

- مخالب ..؟.

- إنها قطتي . ليست قطتي بالضبط ، و ؟إنما جاءت إلى بيتي تبحث عن مأوى ، ثم استقرت فيه ، و ام أكن أعلم أنها حامل . مؤخرا أخذت تتصرف بشكل غريب ، و فجأة أدركت مبلغ بدانتها...

- ماذا تعنين بقولك تتصرف بشكل غريب ؟.

- أخذت تحفرا حفرا في الحديقة و تجلس فيها . ثم إنها تلهث و كأنها تتألم .

- أين هي ؟.

- استطعت أن اعيدها إلى صندوقها في الغرفة الأمامية .

تابع إشارة اصبعها . ثم توجه إلى توجه إلى حيث القطة ، قابعة في صندوق من الكرتون و حولها الوسائد . أخذت مخال تنظر اليه بلهفه ركع على الارض بجانبها و أخذ يتحسس بطنها .

- نعم إنها حبلى بأربعة على الأقل .

سألته برجاء : هل تعرف شيء عن القطط ؟ .

- في صغري ، كان لجارتنا قطة تلد كل ستة أشهر . كانت تأتي دوما لحديقتنا لكي تلد . و هكذا اعتدت عليها دائما . لطالما فضلت الجرائد.

- هذا حسن .

هرعت جينيفر إلى المطبخ ثم عادت برزمة من الجرائد ، أما ستيفن فوضعالقطة بين ذراعي جينيفر . و رفع الوسائد من الصندوق ، ثم أخذ يبطنه بالصحف . و عندما عادت مخالب إلى الصندوق أخذت تتشمم حولها ، ثم استقرت و بدا أنها تنظر إلى ستيفن بثقة.

سألته جينيفر بابتسامه مرتجفة : إنك تعلم بما تفكر القطة . الحمد لله لوجود شخص خبير بالهررة.

- ما دامت هي ****ة . لكنني سأكون أكثر سرورا لو أحضرت بيطريا.

- من المفروض أن يكون هنا ، لقد ظننتك هو . هل لك أن ترعاها ريثما اتصل به و أتحقق من سبب تأخره ؟.

ثم توارت قبل أن ينبس بكلمة.

قال ستيفن يحدث القطة: لإنها مجنونة . كيف لم تلحظ أنك حامل ؟ ها إنك في حالة صعبة .

كانت القطة قد عادت تتألم ، و اخذت تلهث بسرعة .

صاح ستيفن: أخبريهم بأن يسرعوا.

فعادت إليه قائلة : يجهل الجميع مكان البيطري . لقد غادر عيادته منذ نصف ساعة . عليه إذا أن يكون هنا الآن ، لكن يبو انه ذهب مع الريح ...ماهذا ؟ هل تأكل مخالب سجقة ؟.

فأجاب : لا إنها قطيطة أنجبتها منذ دقيقة . و هي تلحس لكي تتمكن من التنفس جيدا .

كانت القطة تلعق وليدتها بلسان وردي ، أما القطيطة فأخذت تتلوى و تموء بصوت ضئيل . و ما إن أبصرت جينيفر هذا المنظر حتى هبطت على ركبتيها و هي تبتسم مبتهجة . بتردد مدت يدها لتلامس مخالب.

نهض ستيفن بهدوء و دخل المطبخ ، ثم عاد بعد دقائق بابريق القهوة.

كانت جينيفر ما تزال مستغرقة في التأمل فلم تنتبه له فيما وقف هو للحظة يتفرج على تلك الإشراقة الخفيفة التي زينت وجهها المبتهج.

قال لها : يستحسن أن نتركها لحظة فمهمتها لم تنته بعد .. إنها بحاجة إلى الهدوء و الأمان .

ثم ساعدها لتقف على قدميها و جذب كرسيين يستران الصندوق يقول : هذا يمنحها شعورا بالانفراد.

سألته و هي تنظر إلى القهوة: متى اعددت هذه ؟.

- أخذت أفتش في المطب عبثا . لم يكن الأمر سهلا . و أخير اكتشفت أن الشاي في وعاء السكر ، و السكر في علبة الثوم و القهوة في وعاء مكتوب علية ( شاي ). اما العثور على البسكويت في علبة البسكويت فصعب للغاية ، لكنني واجهت الأمر بنجاح.

سكب لها القهوة ، ثم أفرغ السكر بلباقة مدهشة . و عندما رآها تنظر إليه قال : إنني مؤهل للخدمة المنزلية لقد علمتني أمي هذا.

- هذا آخر ما توقعته منك.

- إن الحكم على المظاهر عادة سيئة للغاية . و أظنك تعلمين هذا كما أعلمه ، فلم أتوقع أن أرآك على هذا الشكل قط .

- ماذا كنت تتوقع أن ترى إذا ؟ أعني لماذا أنت هنا؟.

- لست واثقا تماما . مررت بزبون خارج المدينة و عدت أدراجي من هذا الاتجاه و هكذا فكرت في زيارتك ، و إذ بي أتلقى مفاجأة حياتي.

رآها تتلصص بالنظر حولها فقال بحزم: دعيها . ستمضي نصف ساعة قبل ولادة القطيطة الأخرى و إلى ذلك الحين يكون البيطري قد وصل.

لكن نصف ساعة انقضت من دون أي أثر للبيطري و في ذلك الوقت ظهرت قطيطة أخرى .تحسس ستيفن بطن القطة برفق ثم قال : هنالك اثنتان أخريتان ، لكن الأمور تسير على ما يرام.

ذهبت إلى المطبخ و استعدت للعمل بينما أخذ ستيفن ينظر في انحاء البيت و هو يحاول أن يوفق بين هذه الزيارة و زيارته الماضية . لقد جاء إلى هنا للمرة الأولى ليأخذها إلى حفلة و عند ذلك احتار إذ وجدها تعيش في منزل من طابق واحد ...صعب أن يتخيل هذه المخلوقة الرشيقة صاحبة الثوب الرائع إلا في شقة صغيرة أنيقة ففي طبيعتها حنكة تناقض هذه الفيلا المريحة . سألها و هو يقف بجانب باب المطبخ : منذ متى تسكنين هنا ؟.

رفعت رأسها من داخل الخزانة : اشتريته منذ سنتين.

- هل كنتي تسكنين فيه مع أحد ؟.

- ماذا تقول ؟.

- أعني من الغريب أن تسكن امرأة وحدها فيلا.

بدت الدهشة : أحقا ؟ لقد احببت هذا المكان من اول نظرة و شعرت أن علي أن أعيش هنا.

و فيما هي تقطع الفلفل الأخضر إلى شرائح ، أخذ ستيفن يتأملها لبرهة ثم ما لبث أن عاد إلى الغرفة . سمعته جينيفر يتمتم محثا مخالب فأدركت أنها لن تفهم هذا الرجل بسهولة.

أخذت في اليومين الأخيرين تتحرى عن شخصيته فما زاده إلا حيرة لقد أنشأ سلسلة الحوانيت الصغيرة قبل ان يبيعها ثم ينضم إلى شركة غي ناجحة فقلبها رأسا على عقب ... باع أقسامها و جدد فيها ضاعف انتاجها و استنتجت جينيفر أنه رجل مدمن على العمل ، صلب ، حاذق ، طموح .... تحدثت إحدى الصحف عن تعدد علاقاته النسائية و اشارت إلى أن أي منها لم تدم طويلا . و عدا ذلك لم يشر احد إلى حياته الخاصة. و يبدو أن معاملاته التجارية هي غرامه الوحيد.

و لكن كيف يتفق ذلك مع رجل تحول هذه الليلة إلى قابلة لتوليد القطط ؟ و أخذ الفضول يلدغها .

و كذلك ازداد فضول ستيفن ، فكلما ازدادت معرفته بها قل ما يعرفه عنها . على رف المدفأة أبصر صورة لرجل كبير السن ذي وجه نحيل و إلى جانبها صورة صبي و صبية و الاثنان في سن المراهقة ثم صورة لامرأة في الثلاثينيات تشبة جينيفر

- تلك هي امي .

قالت جينفر ذلك و هي تدخل بأدوات المائدة ثم رتبتها على الطاولة.

- و اين ابوك ؟.

- ذلك الرجل العجوز على آخر الرف هو جدي .

- و ستتعرف إليه مساء غد.

تكهنت بأنه هو .ماذا عن أبيك ؟.

- و هذه صورتي مع تريفور عندما كنا صبيين.

- أين .... ؟.

لكن جينيفر عادت إلى المطبخ . و عندما احضرت الطعام بعد دقائق كان ستيفن قد أطفأ كل الانوار ما عدا مصباح المائدة. ثم ركع بجانب القطة متمتما : هيا يا فتاتي الماهرة ... قد أوشكت على الانتهاء.

ما إن سمع خطوات جينفر حتر رفع بصره.

- في العتمة يزداد سرورها . هل يمكنك أن تهتدي إلى طريقك ؟.

- تقريبا . لا تقلق.

وضعت الخبز و السلطةعلى المائدة ، و ذهبت تحضر (( البفتيك )) بينما جلس ستيفن من بعيد ليراقب القطة.

رن جرس الهاتف ، فاختطفت جينيفر السماعة و إذ بالبيطري يقول : أنا آسف جدا . لقد تعطلت سيارتي ...لن أستطيع الحضور قبل ساعة على الأقل.

- لا تهتم ، القطة في ايدي أمينة .

- فقال ستيفن ساخرا : شكرا لهذه الثقة.

سألته بلهفة: إنها بخير ، أليس كذلك ؟.

- بحالة ممتازة حسب رأيي إنك تهتمين لها حقا . أليس كذلك؟.

- حسنا ، إنها حيوان صغير لطيف

- و هل هي رفيقتك الوحيدة في هذا البيت ؟.

- سبق و اخبرتك أنني احب هذا المكان.

- هل ستقيمان ، أنت و دايفيد ، هنا حين تتزوجان ؟.

- أظن من الآفضل ان نترك دايفيد جانبا .

- ألم يتصل بك بعد تلك الليلة ؟.

- قلت إن هذا يكفي .

قالت ذلك و التحذير في صوتها.

- أظنه لم يتصل .

رفضت جينيفر:الإجابة . لا تريد الشجار معه ، خاصة لأجل القطة . لكنه ضرب على الوتر الحساس فهي حقا لم تسمع شيئا من دايفيد .

قال بلطف: هل يمكنني الحصول على المزيد من السلطة ؟.

أجابت بجمود: بكل تأكيد.

ثم تابع و هو يتحداها بابتسامتة خبيثة : استمري . نفسي عن مشاعرك. أفرغيها علي.

فقالت بتكلف: كل ما أشعر به نحوك حاليا هو عرفان الجميل لأجل مخالب.

- لأجل مخالب ؟ إنك تحبين حقا تلك القطة ما دمت تصفحين عني لذكرى دايفيد.

- أيمكننا تغير الموضوع الآن؟.

- لا بأس . أخبريني لماذا لا تضعين صورة لوالدك؟.

- لأنه هجرنا عندما كنت في العاشرة من عمري ، و لم نسمع خبرا منه منذ ذلك الحين.

- آه أنا آسف صحيح أنه ليس من شأني لكني لا أفهم . أظنني سمعت باسم بارني نورثون لكنني لم اسمع أن له ابنا فقط .

- ليس له ابن بل ابنة وحيدة و هي امي .

- و لماذا تحملين اسم نورثون إذن ؟.

- كان اسمى العائلي (( ويزلي )) و لكن عندما ماتت امي حضننا جدي و منحنا اسمه.

- هل استشاركما في ذلك أولا ؟.

- كلا بل قام بذلك من نفسه.

- كلا ، أبدا خذ مزيدا من القهوة.

- غيرت الموضوع عمدا . امتشفت انها الآن تشعر بمودةنحو ستيفن أكثر مما تتصور.لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تصف له شعورها عندما فقدت هويتها.

- كانت جينيفر نورثون حفيدة بارني نورثون و طالما استمتعت بحبه لها أما جينيفر ويزلي في تلك التي ظنت أنها حبيبة ابيها ، لكنها ما لبث أن نبذها و رحل دون عودة . كم من الليالي أمضتها تبكي تلك الخيانة التي لم تفهم سببها ، ذلك الجرك الذي لم يندمل بعد .

أنبأتها ساعة الجدار بأن موعد اتصال دايفيد المعتاد قد حان و لكنها أيام رحلت ... و فجأة صدح الهاتف بالرنين قفزت من كرسيها و اندفعت إلى التليفون متجاهلة ستيفن . فقطب حاجبيه و أخذ ينظر إلى وجهها ، و سرعان ما قرأ فيه خيبة الأمل حين عرفت جينيفر المتصل .

قالت : فهمت . شكرا لإعلامي بذلك.

أقفلت السناعة و وقفت لحظة و هي تحاول التعود على الفراغ الكئيب الذي لفها من رأسها حتى اخمص قدميها ... لطالما دغدغ صوت دايفيد سمعها . أما الآن فقد انتهى كل شئ ، عادت مرة أخرى تلك الفتاة الصغيرة التي لم تصدق أن بابا رحل للأبد . عادت تلك الطفلة التي كلما دار المفتاح في القفل ، توقعت من لم يجئ قط و لن يجئ أبدا .

رأت ستيفن يراقبها، فتكلفت ابتسامة إنه البيطري مرة أخرى . يقول إنه يبذل جهده للقدوم.

أجاب برقه: فهمت.

- لماذا تحدق في؟.

- أأفعل هذا حقا ؟ آسف ، دعينا نلقي نظرة على الأم .

كانت مخالب قد وضعت مولودها الرابع.

قال : دوما كنت اجهز حليبا دافئا في هذه المناسبة فالوضع يستلزم جهدا يحعل الأم ضعيفة و بحاجة إلى ما يقويها.

عندما عادت كانت القطة قد وضعت مولودها الرابع و أخذت تلعقهبنشاط و حين انتهت أخذت تلعق الحليب . ثم استقرت مع مواليدها و قد بان عليها الرضا لأدائها مهمتها على أكمل وجه.

- أظن الولادة انتهت ولكن على البيطري أن يقرر ذلك .

قالت جينفر بلهفة : انظر المولود الأخير أسود اللون أبيض المخالب أمه.

فقال ستيفن ضاحكا: مخالب رقم اثنين.

- ربما هو ذكر . عند ذلك سأسميه ستيفن.

و جلست متربعة أمام الصندوق و قد بدت على وجهها نشوة غامرة.

- أبقي هنا و سأعد أنا القهوة.

دخل ستيفن المطبخ و عندما كانت جينيفر ما تزال جالسة في الوضع نفسه تتفرج على الاسرة الصغيرة الجديدة بلذة بالغة فأخذ ستيفن ينظر إليها بحيرة . ثم سألها بصوت يكاد يقارب الهمس.

- أهذا ما تريدينه حقا ؟ أن ترعي الحيوانات؟.

قالت و هي تتناول القهوة : أظن ذلك . برأي تريفور هذا المكان أشبه بمنطقة يحظر فيها الصيد ، و لكن لا يمكنني أن أحضر كثيرا من الحيوانات لأنني خارج المنزل طوال النهار.

قالت ذلك و هي تهمس بدورها كي لا تزعج القطة.

- لأنك من ملوك الصناعة ؟.

مطت شفتيها : لا أشعر بأنني من ملوك الصناعة.

- لا يبدو عليك ذلك في هذه اللحظة . أأنت المرأة التي اندفعت إلى مكتبي أمس وهي تقول لسكرتيرة إنها تريد رأسي على طبق؟.

قالت و هي تحجب عينيها : لا تذكرني بذلك خاصة و قد كنت طيبا معي.

- لكنني أحب ذلك ، تقول اليس إنك بدوت طاغية كطغاة القرون الوسطى لاسيما عندما قلت : أحضري رأس ستيفن ليري . كم أتمنى لو سمعتك بنفسي.

- هذا فظيع يا ستيفن . مازلت غاضبة منك لأنك خدعتني.

قال ضاحكا : لا بأس في ذلك .. أتمتع بقلب قوي و يمكنني الاحتمال .

فسألته : و لكن كيف أمون غاضبة منك و قد دعوت القطيطة لتوي باسمك ؟.

- هذه أحجية ، أليس كذلك ؟ لماذا لا تغيرين اسم القطيطة مرة أخرى فنعود عدوين ؟.

- هل تريدنا أن نكون عدوين ؟.

- متعة هذا لا تضاهي متة كوننا عاشقين.

- تعني صديقين ؟.

- أعرف ما أعنيه.

و لمعت عيناه في العتمة ، لكن جينفر رفضت التجاوب فقالت : بعد هذا الليلة ،لن افكر فيك كعدو أبدا .

- هذا تسرع منك ،فأنت لا تعرفنني إلى هذه الدرجة كي تثقي بي.

- أظن كلامك صحيح . و ربما لن أعرفك ابدا .

- مع أن نصف لندن تتحدث عن مشاعرنا الجنونية .

- سرعان ما يتحدثون عن شئ آخر .الفضائح تولد و تموت.

- هل نحن كذلك ؟ فضيحة ؟ .

فقالت بحزم : بل وقود للأقاويل ...سيفقدون الاهتمام لاحقا .

- و لكن هل سنفقد نحن ذلك ؟.

كانت تعلم أنهما يتوهان في أرض خطرة ، و لكن ما أروع أن تنظر إلى التألق في عينيه...لا ، فهذه طريقة جنونية لقضاء الأمسية . و مع ذلك ، فقد كانت إحدى أجمل الأمسيات التي قضتها في حياتها . كانت مشاعرها ****ة تماما ، و تختلف عن تلك المشاعر الخطرة التي بعثها فيها من ، إنما هذا ما تحتاجه حاليا.

فجأة قاطعهما جرس الباب المزعج ، و إذا بالطبيب على العتبة يعتذر.

فقبلت جينفر اعتذاره و هي تدخله إلى حيث الصندوق ، أما ستيفن فنهض ليجمع أغراضه .لقد انتهى هذا المساء الممتع !.

قال و هو يتوجه نحو الباب أراك غدا في منزل جدك .

أترقب تلك الحفلة بشوق ولو أنني أشك في أنها ستكون بمثل بهجة هذا المساء.

تصبحين على خير يا جينيفر.

- تصبح على خير يا ستيفن ، و شكرا .