الجزء الرابع
معا في ضوء القمر
أمضت جينيفر عصر اليوم التالي في زيارة أحد زبائنها و عندما عادت إلى مكتبها وجدت عدة رسائل هاتفية تنتظرها على الجهاز .
قالن السكرتيرة : اتصل دايفيد كونر خمس مرات . لا أظنه صدقني حين أخذت أردد على مسمعه أنك غير موجودة.
منذ تلك الحفلة فكرت في دايفيد و تسائلت إن كان يرغب في رؤيتها و كم قاومت إغراء الاتصال به و ها إنها تكافأ الآن على صبرها.
- دايفيد.
خاطبته و هي تسمع صوته على الهاتف بمرح يتخلله العتب : شكرا لعودتك إلي أخيرا .
- كنت في الخارج و قد عدت الآن .
- فكرت أن نتناول شرابا في مكاننا المعتاد.
- ترددت فستيفن و أخته قادمين الليلة و عليها ألا تتأخر و أخيرا حسمت الأمر : على أن تكون جلسة سريعة.
- هل أنتي مرتبطة بموعد ؟.
- قفز قلبها و هي تشعر بغيرته: ليس موعدا طبعا بل علي أن اعود إلى البيت
- في مقهى التاج إذن ، لعدة دقائق فقط
بعد ذلك بساعة ، دخلت إلى المقهى ، الخافتة انواره . مازال كل شئ على حاله . لقد نجح الأمر و دايفيد يريدها ان تعود إليه . و عندما تنتهي حفلة العشاء الليلة ، ستتمكن من التحرر من ستيفن بكل هدوء
كان دايفيد ينتظرها على مائدتهما المعتادة في زواية و ما إن أقبلت نحوه ، حتى منحها تلك الابتسامه الرقيقة المترددة التي طالما مست قلبها
وقف ليحيها ثم تكلما لدقائق و هما يتجنبان الإشارة إلى خصامهما أو إلى احداث الحفلة الأخيرة و أخيرا قال دايفيد : شكرا لحضورك . خفت الا تتحدثي إلي مجددا ...لقد قلت ، حينذاك ، أشياء ما كان ينبغي لها أن تقال
فابتسمت سعيدة لعودتها إليه.
-لقد نسيتها.
- أحقا ؟ و لكن لما لم تجيبيني اليوم ؟
- كنت في الخارج ، يا دايفيد
سألها بهدوء : اليس عذرا لتجنبي ؟
- كلا فلا علاقة له بالأمر
بدت على شفتيه ابتسامه جافة غير مصدقة و لأول مرة تكتشف جينيفر أنها تشعر بالضيق معه . صحيح أنها تنجذب إلى جاجته إلى الاطمنان ، و لكن ألا يبالغ في ذلك قليلا ؟
و عادت كلمات ستيفن ترن في ذهنها : يبدو أنانيا معتوها لا يفكر إلا بنفسه ، و هو يظن أن كل الطرق تؤدي إليه
لكنها سرعان ما أسكتت ذلك الصوت .
- صدقني يا دايفيد ، لم أكن اتجنبك ، فخصامنا مر و انتهى
- هل أسبب لك الإحراج ؟ لا سيما الآن و قد وجدتي شخصا آخر ؟
أحست بغيرته ... مازال يحبها إذن ؟ فقررت أن تداعبه
- و أنت أيضا وجدت فتاة أخرى
- بيني ؟ إنها سكرتيرتي و هي لم تخرج معي بصفتها مرافقتي ، أما أنت فقد نجحتي في إحداث مفاجأة عنيفه بضهورك مع ستيفن ليري .
- هل تعرفه ؟ أعرفه تلك الليلة . و لكن منذ ذلك الحين أخبرني واحد أو اثنان عنه ....
إذن كان يسأل عن ستيف ليري
قال : لابد أن علاقتكما وثيقة إلى درجة أعطيته أزرار القميص ؟
اشترت تلك الازرار بعد أن أعجب بها دايفيد في الواجهة ، و يبدو أنه انتبه إليها في الحفلة . كيف تشرح له السبب من دون أن تكشف عن سر استئجارها لمرافق ؟ لا تريد أن تفعل ذلك طبعا ..... و فجأة رن هاتفها الخلوي . كان المتصل أخوها .
سألها: أين أنتي ؟.
- أتناول فنجان قهوة و سأحضر حالا.
- أرجو السرعه . كما تعلمين علينا أن نزور جدنا لأجل ليري ذاك .
كان صوت تريقور مسموعا . فتسمر دايفيد مكانه و وضع كوبه من يده بينما أسرعت جينيفر تنهي المكالمة.
تمتم دايفيد بصوت مثقل : فهمت .
- ليس الأمر كما تظن . إنه و أخته مدعوان لتناول العشاء عندنا .
- ما اجمل هذا
- إنه عشاء عمل يا دايفيد
سألها متهكما : أحقا ؟
و تلاقت أعينهما ، لشد ما اشتقات إليه في الأسابيع الماضية ! و ها هي الآن تعود إليه
عندما وقف دايفيد تملكها شعور غريب و كأنها فقدت شيئا ما
و لكن من الحماقة ان تحكم على دايفيد أو أن تقارنه بستيفن . و هذا حبيبها دايفيد هو الرجل الذي تحب
فتمالكت نفسها قائلة : إلى اللقاء حبيبي
ابتسم و هو يرمقها بلطف و حنان أما هي فتركته بقل مرح . دهشت قليلا لأنه لم يطلب رؤيتها مرة أخرى ، لكنها عزت ذلك إلى عجلتها....بالتاكيد لم تسنح له فرصة لذلك
كان منزل بارني عبارة عن قصر يقوم في ضاحية من ضواحي لندن ، وصلت إليه جينفر مبكرة .
فاسترخت في (( البانيو )) و غسلت مع الماء همومها
ثم ألقت نظرة على الصحيفة بجانبها فاتسعت عيناها تعجبا ..
ارتدت ثوبا أخضر بلون الزيتون . تزينه سلسة ذهبية طويلة حتى الصدر تزدان بياقوته كبيرة ... إضافة إلى ياقوتتين تتألقان في أذنيها . كانت سعيدة لتبدد الفجوة بينها و بيم دايفيد سعيدة أكثر لأنه يحبها حتى الغيرة .
نزلت إلى الطابق الأسفل فوجدت تريفور هناك أنيقا رزينا يشع قوامه الممتلئ قوة و رزانة و وقار و ما إن أبصر أخته حتى أومأ برأسه.
قالت بهدوء و هي تناوله الصحيفة : أود لو أتحدث إليك لحظة على انفراد . هل رأيت هذا ؟.
قرأ تريفور: تغريم شخص بسبب التسكع و التحرش بالمارة .
فسألها : ما الجديد في هذا ؟.
نظر ثم صفر متعجبا : فريد ويزلي .قال : انه اسم ابينا .
- ربما هي مجرد مصادفة . كثيرون في هذا العالم يحملون اسم فريد ويزلي .
- لعه هو نفسه . لعله يتسكع في هذه الانحاء.
- لكننا لم نسمع منه كلمة واحدة منذ سنوات جينيفر حتى أننا لا نعرف إن كان حيا أم ميتا ، كما لا نريده أبدا أن يعود إلينا .
- ألا نريده ؟
- كنت أصغر من أن تعلمي الحقيقة . لكنه فعلا رجل سئ للغاية و كما قال جدنا لاحق أمنا لأنها ابنة رجل غني ، و عندما تزوجا أخذ يعبث خارج بيت الزوجية و عاش عالة على الأموال التي كان جدي يدفعها لأمي . كنت اسمع مشاجراتهما . أتعلمين ما قاله لي مرة ؟ ( عندما تكبر يا ولدي لا تنس أن العالم ملئ بالنساء ) منت في الرابعة عشرة و بعد ذلك بأسبوع قطع جدي عنه النقود و طلب منه أن يجد لنفسه عملا و هكذا هجر البيت . و نرغب أبدا بعودته ....
قالت متأملة : كلا ل أظن ذلك .
كانت تعلم أن ما قاله تريقور صحيح . كانت حينها صغية السن إلا أنها كثيرا ما سمعت شجارتهما نبذت هذه الذكريات لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها في السؤال : هل تعلمت الدرس ذاك من أبيك ؟.
- أي درس ؟.
- أن العالم ملئ بالنساء ؟.
فأجاب بصرامة : أعمال كثيرة تنتظرني و لا وقت لدي لذلك النوع من العلاقات التي كان والدنا يعتبرها طبيعية .
داعبته بخبث : نعم يبدو أنك سبحت عكس التيار و أصبحت متطهرا لسوف سشعر أبونا بالخجل بك.
- أرجو ذلك فأنا أخجل به أيضا أرجو ألا يتأخر ضيوفنا .
قالت متأملة ترى ما شكل شقيقة السيد ليري ؟.
امرأة عاملة حسب قوله .
دخل الجد بارني مرتديا ملابس العشاء لم يكن مظهره يوحي بالهيبة بل هو قصير القامة نحيف البنية . اكتسح الشيب مفرقه فيدا لطيفا طويل الوجه بينما الرقة مرتسمة في عينيه الباسمتين ...و هذه الليلة أخذت عسناه تلمعان ابتهاجا و ترقبا لحفلة العشاء و فجأة رن جرس الباب ففتحته جينيفر و إذا بستيفن يقف عنده .
بستيفن يقف عنده .
-مشاء الخير يا سيد ليري .
-مساء الخير يا آنسة نورثون . هل لي أن أقدم أختي ماود ؟.
كان يتحدث بلهجة رسمية تدعو إلى الإعجاب ، و لكنها تناقض تماما لمعان نظرات القرصان في عينيه و ما إن تنحى جانبا حتى انكشف المنظر عن المرأة الشابة التي ترافقه . ومضت امحة صمت ...
كانت في منتصف العشرينات من عمرها ، ذات جمال أخاذ شامخ بكبرياء . تكاد توازي أخاها طويلا . و لعل ذلك إلى تسريحة شعرها فهو منسق بعناية ليزين قمة رأسها . أما ثوبها فطويل يلامس الأرض و بفضل قماشه الرقيق تألق قومها أهيفا ممشوقا .
جذب تريفور نفسا عميقا ثم تقدم شارد النظرات ليحي هذا الطيف الجميل.
هتف بصوت أجش : أهلا و مرحبا .
فأجابت بصوت أبح : أهلا و مرحبا بك .
تقابلت عينا ستيفن بعيني جينيفر فابتسمت له و هي تهمس : أرى أنها ستكون سهرة حافلة .
قال بابتسامة عريضة : لا أدري إن أصبت في إحضار ماود.
- أتظنه سيضجرها ؟.
- كلا أخاف أن تأكله هي حيا . إنها هوايتها .
-لا تقلق على تريفور فالريح نفسها لا تهزه قل لي كيف تبدو بهذه الروعه ؟
- - تكرس حياتها لجمالها إنها عارضة أزياء.
- لكنك أخبرت تريفور بأنها تكرس حياتها لعملها .
- كلا بل قلت تكرس حياتها لتحصيل المال ...إنها تكسب مبالغ طائلة .
- لاشك انك لم تصفها كما يجب.
و اشرق وجه ستيفن فجأة بابتسامته العريضة : لم أستطع سوى ذلك . إن أخاك أبله مغرور و حماقته دفعتني لهذا التصرف آسف إن جرحك هذا الكلام.
فضحكت جينيفر : كلا علي أن اعترف بأنني غالبا ما افكر في الشئ نفسه .
- بالمناسبة كيف حال الأم الجديدة و الجراء ؟.
- في احسن حال ...لقد أنجبت ثلاث إناث و ذكرا واحدا . و الجميع في افضل حال ... لم تسنح لي فرصة بالشكل المناسب
- لا ضرورة لذلك كل ما فعلته هو الجلوس هناك.
قاموا للعشاء أجلس الجد ستيفن إلى جانبه و جينيفر إلى الجانب الآخر و ذعرت و هي تراه يجلس تريفور بجانب ماود. عم يتحدثان يا ترى ؟.
و لكنها عندما نظرت إليهما مجددا كانا مستغرقين في الكلام .. هو يتحدث بحرارة فتجيبه هي بكلمات متقطعة .. و التقطت جينيفر نتفا من حديثه (( سوق الأسهم ... الثمن المستعجل ...)).
كانت عينا ماود الكبيرتان مسمرتين على وجهه و لكن من المستحيل أن تقرأ شئ فيهما ثم ركزت انتباهها على ستيفن فوجدته يخوض حديثا عميقا مع جدها و كان ستيفن يقول : لعلك لا تعلم ذلك يا سيدي لكنك اسديتني نصيحة ثمينة فيوم درست إدارة الأعمال كان لدينا محاضرا اتخذ من طريقة عملك مثالا.
بدا بارني مستمتعا تماما ولاحظت جينيفر أن قرابة روحية أصبحت تجمع الأثنين ثم تشعب الحديث و بدأتريفور يخبرهم بقصص مضحكة عن أيا جينيفر الأولى في الشركة . و أخطائها حينذاك.
قالت تحتج وسط عاصفة من الضحك : هذا ليس عدلا لم اعد أفعل مثل تلك الأشياء.
فقال تريفور: بل انت الآن أسوأ مازلت تتصرفين اولا ثم تفكرين بعد ذلك . إننا نسمي ذلك (( ضباب جينيفر الأحمر )) إنه يصيبها فجأة من دون سابق إنذار فتقدم على افعال جنونية أما أنا فأمضي أياما في إصلاحها.
فصاحت جينفر : هذا قذف و تشويه لسمعة .
لكنها في داخلها كانت مسرورة و هي ترى اخاها يتبسط في الحديث إلى حد الابتسام بل كان يبتسم كثيرا في الواقع و غالبا في اتجاه ماود.
كانت ليلة دافئة و عندما انتهى العشاء تناولوا القهوة على الشرفة كان تريفور ما يزال مشغولا بماود و هي تستمع إليه بحماس اما الجد بارني فقد استقر به الحديث على موضوعه المفضل حديقته: أود لو نجول فيها لكنني متعب قليلا جينيفر عزيزتي لماذا لا تقومين بهذا الشرف ؟.
كانت الحديقة مزينة ببراعة إذ تنتشر أضواء مختلفة الألوان هنا و هنالك و هكذا تمكنا رغم الظلام من رؤية الطريق عبر الممرات المتعرجة بين الاشجار.
قال ستيفن فجأة : إنه مكان سارح أنا أيضا أملك حديقة واسعة و يوما ما لابد أن أزرعها كما هذه ...إنما حاليا ماود التي تهتم بها.
هل تعيش معك ؟.
- تقريبا يقتضي عملها أن تسافر كثيرا تظن أن لا ضرورة لقتناء منزل و هكذا تحتل غرفتين في بيتي.
-أظن أن عارضات الأزياء اعتدن على محاربة الضجر ، أليس كذلك؟
أظن هذا يحدث الآن .
و أخذت تضحك بصوت خافت فقال : أشك أن شيئا يربطها بتريفور.
سارا بتكاسل نحو البحيرة المزينة التي بدت طويلة ضيقة يعلوها جسر ريفي مضاء بمصباح.
اتكأت جينيفر على الحاجز تستمع إلى أصوات البط في الأسفل.
قال ستيفن فجأة: حدسي يخبرني بأن دايفيد قد اتصل بك.
- هذا مجرد تكهن منك.
حاولت تصنع الهدوء لكنها لم تسطع أن تمنع ابتسامة خفيفة .
- أعرف أنك تبدين مختلفة هذه الليلة أول تعارفنا كان يبدو عليك التوتر و الضيق أما المرة الثانية فبدوت مجنونة بالأمل . الليلة الماضية كنتي لطيفة إنما شاردة الذهن . أما اليوم فأنت سعيدة ساحرة و السبب واضح.
- ربما
و نظرت إليه بإثارة و استفزاز.
قال: يحب ألا تنظري إلى رجل بهذا الشكل إذا كانت نواياك بريئة.
- إنك فطن جدا يبدو أنك تفهمني جيدا.
- ليس كثيرا . لا يمكنني أن أفهمك حين تكونين مع دايفيد . ماذا يملك حتى يحولك من ساحرة متوترة إلى عروس بحر مغرية ؟.
قالت ضاحكة : إذن فأنت تراني عروس بحر مغرية ؟.
- إنك تعرفين ما أحسه يا جينيفر تماما كما اعلم لأنه شعور مشترك . أمه موجود مع أننا لا نتفق في الرأي كثيرا . إنه موجود بالرغم من حبيبك . هل أنت على علاقة مع دايفيد بالمناسبة ؟
فاجأها السؤال . مضت لحظة استعصى عليها فيه الكلام بينما تابع ستيفن يقول : أنا لا اعني حاليا بعد خصامكما بل قبل ذلك
- لا أحب الخوض في شؤون حياتي الغرامية معك .
- لا يبدو عليكما ذلك ... على كل إنه قرار مناسب. فلسوف نكون ، أنا و أنتي عاشقين
أخرستها وقاحته . و أخيرا قالت : حسنا ، لن نكون عاشقين أبدا.
- حسب تقديري هذا ما نحن عليه الآن و انتي تعلمين هذا .. إذ مهما تلاعبنا بالكلام يبقى دائما شئ في الاعماق ..إحساس ولد فينا منذ التقينا في ليلتنا الأولى تلك . قد يمكنك التغاضي عن الأمر أما أنا فلا
- أنت مخطئ . دايفيد هو من أريد ..لهذا تحطم قلبي عندما ظننت أنني فقدته
فقال بمكر: نعم أذكر شيئا من تفاصيل ... تحطم قلبك ذاك . أعتقد أنك ستضعفينني الآن ....ما هذا ؟.
- أين ؟
- هناك
قال ستيفن ذلك ذلك و هو يقودها عبر الجسر ليتواريا خلف الأشجار .... بعدئذ أخذا يراقبان تريفور و ماود و هما يجتازان الجسر و فيما هما كذلك وصل إليهما صوت خافت
- إن إعادة الصفقة إلى مكتب مونوبوليس و ميرجيرز لسمرة تخفض من أسعار الأسهم و هذا هو وقت الشراء و لكن فقط إذا
و ما لبثا ان تواريا عن الأنظار
وقف ستيفن و جينيفر ذاهلين و في وقت واحد انفجرا في ضحك عنيف مكتوم ثم قالت بصوت مختنق : لا أصدق هذا حتى من تريفور.
مسح ستيفن عينيه : يا للمسكينة ماود ! لن تصفح عني ابدا
قالت جينيفر و قد اخذت تضحك من جديد: أزهار و ضوء قمر .... و كل ما يستطيع الحديث عنه هو مكتب مو نو بوليس و ميرجيرز لسمسرة؟ رباه ! لن اصبح عمة أبدا إذا استمر على هذه الحال
و تبددت غيوم التوتر التي تعكر صفاء الجو بينهما . فسارا على ضفة البحيرة إلى ان وصلا إلى مقعد خشبي و اخذا يتاملان الحباحب المضيئة و أخيرا قالت : اظن الوقت قد حان للتحدث عن أمر افتراقنا لحذر حتى لا تهبط اسعار أسهم أي منا
- آه ، و من تحدث عن الافتراق؟
لكن هذا لا يمكن أن يستمر
- الأمر ليس بهذه البساظة يجب ان يرانا الناس معا مرة أخرى على الأقل بعد غد ينعقد اجتماع لحملة اسهم (( شركة ديلاكوت المتحدة )) و بما أننا نملك أسهما فيها سيكون طبيعيا جدا أن نحضره معا
قالت متأملة : لا أدري ...
فرد بمكر: لا تنسي أن دايفيد هو ايضا من اصحاب الأسهم وقد يكون هناك فكري في الاحتمالات المتوقعة جينيفر ...سيرانا معا ، ستخبرينه بأننا زميلان فقط ...بينما تظهرين طبعا بعض المرواغة و إذا حالفك الحظ سيرسل إليك ورودا في الليلة نفسها
فقالت : أنت خبير جدا في هذه الأمور
- لطالما لقبت بالمناور.
بدت ابتسامته العريضة لا تقاوم و لوت جينيفر شفتيها قائلة : حسنا سأحضر ذلك الاجتماع على كل حال فإذا كانت هذه وسيلة للتأثير على دايفيد يمكنني أن أخرج معك بضع ساعات .
قال باعحاب: جينيفر عندما تتحدثين بهذا الشكل لا يستطيع أي رجل مقاومتك.
- ستيفن سأقوم بذلك الأمر مرة واحدة فقط و بعد ذلك تنتهي علاقتنا.
- سنرى من يدري ؟ ربما خطرت لي أفكار اخرى .
- لا تغير الموضوع .
- إن سحرك هو الموضوع لقد فقدت شهيتي و بت شبحا لا يعرف الرقاد .
فقالت و عيناها تلتقيان عينيه المازحتين : و اصبحت كاذبا ايضا أنت لا تهمل نفسك و لا يعقل أن تفقد شهيتك أو نومك .
- هذا صحيح لكنني فكرت أن أعبر عن عواطفي ببعض الكلمات ....ثم كفاك غزلا بعينيك فأنا لست دايفيد كونر لكي تغويني.
أخذت جينيفر تضحك . و شعرت بالسرور و الثقة بالنفس.
- أتظنني قادرة على إغوائك إذا قررت ذلك ؟.
- بل أظنك قادرة إذا قررت أنا أن اسمح لك بذلك.
- أنا واثقة من أنك قررت ذلك فعلا ...فأنت لست من النوع الذي يتوانى في الحصول على مراده.
قال : أقر بأن هذا صحيح .
سألته : هل قررت تلك الليلة السماح لي بذلك ؟.
- في تلك الليلة كنت امثل دورا.
- ليس طوال الوقت كنت أنا التي أمثل لأجل دايفيد .
- أتقصدين تلك الطريقة التي ابتسمت فيها بإغراء مع أن دايفيد لم يلحظ ذلك ؟.
فردت بسرعة : هذا من تخيلاتك .
- أنا رجل من دون مخيلة و ماذا عن مرافقة دايفيد هل كانت تمثل هي الأخرى ؟.
- إنها سكرتيرته و عليها أن ترافقه حين يخرج فهذا جزء من عملها.
- لكنها معه طوال النهار و كل يوم ، من التاسعة حتى الاخمسة . و بما أنها حريصة على عملها فهي لن ترد له أي طلب عليك أن تقلقي لذلك .
- أنا أعرف دايفيد أكثر ممت تعرفه أنت.
- لكنك لا تعرفين شيئا عن الرجال يا جينيفر و إلا لما خرجتي معي في ضوء القمر فيما تعلمين أنني لن أتركك دون عناق.
كانت تعلم ذلك طبعا لكن كرامتها دفعتها إلى القول : سأعود الآن إلى البيت.
- ليس قبل أن أعانقك.
حاولت جينيفر أن تحول نظراتها عن عينيه و لكنه مازال يملك تلك السلطة عليها و رغما عنها شعرت بأحاسيس قديمة تجتاحها من جديد.
نهضت عم المقعد فجأة و سارت فتبعها حتى لحق بها و هو يقول برقة : اصغي.
أصغت جينيفر فسمعت شدو عندليب عذب.
تمتم يقول: لو كنت معك في جلية حب ، لبحت لك بمشاعري مع أنك تنكرينها و مع أنني لا اؤمن بها .
قالت ببطء كما لو انها في حلم : كلامك غامض ..كيف تشعر بشئ لا ترمن به ؟.
- هذا سهل أنتي تثيرين في مشاعر لا وجود لها في الحقيقة . ولو تاكدت من وجودها فعلا لأصبت بهلع شديد . أنتي تسببين لي الاضطراب جينيفر مع أنني أدرك يأن المسألة وهم بوهم.
وصلا إلى شجرة سنديان ضخمة . استندت إلى جذعه و اخذت تنظر إلى القمر و النجوم تتألق من خلال اغصانها . بينما النسائم الرقيقة تتلاعب بأوراق الشجر.
قالت برقة : ربما ...و مع ذلك ، ستظل قلقا مضطربا ، فبعض الأوهام أقوى من الحقيقة .
- أتشعرين بذلك ايضا ؟.
- اطمئن ، الأوهام لا تدوم . سرعان ما يعود المرء أرض الواقع .
- هل ستعودين أنتي؟.
- لكنني لم اترك الأرض قط .
قالت ذلك و هب تعلم أنها كاذبة.
اسند كتفيه العريضتين إلى جذع الشجرة و مضى يراقبها ثم قال : أحدنا يخدع نفسه و لا ادري من .
- قد لا نعرف أبدا .
-سنعرف يوما ما . فلنأمل ألا يحدث هذا بعد فوات الأوان.
وضع يديه على جذع الشجرة و احاطها من كل جانب و كأنها سجينة. ابتسمت له واثقة من أنها ما زالت تمتلك زمام الأمور و عندما يحني رأسه ليعانقها ستكون مستعده له .
و إذا بشئ يحدث ...بدا العالم قد انتقل من مكانه و كأنها كانت مخطئة منذ البداية ... ماذا تفعل هنا ؟ كبف تقوم بألاعيب الحب هذه بينما الرجل الذي تحبه حقا غير موجود ؟ دايفيد هو من تربع على عرش قلبها.... أما ستيفن فهي واثقة من أنه لا يملك حتى قلبا ليقدمه إليها . و عندما اوشك أن يعانقها أدارت رأسها جانبا و هي تتنفس بسرعة . توقف ستيفن و هو يتأملها بعينين ثاقبتين . رأى ارتجاف و لمعان على أهدابها ففهم . ابتعد عنها و هو يقول بخشونه: أنت لا تفهمين أبسط الأمور عن الرجال.
و أوشكت أن تدافع عن نفسها ، لولا انه كان قد رحل عنها.
* * * * * * * * * * *
منذ توفي والد ستيفن و ماود قبل سنوات عاش الاثنان معا من دون أقرباء. و رغم السنوات الاربعة عشر التي تفصل بين عمريهما لطالما اعتمد الواحد منهما على الاخر و سلمه كل أسراره . كانت ماود تعجب بنباهة أخيها بينما يحترم هو ذكاءها و فطنتها .
قالت له و هما في طريق العودة إلى المنزل.
- إذن فهذه جينيفر . إنها فاتنو و تشع بهاء.
أجاب ببطء : هذا صحيح . مكالمة هاتفية واحدة من حبيبها تحولها امرأة أخرى.
- و لكن ... ألست أنت حبيبها.
- ليس بعد.
قال ذلك ثم خلد إلى الصمت ، متغاضيا عن تلك النظرات الفضولية التي أخذت أخته ترمقه بها ، و اخيرا سألته : من هو الرجل الآخر؟.
- شخص تافه يدعى دايفيد كونر ، لكنه لن يستمر معها.
- لكنه موجود الآن ، سيكون عثرة في وجهك .. أنا التي طالما اعتقدت أنك لن تقابل امرأة تناسبك.
- وضحكت
فقال: و لن أقابل أبدا ....جينيفر امرأة جذابة حقا و أنا متشوق إلى الأسابيع القليلة القادمة لكنني لا أظن أن هناك ما يدعو إلى القلق.
- يا أخي العزيز قد لا اكون ماهرة في امور كثيرة لكنني ماهرة جدا في معرفة أفكار الناس.
- ما شككت قد في هذا .
- لو نشبت معركة ، فسأساندها هي بالتأكيد .. أفضل أن أراك تتخبط في آلام و مشاكل الحب.
انفجر ضاحكا بصوت عال : لا تضعي هذا في حسابك ....بالمناسبة ، أنا آسف لهذه الليلة ... لو كنت اعلم أن تريفور سيحضر ، لما اصطحبتك معي لقضاء هذه الامسية معه.
- آه لكنني وجدته طيبا ظريفا للغاية.
- طيب ظريف ؟ ذلك المغرور الفج؟.
- أرجوك ستيفن ! لا أريدك أن تهين الرجل الذي سأتزوجه.