الفصل الأول

7 0 00

الفصل الأول

ضعيفة أمام العدو

- لماذا تردتدين هذا الثوب؟.

تراجعت (( جينيفر)) إلى الخلف لتدع أخاها يدخل البيت. كانت تشعر بالتوتر و هي تترقب حفلة هذه الليلة ، و زاد غيظه الأمر سوءا.

قال: ظننتك اشتريت ثوبا جديدا لأجل حفلة الليلة ، إنه من الساتان الداكن الزرقة ، كما إنه رائع للغاية.

و ألقى نظرة استخفاف على ثوبها الفضفاض المصنوع من الموسلين ، ثم تابع: إنك ذاهبة إلى حفلة رسمية و ليس اجتماع ديني.

فقالت تسترضيه: آسفه تريقور ، لكنني لم أستطيع ارتداء ذلك الثوب الأزرق. إنه غير مناسب لي.

- لم يكن هذا رأيك حين اشتريته؟.

- بلى ، لكنني وافقتك و أنت أقنعتني أن من واجبي الذهاب إلى تلك الحفلة ، ثم عدت فرأيته غير مناسب . يا ليتني أتمكن من إلغاء كل ذلك !.

- قال أخوها محذرا: لا يمكنك هذا ، كم مره علي أن أنبهك إلى أهمية المظاهر ؟ يعلم الجميع أنك تكثلين الشركة في تلك المأدبة . إنها تتعلق بشؤون العمل ، عليك أن تكوني هناك.

- لكنني كنت سأذهب مع دايفد.

- و هاهو الآن قد نبذك ....

- لم ينبذني .... كل ما في الأمر أننا ... لم نر بعضنا منذ فترة.

- على كل حال ، ليس بإمكانك أن تبتعدي عن نشاط الشركة ، هذا هو المهم . كما لا تستطيعين أن تذهبي وحدك فهذا يظهرك ضعيفة الشخصية بينما عليك أن تعلني للعالم عدم اهتمامك.

فأجابت بحزن: لكنني مهتمة فعلا.

كانت جينفر قد صممت على حضور الحفلة مع دايفد كونر ، الرجل الذي أحبته و الذي توقعت الزواج منه. لكنه لم يتصل بها منذ شجارهما قبل أسبوعين فانكسر قلبها و لم تفكر إلا في قضاء ليلة الحفلة هذه منزوية في بيتها ترتشف الكاكاو و تفرغ حزنها مع الدموع . لكنها بدلا من ذلك ، وجدت نفسها ترتدي ملابسها لكي تخرج مع رجل غريب.

- كم أكره أن أظل أخفي مشاعري وراء قناع من المظاهر.

فأدلى تريقور بنصيحته: لا تدعي العدو يرى ضعفك أبدا.

- كما انني أكره اعتبار كل انسان عدو لي.

- - هكذا تنجز الاعمال .. هيا حتى الآن تصرفك في دنيا الأعمال كان رائعا.

- لكنك لا تثق بي تماما ، أليس كذلك ؟ و لهذا مررت بي أثناء عودتك إلى بيتك من العمل ... أردت أن تقضي على ترددي في الذهاب . حسنا ، أنا مترددة فعلا.

يعمل الأخوان في شركة (( مشاريع نوثون )) التي أنشئها جدهما (( بارني نوثون )) فهما يملكان سندات في الشركة ، و يديرانها بينهما منذ ألزم المرض جدهما على التقاعد . أما الفرق بينهما فهو أن (( تريقور )) يعيش العمل و يتنفسه ، بينما (( جينيفر )) لا تذهب إلى الشركة إلاإرضاء لجدها .

كان تريقور رجلا معتدل الطول قوي البني ، في الثلاثينيات من عمره. لولا عبوسه الدائم تقريبا لكان رجلا جذابا، و لطاما احترمت فيه جينيفر تكرسيه نفسه لعمله ، لكن من الصعب عليها أن تحب رجلا حاد الطباع كثير الانتقاد بهذا الشكل.

- كوني عاقلة ، و ارتدي هذا ثوبك الفرح ذاك بدلا من هذا.

- آسفه يا تريقور , و لكن هذا الثوب مسر للنظر أيضا.

فقال و هو يشد شعره: رجاء ، فهذه الليلة سوف أتصل بشخصيات كبيرة . ابتسمي و تحدثي معهم بحرارة . إن مظهرك يساعد على ذلك.

صحيح أن الطبيعة أغدقت على جينفر جمالا يساعدها على القيام بالدور الذي يحدثها عنه فعيناها الواسعتان السوداوان تحتلان وجهها البيضاوي ، و فمها جميل مغر . لكن الطبيعة أغفلت شيئا اضافيا ، و هو أن جينفر لا ترغب في استخدام جمالها في المجال الذي يريده اخوها. و لكن يبدو أنه لا يفهم هذا إذ أخذ يقول لها : تملكين مزايا فتباهي بها.

فأجابت بحدة: لماذا تتباهى بمزاياك أنت أيضا ، إذا كنت تعتبر ذلك هاما؟.

- لأن مزاياي لا تظهر في ثوب ضيق من الساتان .. إنني أبرع في غرفة الادارة و ليس في قاعة الرقص.

- لا بد أنني جننت إذ سمحت لك بإقناعي بالذهاب من دون دايفيد ، و استئجار مرافق بدلا منه ... فكر في ذلك تريقور .. أن تستأجر رجلا ليرافقني إلى الحفلة.

قال و قد فرغ صبره: سبق و اخبرتك بأن الأمر ليس على هذا النحو ... كمرافق بالأجرة . أخبرت المكتب بأنك تطلبين (( مايك هاركر )) بالذات ، أليس كذلك ؟.

- نعم ، فعلت ذلك قبل أن تشير علي به و كنت حذرة لئلا أكشف عن معرفتي بجده حرصا على كرامته.

- هذا حسن ، يبدو أنه حساس لا يقبل مساعدة الآخرين ... بماذا تحججت لطلبك له بالذات؟.

- قلت لهم إن البعض أخبروني أنه وسيم جدا ، و ان هذا ما اريده.

- هذا حسن . أكد لي (( جاك )) أنك ستكونين آمنه معه تماما ، لأنه مهذب جدا. رباه ، ما هذا؟

التفتت جينيفر إلى حيث أشار باصبعه ، ثم قالت : إنها قطة.

-اهو حيوان آخر من حيواناتك المشرده؟.

-وجدت (( مخالب )) خارج الباب الخلفي ، إذا كنت تعني هذا.

-(( مخالب)) ؟ هل أطلقت عليها هذا الاسم؟

-نعم لأن مخالبها بيضاء بعكس بقية جسمها الأسود تماما.

-غريب أن يقصدك كل شريد بأربع قوائم . لا بأس ما دمت لا تحضرين حيواناتك إلى المكتب ، كما فعلت بآخر حيوان اقتنيته . أذكر أن (( بيل ميرسر )) كان على وشك أن يوقع معنا عقدا مربحا للغاية، عندما زحفت حية لعينة على مكتبك ، فكاد يصاب بنوبة قلبية.

-كانت حية عشب صغيرة حلوة جدا و غير مؤذية على الأطلاق .

-ماذا عن الجرذ؟ ... كلا ، لا تدعيني أتحدث عن الجرذ ! على كل حال هذا يدل على أنك سيدة أعمال.

-حسنا ، لم أكن سيدة عملية قط ، أليس كذلك ؟ لست مثلك و لست على الصورة التي تمناها جدي . ما كان لي أن أكون عضوا في هذه الشركة على الإطلاق ، أحيانا أفكر أن أخرج منها ما دمت ما أزال في العشرينات ، أجرب عملا آخر.

قال تريقور مذعورا: لا يمكنك أن تفعلي هذا بجدنا بعد كل ما قام به لأجلنا ... أنت دوما كنت مدللته ، فإذا هجرته فستحطمين قلبه.

أجابت بإشارة عاجزة كمن ناقش الأمر طويلا مع نفسه : أعلم هذا.

لا يمكن لها أن تؤذي جدها.

رد تريقور: أتمنى لو تستعملين عقلك أكثر قليلا من العادة فأنت مندفعة جدا.

و كان هذا صحيحا فقلبها رقيق عفوي و هي ميزة غالبا تتعارض مع عملها ، أما ذهنها فمتيقظ ... و قد تعلمت عملها جيدا، لكن البشر و الحيوانات أكثر أهمية في نظرها.

لم تحاول شرح ذلك لتريقور فلطالما فشلت في ما مضى ، فاكتفت بالقول: إنك هذه الليلة ، قليل التفكير حقا . فالفكرة مجرد جنون.

-كلام فارغ...و الآن علي أن أذهب . أرفعي رأسك بزهو.

-ثم منحها قبله خاطفة على وجنتها و ذهب.

عندما اصبحت جينفر و حدها أطلقت تنهيدة حزينة ... كانت هي و تريقور صديقين حميمين في صغرهما . و لكن مضى وقت طويل على ذلك ، أما الآن فالأمر تغير ... في الواقع اخذت تشعر بأن قوة خفية تسلب منها السيطرة على حياتها ، و خصوصا هذه الليلة.

تحدث تريقور عن جدهما و عن تضحياته لأجلهما . لقد احتضنهما حين ماتت أمهما وا كانت هي في الثانية عشرة و تريقور في السادسة عشرة ... أما ابيهما فلم يعلم أحد قط عن مكانه ، فقد هجر أسرته قبل عامين بعد أن طلق زوجته و سافر إلى الخارج مع حبيبته الجديده ، هكذا لم يبقى لهما سوى جدهما ..

كان الجد بارني عطوفا ، لكنه جرف الولدين إلى حياته المحمومة. فكان يأخذهما معه من مكان إلى آخر . و كا ن هذا ممكتعا مع أنه لم يساعدهما على التخلص من اليتم الذي يتملكهما . لكنها أحبته و كافحت في سبيل إرضائه .

فاجتهدت في دروسها و ابتهجت بإطرائه حين كانت تحصل على علامات عالية ، ثم ابتدأت شيئا فشيئا تتقبل فكرة دخولها في الشركة .

أما هو فكان يقول بسعادة : إنني متشوق حقا إلى أتخاذكما شريكين لي .

التحق تريقور بشركة نورثون حالما ترك الدراسة ، بينما أخذ الجد يعد حبيبته جينيفر بدورها ... لم يطاوعها قلبها أن تصارحه بأنها تفضل العمل مع الحيوانات فهي لن تخيب أمله فحسب بل ستغامر بفقدان حبه أيضا ، خاصة أنها تدرك منذ وقت طويل كم يؤلمه ذلك .

و هكذا دخلت الشركة ، و أنجزت كل مهمة على أفضل وجه فتعاظم فخر جدها بها ... و عندما تراجعت صحته منذ خمس سنوات ، كان تريقور و جينيفر مستعدين لتسلم مقاليد العمل ، ليستمتع هو بتقاعده . أما جينفر فبدت امرأة عاملة ناجحة متألقة لكن في أعماقها ظل شعور بالفشل و العجز يتملكها.

و ها هي ذي الآن ، تستعد لحضور مناسبة عملية لا تهمها مع رجل لا تعرفه و تتمنى من كل قلبها لو تجد منفذا للنجاة.

* * * * * * * * *

وقف ستيفن ليري أمام باب الشقة و هو ينظر إلى ما يحيط به بعينين ملؤهما الدهشة و الفزع.

ذات يوم ، كان صديقه (( مايك هاركر )) نجما سينمائيا ذكيا لامعا. لكن ذلك كان منذ اثني عشر عاما . و قد بقي ستيفن على اتصال به ، لكنهما لم يلتقيا منذ خمس سنوات . و هاهو ذا يفاجأ في هذه المزبلة بعد أن حط به الدهر.

انشق الباب قليلا ، و بدت عين حمراء محتقنه ، ثم سأله بصوت خافت: من أنت ؟؟

-إنه أنا يا مايك ... ستيفن.

-يا للهول ، يا ستيفن.

و جذبه مايك إلى الداخل ثم أغلق الباب بسرعة و هو يقول : خفت أن تكون صاحبة البيت.

رحب كل منهما بالآخر ثم أخذا يتأملان ما غيرته السنوات فيهما . كان مايك ما يزال وسيما ، رغم احمار أنفه و كلل عينيه.

قال و هو يبعد ستيفن عنه : ابق بعيدا عني . فأنا عدوى أنفلونزا متنقلة.

قال ستيفن و هو يرى بذلة رسمية معلقة على المشحب : أتراني جئت في وقت غير مناسب؟ يبدو و كأنك ذاهب على حفلة مسرحية.

أجابه مايك ساخرا : لو أنني ما زلت أقيم حفلات مسرحية ، أكنت لأسكن في مكان كهذا ؟.

بعد تناول القهوة تبادلا حديثا مربكا مضطربا ... بدا ستيفن محرجا لا يجرؤ أن يسأله عن عمله في مجال التمثيل . و كم كان حرجه كبيرا أن يتحدث عن نجاحه هو !.

قال مايك : أتذكر عندما التحقت أنت بشركة (( مشاريع تشارتيرز ))؟ قلت لك إنك ستمتلك الشركة في النهاية ، و هذا ما حدث .

قال ستيفن ذلك مقلالا من الحقيقة ، (( فتشارتيرز )) هي حقا شركة ضخمة بالغة النفوذ ، لطالما شكلت إنجازاتها مصدر زهو له و بهجة .

قال لمايك : عليك أن تكون في الفراش.

- بلى علي أن أخرج . إنني أكسب معيشتي عبر العمل في مكتب لتأجير المرافقين ، و لدي مهمة هذه الليلة .

- هتف ستيفن بذعر : هل أنت ما يسمونه (( جيغولو )) ؟ الرجل الذي تستأجره النساء لمرافقتهن في الحفلات؟

- كلا ، تبا لذلك . أنا لست (( جيغولو )) . إنها وظيفة محترمة تماما . إذا أرادت امرأة أن تذهب ألى مناسبة اجتماعية ، ولا مرافق لها فهي تتصل بالمكتب الذي أعمل فيه و تستأجرني . ليس المطلوب مني سوى أن أكون حريصا على إرضائها ، و أعطي الأنطباع المناسب . و بعد ذلك تذهب هي إلى سريرها و أعود أنا إلى سريري .

- حيث ينبغي أن تكون الآن . لا يمكنك مرافقة امرأة و أنت على هذه الحالة ، و إلا أصبتها بالعدوى.

- لكنها ستعطيني النقود و هكذا لن أتجنب صاحب البيت بعد الآن .

- أخبر مكتبك بأن يرسلوا اشخاصا سواك.

- لقد فت الأوان.

و تملكت مايك نوبة سعال.

- ما شكلها ؟

لا أدري ، فأنا لم أرها قط . اسمها جينيفر نوثون . و هذا كل ما أعرفه . الحفله مناسبة تجارية . و لهذا لعلها امرأة أعمال قاسية الوجه ، و في منتصف الأربعينات ، يشغلها تحصيل المال عن إقامة علاقات حقيقة ، و لهذا تستأجر مرافقين.

فقال ستيفن بحزم : نم في سريرك ، و سأذهب أنا مكانك.

- لكنهم أكدوا أنها طلبتني بالذات.

- قلت إنك لا تعرفها ؟.

- هذا صحيح ، و لكن يبدو أن أحدهم حدثها عني.

- أيحتمل أنها رأتك على شاشة التلفزيون؟

- لاأظن ذلك .

- إذن هي لا تعرف شغلك ؟

- كلا ، و لكنها تريد رجلا وسيما.

قال ستيفن ضاحكا من دون أن يجرحه هذا القول.

- بينما أنا غول بشع؟.

- اسكت ، لطالما نلت حصتك و أكثر من الفتيات كما أذكر ... و لا أدري لماذا ، فأنت تعاملهن أسوأ معاملة.

- لأنني لا أتعب نفسي في إرضائهن ، إذا كان هذا ما تعنيه . كان أبي يقول دوما إن النساء أشبه بالحافلات ، إذا فاتتك واحدة ، سرعان ما تأتي أخرى. انتبه ، لقد حرص على الابتعاد عن أمي قبل أن يتفوه بهذا ...

- و انفجر ضاحكا.

صحيح أن تقاسيم وجه ستيفن لا تماثل وجه مايك وسامة و تناسبا ، لكن كثيرات من النساء يجدنه بالغ الجاذبية ، فهو أسمر قوي الجسم عريض الكتفين ، حاجباه الكثيفان يضللان عينين نفاذتين تشعان بطاقة جبارة ، مما منح وجهه قوة غير عادية . يمكن لابتسامة عريضة من فمه الكبير أن تكون قاسية ، لكن ابتسامته حلوة جذابة . أما إذا كان حسن المزاج ، فهو بالغ الظرف . و باختصار يهابه الرجال و النساء معا ، قد يبعث الخوف في القلوب ، لكنه بالتأكيد ليس رجلا تختاره امرأة تريد مرافقا ودودا و ظريفا.

قال : لا يمكنك الذهاب ، سأستعمل اسمك و سيكون تصرفي مهذبا قدر الإمكان . الأفضل أن أعود إلى بيتي بسرعة لأرتدي ملابس المساء.

- لا وقت لذلك فهي تتوقع وصولي خلال ثلث ساعة ... عليك أن ترتدي ملابسي ، نحن نلبس القياس نفسه لحسن الحظ . أرجو ألا تصيبك عدوى مرضي.

- أنا لا أصاب بأية عدوى ، أتمتع بمناعة قوية . إلى ماذا تنظر عبر النافذه؟.

- إلى تلك السيارة الفخمة الجديدة الجاثمة تحت نافذتي ، إن كانت لك فلن يصدق أحد أنك ممثل مفلس.

- سأوقف سيارتي بعيدا عن بيتها ، ثم أكمل الطريق مشيا . و الآن اذهب إلى فرشك.

* * * * * * * * *

تأخر مرافقها و وافقها هذا تماما فاستغلت الوقت لتطعم قطتها و تخرجها إلى الحديقة و هي تهتف بها : أسرعي ، سيكون هنا حالا إذا خانني الحظ...

عادت (( مخالب )) بعد دقيقتين تظهر ولاءها لسيدتها و هي تقفز إلى حجرها.

صرخت جينيفر نائحة و هي تفحص آثار قوائمها على ثوبها : آه ، كلا . لا أصدق أنك فعلت هذا.

و أسرعت إلى الحمام تخلع الثوب الملطخ بالوحل ، ثم بدأت تبحث عن ثوب آخر و هي ترجو بحراره أن لا تتحقق مخاوفها.

و لكن تحقق ما كانت تخشاه ، إذ لم يبق لها إلا ثوبين مناسبين باقيين ...

أحدهما في المغسل ، و الآخر فيه تمزق صغير . و هكذا لم يبق أمامها سوى ثوب الساتان الأزرق الداكن ...

صرخت تعنف (( مخالب )) : يا لك من حيوان ناكر للجميل ! لقد استقبلتك في بيتي و أحسنت إليك ، فانظري ما فعلته بي ! آه ، حسنا ، لا أظن بإمكاني إصلاحه الآن.

و هكذا أخرجت الثوب على كره منها ، فوجتده غير ملائم لها البتة . و لكنها لم تدر ما البديل !.

كان شعرها البني الكث منسقا فوق رأسها بجمال ... و حين وضعت عقدا و قرطين من الماس بدت سيدة صغيرة تملك حنكة و خبرة بإمكانها أن تواجه مفاجآت الحياة كلها . لكنها تمنت لو تشعر بذلك فعلا.

في الوقت المناسب فرغت من زينتها و أخذ جرس الباب يقرع.

تنفست بعمق ، ثم ذهبت لتفتح البال. و حالما فتحته ، أدركت أنها اقترفت غلطة حياتها.

بدا الرجل طاغيا ، و او أنه لا يتحلى بمقياييس الوسامة التقليدية ... كانت تشع منه هالة من الكبرياء و الإرادة العنيفة . و منذ اللحظة التي تقابلت فيهما أعينهما ، أدركت جينيفر أنه أخذ يتأملها بتمعن.

بدأ الحرج يغزوها فشعرت بالخجل من ثوبها و أحست بنظراته تخترقها أما هو فبدا واضحا أنه يستمتع إليها ، و هذا ما أغضبها ففي النهاية ليس إلا مجرد موظف . و الأسوأ أنها لمحت لمعانا ساخرا ، و كأنه فهم أفكارها فضحك منها في داخله.

و باختصار ، كانت تتوقع دمية على صورة رجل و بدلا من هذا تملكها الارتباك . لم يخطر في بالها قط أنها ستقوم بهذه اللعبة المجنونة ...

و أخيرا ، وجدت صوتها : مساء الخير يا سيد هاركر ... لقد تأخرت قليلا ، لكن هذا غير مهم.

اعتذر بصوت لا يبدو فيه الاعتذار.

- عفوك سيدتي لقد طرأت علي حالة مستعجلة لكنني الآن ملكك.

ثم بسط يديه أمامها معلنا.

- كل شئ جاهز ، حتى إنني نظفت أظافري لأجل المناسبة.

و أدنى أظافره منها بأسلوب المزاح نفسه الذي يضايقها.

هتفت فجأة : يا ألهي ! أية أزرار هذه؟.

كانت تعلم أن ممثلا فاشلا لا يحتمل أن يشتري أزرارا ثمينة للقميص ، لكن هذه بدت سيئة حقا و كأنه اشتراها من بائع جوال.

قال بغلظة : ما بها ؟ إنها أحسن ما لدي.

اجابت و هي تبذل جهدها لتبدو مهذبة : لا تشكو من شئ ... إنها أعني ... إنها لا تتلاءم تماما مع ... عندي اقتراح ... انتظر لحظة .

أسرعت إلى غرفتها أزرارا أرادت أن تهديها لدايفد بمناسبة يوم مولده القادم . كانت من الفضة مرصعة بماسات صغيرة كلفتها مبلغا كبيرا . و ما أرادتها حتى خفق قلبها لكنها كبحت شعورها ، ثم أطبقت يدها عليها . عندما من المافق أن يمد يده ، رفع حاجبيه بدهشة . أزالت الأزرار الرخيصة ثم ثبتت الأزار الغالية الثمن مكانها ، بعد ذلك رفعت إليه عينيها فرأته يحدق فيها ، و شعرت بسخونة تمتلكها و هي تقرأ السخرية الهادئة في نظراته.

نظر إلى الماسات في أزرار القميص ، ثم التمعت عيناه و هو يرى الجواهر المرصعة في عقدها و قرطيها فتمتم يقول : أنا مسرور لأنني ألائم حليك.

رفضت التجاوب مع سخريته ثم قالت : هذه مفاتيح سيارتي ، سيدهاركر ، هل نذهب ؟.

عندما كشف الكارج عن سيارتها الفارهة ، قالت و قد أخذ الشك يتملكها : ربما من الأفضل أن أقود السيارة بنفسي.

و مدت يدها تستعيد المفاتيح ، لكنه لم يتحرك بل أدهشها بصوته الحازم: اصعدي إلى السيارة إنني هنا لمرافقتك ، و سأقوم بالمهمة على أكمل وجه. لا يناسبك أن تقودي السيارة بنفسك فقد يدرك الناس أنك استأجرتني .

اندفعت بعنف إلى المقعد المجاور للسائق ، ثم جلست بينما أخرج السيارة من الكاراج بخبرة تامة و كأنه يقوم بذلك يوميا . و تساءلت أين تراه تعلم هذه المهارة في قيادة سيارة قوية كهذه .

سألها : من أي طريق ؟.

- وسط لندن . توجه إلى (( ترافالغار سكوير )) ثم أدلك من هناك.

و عندما أصبحا في الشارع ، قال بعفوية : أي قصة نويها للناس ؟.

- قصة ؟.

- قصتنا . إذا سألنا أحد ، فلتكن إجاباتنا مطابقة . متى تعارفنا ؟.

- آه ، الأسبوع الماضي .

- إننا حديثا المعرفة . لماذا ليس الشهر الماضي ؟.

فردت بسرعة : كلا ، إنها مدة طويلة .

- فهمت ... كنت تخرجين مع شخص آخر حينذاك ؟ لماذا لم تخرجي معه هذه الليلة ؟.

- لأننا ... لأننا تخالفنا .

- من نبذ الآخر ؟.

- افتراقنا باتفاق مشترك.

- أتعنين انه هو الذي هجرك ؟.

- لم أعن شيئا كهذا .

- هل سيكون موجودا هذه الليلة ؟.

- ربما .

- الأفضل إذن أن تخبريني باسمه من باب الاحتياط .

فقالت بجمود : اسمه (( دايفيد كونر )).

- هل تدربت على رواية على رواية قصة تعارفنا ؟.

- كلا ... لا أدري ... سأفكر في شئ ما .

قالت ذلك شاردة الذهن و شعور بالتعاسة يزداد في نفسها .

- يدهشني أن أراك مشوشة التفكير . لقد اقتربنا من ساحة (( ترافالغار سكوير )) دليني على العنوان .

- إننا ذاهبان إلى (( كيتسبي هاوس )) . حذار !.

- آسف ، لقد انزلقت يدي على المقود .

قال ذلك بسرعة ، لكنه في الواقع تلقى صدمة قوية إذ لا بد أن معارفه غير قليلين في ذلك المكان . و اتخذ قرارا سريعا .

- الأفضل أن تعلمي أن اسمي الحقيقي ليس مايك هاركر .

- أتعني أنه اسمك الفني في المسرح ؟.

- كلا ، إنني ... لا بأس . اسمي هو (( ستيفن ليري )) . ها قد اقتربنا من المكان . أخبريني عنك بسرعة .

سمي (( جينيفر نورثون )) ، و أنا حفيدة (( بارني نورثون )) صاحب شركة ...

- فقاطعها : (( شركة نورثون للشاحنات و المستودعات )) ؟.

فقالت بدهشة : نع . و منظمتنا هي الأفضل من نوعها في البلاد ، و نحن ننتشر بسرعة في أوربا .

و تذكرت فجأة من يكون فأردفت : المعذرة للتطويل .

- نعم ، لا حاجة لتتحدثي عن أشياء معقدة قد لا تتمكن خلايا عقلي من استيعابها .

رفضت أن يهينها ، فقالت : توجه نحو المنعطف التالي فتجد موقفا للسيارات .

عندما أطفأ المحرك ، التفت جينيفر لتفتح الباب ، فأوقفها أمرا منه ثم نزل دائرا حول السيارة ليفتح لها الباب و قال بهدوء : انتظري فهذه مهمتي .

ابتسم وهو يمد يده ليساعدها على النزول ... ثم تمتمت : شكرا.

أوشكت قدمها أن تزل أثنا نزولها ، لكنه اسندها . و شعرت بتسارع خفقات ، فما كان منها إلا أن استدارت عائدة إلى السيارة لتأخذ وشاحها المخملي ، لكنه سبقها إليه فتناوله و وضعه بعناية حول كتفيها . لم تستطع كبح الرجفة التي سرت في كيانها حين رفعت عينيها فالتقتا بعينيه . كانتا تنظران إليها بحدة بعثت الاحمر في وجنتيها.

قال جادا : انت رائعة الجمال كما إنك حساسة ، و سأشعر بالزهو لأنك معي . كلا ، لا تقوليها! أنت لا تهتمين بذلك . حسنا ، لا يهمني إن اهتميت أم لا و إنما أخبرك بأنك ( ضربة قاضية ) !.

كان الحديث صعبا عليها لا تدري لماذا و لكنها أخيرا تمتمت : جيد أن أعلم أن مرافقي يرضى عني .

فقال بجفاء : أنا لست ****ا عنك ، فأنا غير راض عن هذا الوضع كله . امرأة بجمالك ما كان لها أن تستأجر رجلا لمرافقتها . فإن اضطرت لذلك لا شك أن حياتها ظروفا سيئة للغاية . لكنك رائعة ، قادرة على دفع أي رجل للقيام بما يندم عليه لاحقا ... كل ما أتمناه أن أملك الوقت لأكشف فيك عن تلك المتناقضات كلها .

فقالت و وجهها يلتهب : متناقضاتي لا تعنيك .

أجاب من دون اكتراث : إنها تعنيني إذا قررت ذلك . و لكن من المؤسف أنني لا أملك الوقت ! و الآن هيا بنا ندخل .

شاركت جينيفر في الكثير من النشاطات في قاعة (( كيتسبي هاوس )) ، و ألفت الأثاث الأحمر الداكن و الثريات المتألقة لكن بدت هذه الليلة كأنها ترى كل شئ للمرة الأولى . فالأضواء أكثر تألقا ، أثواب النساء الأخريات أكثر جمالا ، أما ملابس الرجال فبدت أكثر أناقة .

ذهبت إلى غرفة المعاطف لتودع فيها وشاحها . و عندما عادت وجدت ستيفن ينتظر عند أسفل السلم ، فانتهزت الفرصة لتتأمله من بعيد ، و تقارنه بسواه من الرجال . كانت المقارنة بأجمعها في صالحه فعلا . فهو أطول الموجودين قامة تقريبا . طبعا كتفاه هما الأعرض و شخصيته هي الطاغية . لكن أكثر ما فتنها فيه هو جو السلطة و الثقة بالنفس الذي يشع منه . فكيف لممثل عاطل عن العمل أن يمتلك هذا الجو ؟ لقد اتخذ بالطبع المهنة اللائقة به .. ثم اقتربت منه باسمة أن تخلق بينهما جوا لطيفا ، و قالت بحرارة : تهاني .

- على ماذا ؟.

- إنك تقوم بدورك على أحسن ما يكون ، و كأنك من هذا المكان .

قال بشئ من السخرية : شكرا . لكنني أشعر بشئ من الخجل بين كل هؤلاء الناس المهمين .

- إنهم ليسوا مهمين حقا ، بل يحبون فقط أن يتظاهروا بهذا لأنهم يملكون المال . انظر إليهم باستعلاء ، فيعتبرونك واحدا منهم . أتوقع لك النجاح التام هنا .

و ابتسمت بمكر ، فلوى شفتيه : لا تشعرين إذن بأنك مجنونة لآنك دخلت هذا الاتفاق ؟.

- بالعكس ، فأنا أظنني حصلت على صفة جيدة .

- أنا أيضا أشعر بأن تصرفي لم يكن سيئا .

صعدا السلم و دخلا قاعة الرقص الفسيحة ، و قد ازدحمت الآن بالناس . و على الفور ، لاحظ ستيفن بعينيه أن جينيفر غطت على كل امرأة في القاة . كما أنها تعرف كيف تختار عطرها فهو يدغدغ الأنف و يصل إليه دافئا .

تساءل من يكون الحبيب الذي لمس قلبها ؟ و كيف تتصرف معه ؟ هل يفيض وجهها رقة و تشع مشاعرها من عينيها ؟.

سارا خلال الجموع مبتسمين يردان التحيات . عرفه بعض الأشخاص ، و أمضى ستيفن وقتا متوترا و هو يحاول إبعادها عنهم و أدرك أنه سيكون محظوظا لو تمكن من مغادرة هذه السهرة دون أن ينكشف أمره .

- تعالي إلى ركن الشراب سأخبرك بأمر ما بعد أن أحضر أليك شرابا .

- أريد عصير برتقال بما أنني سأقود السيارة أثناء العودة .

قال ستيفن للعامل : أريد كوبين من عصير البرتقال .

و قال لجينفر ضاحكا : تحسبا لإمكانية تغييرك لرأيك .

قالت تتحداه : أتعني أنك تستطيع أن تغير رأي ؟.

- هل هذا ما عنيته ؟ شكرا لأنك أعلمتني هذا .

كانت عيناه تغيظانها ، فلم تستطع إلا أن تبتسم قائلة : هذا ما كنت تعنيه بالضبط .

و أخذت تنظر حولها و إذا بابتسامتها تتجمد . كان دايفيد يقف على بعد خطوات منها ...