(1)

17 0 00

(1)

Louis de Bourmont (2) ت 1846) حملته على الجزائر مرادفة ، عند المغاربة، لحملة لويس بونابارت على مصر والشام.

تسلّم لوي فيليب السلطة باسم الدستور وبترحيب من البرجوازية الباريسية وكتيبة من الرومانسيين كانت تطالب بنقل بقايا روسو إلى البانتيون وبقايا شهيد سانت هيلينة إلى الأنْفَليد وانتهى الأمر بتلبية رغبتها.

هل كان ذلك يعني فاتحة عهد جديد؟ لقد هبّت، حقّا، نسمة أمل فوق سهوب»

بولونيا المضَرّجة دمًا وتنوّرت جمعيات المافيا في غاباتها. وانتصرت الليبرالية في واحد من بلدان أوروبا. ولكن الجزائر ، وأنا أسألكم، ماذا غنمت الجزائر من تقلّب الرأي هذا في الزمن الذي عاد فيه قصر التويلوري في علاقته بمصر، إلى سلوك السياسة التي تحدّدت ملامحها بعيد الأهرام؟ وماذا كان حظ المغرب منها؟ لقد كان مواصلة غزو الجزائر المقترن بعمليات إبادة: أوامر الإعدام التي أصدرها سافاري، دوق روفيقو، في المتّيجة ومحرقات الظهرة والهجوم على السمالة والحنث باليمين المتمثّل في نقض اتفاقيات ديميشيل والتّفنة.

انه لا شيء البتة، في نهاية الأمر، أعطاه تغيّر النظام هذا المغربََ»

الذي فقد منذ هذه الفترة جزءا منه ولا المشرق بل إن الأصوات الليبرالية والرومانسية المدوّية تغاضت عنهما. فشاتوبريان، على الرغم من وَلَعِهِ بهذه العبقرية المسيحية التي لا تلائم كثيرا روح روني، كان يحرّض على الغزو وافتقرت قيثارته افتقارا كاملا إلى وتر قادر على التغنّي بمآثر الجزائري وهو يحارب دفاعا عن دينه ووطنه. إن هذا المفتون بآخر بَنِي سراج ، والفنّان ذا الحسّ الرهيف الذي كان يقف وقفة ذهول تحت قباب الحمراء وإيراق حدائقها، لم يعد ،وقد استنّ ووهن منه العظم، غير مُحْتَضٍَر باحث عن تبريك بابوي. ولذلك فإن هذا الذي استهجن مذابح يافا في مذكرات ما وراء القبر لم يتمكن عندما دَخَنَ بِلَيسي بموافقة بوجو التّامة –ورضا الملك- المواطن الأكيدة ، أولاد رياح في كهوف الورشنيس، من العثور على كلمة رثاء أو لم يشأ أن يرثي الضحايا الأبرياء الذين نكل بهم الجُنْدَِويون الفرنسيون.

كذلك كان، من ناحية أخرى، شأن لامارتين وشأن هوغو. فلا أحد تجرّأ»

على إبداء انشغاله بالمغرب المجتاح أو بالإسلام المهاجم.إنها سياسة الأذن الطرشاء. هذا إن لم يجرّد في وجهه سيف الحروب القديمة مثلما كان شأن بيرون في اليونان. فلا وجود في القيثارة ، البتّة، لأوتار ترثي أتباع الهلال...

انتفضت الجلابات لسماع اسم هوغو. فلقد اشتهر الشاعر المنشد، على الأقل مثلما يظهر في الأولمب الأدبي، بأنه روح سويّة سليمة النيّة ذلك أن لسَحَرَة الكلمة صيتا شالاًّ يحيطهم ، بعد موتهم، بهالة شبيهة بالتاج العُذِْري القادر على الحدّ من أقوى المآخذ.

وعندما شرع سي عبد الرحمان ، بعد أن ندّد بصمت عاشق أتلا المبين، في إفراغ ما في جعبته عارضا أسماء الشعراء الكبار تمدّدت وجوه المستمعين الفتيان في شيء من التلهّف. لقد كان عدد منهم يحفظ، غيبا، مقطوعات كاملة من التأملات ومن أغاني الشفق.وكان آخرون قد عثروا، وهم يقرِؤون رافاييل، في الغنائية على هذه الموسيقى الباطنية التي تؤثر في القلوب جميعها وتتصل بكل الانفعالات الإنسانية . لقد شربوا،هم بدورهم ، من هذه الكأس ولم يكونوا أواخر من أثْمَلَهُمْ هذا الشراب.

لقد حاز إدريس الذي كانت نفسه الرقيقة الحالمة تبدو أنها تضخّمت بِبَلاَسِم

تيزران، على الدوام، نسخة من رافائيل ضمن المكتبة الصغيرة المرتّبة في خزانته. ومن ناحية أخرى، فقد كان رافائيل وصالامبو وجرمينال وأزيادي

كتبه الأولى المفضّلة.لقد حاول ابن الحاج علاّل من خلال لامارتين وفلوبير وزولا ولوتي، بالذات، وعبثا، أن ينفذ إلى هذه الروح الفرنسيّة التي حبكت على هيئة مفرطة إفراطا غريبا في التناقض والمفارقة. ولكنه لم يتمكّن البتّة من فهمها. فهو غالبا، عندما يقارن بين ما يقول الفرنسيون وما يعملون وبين المبدإ الذي يعلنون وما يمارسون وعندما يقارن بين كمال قوانينهم وروح الابتذال

والصَّغَار التي تتّسم بها إدارتهم ومحاكمهم في علاقتهما بالشمال أفريقيين وعندما يحاول دراسة الإعلان عن حقوق الإنسان وقانون الأهالي ويسعى الى إقامة مقايسة، وفي أضيق الحدود، بين مفاهيم الرموز المرسومة على الشعار الجمهوري وسياسة التمتّع الضارّة مثلما يشاهد في مراكش وعندما يضيع ،غالبا، وقته في مثل هذه المضاربة، فإنه يتأكد من عجزه عن النفاذ إلى ارتكاسات روح بلغت من العبث ما بلغته هذه الخرافات المدهشة التي حَبكَهَا كبار سَحَرَةِ اللفظ الذين انتهى أمره إلى أن يمحّضهم ثقة معيّنة.

ومع ذلك فإن إدريس لم يتمكّن، وهو يرى المحاضر يتأهّب لإلقاء أسماء كان يعتبرها مقدّسة في الحُِرّاق، من أن يكبح حركة غضبيّة خفيفة. غير أن هذا لم يزعج سي عبد الرحمان الذي تابع كلامه في غير شفقة :

نعم، إن لامارتين وهوغو لم يتميّزا، في ما يخصّنا، عن شاتوبريان. ولقد تأثر»

آخرون خطاهم في برج الأفكار المسبقة هذا. لقد كانت فرنسا ،سنة 1833 تفكّر، جدّيا، بعد أن أذعرتها مغامرتها الجزائرية، في الجلاء. لقد تسلّم عبد القادر زمام المقاومة بعد هروب الداي وتقصير حكومة إستانبول، التي يعود إليها أمر الجزائر وبلاد الإسلام الأخرى...

-حتى تونس ومراكش ؟، سأل ببعض الحيرة طالب في المعهد جدّ شاب ذو

خدّين هَِزيلَيْن مَنْزُوفَيْن.

....نعم ،أجاب سي عبد الرحمان بعد ثوان من التفكير، حتى تونس»

ومراكش. في مراكش أدّى تأثير الوزيرين بن إدريس والقاضي التّسُولى، بعد خمس عشرة سنة من الغزو، إلى أن نفكّر في تغيير موقف الصمت الذي وقفنا وأن نسرع في الانتصار للجزائريين. على أن هذا القرار الذي لم يصدر عن حماسة لم ينفّذ كذلك على الوجه المطلوب. كانت تعوزنا الرؤوس المفكّرة. ولذلك

آلت مساعدتنا إلى خيبة مؤلمة على ضفّتي إيسْلي.وعلى كل فقد بذلنا شيئًا ما. أما في تونس التي كانت في وضع يسمح لها أكثر من مراكش بوعي أبعاد هذا الغزو فقد اعتقد الساسة أن أفضل موقف هو سلوك سياسة الحياد. ولم تزد القضية التي ترهن وجود المغرب جميعه على إبراز تنافس الحكام المختلفين الذين كانوا يحكمون أفريقيا الشمالية على طريقة أمراء النهضة الإيطالية.

"إنه لم يكن لمصطفى خزندار لا مشاعر بن دريس ولا نظرته وذلك على الرغم من أنه اشتهر بأنه كان سياسيّا حاذقا وكان على تأثير في تونس يفوق بكثير تأثير بن دريس. أما خير الدين فكان دوره، إذاك، ينحصر في معارضة يمكن أن يكلّفه أقلّ حيد عنها حياته. وهكذا فإن تونس انتظرت، في وجل، مثل عصفور خلبته أنظار الِصّلّ، أن يبتلعها هي بدورها، الزاحف الشره الذي كان يجوب جبال المغرب ووديانه.

والآن، فلنعد إلى موضوعنا .عندما بدأ التفكير في فرنسا سنة1833، نتيجة»

ضغط الرأي العام المتخوّف، في إمكانية الجلاء عن الجزائر ظهرت حركة مضادة في وسط الجيش وطبقة معيّنة من السكان. ولقد قاوم لامارتين بضراوة، وهو يتصدّى لرأي الاقتصاديين الذين كان يتصدّرهم مشاهير أمثال سيسموندي وهيبوليت باسي وأغلبية نواب الجنوب الفرنسي بقيادة ديجوبار(هل كان القوم

منذ هذه الفترة يستشعرون منافسة أتلال متّيجة الكَرْمِية نبيذ اللانقدوك؟) ،مبدأ الجلاء وكان الناس يرون شاعر إلفير ينطلق لاقتحام الطواحين الهوائية.

! فماذا تريدون؟ إن للغنائية، غالبا، زلاّت على هذا القدر من الهزال

ثم إن لامارتين لم يخف البتّة ميوله اليعقوبية. وهو، عندما يطالب بمواصلة »

غزو الجزائر ويحرّض على المغربي ، لم يأت أكثر من الحذو حذو المجلس التشريعي. وشأن هوقو هو شأن لامارتين. إنه، يا أصدقائي، من الصعب علينا، بوصفنا مغاربة، أن نفهم الفرنسي. ولقد بذلنا كل ما وسعنا من أجل النفاذ إلى حقيقة هذا اللغز فنصل، بذلك، إلى تفاهم حريّ بأن يرضي الطرفين. فعلنا ذلك في مراكش وكذلك في الجزائر وفي تونس. ولكننا لم نتوصّل البتّة إلى التغلّب على الأحكام المتحيّزة أو دفع الأحكام المسبقة . لم نتوصّل البتّة إلى فهم ما الذي تريد فرنسا أن تفعل بأفريقيا الشمالية أو، بالأحرى، أن نفهم ذلك حقّ الفهم. ومع ذلك فلقد كان يجب أن يذّكر ثلاثة وعشرون مليونا من المغاربة من يودّ أن يفهم أن عصر الميثاق الاستعماري قد ولّى، من الآن فصاعدًا، وأن القرن العشرين يقتضي أخلاقا أخرى ووسائل أخرى وحلاّ يُمَاِشى قوانينَ التقدّم الاجتماعي. ولكن الواقع، لسوء الحظ، مازال على حاله لم يتغيّر.

إننا مازلنا دائما خاضعين لنظام يتسم بالقدم والغموض والانتقالية. والكلّ »

يقوم على وسائل الإكراه. وذلك في الوقت الذي يكرّر فيه القوم على أسماعنا ما يشبه الدرس الذي أُجيد حفظه، أغاني لا نهاية لها حول مثل مزعومة لم تكن البتّة بالنسبة إلينا غير أساطير من دون مضمون. إنه حكم المتناقض والملتبس. ومن الصعب علينا، مثلما حدث لمن حضروا حفلة الفانوس السحري التي أقامها قرد الحكاية، أن نعرف أين نُقَاد عبر شاشة تفتقر بالذات إلى الشفافيّة. حتى إذا ما خطر للواحد منّا أن يحتجّ، بدافع من سلامة النيّة، على تعسّف نظام مثل هذا، استشاط الفرنسي ، عند ذاك، غضبا لا حدود له. والمصيبة هي أنه صادق في سخطه هذا. وعقلية الأب هوغو إنما تصدر ،تماما ،عن هذا الوضع النفسي.

إن هذا الشاعر الذي مجّده القرن التاسع عشر وكافأته الجمهورية بأن »

منحته أوسمة البانتيون السامية ، امتنع عن البحث في ما إذا كان وطنه قد عرّض المغرب للامتحان.وبذلك زكّى تماما القول الإنجليزي المأثور: أن يخطي وطني أو يصيب، فهو يبقى وطني(1). لأن شعره المتوهّج عندما كان الأمر يتعلّق بالدفاع عن القوميات المضطهدة في أوروبا تجاهل، عن رأي َقبْليّ ، الجزائريين ولم يحرّك فيه قصف طنجة وموغادور غير المبرّر ساكنا. وفيما بعد سيأبى، وقد أصبح عميد الآداب في نهاية حياة رصدها لخدمة الفنّ، وفي إصرار غريب أن يفكّر أيضا، في استهجان فعلة فرنسا في تونس.

شرع السلاوي الذي كان قد استند إلى ِمخَدّة وألقى برأسه تستريح على يده اليمنى في تقطيع عدد من أبيات أوراق الخريف وهو حالم منتبه في الآن نفسه، على غرار من يدندن أغنية :

لكم ألاقي عند رأي الجور من عَنَتٍ

حتى إذا بلغ المسامع من قريب أو بعيد

في سماء من رصاص عند أملاك عتاة

صوت شعب مسترق يستغيث ويصيح..

ثم إنه واصل، بعد توقف، وكما لو كان يبحث عن التعويض عن نسيان انتابه:

أوه ، ربة الشعر، كم لشعب خالي الناب عليك من ديون

فوداعا أيها الحب أيها البيت والصبا ولذيذ النغم وأوقات الفراغ فمن الحق لشعري أن يضيف وترا من حديد

(1) : Wrong or right, it is my country

كلمات لا تنتهي ، قال سي الو نوغي، كلمات! كلمات! كلمات ! كلمات»

تردّدها أصداء ماكرة في أنحاء العالم الأربعة. لقد كان في إمكانه، وهو مبعد في قرنسي يُصِْلي ابن أخ معبوده نارًا، أن يستنكر، أيضا، ما كان يأتيه جنرالات

الثاني من ديسمبر في أفريقيا الشمالية. إن

ما أُريق من دم إخواننا في بلاد القبائل لا يقلّ، في شيء، قيمة عن دم بودان(1). ولكن العقاب أخرس فيما يتعلّق الأمر بهذا الموضوع.

لقد مرّت سنة 1848 على المغرب مرور عصفور العاصفة. فمجال الرحمة»

الإنسانية يمتدّ، فقط من البيريني إلى البلقان. لقد كان الإسلام تقريبا في وضع الخارج عن القانون. والمغرب لم ينل شيئا من المعانقة العالمية التي شهدت سقوط مترنيخ ونهاية التحالف المقدّس. وكل ما يمكن للمرء أن يلاحظه هو معاملة الجمهورية الثانية عبد القادر.فلقد آل أمره بعد أن أحتجز في طولون، على الرغم من عهد دوق أومال ، ابن الملك نفسه، إلى أن ينفى بعد ذلك إلى بو ثم أمبواز التي مكث فيها خمس سنوات قبل أن يطلق نابوليون الثالث سراحه: ولقد كان يمكن أن يطول هذا الاعتقال لو تمكّنت جمهورية السيد لوردو-رولين من الانتصار الى نهاية حياة هذا الذي نزّله التاريخ منزلة أمثال كاناري وكوسوث وأوكونر وغاريبالدي. لقد سعى نابوليون الثالث وهو يَتَسَنَّمُ العرش أن يحقّق في الجزائر عبر مزج بين المثل الرومنسي والواقع السياسي، شيئا ما يكون ثابتا ودقيقا. وقد فكّر، لحظة ،في أن يجتذب إليه الإسلام عبر بادرة صداقة مبنيّة على أوضاع

(1) طبيب ورجل سياسة ونائب الشعب في مجلس 1849. قتل في باريس سنة1851 في المتاريس التي أقيمت تصدّيا لانقلاب نابوليون الثالث على الجمهورية.

ملموسة تجافي كلّ لبس.إنه ما من شكّ في أن مشاغل براغماتية، قبل كلّ شي كانت تحكم هذا الهم.ّفابن الملكة هورتنس وريث التقليد البونابرتي الساعي إلى إذكاء شعلته كان ينوى استعادة مخططات العمّ التي غرقت في هزيمة أبوقير بأشكال ملطّفة ولكن بأهداف تكاد تكون مماثلة. ونتيجة لذلك أصبح استعمال الإسلام، هذه الورقة الرابحة، أفضل وسائل النجاح. على أننا، إن استثنينا هذه الحسابات النفعيّة، نسيء إلى التاريخ إن نحن حرمنا "المستبدّ" من التحيّة الواجبة لذكراه نظرا إلى أنه كان الوحيد القادر على أن يبدي، بصدق، حسن نيّة حول هذه المبارزة القديمة بين المغرب وفرنسا. ولقد أراد ، مثلما قال في

رسالة شهيرة، أن يكون "إمبراطور العرب تمامًا مثل ما هو إمبراطور الفرنسيين" والقرارات المشيخيّة التي حمّلها هيئته التشريعية تثبت، في النهاية، شيئا من هذا.

إنه ليس علينا أن نعلّق، هنا، على أسباب هذه الرغبات الليبرالية النفسية.»

فلنترك جانبا كل دعوى على النية. إننا لن نسجّل غير النية التي تصدر، أكيدا، عن ذهن ذي موهبة فائقة. ومع ذلك فإن الإمبراطور، على ما كان عليه من استبداد في عيون رجال 48 و70، لم ينجح في استمالة الإسلام الشمال أفريقي وفي تحديد سياسة فرنسا في حوض المتوسط الجنوبي تحديدا نهائيا. ذلك أن نظاما هو نظام الاستعمار ملثما عرّفه بوجو بإيجاز وبقي، منذئذ، مبدأ عمل فرنسا الأساسي في أفريقيا، عارض رغبة نابليون الثالث التوفيقية وأفشل، حتما، خططه. وقد ساهم جيش أفريقيا وجماعة المستوطنين بمقدار في هذا الفشل. جماعة المستوطنين خاصة. لقد بقيت قرارات 1863 و1865 المشيخيّة حبرا على ورق وذلك على الرغم من أنها لا تطابق البتة، على ما فيها من مسحة ليبرالية، ما كان من حق أفريقيا الشمالية أن تطالب به إذ لا يمكن لأية تجربة إدماج أن تغريها. وهكذا تنتظم الإمبراطورية، هي أيضا، في خط هذه السياسة السلبية التي يعسر فهمها والتي بدأت منذ 1830 إلى أيامنا هذه وكأنها تلتذّ بمجانبة كل واقعية وكل ثبات في الرأي وكل استقامة.

ولكن الأدهى كان زمن الجمهورية الثالثة... »

تناول سي عبد الرحمان عددا من جرعات الشاي وألقى بنظره في اتجاه بو إبلان وكأنه كان يريد أن يشهد أرواح الأطلس الحارسة ثم ساق خطابه:

"إننا زمن الجمهورية الثالثة سنتخبّط في غمرة المتهافت. إنه أسلوب الاستدراك. لقد هجرت الإمبراطورية في سبتمبر 1870، نهاية سيدان. وبعد ثمان وأربعين أعلن غامبيتا وأصدقاؤه الجمهورية وأمروا بشن حرب إبادة عملا باليعقوبية التي يعتبرون أنهم أخلص ورثتها. وبعد عدة أسابيع أقرّ غامبيتا، في ليون التي لجأت إليها الحكومة المؤقتة، مشروع قانون واحد من وزرائه هو اليهودي إسحق أدولف كريميو الذي يمنح الإسرائيليين الجزائريين، دفعة واحدة، حق المواطنة.

- لقد أكد دريمون، قاطعة سي تشفين الذي كان يستقريء بمثابرة نموذجية كل ما كان ينشر في فرنسا مما يستحق القراءة، أن الجمهورية إنما هي هبة من عند يَِهْوَه وأن في إمكان الشعب المختار، أيام الشدة، أن يعثر فيها على مَلجإ في كل مرة تظهر في الأفق العلامات المنذرة بطوفان صغير.

هزّت ضحكة المجلس.

" ـ وعلى أية حال، أجاب السلاوي، فإن أبناء يهوذا لن يعدموا وسيلة تضمن خلاصهم مثلما أثبتوا ذلك في سفينة نوح. إنهم ملاّحون جيّدون ولا أحد يستطيع أن ينفي عنهم الاتصاف بالمقدرة على الاحتماء في الوقت المناسب بجناح الربّان الأفضل."

إننا لم نصل بعد الى هذا، رد عليه سي الونوغي .والشجرة لا يجب أن تخفي»

عنا الغابة. وعلاجنا ليس في مضادّة للسامية قد تكون مثيرة للسخرية عندما تكون حرياتنا مشروطة بعوامل أخطر بكثير. إن المسالة اليهودية لم تطرح بعد في أفريقيا الشمالية. وإذا كان أتباع إسرائيل قد اختاروا طواعيّة أن يخرجوا عن المجموعة القومية التي رحّبت بهم وآوتهم طوال قرون فإن ذلك شأنهم الخاص. والأمر الوحيد الذي نبالي به هو أن لا يعترضوا سبيلنا إذ ليس علينا أن نتحمّل نتائج هذه الإيديولوجيات أو تلك الخصومات التي لا تهمنا مباشرة. إن مرسوم كريميو ألحق الضرر بالمغرب. وهذه مسألة مفروغ منها، ولكن الأمر كان قبل كل شيء مناورة و"حيلة "تهدف إلى إحداث لبس مناسب وظاهر فوضى يسمح لفرنسا بحرية التصرف كِلّيِةّ تبعا لذلك وفي الوقت المطلوب. وسنرى كيف بتتبع أعمال جمهورية 4 سبتمبر.

في الوقت الذي أدمجت فيه حكومة السيد غامبيتا بلا تمييز يهود الجزائر في»

المدينة الفرنسية اتّخذ بخصوص الجزائريين مجموعة من الإجراءات الاستثنائية التي لا تليق بالقرن الذي نعيش فيه. وقد تمثّل ذلك في قانون الأهالي الذي لا يذكر إلا مقرونا بالاستفظاع. هو تشريع عبودي وافقت عليه جمعية ثورية كانت تعقد مشارواتها تحت نظر التماثيل التي تشخّص فلاسفة القرن الثامن عشر الساخر وما تزال، في الآن نفسه، تظهر نفسها بمظهر ضحية ملك بروسيا...

يا لها من جمعية هزيلة! هتف السلاوي الغير قابل للتأديب. " –"

... لقد وقع استثناء المسلمين الجزائريين من نظام القانون العام وتسليمهم إلى»

هوى إدارة كانت تنوي، وقد تزوّدت في ما يخصهم، بقوانين تقديرية، أن تنصرف حسب هواها باسم وقاية السيادة الفرنسية التي وقع التفنن في إحاطتها بما لا يدري المرء أي مخاطر تتهدّدها. إبعاد واعتقال وحجز أموال ومصادرتها: إن هذا لهو الأساس المثلوث الذي قام عليه بناء الجور هذا. وهو الهبة التي منحتها الجمهورية الجزائر بمناسبة ولادتها السعيدة. أو بالأحرى وهبتها المغرب. ذلك أنه إذا كان في الجزائر رسميا يطابق تقريبا الصلاحيات التي مكنت منها الحكومة العامة في الإيالة القديمة، البلدَ الملحق فإنها طبّقت، فيما بعد، فعلا، في تونس ومراكش وهما بلدان خاضعان لنظام الحماية ويتمتّعان بشخصية قانونية تحددها اتفاقات دولية."

"وماذا فعل القوم بالقرارات المشيخيّة؟ سأل أحد الطلبة. "

لقد ثُبِّتت، واصل سي الونوغي. فالجمهورية لم تكن تؤرقها المبادئ ولا»

المنطق. وعلى هذا النحو أصبح الجزائريون الذين هم فرنسيون بموجب مراسيم 1863 و1865 الإمبراطورية خارجين عن القانون بموجب قانون الأهالي الذي صنَّفَهُمْ ، بحرمانهم من ممارسة أبسط حقوقهم، ضمن عبودية تشبه عبودية الموالي القدماء في الإمبراطورية الرومانية. ومنذ ذلك الوقت وهم يدفعون غاليا ثمن هذا الوضع.

فإذا تعلق الأمر بالمطالبة بالحريات السياسية يعارض الجزائريون في كل مرة»

بحالتهم القانونية. فإذا ما طالبوا بتطبيق القرارات المشيخيّة التي تُِقرّ لهم بالمساواة في الحقوق يقع التذرّع بالصعوبات الناتجة عن حالتهم الشخصية التي تستثنيهم من مجال القانون المدني وتحرمهم، نتيجة لذلك، من إمكانية الانضمام إلى جمعية تشريعية فرنسية إلا إذا حصلوا على تجنيس مسبق طبقا للأصول الواجبة. ومثل هذا الشرط يضيم انتسابهم إلى الإسلام إذ القرآن كتاب ديني وكتاب تشريع في الآن نفسه. وإذا ما طالبوا، رافضين التخلّي عن جنسيتهم، بإصلاحات ضمن إطار تقاليدهم الخاصة، يقع تَذْكِيرُهُمْ ودائما في الوقت المناسب، بأنهم فرنسيون وأن الإفصاح عن رغبات مماثلة إنما يدلّ على بادرة عمل مضاد لفرنسا يستهجنه الضمير ويعاقب عليه القانون ممّا يبرر عندئذ تطبيق قانون الأهالي آليا...

"-إبعاد واعتقال وحجز أموال ومصادرتها، أكمل السلاوي. إن هذا لهو التناقض يُنَزَّل منزلة القانون."

بالضبط، أكّد سي عبد الرحمان. وعندما اجتاحت فرنسا سنة 1881 وسنة»

1907 تونس ومراكش مستسلمة لجموح قدرها الأفريقي كانت مقطورات جيوش الغزو تحمل قانون الأهالي وعليه، اليوم، مثلما هو الشأن في الجزائر، تقوم الإدارتان التونسية والمراكشية. لقد كان الردّ على أمر كريميو وعلى الإعلان عن قانون الاستثناء هذا مباشرا. فلقد ثارت بلاد القبائل، معقل القومية الشمال أفريقية الموغل في القدم، من شرشل إلى أقبو تلبية لنداء الباشا آغا المقراني ورددت قمم جرجرة، من جديد، صيحة الحرب الشهيرة مثلما كان الأمر زمن فيرموس ويوغرطة وسال الدم ووجهت الفرق الفرنسية التي أفرج عنها بسمارك قبل قليل من المعتقلات الألمانية، فورا، إلى الجزائر حيث نجحت في تحقيق ثأر سهل عوضت به شُوَّيةً ما لحقها من هزائم مذلّة ألحقت بها في ميتز وفي سيدان.

لقد سقط المقراني في ميدان القتال مع عدد كبير من رفاقه في حين أبعد الشيخ»

الحدّاد ،وهو مقاتل شجاع يذكر بالملاحم المغربية القديمة، صحبة ابنيه الاثنين وعدد ضخم من الثوار إلى أقاصي الأرض حيث أتى عليهم النفي والمناخ.

لقد افتتحت الجمهورية الثالثة بمثل هذا الطالع السعيد حكمها العادل الديمقراطي.

ويبدو أن الأمر لم يتغير كثيرا من 1870 إلى أيامنا هذه. لقد خلفت أحزاب أحزابا وخلفت أغلبياتٌ أغلبياتٍ. وخلفت الديمقراطية الرجعية وحلت الراديكالية في محل الانتهازية والمثل الأعلى التقدّمي في محلّ المفهوم المحافظ ثم خاضت الاشتراكية، بدورها، المعركة بالركوح إلى أطروحاتها حول عولمة النظام الإنساني وتقدم 16 ماي على الكومونة حتى يفتح الطريق لقضية دريفوس وروايات زولا وانتهى الأمر بأن يحل كليمنصو في محل فيري:ولكن سياسة فرنسا الأفريقية، رغم كل هذا لم تتغيّر قيد أنملة، إذ يهيمن عليها مبدأ واحد هو استعمار البلد. ويدعم هذا المبدأ مدار واحد هو قانون الأهالي حتى أنه ليصبح الاعتقاد، مثلما كان بيكون يؤكد، أن قشة اللفظ دائما ليست شيئا مقارنة بحبة النبتة.

لقد أدرجت حركة الثأر والتوسع الاستعماري، فورا،في البرنامج الجمهوري.»

وكانت إحدى عينيه تستقرّ على خط الـفوج الأزرق في حين كانت الأخرى على بلاد مدار الاستواء. لقد كانت ذكرى ريشليو وديبليكس المزدوجة ترِفًّ من الآن فصاعدا، على مكاتب الكي دورساي التي تسرّب من خلالها، ومنذئذ، شخص تيوفيل ديلكاسي الشيطاني. وكانت فرنسا المستعجلة دائما بعد سبع سنين من معاهدة فرانكفورت، تهيج في مؤتمر برلين وتصب جام غضبها على أختها اللاتينية في ما يتعلق بتونس فقبلت اقتراحات بسمارك على الفور ولم يتردد دبلوماسيوها جهارًا في معارضة المستشار الحديدي الذي قابل هذه الحماسة بقدر من الدهشة لا يقلّ عن شعوره بالسلوان. لقد وقعت التضحية بتونس ففقد المغرب من جديد عضوا من أعضائه. وفي اللحظة الأخيرة، ومثلما يحدث في الفصل الأخير من دراما رديئة، كان مصطفى بن إسماعيل هو بطل المشهد. لقد وجد على الدوام طائر من طيور الشؤم التي تظهر في هذه الساعة المحدّدة في حياة شعب لتُسبّب خاتمة محتومة أو تُعجّل بها.

لقد استقطب جول فيري وغابرييل هانوتو وأوجين إيتيان كل الاهتمام وتوسع»

الاستعمار من دون عراقيل. وخَلْفَ قناع أدولف تيير كان روتشيلد هو الذي ينقذ فرنسا بنسبة ربا خليقة حقا بحسابات إسرائيل. كان البنك يموّل ويحرّك ويدير كل شيء. وكان مؤتمر برلين يواصل حلّ المسألة الشرقية التي ليس المغرب إلا جزءا منها بالطريقة التي أوصى بها مؤتمر فيينا. وأبدت أوروبا المتسابقة للصيد سُعَارًا دلّل على بداية عهد مرعب من التنافس الاستعماري يستظل بسلم مسلحة تستند إلى مجموعات من القوى المتنافسة على الهيمنة على العالم.

لقد فشل مسعى إيطاليا التي ما أن وحدتها مشاريع البعث(1)حتى بدأت تبدي »

رغبة متوقّدة في احتلال ضفاف أفريقيا الشمالية. وها أن الإيطاليين يشتكون من سوء حظّهم. فالإيالة الحسينية التي وعد كريسبي مواطنيه أن يقدمها لهم باعتبارها فاتحة الوحدة المكتسبة المحتومة احتلتها فرنسا التي تنوي أن تجعل من أفريقيا الشمالية مصادًا خاصا. فوداعا يا بحرنا!.(2)

إن سقوط فيري لم يغيّر نزعات هذه الإدارات وسيشاء الحظ، وهو في الغالب»

ساخر غاشم، أن يكون جورج كليمنصو بالذات، المقاوم للاستعمار والرجل الذي لم يكفّ عن التنديد بالحملة على جبال ِخِّميٍر سنة 1881 ومنطقة التونكين سنة 1885 هو الذي دفع سنة 1907، وكان إذاك رئيس المجلس، بفظاظة، إلى احتلال مراكش وإلى مصادرة أفريقيا الشمالية نهائيا، هذه المصادرة الني سبق أن طالب بما بريفوست -بارادول.

"وبهذه الطريقة سيولد القرن العشرون وقد تلبّدت آفاقه بالغيوم. كان الذهب يتدفق

وكان رخاء خدّاع ينوّم العقول في حين كانت دواوين القنصليات تردّد صدى

Risorgimento (1)

Mare Nostrum (2)

ندوات ليس من شانها أن تسكن كثيرا روح مولوخ. كان الإسلام يتعرّض للهجوم على كلّ الجبهات، في آسيا كما في أفريقيا. وكان عصر الاستكشافات الكبيرة قد أغلق. وكان ليفينسقون وستانلي يُكِْملاَن، على طريقتيهما، دورة الرحلات التي بدأها كولومب وماجيلان وألبوكيرك وكانت الإمبراطورية العثمانية تتقهقر خطوة خطوة عجزا منها عن التصدي لهجوم قارة أَعْمَاهَا جموح نفس أسلمت قيادها، حصرا، إلى المتع الحسّية.

"ولكن بلدا لم يكد يكون معروفا من الشرق الأقصى ومن ضفاف المحيط الكبير الغربية ارتمى، بتصميم في مصطرع الأمم. كان اليابان ينبثق من ضباب جزره الألفية مثل أدامستور لشعوب الشرق ويقبل، فورا، تحدي الجنس الأبيض...

جنس مختار أيضا؟ سأل السلاوي. -"

نعم، مختار ومكلّل، أجاب، بهدوء، سي الونوغي. لقد سقط الجبّار الروسي،»

في هوكدن وتسوشيما، في البر والبحر، وقد أصابته إصابة قاتلة ضربات نوجي وتوقو محدثا دويًّا تدركه الآذان المدربة بمثل ما تدرك نذر عصر جديد. كان الشرق يردّ على الغرب مثلما كان الشأن زمن كان وماراتون وزمن الشانكاتالوني وبواتيي وزمن المنصور والسّيدْ وزمن قُودْفْروا وصلاح الدين وزمن جنغير وزمن شارلكان وسليمان ومثلما كان الشأن منذ العصر الإمبريالي الذي تولّد من التحولات الاقتصادية الكبرى ومن تطوّر الرأسمالية الحديثة المِجَسِّي.

لقد فقدت مراكش، وقد جرفتها الدوامة، استقلالها، هي بدورها، وآل أمرها إلى»

عبودية لا مفرّ منها. هذا الاستقلال ما كان لمراكش من فقده بدّ. وفعلا فلقد ولّى الزمن الذي كان فيه ركاب سفينة انقضّت عليها العاصفة يكتفون، وهم يقاومون عناصر الطبيعة الثائرة، بضرب من الاستجارة بالقوى الفوطبيعية في انتظار أن يشهدوا الموج الهائج يغرقهم. إنه لا بد، أكيدا، من حلّ آخر. لقد سبق لسي تاشفين، وأنتم تتذكّرون ذلك، أن حدثكم عن الجهود غير المثمرة التي بذلها مولاي الحسن لاستدراك حالة دولته التي كانت تتقاذفها تيارات لم يكن يَتَبََّين بالقدر المطلوب مصدرها. ولقد فات الأوان. ومثلما انتهى إليه صديقنا، كان يجب الابتداء من البداية. إن على الأمة التي تصرّ على البقاء في هذه الأرض أن تحسّ بالسبب الذي يلزمها بركوب مجرى القرن الجارف أي أن تكون لها مدارسها ومخابرها ومصانعها وورشاتها ومصارفها وبنوكها قبل أن تفكر في شيء آخر. إنه يمكن لبرايار أن ينهق وأن يطيل النهيق. فما يحكمنا إنّما هو سيف لاروقان زمن جمهورية إذا كان طالع ولادتها رمزا يمثل ميزان تيميس فإنها تحقّق عندنا أمرا مستحيلا بقرن أمر كريميو بقانون الأهالي. إننا إن لم نردّ الفعل، قبل فوات الأوان، مثلما فعلت كل الشعوب التي نهجت قبلنا هذا النهج فسيتواصل عيشنا ما من شك في ذلك، في هذا الجو الذي اختلط فيه الجور بالعجز.

*

* *

تواصل هذا الضرب من المحاضرات والمناقشات. وكان إدريس يستفيد منها قدر المستطاع. كان يلتقط ما ينثر اتفاقا، وكان ذلك شأن رفاقه أيضا. وفي أثناء ذلك أصبحت مراكش مسرح أحداث جسيمة.

لقد ثار الجبليون في الشمال، في الريف والجبل، وكانوا في حالة حرب مستمرة منذ 1909، ثورة رجل واحد استجابة لنداء قائد حرب جديد تصدّيا منهم لإسبانيا الملكية الكاثوليكية التي لم تتحرّج، مثلما سنرى عما قريب، من الاتفاق مع فرنسا الجمهورية اللائيكية لإتمام تقطيع أوصال مراكش بالرغم من الاتفاقيات الدولية

التي تنظّم وتحدّد التدخل الأجنبي. إن الإمبريالية وسواء أكانت ملكية أم جمهورية أم اشتراكية أم شيوعية لا تستلهم العقائد. والظاهر المبدئي لا يبرّره غير الحرص على تغطية الفعل الافتراسي مثلما تغطي الفخَّ المأسلةُ. فسياسة الإمبريالية القائمة على تركيبات مؤقتة ومصالح دائمة تبقى واحدة ثابتة. وبناء عليه فإنه لا كانط ولا روسو ولا ماركس كان بوسعهم أن يدحضوا هذه الأطروحة التي دافع عنها أرسطو وعرفها تهكّم هوبز أحسن تعريف في عبارته الإنسان للإنسان ذئب. إن العالم الاجتماعي لم يكن البتة، على الرغم من قوانينه الإنسانية، غير غاب شاسع لا حياة فيه إلا لسلطة النّاب وقوة المخلب.

لقد تواصلت الحرب وتطوّرت في كل مكان تقريبا منذ معارك الشاوية وبني سناسن. وكانت قبائل تحارب بأسلحة غير متكافئة. وكان قادة، يبرزون، ارتجالا، في هذا المكان أو ذاك ويوقفون، لفترة من الزمن، تقدم الغزاة ثم يختفون سريعا، بعد أن يكونوا قد أَدْلَوْا بِدَلِْوِهمْ في المعركة، من المسرح الدامي، وهلم جرا. ولكن الانتفاضة ،هذه المرة ، بدت حركة منظمة. كانت تشعر بتأثير لا رئيس أو أمغار عابر وإنما برجل يعرف حق المعرفة ماذا يريد. ذلك أنه ولد في منحدرات الأرض المغربية العتيقة يوغرطة جديد. وستعيش أفريقيا الشمالية من 1921 إلى 1926 ساعات مُلِْهبة.

"لقد آذنت أباران وأنوال(2) وموني-أرويط وإبادة الجيش الإسباني في أفريقيا في ظرف أسبوع بدء عصر جديد. وفعلا فإنه لم يتبقّ غير اللجوء إلى السلاح وسيلة لكبح جماح الاستعمار. لقد تحققت هذه الغاية، بهذه الطريقة ،في كوبا وفي

Homo homini lupus (1)

(2) أنوال، هزم محمد بن عبد الكريم الخطابي في أنوال سنة 1921 القوات الإسبانية هزيمة نكراء ، وفي هذه المعركة أفل نجم قادة كبار وبدأ نجم عدد من العسكريين في البزوغ ومنهم فرانسيسكو فرانكو

ولهذا السبب أهدى الحمامي الخطابي روايته.

الفيلبيين بعد قرون من الجور انتهى الأمر بإسبانيا، بسبب رفضها التفاهم، في

الوقت المناسب، مع الشعوب التي تعيش في أقاصي الأرض بعيدا عنها، إلى أن

تفقد ما تبقى في حوزتها من الإمبراطورية الشاسعة التي اقتطعتها في القرن السادس عشر. الكل أو لا شيء: هل هذا هو المعيار ومبدأ التمييز الحَِريّ بأن يحلّ المشاكل التي تطرحها غزوات الإمبريالية الحديثة؟ إن زمن المغامرين الإسبانيين الذين غزوا أمريكا والقراصنة قد ولّى نهائيا. وإذا ما فكّر العالم الذي يرتج نتيجة هزات بلاياه الاجتماعية المفزغة وحروبه المزمنة في تحسين ظروف عيشه وعلاقاته المتبادلة تحسينا حقيقيا وطمح وتطلع وتوسل إلى ذلك فإنه لا مناص من نبذ الطرق الخاطئة وما يقوم عليه، جوهريا، عدد من الأفكار المسبقة نبذا نهائيا. لقد نال الجنرال فيرنانديز سلفاستر رتبته العسكرية زمن الجنرال فيلر، جزار كوبا. وكان يأمل في نهج الأسلوب نَفْسَه في مراكش بما يقوم عليه من ممارسات فظّة خرقاء وفي أن يحذو، في حربه على الريفيين، حذو قائده عندما حارب ثوار الأنتيل. فما كان لهذا البيليسيي الإسباني وقد زرع الريح إلا أن يحصد العاصفة. لقد هلك في أنوال هو وجيشه مثلما أباد شيروسكيو أرمنديوس [الجنرال الروماني] فاروسَ.إن أخطاء مثل هذه تقتضي، على الدوام، ثمنا بالقدر المطلوب وفي الساعة المقررة. لقد كانت كارثة أنوال إنذارا لمن كان في جانبي خط ورغة. هذا الإنذار لم يفهم على أنه استرعاء لتقييم أفضل للأوضاع ولكن باعتباره تحدّيا يستخف بالمحتل. وبدلا من أن يقيّم انطلاقا من واقع الأمور اعتقد القوم أن من الأفضل أن يقفوا منه موقف الإسكندر إزاء الأُرْبَة. ولكن الأمور لم تسر على هذا النسق. فالقضية بقيت، بعد كبح الانتفاضة، على حالها، بل ازدادت تعقيدا واستعصاء. ذلك أنه يمكن للمرء بسهولة أن يغرز حربة في مكان ما ولكن المؤكد هو أنه سيظل من الصعب عليه أن يجلس عليها. هكذا كان إدريس يفكّر وهو يرى فيالق ابن عبد الكريم تطير من انتصار إلى انتصار في بداية الانتفاضة.

حل في سنة 1924 دور الجبل. ولقد شهد خريف هذه السنة جيشا إسبانيا ثانيا، ذاك الذي قاده الدكتاتور الجنرال بريمو دي ريفيرا شخصيّا ينهزم شرّ هزيمة ويتراجع عن خط تيزران في فوضى عامة. لقد استأنف الجبل القتال واضطلعت حركة تيزران، حسب الأخبار التي بلغت فاس، بدور متميز بوجه خاص، في ملاحقة الإسبانيين عبر مضائق بني عروس. ومنذ ذلك الوقت كان طلبة الجبل يتهيؤون للالتحاق بجبهة القتال. إنهم يغادرون مدينة الملذات والدروس وفتنة المعرفة والنقاش الثقافي للالتحاق بأرض الأجداد التي تطلب من جديد، وقد اغتصبها الأجنبي، دم أبنائها. إن هذا لهو قانون الإنسانية القديم الذي فيه يبين ويتوجب معيار غريزة البقاء الأكثر رسوخا. لقد بدلوا الجلابة البيضاء بالجلابة السوداء والشكارة ذات الجلد الفيلالي المزخرفة بشخوص مذهبة محلاة بزخارف حريرية بالزعبولة المُحْمَرّة المؤاتية لشوك الدروب الضيقة والأكلة المغذية، على الرغم من أنها نادرا ما تكون وفيرة، بالبيسار الحاِمز الحارف مثل سيقان الصَّبْر وأوراق البلوط الصر ودي.

كان إدريس يتهيأ هو أيضا لمغادرة فاس صحبة عدد من رفاقه عندما استدعاه مولاي عبد الجبار الذي بلغه خبر المشروع، إلى منزهه. وقد اجتهد، بعد أن أثنى على المشاعر التي تدفعه إلى الوقوف هذا الموقف من بلده، في أن يصرفه عن مغادرة القرويين قبل أن ينهي تعليمه. ومن ناحية أخرى فلقد كان يعمل بأوامر قاطعة من أبيه إذ لا يجب على إدريس أن يغادر بأي حال فاس من دون إذن أبوي. احتار الطالب الشاب. وإذ أبدئ ارتباكا وغمغم حججا هيهات أن تأتي على تجربة الشيخ الفاسي، طلب منه مولاي عبد الجبار البقاء إلى أن يبلغه رقّاص(1)

حامل الرسالة وقد وردت بالعربيّة (1)

بقرار الحاج علاّل. لقد كان لهذا الاقتراح الأثر المراد فلقد وافق إدريس الذي ينحدر من جنس لا تناقش عنده البتة سلطة الأب، على إرجاء سفره فغادر المنزه إلى القرويين وقد هاج نفسه غيظ صامت. وهناك لم يعثر على أحد إذ كانت رسالة صغيرة تركت تحت ِمخَدّة سريره تعلمه بالذهاب، فورا، إلى طرف المدينة، قريبا من برج الشمال، في أرباض كبيبة بني مرين حيث يعقد الطلبة المتأهبون للالتحاق بجبهة الشمال اجتماعا يضعون فيه تصميم الطريق.التحق بالمكان فوجد حوالي ثلاثين طالبا . وقد انضم عدة من الغياطة والبرانس وسوسي وفاسيان كانوا يحملون، بفخار، ألقابا أندلسية إلى الحملة المكوّنة، خصوصا، من الريفيين والجبليين.

*

* *

أبلغ إدريس، منذ وصوله أنه وقع اعتقال سي الونوغي والسلاوي وأنهما أودعا سجن باشا المدينة. فمصلحة الاستعلامات كانت، فيما يبدو، تستشعر مظاهرة تُنَظِّمُها الشّبيبة انتصارا للثائرين وبلغتها أخبار تفيد أن المؤمنين كانوا يقرؤون في المساجد بعد الصلاة صلوات ويتضرعون إلى الله أن ينصر الأمغار على الإسبانيين. لقد كانت تَشْتَبِه بوجود منظمة سرية وبيد مديرة وبشيء شبيه بحركة سرية تهدف، على غرار ما كانت عليه جامعة الشباب الألمانية (1)

وإيطاليا الجديدة (2) بقيادة جوزيف ماتسيني، إلى تحريك طاقات الشعب المبعثرة بتوجيهها نحو فكرة التحرير.

كان سي تاشفين الذي أصابته نزلة حادة يخضع في بيته لمراقبة محكمة وكان ِجلْوازان يتناوبان في كل أربع ساعات في حراسته. ولكنه نجح، رغما عن كل شيء، في أن يوصل إليهم دجاجة خَرْبَشَ عليها بقلم رصاص كتابة سريعة

Ligue de jeunesse Allemande-Jugenbund(1)

Italia Nuova (2)

تتضمن توديعه وتعاطفه "هلموا، كان يقول لهم فيها، إن مكانكم هناك ما دام القوم يدّعون تحضيرنا بالمدافع وجذاذات المعلومات السرية". أبلغ إدريس، وهو واجم ،أصدقاءه بالأسباب التي تمنعه وقتيا من التطوّع وبالهمّ الأخلاقي الذي يحول دون التحاقه بحملة تكوّنت من أجل الدفاع عن حدود الوطن الصغير الذي ولد فيه وكبر ولكنه لن يتردّد، إذ الأمر لا يعدو أن يكون تأجيلا مشروطا بوصول موافقة أبيه، في الالتحاق بهم في أول فرصة تتاح له فأقروا تصرّفه لاسيما أنهم كانوا ينوون تكوين حملة ثانية يقودها سي تاشفين. فهم رسموا خطة لهروبه بالاتفاق مع عدد من الخدم. إن الأمر، إذن، لم يكن إلا تأجيلا. وقد افترقوا بعد أن ضربوا لهم ملتقى في بيت في باب السقمة. كان عليهم بحلول المساء أن يغادروا المدينة في مجموعات صغيرة تتكوّن من ثلاثة أفراد إلى أربعة إذ عليهم أن يقوموا برحلتهم منفصلين سالكين أسبلة ثلاثا مختلفة حتى مزار سيدي علي بن داود، قرب عيون الورغة إذ أن على الحملة هناك إما أن رأربأ

تنتظر، بعد أن يكون قد أعيد تشكيلها، وصول الحملة الثانية أو تقرر الصعود إلى تيزران ثم افترقوا. واستأذن إدريس، وهو واجم، أصدقاءه في الانصراف وخلا بنفسه. كان يتابع بنظر حائر وهو جالس على مرتفع أرض متموّج تغطيه النباتات وتنتثر فيه زهور ذات بتلات صلّبها هبوب ريح الشمال، الجماعة الصغيرة التي تعود، بالتتابع، إلى المدينة التي بدا جسدها يغرق في أبخرة الشفق. كانوا يمشون بخطوات موزونة حثيثة مرفوعي الرؤوس تشعر حركة أوراكهم السريعة، من بعيد، بالقوة والشباب. لا أحد منهم التفت بوجهه إلى الوراء. كانوا يعدون أكثر مما يمشون وكان في إمكانهم أن يجروا أو يركضوا نحو هذه القمم البعيدة التي كانت تبرز بوضوح على خط النتوءات التي ترتج شمال الأطلس. إن المغرب الفتى يجاوب أفريقيا العجوز. وعندما اختفت آخر جلابة قصيرة ذات خيوط حائلة اللون أجال إدريس، وقد أذهله المشهد الذي رأى، طرفه حول المكان. كان الوقت بليلا وكان العشب يتضوّع بفَوحَان صرُوديّ يذكره بتيزران آبائه. وكانت فاس تنبسط تحت قدميه بيضاء وخضراء تحت سماء أغرقتها الزرقة. وكانت المآذن الناصعة البياض المنبثقة من كتلة السطوح لا تكاد تكسر خط دائرة مدينة يكمن جمالها، بالذات، في اضطراب هندستها. ومن كل جهة كان الأطلس يَشِعّ. الأطلس الذي يَغْمُد المغرب في سفينة تملك البحرين، بحر المياه وبحر الرمال مثلما كان قضاة قرطاج يحبون أن يقارنوا سلسلة الجبال الأفريقية بأمواج المتوسط الغالية. كان البوإبلان يهيمن في الجنوب الشرقي وكانت قمته البركانية الواسعة البعيدة تعكس الثلوج الدائمة حيث ترصع غابة أرز صغيرة تُحَسٍّ أكثر مما ترى إذ لا تكاد العين تتبينها، تَلّتَهُ مثل عُرْفٍ وحشٍ خرافي.

ولقد استرعت مياه النهر الموحلة الجارية تحت عقد الجسر العلوي القديم بدورها انتباه إدريس. فمن السْبُوْ إلى بوعنان، هذا هو قلب الأرض الأم الخافق الذي أحس إدريس، وهو مستلق على العشب، حزينًا متأملا، نبضَه الشديد المنتظم. ولقد هاج فكره تأبُّهٌ جغرافي. العياشي والبوعنان وجرجرة والأوراس وتيزران. والتقط بصره التائه عبر الفضاء، بعيدا، طيران زوج من العقبان يحلق فوق قمم الجبل فتذكر بلده وحيواناته المجنحة ومعركة الفندق وموت الفاريز وخُيّل إليه أنه يرى سي عبد السلام ُمقْبِِلاً عليه وقد تقلّد بندقيته ثم ظهر له وجه أبيه جادّا حليما مثل ظل عابر فتبلّلت عيناه. لقد كان أبوه، دائما، بالنسبة إليه مرشدا صادقا آمنا. وهو بمزاجه الذي يقوم على الرجولة والثبات إنما يلامس معدن العرق. وبقدر ما كان إدريس يكبر بين كتبه وأصدقائه وبقدر ما كان التعليم الذي يستقيه من حوله ينمّي ملكاته الطبيعية، كان الحب الذي يكنّه لأبيه يزداد بالمقدار نفسه. وفي المحنة التي كان البلد يعيش بدا له أن قدوة مثل هذه قامت على البساطة وإنكار الذات هي ضمانة الخلاص الممكن الوحيدة. وتزاحمت دقّات قلبه لفكرة أن الحاج علاّل الذي بدّل، مرة أخرى، المحراث بالبندقية، كان يتعرض لمخاطر جسيمة في ميدان القتال. لقد كان يعرف بسالته. وعلى الرغم من أنه أقرّ بالأسباب التي كانت تدفع بأبيه إلى اتخاذ قرار مثل هذا فإن مشاعره لم تتمكّن من الصمود لتيار من الحنان اجتاحه في هذه اللحظة. فكّر في الأسمر وفي ممتلئ الخدين الذي مات منذ سنين كثيرة وفي رفاقه في المْسِِيد الذين انضمّوا جميعا ،تشبثا منهم بقوانين القبيلة، إلى راية الجهاد وفي العجوز سي بن عمّار الذي استأنف قيادة حركة تيزران والذي كان يتأهب، بعد أن رتّب في خزانة مخطوطاته في تفسير القرآن ذات الصفحات المزدوجة المتآكلة، للزحف على العدو معتمدا على عصاه القديمة...فكّر أيضا في تطوان وفي الأب توركواتو، هذا الكاهن الحكيم. ثم إن تفكيره انتهى، بعد أن بلغ نهاية طوافه المتوحد، إلى أن يستقر فوق قراميد القرويين. وهناك، وفي كنف معبد المعرفة القديم هذا، انفتح جدل ضميري. ما الذي كان يجب عمله؟ صراع مسلح أم صراع بالتربية؟ لقد كان هذا هو المبحث الجديد. لقد كان منذ أن عاشر سي تاشفين وسي عبد الرحمان ومنذ أن أصبح يتصدى، في جلساتهما العلمية، لمسائل كثيرة لم تكن سابقا لتخطر له على بال، ينظر إلى مستقبل بلاده نظرة مختلفة. لقد أصبح الآن يعرف التاريخ بما فيه الكفاية. تاريخ المغرب خاصة.ولقد أبانت له معرفة الفرنسية، رغما عن المطفأة التي رفعها البراياريون والكوينلارتيون، عن آفاق كان حب اطلاعه المتوثّب الذي لا يرتوي البتة يتفحصها ويحاول أن ينفذ إلى حقيقتها من دون انقطاع. كان يهتم بالحياة الاجتماعية وبمسائل الاقتصاد المعاصر وبأسباب وأهداف الامبريالية التي لم ينقطع عن ملاحظة نتائجها المؤسفة. هذه الحضارة القائمة على الربح التي لا يقع الاقتصاد في امتداح حسناتها في الوقت الذي يُجْتَهَدُ في قصر التمتع بها على أوروبا وحدها وهذه الثقافة ذات الواجهة اللامعة والطعم المسكر إسكار شراب الأبسينت الذي يقدم في مقاهي السلام وفي الخمارات المريبة في الضاحية الباريسية والمقاطعات وهذا المشهد المثير، مشهد الآلية والأرقام والرموز حيث يردّ كل شيء إلى قاسم مشترك واقع تحت تأثير طالع العجل الذهبي: إن كل هذه العظمة وهذه الثروات التي كانت تعرض للإبهار أو للتخويف لم تكن لتعني بالنسبة إليه شيئا. إن البناء يبدو خاليا من العيوب . وهو لا يخلو في الحقيقة من إغواء. ولكن أسسه كانت نخرة.ومن كان يشك في ذلك فما عليه إلا أن يعاين، عن كثب، التناقضات التي تأكل قواه.

كان سي الونوغي الذي يمتلك ثقافة أدبية يقارن الاستعمار بـكوتوبلباس الحكاية الذي كان، لعجزه عن الحياة حياة طبيعية ،يتغذى من مادته ذاتها معرضا نفسه للخطر. إن حركة التقدم البناء تصبح، على هذا النحو مهددة بالشلل والاختراعات ومنجزات العلم والآثار الفنية والازدهار الأدبي، كل هذا لا ينسجم لا مع قوانين الانتاج ولا مع قواعد العلاقات الأكثر دقة في المجتمع الإنساني. إن النظام الإنساني إن لم يكن في مجموع التحولات العلمية مثل اكتشاف البخار والكهرباء واستغلال مبادئ الضوء والسرعة معِرّضًا في بداية انطلاقه لما يعرقل سيره فهو يجد نفسه، في المقابل، يردّ إلى أوضاع استعباد بالية خطرة. لقد كان باستور وإديسون وغراهام بيل ومركوني يبنون مخابرهم في بيئة مازلت تحكمها قوانين الغاب. كان سقف واحد يؤوي أخلاقا متباينة ومتناقضة دائما. على هذا النحو كان القوم في فرنسا يكرّمون زولا في حين كانوا، في أفريقيا، يضطهدون أقرانه. في فرنسا كان العقد الاجتماعي هو الذي يلهم أشغال برلمان حر سيد يتمتع بكل حقوقه في حين يعيث فسادا، في أفريقيا، قانون الأهالي المستنسخ من قوانين العبودية التي ميزت سابقا السلم الرومانية. في فرنسا ترفع الحرية مشاعلها في زوايا كل مَفَاِرق الطرق وفي أفريقيا يسود قانون الفتح بكل ما يتضمّن من صرامة محاكمه القمعية وقرارات ولاته الإرهابية. فما العمل؟ النضال؟ لقد ناضل المغرب بشجاعة من سنة 1830 إلى 1925. وهو لم يكف على امتداد قرن طويل، عن مواصلة المباراة غير المتكافئة التي لم يتردّد فيها المصارع المتسلح بعصا عن مواجهة فارسين قويين مدرّعين بالحديد ومجهّزين بالرماح والدروع. وهكذا شغل الحلبة إلى الساعة التي أصابته فيها الضربة القاضية التي لا مفر منها. على أن مباريات مثل هذه لا تصلح ،على الأكثر، إلا للحفاظ، على الأقل، على الشرف. إن الشعب، وقد اجتيح وأخضع ،يتعرض لخطر قاتل إن أعوزته التربية. ويمكن لاستعباده أن يدوم طويلا إن بقي في الجهل. فعليه، إذن، أن يرد الفعل. إنه لو كانت رغبة التفهم والوفاق من بين ما حمل الفرنسيون من أمتعة لكان سبق للسيف منذ زمن طويل أن يصدأ في غمده. ولكن دور العقل امّحى ذاتيا لأن غريزة السيطرة كانت هي التي توجه مشاريعه فاتحد الهوى بالغلظة ليلدا ضربا من البلبلة التي تُلبِّسُ تنظيما ظرفيا. وهكذا فإن المهزوم يدفع بمقتضى هذه الضرورة التي تدفعه دفعا لا يقاوم إلى أن يرد الفعل على الجور وإلى أن يأخذ عاجلا أو آجلا بالثأر؟ بأية وسائل؟ بالكفاح المسلح أو بتربية الشعب؟ بالمنصور أو بابن خلدون؟ لقد كان هذا هو موضوع محاضرة ألقاها سي الونوغي، ذات يوم، أمام الحفل نفسه ودافع فيها كل من سي تاشفين وسي عبد الرحمان عن وجهتي نظر مختلفتين. ولكن الجميع، بما فيهم سي تاشفين الذي عرف بأنه من القائلين بالوسائل العجولة، أخذوا مع ذلك، بفكرة سبق المدرسة والتقدم الاجتماعي. ولكن السياسة التي جسّدها لاروقان كانت تعترض على نشر هذا المَنّ الفكري الذي هو الشرط الأول الذي يتوقف عليه تحسين العلاقات الاجتماعية. فالتعليم الذي هو مجاني وإجباريّ في فرنسا ممنوع في أفريقيا. وهو يماثل بجريمة قدح في الذات الجمهورية. لقد وجد، بالتأكيد، عدد من المدارس الابتدائية الخاصة بالمغاربة تدرس فيها العربية بمقدار لا يسمن ولا يغني من جوع ووجد عدد من المعاهد ومدرسة ترشيح أو مدرستان كانتا توصفان بالأهليتين توصيفا للبرامج التي تطبّق فيهما وكان في إمكان قلة من المصْطَفين الذين يعدّون على الأصابع أن يلتحقوا بالجامعات وأن ينهوا دراساتهم. ولكن هذا لا يعدو أن يكون ذرّ رماد في العيون. وهو مسرحية أخرجت لتمثيل أدوار محزنة مضحكة بدليل أن الجزائر، من سوق أهراس إلى تلمسان، لم تكن تعد في هذا اليوم يوم 14 جوان 1930 الذي كانت فيه فرنسا تحتفل، في جو من الفرحة المشهدية، بمأوية احتلالها أكثر من حوالي أربعين محاميا وطبيبا مسلما ولا يوجد فيها مهندس واحد.

وحتى الخمسة أو الستة ضباط الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية عليهم، وجوبا، أن ينهوا مهنتهم من دون تجاوز الشريط الرابع. كذلك هو شأن عدد قليل من الصحفيين الذين أنجبتهم كتاباتهم والذين جُمِع بين جذاذاتهم الاستعلامية وجذاذات أمثال تروبمان ولاندرو في كل فرنسا على سبيل الاحتياط طبعا. إنه لا يوجد قضاة ولا مقاولون ولا عمال متخصصون ولا كاتب جدير بهذا الاسم. وعلى العكس من ذلك توجد جحافل متكاثرة من مسّاحي الِجزَم وحشود من العمال الفلاحين الذين يجزون جزاء الخماسة وعمال مناجم

وعمال أحواض سفن يؤجرهم صناعيون في غاية الثراء بأجور بائسة برضاء من قادة النقابات الذين يقضون، في باريس، وقتهم في ترسيخ أوضاعهم باعتبارهم ناخبين كبارا وفي التبختر وراء العلم الأحمر في يوم عدد من الأعياد وعند حلول المساء، وبعد أن يلبسوا مباذلهم وأخفافهم، في قراءة كروبوتكين وجورج سوريل وجول فالليس أو ... السيدة ذات الكاميليات. إننا هنا بإزاء نتيجة قرن من الهيمنة حاسمة لا أحد من المحتفلين بالفتح اعتقد، بصدق، أن عليه أن يسجلها في خصوم الحساب الجهنمي. ولكنه لا بد، مع ذلك، من الفعل. فالكمامة وإن تمكنت من إعاقة التنفس، لا تقتل. ولابد أن تنتهي كثرة الصرخات بتحرير الصوت. إن الأنبياء وسقراط وإخوان الصفاء في الفترة العباسية وهوس وإتيان دولي والموسوعيين ودوستويفسكي وتولستوى وجمال الدين يعلموننا، عبر المثال الذي ضربوه بحيواتهم وبأعمالهم، أن للكلمة وللقلم من الحقوق ما لا يمكن للزنزانة ولا للنفي ولا للهراوة ولا حتى للمشنقة أن تضيع أو تمنع. ولهذا السبب كانت نشاطات الجماعة تميل غالبا إلى تفضيل كتب ابن خلدون على يطقان المنصور من دون أن يؤثر ذلك سلبا في مواقفها. ولقد سبق أن رأينا ذلك من خلال دجاجة سي تاشفين.

كانت تنبثق من جهات فاس الثلاث منازه وفيلات.وكان كثير من هذه الفيلات قد بني حديثا. كان عدد منها قد هيئ بناء على معطيات الفن المغربي. كان يملكها معمرون جعل منه اغتصاب الأرض الذي لا ينقطع والمضاربة الاحتيالية شخصيات ثرية. وكانت الحدائق والبساتين والمغارس المتنوعة تظهرها ،في اعتدال السماء الأفريقية، بمظهر بيوت فاخرة حسن اختيارها للراحة والبهجة. كان يلذ للاروقان أن يقارن، في هذيانه المثير، المغرب بشكل من أشكال كاليفورنيا أو ببعض بلاد الهند يحافظ عليه مدخرا لفرنسا تتوسع فيه مستقبلا، ويكون المغربي، شأنه في ذلك شأن السيو في المروج الأمريكية أو متشرد راجبوتانا، هو الذي يدفع الثمن إجباريا. لقد كان إدريس وهو يطوف بنظره في منازل النابابات الجدد هذه يعي جيدا معنى مجاز مثل هذا. على أن المعمرين الذين يسكنون أفريقيا الشمالية لا يعدلون تماما معمر الغرب الأمريكي. فهؤلاء ينحدرون من أرومة ملتبسة في الغالب: من الأرستقراطي الغارق في الديون والرذائل الذي يقبل على الاستعمار باعتباره السبيل الوحيدة الباقية إلى سجين الأشغال الشاقة المسرّح الذي لم يرصن بما فيه الكفاية، ومن المرابي التي يضارب على الأراضي إلى الفيلقي الذي يرمي بمتاعه بعد عشرة أعوام أو خمسة عشر عاما من الخدمة في الجيش، ومن المزارع الذي تمكن من اقتطاع اقطاعة في البلد لارتباطه بعقد بهذه الشخصية السياسية المتنفذة إلى تاجر بلنسية الغشاش، يحوز، بعد أن يتمكن من أن يوفر بطرق ملتوية أو بسعر متهاود قطعة أرض ضاحوية ويكب على الزراعة الكثيفة، ومن فرنسي فرنسا إلى فرنسي الورقة المدموغة الذي ينهب المال من دون حساب وهو يبصق في وجه الجمهورية كما لو كان يحتج على سيدته العذراء: هذه هي مادة، أو بالأحرى خلاصة ،هذا الاستيطان الذي عاد بعد ثلاثة عشر قرنا من سبيطلة إلى مكان كانت تشغله بطرقة إغريقية رومانية وكان على الإسلام أن يكنسها من دون شفقة من بيزاسين إلى بيتيكا.

كانت ثلاث ليموزينات شبيهة بهذه التي تستعملها البلاطات أثناء حفلات الاستقبال الكبيرة تجري عبر الطريق. وكان سواق مراكشيون يرتدون بزات زرقاء ذات أكمام بيضاء وتغطي رؤوسهم شاشيات كما لو كانت لإثبات الجنس الذي ينتمون إليه، يسوقونها بسرعة مدوخة. لقد كانت هذه البزة خلعة. وكانت تنبعث من هذه السيارات الفخمة أغان، أو بكلمة أدق، زعيق مما يثبت، كذلك، نوع الشخصيات التي بين أيدينا.

ميز إدريس منهم عددا من الوجوه. كان شاغلو السيارات من كبار المعمرين في المنطقة وكانوا عائدين من بعض الأعراس. كانت القبعات تنطبق على الرؤوس على عادة المسنين المتأنقين المماشين لذوق 1900 والسجائر الهافانية تنغرس في المناقير والأعناق تتدثر بمناديل من الحرير سكرية اللون تبرز من ياقات معاطف جيدة

الانقدار. كان واحد منهم، وهو رجل قوي شديد البدانة، شبب شدقيه استعمال الموسى والمراهم معا، هو البارون هوغ دي قرولو دي بونتير. لقد جاء من بعيد. وكان يمكن لماضيه المهني أن يصلح مادة خصبة لرواية بلزاكية. لقد كان أمين صندوق عام قديما انتهت محاكم الجمهورية، على الرغم من حلمها المعروف إزاء أمثاله من أبطال أبناء المحاكم، إلى إفحامه بالاختيانات المتكررة التي أضرت بخزينة الدولة وحكمت عليه بقصاص شائن. على أن هذا لم يكن يمثل في نظر البارون النبيل سببا كافيا لمقاطعة نظام قائم على أمر واقع وهو أن الإثراء يرد إلى صاحبه الاعتبار ويكرس كل شيء. لقد قلد السيد دي بونتير سابقا، روشيت. ولكنه مثل روشيت، غادر فرنسا سرا، بعد أن أسس شركات يغذيها رأس مال وهمي وضخ قليلا الادخار الذي لا ينضب وصفى حساباته الختامية بديون تفالسية وقضى في السجن زمنا ليجنح في مراكش حيث انتهى، ذات يوم، بفضل علاقات متينة، إلى نيل مودة لاروقان الذي أذهله بمعارفه المالية وخططه المغامرة. لقد كان بحديثه الجذاب قبالة الخالق وبتعليمه وبثقافته وبتضلعه في علم الأرقام وبتفوقه البالغ في تعاطي أعمال كثيرة وفي امتلاكه جسارة في كل شيء نوعا من روكفيلير صغير ممزوج بصنف من أصناف ال كابوني. كان فردا من عصابة، جذابا وخطيرا معا. لقد كان يتقن فن اعراق الجلابة وهو ينشد أوفيد ويعرك أذن الاشتراكية. كان البارون دي بونتير عينة لا مثيل لها من فرنسا الأفريقية التي حلم بها بريفوست برادول ومثلها في أفريقيا الشمالية أمثال فيلار وبرطانيا وكارنيير. لقد كانت له علاقاته في فاس والرباط. ولقد نال قبل قليل، رغم تحفظات معينة من وزارة العدل، وسام جوقة الشرف الذي يشتد الطلب عليه. فلاروقان طلب من فوق نجمه السبع لمساعدته على اعتراض الكي دورسيه ووزارة الفلاحة (إذ أن أمين الخزانة القديم المحكوم عليه أسندت إليه درجة فارس في مراتب الأوسمة بعنوان هذه الوزارة) اللذين طمحا الى إبداء بعض الشكوك حول ماضي البارون، لالي – توليندال وهاستينغس وآخرين من بناة الإمبراطورية الذين لا تتحرج ضمائرهم بالذات من كل هذه الدناءة.

هكذا أصبح دي بونتير مليونيرا يملك آلافا كثيرة من الهكتارات وحدائق ومطاحن وبيوتا للإيجار وفللا في مراكش ومسكنا موسميا في باريس وكازينو في مدينة مائية استشفائية مشهورة تقع في غرب فرنسا وحزما من الأسهم وسندات الإيراد تعوضه، وزيادة، عن فقدان وظيفة العون الضريبي القديمة.

*

* *

كان في الليموزين راكب آخر هو اريك كميلكوبف، وكان هذا فيلقيا قديما ترك بلده البافيير لأسباب بقيت غامضة. وقد التقطته ثكنات سيدي بلعباس تقريبا مثلما تستقبل سجون الأشغال الشاقة الملاعين من فاقدي الضمير. لقد حارب في مدغشقر وجنوب غرب الجزائر وبلاد الشاوية وقد نجته صفة البوش من مذابح أوربا أثناء الحرب الكبرى، لقد ترقى مرتين إلى رتبة رقيب ومرة إلى رتبة عريف ولكنه كان في كل مرة يسقط من رتبته فخطؤه هو أنه كان مفرطا في التعلق بعصير العنب : وهو، إذا ثمل، لا يعرف أحدا. ولذلك فإنه لابد ، إذا ما شرب، مما لا يقل عن زمرة كاملة من الأقوياء الأكثر متانة في السرية، للسيطرة عليه. كان الجنود في الفوج يسمونه الكناري الأزرق. وفعلا فإن مثل هذا الغليظ الفظ لم يكن فيه شيء من عصفور على هذا القدر من الجمال، ولكن جسمه، من الرأس إلى أصابع الرجل، كان جدارية حية اذ جعلت منه إبرة الوشام حديقة نباتات فكل حيوانات الخليقة تظهر فيها. ويذهب البعض إلى حد التأكيد أن كاملكوبف استوشم على أليته، بيد فنانة، عصفوري جنة بديا يتباوسان على نحو غريب شويّة في مثل هذا المكان. إن مثل هذا التأكيد يبدو جريئا شيئا ما، ولكن لمزّاحي الفيلق أحيانا مثل هذه القدرة على الابتكارات المضحكة.

لقد أصبح كاملكوبف أخيرا وقد تجاوز الستين سنة، وافر الغنى، أما المال فقد اكتسبه باستعمال وسائل السيد دي بونتير إذ قد أصبح يخدمه خدمة شبيهة بخدمة قيم منزل ومسخر يعرف، عند الحاجة، تقديم خدمات ثمينة في مقابل منافع مماثلة. إنه هو أيضا الآن، يملك سيارات ومزارع كرسها لزراعة الشعير حتى يزود معمل جعة أقامه في البيضاء بما يحتاجه منه. وكان ،إضافة إلى ذلك، يملك أراضي هامة مزروعة كرما ويشتهر بأنه زارع نابذ نشيط في البلاد .كان يقيم، حسب الفصول، في فاس أو الدار البيضاء حيث كان يملك منازل وفيلات. وكان، أيضا، ساعيا مصفقيا في شركة كان هو المساهم الرئيسي فيها اشتهرت بأنها تدفع للمساهمين أرباحا ضخمة فيحصل ملتهم القصاع القديم على نسب مائوية تثير إعجاب المكاتب وتعاطف الصحافة المحلية المأجورة.

أصبح إريك كاملكوبف شخصية مشهورة بما أن المال يملك هذه القدرة السحرية على تحويل غوريلا غابات شريفا من علية الناس. لقد كان القوم يتظاهرون بأنهم لم يعودوا يندهشون أمام تشكيلة الحيوانات التي كانت تزين خدين أصبحت تخططهما غضون الشيخوخة. لقد تزوج الفيلقي القديم من راقصة باليه التقطها ذات مساء عندما مر بخوارة في الجزائر العاصمة. كانت السيدة موشمة هي أيضا وإن في احتشام أكثر. كانت، وهي ما زالت شابة، تستعمل لغة سفلة الناس وأخلاطهم بفظاظة لا تخلو من نكهة .كانت خزانة ملابسها تثير العجب، ثياب فرو وفساتين حرير و ساتان وحقائب يد من جلد العظاية وقبعات ثمينة وجواهر، فالعجوز إيريك لم يكن ليرد لها طلبا.

والسيدة كانت تقيم حفلات استقبال. في البداية لم تكن حفلاتها الساهرة تجمع غير قلة من المدعوين الذين اجتذبتهم الفرنيات الشهيّة والثرثرة الخفيفة التي لا تستثني المجتمع المختار الذي كان الفيلقي القديم قد نفذ إليه. وفيما بعد أصبح القوم أكثر تسامحا في موضوع اللياقات وبذلك أصبحت مغنية المقهى المغنى 1 القديمة المدعوة المفضلة في عدد من الصالونات. كان كاملكوبف، من جهته، يقيم مآدب مفتوحة وكان طباخ استخدم بمبلغ مغر يعتني بمأكل وفير مقترن دائما بأفضل أنبذة فرنسا. لقد بزّت الشامبانيا الخمر.

كان موظفون وضباط وسواح عابرون يجالسون مستوطنين ورجال أعمال حول اللعين القديم الذي خلصه عصر الجلابة نهائيا من الحظ العاثر. لقد كان كاملكوبف، مثلما ألمحت جريدة رديئة، هو الحجة النموذجية على الديمقراطية

Caf’con’1

التي طبقت حول صحفة الحساء، ولكن المسافة بين مائدة السيد وصالون السيدة الصغير لم تكن على قدر من الطول يمنع السيد البارون دي قرولو دي بنتير من أن يكون سيد الساحة.

كان شخص آخر ضمن ركاب سيارات الليموزين هو فرانسوا كوني. وهذا كان كورسيكيا قصيرا مستديرا ذا شعر قليل مجعد وساق هزيلة. وكان ثرثارا متبجحا على غرار كل مواطنيه ومعرضا، مثلهم كذلك، لأزمات صرع غالبا ما تنتهي بدموع ومعاذير.كان هو كذلك من أحظياء المغامرة المراكشية.

وليست الألقاب، في هذا الصدد، هي التي تنقصه. وإذا صدقناه فهو قد أتى من بعيد. لقد كان، بادئ ذي بدء، من أبناء عمّ نابليون مثلما هو شأن كل الكورسيكيين. وهو يدعي، وقد ولد في قرية في ضواحي أجاكسيو، أنه يتقدم، في السلالة الإمبراطورية، على كل المواطنين الآخرين في جزيرة الجمال. وهو شأنه كذلك شأن كل الكورسيكيين، قد أدغل وكان لابدّ، لدفعه إلى الاستسلام، من تجنيد ما لم يقل عن مفرزتين من الجندرمة المدعومة بمصفحات رشاشة وكلاب بوليسية. وهو إذا كان قد أصر على الإدغال فذلك، على حدّ ما كان يوضح في مونولوقاته التي لا تنتهي، عملا بتقاليد الشرف التي منها تولدت قوانين الأخذ بالثأر. هو لم يكن يعرف كولومبا ولكن والد جدّه كان واحدا من بين أفضل جنرالات الإمبراطورية وذلك على الرغم من أن لقب كوني لا يوجد لا في لوحات قوس النصر التذكارية ولا في الكتب المدرسية إلى جانب اسمي ماسينا وسيباستياني. فهذا الجدّ لا بد أن يكون، على عكس كل الكورسيكيين، مفرطا في التواضع.

حل فرانسوا كوني سنة 1907 في مراكش، وكان يقارب الثلاثين، خلف حملة الجنرال درود العسكرية وساهم في حملة الشاوية على طريقته الخاصة : أي من دون بندقية ولا كيس ظهر ولكن ضمن هذا الحشد من التجار الغشاشين الذين يبيعون الجند بالمفرق بضاعة رديئة نقدا والذين يمكن القول إنهم يكوّنون بإقامة علاقات حميمة بالمعتمدية العسكرية مدارها الرزّ والخبز والملح، ثروات في خمس ثوان. وعند سقوط فاس بعد ذلك بأربع سنوات كان قد أصبح حائزا على حوالي مائة ألف فرنك فاستقر في مدينة مولاي إدريس. وقد ضارب، مثل كاملكوبف وآخرين كبيرين، على الأراضي الذي كان يشتري المتر منها بفلسات قليلة وينتظر، في رصانة، المناقصات البلدية ويبني ويبيع ويشتري من جديد ليبيع من جديد بزيادة قيمة شائنة. وإذ كان اللاعب الماهر متأكدا من البداية من نتيجة غشه فقد أنهى الحرب الكبرى مليونيرا وسيد قصر تماما مثلما هو الأمر في الغرب الأمريكي .

إن دي غرولو دي بونتير وكاملكوبف وكوني هم فصل كتب من دماء هذه الأجناس التي أراد لويس برتران أن يصفها في آثار تدنيهم بشهادتها هي بالذات. لقد أقام سي الونوغي، ذات يوم، مقابلة مناسبة بين مزايدات السلم الرومانية ومقدمات هذه السلم الفرنسية التي التقطها ابن الحاج علاّل، وهو جالس في ظل البو إبلان، في هذه الجماعة من الكولون التي كانت تطوي هناك، قدام عينيه، طرقات فاس الساحرة... نهض إدريس متقززا.كان هذا المشهد يسبب له الغثيان.ودومت أفكار في ذاكرته وبدأ سيل من الذكريات ، لا شعوريا وبتأثير ما حصل له من انطباعات ، يتتابع تتابع ظلال متحركة تحت مرايا المشكال. لقد استحضر في نهاية الفلم بعضا من سلوك أمغار من الأمس ازاء روما ونظام استغلالها الذي جمل آنذاك بعبارة الحضارة اللاتينية. انه سلوك يوغرطة الذي كان ، على نحو خاتمة فلم متقلب، يسعى ، بعد أن يمرغ مرات أنف الشعب ـ الملك في وحل الهزائم ، الى أن يشتري بالذهب والأراضي ، ضمائر شيوخ يرحبون ، في هدوء ، بولاء هذا الذي عرض منذ قليل عقبان الفيلق لأقصى أنواع الاهانة.وكذلك هذه البصقة الشهيرة عند مغادرة العاصمة الكبيرة التي ترمز ، عبر القرون، الى كل ما تخبئه أفريقيا المهزومة من حقد على المدينة الفاسدة تحت ثوب العظمة الزائفة ومن احتقار لها.

كانت سيارات الليموزين في البعيد تطوي الأرض وراء ستار من الغبار.وكان يبدو أن الصوت الذي يردده الصدى يعبر عما حدث قبل قليل من ضوضاء. كان في داخلها معمرون أثروا يخمرون ما شربوا.إن البرنس والجلابة يعرقان من أجل هذا.لقد بصق إدريس ، هو أيضا، بكل قواه وقد ارتد منه الجذع الى الوراء ولمعت عيناه وانتفخ منخراه ، في اتجاه هؤلاء العفنين... كانت إسبانيا، في الشمال في وضع ميئوس منه. وكانت جيوشها المنهزمة، تتشظى، لقد كانت شوان أنوالا ثانية. ولم يتمكن الدكتاتور إلا بعسر من الاحتفاظ بتطوان وموانئ الساحل. وإذاك بدأت انتصارات الأمغار تمنع لاروقان من النوم فقد أصبح منذ 1921، على ما كان يؤكد في الرباط، يقلد كاتون و تيميستوكل معا. كان ينتقل بين مراكش وفرنسا مطالبا بتخريب قرطاج من جديد. ولكن القوم في باريس، إذا كانوا يوافقون على القمع، فإن الجمهورية تحرص، مع ذلك، على المحافظة على المظاهر. فلابدّ مثلما كان الشأن في فونتينوا من أن يقع الشروع في إطلاق النار عليها قبل أن تضطر إلى الردّ. ولقد تكلفت مصلحة الاستعلامات بالأمر وسحبت من الكيس واحدا من هؤلاء الشرفاء المزعومين الكثيرين الذين يفرّخون بسرعة في كل مكان تقع زاويته، اتفاقا، في أراضي ورغة المتنازع عليها. وبعد أن لقن الدرس وقع الرمي به بين سيقان الريفيين. ولقد حققت المناورة الغرض منها فحركة الأمغار تصدت،

وقد استثيرت، للدجال واستنجد الشريف بالفرنسيين وشرع البارود في الكلام. وكذلك بندقية ماك – ماهون...

اشتعلت مراكش من الحدود الجزائرية إلى الأطلنطي وكان الحركة الذين استولوا على غطاء الحصون في أودية المولوية والـإيناون والورغة ينقضّون على تازا وفاس. كانت أذن المغربي الملتصقة بالأرض، تماما مثل موريسكي القرن السادس عشر، تتسمّع في أحشاء الوطن أصوات الفرق التي رمى بها الجبل الغازي. وكانت هالة تطوّق بطل المغرب على النحو الذي طوّقت به سابقا جبهتي حنبعل ويوغرطة.

اجتاح الجواسيس القرويين. وكان أمر قد أصدره كوينلارت، بموافقة برايار، يقضي بإيقاف أو مراقبة كل طلبة المسجد وخاصة، وهذا ما يدقّقه سريّا، "الذين عرفوا بأنهم أذكياء يجدّون في الدراسة ولو كانت سيرهم لا مأخذ عليها". لقد كان من شأن نشدان نشاط فكري ما أن يشي، في حد ذاته، بالطالب المسكين الذي تجرأ على التأكيد أن الأرض تدور وأن الجسم البشري ليس غير نسيج من العناصر الكيميائية وأن تعاليم الإسلام تتضمّن مبادئ تطابق المبادئ التي يركح إليها إعلان 1789. فيالتوستوي المسكين ا !

إن "أوخرانا" آل رومانوف فاقتها، وزيادة، هذه الجمهورية المرائية التي لم تعد حتى قادرة على التمييز بين واحد مثل جوريس وواحد مثل فوشي. لقد قبض على أغلب ناشطي الجماعة وسجنوا ولكنه لم يقع الفصل بينهم لأنه لم يقع تفطن وجود جمعية تؤلف بينهم. وهكذا تمكنوا، مجتمعين، من متابعة أطوار مبارزة داود المراكشي الجالوتين الفرنسي والإسباني .كانوا على مرّ أحداث المعركة، وفي كل يوم، وفي ساعة النزهة في فناء السجن، وبعيدا عن الحراس والمساجين المصطنعين، يتبادلون، همسا انطباعاتهم. وكان كل واحد منهم، دوريا، يجتهد في استنباط العبرة من الحدث البارز في الأسبوع أو في إخضاع المعركة كلها لنقد يلائم الظروف.

لقد كان سي عبد الرحمان والسلاوي وإدريس من بين المعتقلين. وكان سي تاشفين خاضعا للإقامة الجبرية. أما سي اليزيد فلم يكن ضمن الجماعة لأنه التحق بالجبهة صحبة بعثة طلبة الجبل الأولي.

تبين عقم فن الاحتراب عند لاروقان منذ إطلاق الخرطوشة الأولى فكان ذلك مناسبة لمزاح عام في الجيش. ومن ناحية ثانية فإنه لا أحد كان البتة يشك في الأمر فأبعد الـ سيبيون الخائب ووقع الاستنجاد بنبراس المدافع عن فردين الذي قدم من فرنسا مصحوبا بأعداد من القوات المسلحة تفوق الخمس عشرة فرقة من المشاة والخيّالة والطيران والفرق المدرّعة في حين كان مدد جديد يصل من أفريقيا الشمالية. ووصل أمر للأسطول بالتحرك وشرع، قبل أن يتثبّت خط التقهقر، في مفاوضة إسبانيا بغية توحيد جهود القوتين العظميين في مواجهة نحو ثلاثين قبيلة، وأوفد جان-لويس مالفي، فخر الحزب الراديكالي الذي كاد كليمنصو أن يبعث به سنة 1917 صحبة ماتا – هيري وبولو ولونوار إلى حصن فانسين، إلى ديكتاتور كل الإسبانات. لقد توظف مالفي، وهو الذي كان، في فرنسا، ضحية اليمين، لخدمة البوربون في إسبانيا بطيبة خاطر. ولكن الأمر كان يتعلق بمراكشيين. وهذه، من ناحية أخرى لم تكن المرة الأولى التي يتحالف فيها المثلّث ومرشّة الماء المقدّس على الهلال. كما أنها لن تكون الأخيرة. وهكذا شهد العالم في شيء من الحيرة، أمتين من أوربا تعبئان الجيوش والأساطيل للتغلّب على عدد من الجبليين العازمين في مضيق تيرموبيل المغرب على الاستماتة في القتال. كان النشطاء الشبان فخورين بهذا المشهد، وكان عجب خفيف ينفخ في عروقهم فلقد كانت طاقة أرض الأجداد القديمة تفصح عن حقيقتها بحرية أمام أعينهم المنذهلة والمتحمسة في الآن نفسه في هذه المبارزة غير المتكافئة التي كان فيها المحارب المغربي الذي لا يكاد يكون مسلّحا يطلب دائما القتال جسما لجسم اقتصادا في الذخيرة.هذا الصراع الملحمي وهذه الكمائن التي تتمكّن فيها أعداد قليلة من المتطوعين من الإيقاع بكتائب ومواكب كاملة وهذه الغارات على المدفعية بسلاح لا يتعدى الخنجر وهذه الهجمات بالقنبلة اليدوية على الدبابات كل ذلك يوفّر، حقا، عناصر إلياذة جديدة يجب أن تكتب تمجيدا للشمال أفريقيين.

لقد احتيج إلى أكثر من مائتين وخمسين ألف جندي وستين جنرالا وثلاثة مشيرين منهم واحد كان يحمل على كميه السبعة نجوم التي حصل عليها في أتون فردين لإخضاع البلد الصغير في شمال مراكش المكون من الريف والجبل. شاعت، ذات يوم، أخبار مفادها أن أمريكا سترسل بطيارين متطوعين إلى مراكش. كان سرب أطلق عليه اسم لافاييت بصدد التكوين ولكنه لم يعرف في بداية الأمر أي خصم سينصر.

لقد ملكت الحيرة النشطاء في الجماعة. إن أمريكا بلد طالع مولده الحرية ولقد تطور تاريخه في أثناء القرن الأخير متأثرا بهذا المجاز. ولكن اختيار الجنرال الذي أوفده فرجين على واشنطن لمحو إهانة 1763 أكثر مما أوفده لإعانة الثلاث عشرة مستعمرة العاصية كان يشير بالحذر. وكانت تعليقات الصحافة الفرنسية المتحمسة حول سوابق هذه الحفنة من الرؤوس الجسورة تدل بما فيه الكفاية على أن القضية، منذ الآن، مفروغ منها. وفعلا فإن الطائرات الحاملة ألوان العمّ سام شرعت، في غمرة القتال، في بصق شظاياها القاتلة في القرى المراكشية. يا للمنطق الإنساني ا لقد عبر أحفاد واشنطن وجيفرسون ومونرو ولينكولن باسم الحرية الأطلنطي لإعانة الأرتال الفرنسية الإسبانية المكلفة بإخضاع شعب بوسائل كانت تدعى شرعة الرئيس ولسون إلغاءها نهائيا. هذا الموقف أذهل الطلبة المسجونين وهذه المغامرة الماوراـ أطلنطية آلمتهم. وقد مكنتهم من أن يتأكدوا، فعلا، من خواء المظاهر العاطفية والدعاوي العقدية في غرب كان دائما يقف موقف العداء من الشرق ولذلك سلموا بضرورة الانفطام.

"فلتتذكروا، قال لهم سي تشفين منذ أن بلغ آذانهم تأكيد ما يروج في المدينة حول هذا الخبر، فلتتذكروا ما قاله لكم واحد منا ذات يوم عن موقف بيرون الذي غادر انجلترا في مشية معرقصة بسبب رجله الحنفاء، ليندفن تحت خرائب ميسولونغي باسم حريات الـ هيلاد. إن بيرون، شاعر المستقبل ومرتل آيات الليبرالية الوليدة لم يذهب، في حقيقة الأمر، إلى اليونان إلا لمحاربة الشرق مثلما سبق أن فعل ريشارد قلب الأسد باسم قبر السيد المسيح. ولا أحد يذكر أوربيا طار لنصرة بلد شرقي اجتاحته جيوش الغرب فدافع عن نفسه لأسباب شبيهة بالأسباب التي تفنن القوم في نسبتها الى أتباع كاناريس.

"لقد قاتلت الجزائر في أثناء عقود. وهي لم تعرف غير هذا المغامر الجاسوس ليون روش. ولنضف إليه المرتد جوزيف فانتيني الذي سماه تاريخ فرنسا يوسف وكذلك في ما يتعلق بتونس، الليقرو : إننا هنا بإزاء ثالوث من الأنذال .إنه إذا كانت توجد، اليوم، حقيقة، قضية تستأهل إثارة التعاطف وإلهام التضحية فهي قضيتنا. فقبل كل شيء نحن نتعرض للغزو لا لسبب إلا لأن أرضنا غنية ووسائل دفاعنا عنها ضعيفة. ثم إننا نحارب بأسلحة غير متكافئة.إنه ليس لدينا مالية ولا مصانع ومحاربونا ليس لديهم لا طائرات ولا دبابات ولا مدفعية نواجه بها قوى الخصم المتفوقة تجهيزا. إن رجالنا يسقطون في ميدان القتال من دون أن تكون لنا دولة قادرة على تقدير ما بذلوا وعلى إنجاد جيش الأرامل والأيتام الذين خلفوا وراءهم، وليس لدينا لا صحافة ولا دعاية ترد على الفرى الشنيعة التي تنصب علينا في حين أننا، من دون ريب، ضحايا هذه الحرب وهذا الشره الذي تثير، إن ابن عبد الكريم صف نحو عشرين رشاشة وعددا من المدافع لمواجهة جيش يقدر عدده الملاحظون الأقل انحيازا بمائتين وخمسين ألف جندي من دون حساب مستودع العتاد المتوفر الذي تملكه فرنسا وإسبانيا. ومع ذلك فعلى قرانا وأسواقنا يأتي أبناء عم مؤلف تشايلد هارولد بصفة متطوعين ليجربوا رصاصاتهم ومتفجراتهم". لقد بعث بوراه يحذرهم ويهددهم بحرمانهم من الجنسية الأمريكية إن لم يعودوا الى بلادهم، همس السلاوي.

"هذا لا يعني شيئا، رد سي تاشفين.

وإذن، لم يعنّا غير الشيوعيين في هذه الحرب، معنويا على الأقل، جازف إدريس بالقول في هيئة حالمة.

"إنني أحذر منهم حذري من الآخرين عجّل سي تاشفين بالجواب. أنا لا أومن بأحد، فخيباتنا تكررت إلى حد يحول دون التسليم من دون تأكد ببوادر رأي تمليه ظروف داخلية بحت ويمكن للمرء أن يتفهمه عند شعب يهيمن عليه المذهب الرأسمالي والنظام البرلماني على حد سواء. إن نضالنا، هنا، ليس غير مناسبة لمثل هذه المعارك الانتخابية التي لا رهان لها غير السلطة. وأيا كان اللون الذي تتصف به هذه السلطة فستبقى متمسكة بالموقف نفسه منا فنحن لسنا في نظر الملكي أو الجمهوري أو الشيوعي غير مستعمرات أي قيمة استعمال وغير سلعة يحدد استخدامها أو مبادلتها بالنسبة إلى المجموعة الفرنسية درجات من الازدهار والمتعة تعجز الوصايا الإيديولوجية عن الفعل فيها. إن هذه المداخلات هي، من كل الوجوه، محض ديماغوجيا. ففي الزمن الذي كانت فيه مراكش تتعرض لصدام الجيشين الفرنسي والإسباني كان مجلس النواب الفرنسي في باريس يردد صدى صخب القسم الشيوعي في المجلس. كانت الأممية الثالثة تشكو عجزا دعائيا فارتمت، وهي تلاحظ أن أوربا تستعيد شيئا فشيئا عافيتها بعد ما لحقها من خراب في الحرب وتشرع في الإفلات من قبضة الأممية الثالثة وشعاراتها، ارتمت على الشرق الذي وقع نسيانه شيئا ما منذ أطروحات مؤتمر باكو فكانت الصين وشمال أفريقيا مرعاها. لقد كان خفض قيمة العملة ومنح التصدير يؤجلان الأزمات ويحدان من احتمالات بطالة متزايدة وكانت المصانع والو رشات تعمل من دون انقطاع فحافظت الأجور على قيمتها العادية ولم تكن الأسعار لتسجل، حتى ذلك الوقت، هبوطا محسوسا يربك الحياة العمالية فأصبحت الاشتراكية الديمقراطية موضع اهتمام وعناية في حين كان مثال الرخاء الأمريكي الذي تحقق في كنف الاتحادات الاحتكارية يقلل كثيرا من حظوظ تحقق الثورة الاجتماعية مثلما تنبأ ماركس ولينين بمجراها.وإذ لم يكن في إمكان الثورة أن تحافظ على قدرة إيحاء ما ولدت من أسطورة إن كفّت عن التأثير في العقول فإنها وجدت في المسألة الاستعمارية الوسيلة الملائمة لتدارك القصور في المسألة العمالية. ولقد استعمل خطباء الحزب المسألة على هذا النحو الشبيه بالليمونة المقتطفة من فرع في متناول اليد يعمد في عجالة إلى استخلاص عصيرها.

"لقد حدثتكم كذلك، أجاب سي الفحصي إدريس، عن مجموعة كاملة من المعارضين الاتفاقيين الذين استدرجتهم شجون المناقشات البرلمانية إلى الوقوف ضد المغامرات الأفريقية : ديجوبير وباسي ودولافوس وكليمنصو وقرينيي وألبين روزي وجوريس وفينيي دوكتون.

إنه لم يتبق من مناقشاتهم غير ركام من التقارير التحليلية والكشوف الثرية والأدلة التي تكفي، لو كانت العدالة هي المرجع، لنبذ الاستعمار نهائيا. ولكن لا شيء من هذا حدث .فباستثناء هذا المزاجي قرينيي الذي كان يسوغ لنفسه، وقد اعتنق الإسلام، أن يتوضأ في محلات قصر البوربون نفسها وفينيي الذي بقي إلى النهاية، رجلا شريفا، لم يكن أغلب هؤلاء السياسيون غير ديماغوجيين باحثين عن الحقائب الوزارية والإعلانات.

"أما فيما يتعلق بمواقف الأحزاب فإن الحزب الشيوعي، على الرغم من أن حدة كلام مندوبيه المندد بحرب الريف تضفي عليه طابعا خاصا، لا يخالف، هو أيضا، القاعدة الثابتة. ومن ناحية أخرى فإنه من أجل هذا كذلك وقع نصب منبر وسط الحرم البرلماني ووقع إنشاء الصحيفة في البلدان التي يمكن القول إنها تتمتع بحرية التفكير. فلا يجب عندئد فصل خطب النائب روديو عن البيئة التي انبثقت منها. إن العنصر الإيجابي الوحيد الذي تضمنته، شأنها في ذلك شأن كل خطاب معارض، هو التنديد، على مسمع من الناس، بالتعسف. وبهذا المعنى تكون هذه الخطب، وهو أمر يجب الاعتراف به، قد خدمتنا خدمة أكيدة بما أن القوانين الاستثنائية التي نخضع لها، نحن أفارقة الشمال، تمنعنا من التعبير عن مشاعرنا بحرية.

"إن هذا هو ما كان يفعله كليمنصو في 1885 تقريبا، وجوريس في الزمن الذي كان فيه فينيي الذي شاءت تقلبات الدهر أن يعين مقرر الميزانية التونسية يكتب فيه "عرق البرنوس" ويندد في المجلس بسرقات الأراضي وتعسف المصالح الإدارية في إيالة الشرق المغربي مما لم يمنع لا كليمنصو أن يقرر، وقد أصبح رئيسا للحكومة، احتلال مراكش ولا جوريس، رئيس المعارضة من موافقته وإن بتحفظ ضمني مردّه إلى عادات ديبلوسي بقدر ما هو أو ربما أكثر إلى اعتبارات عقدية.

"إن الدفاع من فوق منبر عن مطاعننا ومطالبنا أو عرضها على أعمدة الصحف، إن هذا بالنسبة إلينا هو الجانب المفيد في هذه المناقشات.

فأن يكون النائب روديو صادقا فيما يقول أو لا فهذا أمر لا يعنينا خاصة أن مصائبنا ليست بالنسبة إليه غير سلاح يصلح لمقاومة خصوم حزبه الذي ليست أهدافه، ضرورة، هي أهدافنا.

"إنه سيكون من الشاق أن نأخذ، في فورة عاطفة، بقضية تعارض على أي حال، هي أيضا، مصالحنا القومية بوصفنا مراكشيين وشمال أفريقيين، هذه العاطفة التي يبدو أنها الآن غلبت على عدد منا، لن أشاركهم فيها، بل إنني، بالعكس، أحذر منها حذري من كل دعوة إدماجية يمكن أن تدغدغ، إذا أردنا، مشاعر حالمة معينة وميولا ميالة، طبعا، إلى تبسيط ما هو شامل، ولكنها لا يمكن أن تتحقق في هذا العالم الذي يبدو أن التفكك هو الذي يقود خطاه والذي ليس في إمكان الإنسان فيه، مثلما تؤكد ذلك الدراسات حول قوانين التطور، أن يدافع عن حقه في الحياة إلا بالصراع الدائم والاحتراس من الوقوع في الأحابيل التي تترصّده من كل جهة.

"لقد عرفت، واصل سي تاشفين، جزائريين وتونسيين من الجيل الماضي ما زالوا يرعون ذكرى جوريس رعاية تدهش من تجشم ،وهو يقرأ خطاباته المتعلقة بالمسألة المراكشية، أمر متابعة تعرجات تفكير ليس فيه من الثبات غير مشاهد مجتمع مثالي يحشو بها مونولوقاته، تذكر بعدن التي كان المبشر يعد بها سكان بلدان معينة قبل وصول الراية التي ترفعها يدا الجندي والتي تغطي سلعته الوطنية. الاشتراكية ؟ الشيوعية ؟ ولكن هذه النظريات ليست إلا كلمات يمكنها مثل كلمتي الحضارة والثقافة أن تقدم علينا جاهزة على حد الحربة أو تحت شظايا قنبلة الطائرة.

"ماذا تعرفون عن هذه المواضيع التي تطلب قبل كل شيء مجتمعات انطلقت من مرحلة المشغل وبلغت الآن بل تخطت أعلى مستويات التركيز الصناعي وإنتاج المنتجات المتماثلة ؟ إن الرأسمالي يوم أن كثر في هذه المجتمعات من المصانع ومكن لها بتوظيف التطبيقات المتعاقبة والاختراعات العلمية ويوم أن أصبح همه الشاغل تحقيق تراكم الأرباح وسع توسيعا مفرطا مجال نشاطه حتى انتهى به الأمر إلى إقفار الريف لتزويد مصانعه باليد العاملة الضرورية لتشغيل جهاز مجسّي مثل هذا.

وفي هذه المجتمعات أصبحت السوق عالمية وملزمة بتطبيق قانون العرض والطلب إلى حد تظهر فيه المنافسة اليوم مثل سلاح تدعمه دواوين القنصليات والجيوش قبل أن تحل اللبس الذي تسببت فيه هذه المنافسة بالنزاعات الدامية.

"هل اقتنعتم، إن كنتم تفهمونني قليلا، إن هذا هو وضع أوربا اليوم، وشعوبها، في غالبيتها، أكدحت. إن بورجوازيتها التي أزاحت، منذ الثورة الصناعية طبقة نبلاء إقطاعية ملكت اليوم نهائيا، هي التي تتنزل اليوم منزلة القيادة بسبب مقوماتها الاقتصادية ذاتها. إن شعار السيادة بدل حامله والذهب باعتباره معيارا وحيدا لغيره من القيم، أصبح، عوضا عن سكي الفروسية القديمة ونقودها الشعارية، عنوان الطبقات الجديدة الوحيد .ومن البديهي أن تكون نتيجة تطور لم يفضي حتى الآن إلى غير الأزمات والحروب، سلبية تندرج هي ذاتها في نطاق حرب الطبقات والحروب الإمبريالية. إن هذا هو سبب ولادة الأطروحات الإشتراكية التي بإمكاننا القول إن الماركسية هي بالنسبة غليها المركز المحرك. إنني، مع كل هذا، أحرص على أن أقول لكم إنه لا علاقة لنا بهذه النظريات. وفعلا، فأي علاقة تربطنا، نحن شعب المزارعين ومربيي الحيوانات والتجار المنشدين إلى وسطنا بمجموعة روابط لا تقبل التلف بنظريات فائض القيمة والمادية التاريخية وديكتاتورية البروليتاريا ؟ إن تصورنا للأشياء ما زال على قدر من البساطة يمنعنا من المجازفة بإرباكه عند احتكاكه بجدلية الصيرورة الاجتماعية الدقيقة.

"إنه لا يتوقع من مجتمع محكوم بمفهوم حرب الطبقات أن يعيننا بقدر ما يزيد من إرباك ما يميز، في العمق، توازننا. وفي بداءة الأمر فإن عنصرنا العمالي المصنف ضمن منطقة خاصة بسبب الظروف السياسية التي تحكم المغرب، هو، باديء ذي بدء، بعيد عن أن يأمل في الاستفادة من المنافع التي يفترضها مبدأ تساوي الأجر بتساوي العمل. فهو محروم حرمانا منظما من الامتيازات النقابية والطائفية المعترف بها للعمال الفرنسيين. وفي صلب هذه الطبقة العمالية التي لا تقبل، على المستوى النظري البحت، أي تمييز عرقي ّنرى طبقة البروليتاريا الشمال أفريقية تلعب دور كبش الفداء في مقابل ارستقراطية عمالية تتمتع بأجور لا يستهان بها مثلما تتمتع بكل الحقوق التي كرستها قوانين البلد الأم، فرنسا. إن ارستقراطية الآلة هذه تحصل على ما يمكنها من العيش وزيادة وتستفيد من جملة حقوقها السياسية وتقرر مصير اللعبة الانتخابية والأحزاب التي تتنافس لنيل أصواتها وتبدي من ثمة استعدادها لدعم مصالحها في وسط المجالس التداولية أو عند حدوث نزاعات يولدها الجدل الذي لا ينتهي بين رأس المال والعمل. وبهذه الطريقة ترصن هذه الأرستقراطية العمالية وتتعقل وتتبرجز وإن أداها ذلك إلى أن تعقد ضدنا وضد طبقتنا العمالية كل مواثيق التضامن الممكنة مع أرباب الصناعة الذين يؤجرونها ومع المستوطنين الذي يخادنونها ويتملقونها باسم الوحدة الوطنية. إنه، عندما يخفق العلم الأحمر فوق أبراج "نوتردام" مثلما هو يخفق اليوم فوق جدران الكرملين، لن يتحسّن وضعنا نحن. ولتكونوا واثقين من ذلك على الرغم من مباريات الخطابة التي يقوم بها عدد من ديموستانات قصر البوربون. إن علينا، إذن، ومن دون أن نبخس ما يستحقه النائب روديو من تقدير لما أعلن، تكرارا، من حقائق شبيهة بالحجر الذي يرمي به، مرارا، في بركة الضفادع البرلمانية ،أن نتبين الخط الصحيح الفاصل بين عاطفتنا ومصالحنا. إنه لا يجب أن تخدعنا الألفاظ".

كانت عيون الجماعة معلقة على الشمال فهناك كانت الحرب تجيش. إن مسرحية فاجعة من مسرحيات مأساة العصور الحديثة كانت أحداثها تدور في الريف من دون خاتمة ممكنة. فمن دون انقطاع كانت تصل فرق يدفع بها في الحين إلى قلب المعركة. وكان هذا الذي مكنه التاريخ من شرف إلحاق الهزيمة في جحيم فردان بوريث العرش الإمبراطوري الألماني وأفسد خطط رئاسة أركان الحرب الألمانية يجد نفسه مضطرا إلى التوقف بل قريبا من الارتداد على عقبيه بفعل عدد قليل من القبائل المراكشية كان يقوده رئيس لا يتجاوز تكوينه العسكري حدود الارتجال.

لقد امتلأ العالم سنتي 1925 و 1926 بضجة هذه المعركة باسم أمغار أجدير. ولكن الصلب انتصر. إن في إمكان البندقية أن تصمد، عند اللزوم، إزاء الرشاشة، ولكنه ليس في إمكانها أن تصمد إزاء القوى المشتركة، قوة المدفع والدبابة والطائرة والحصار. وذات مساء يوم من أيام ماي 1926 انتشر في فاس خبر قرب توقيف العمليات الحربية ووصول مبعوثي الأمغار إلى الخطوط الأمامية بغاية الحصول على شروط الهدنة .وبعد أسبوع صمت صوت المدفع ولف الصمت المغرب من جديد. ونفي البطل في المحيط الهادي عقب دجل وجدة وعقد الصفقة الذي قدم عربونها جان لويس مالفي في مدريد. ولكن مانون رولان لم تكن حاضرة فتصيح في وجه التمثال استرعاء ثانيا للحياء ا !

أطلق سراح المعتقلين فعادوا إلى القرويين. ومع أن المغرب أدهش العالم بآيات الشجاعة فإن الطلبة لم يتمكنوا من التخلّص من شيء من الشعور بالإهانة. وقد اقتضى الأمر شهرا كاملا لاستعادة حالتهم في حين كان إرب من الأمة يطير نحو الـ ريينيون . لقد دامت الملحمة خمسة أعوام وسيتواصل النضال، بالرغم من استسلام القائد، من قمم الـبو إبلان إلى براح تافيلالت طيلة سبع سنوات أخرى. فالمغرب لا يريد أن يموت.

صــــوت الـــــدم

خف الحصار. وذات يوم عاد طالب متطوع من الجبل. لقد كان ذلك أثناء الليل، بعد العشاء، وكانت الجماعة تترشّف الشاي. كان سي تاشفين حاضرا في القرويين وكانت مناقشات تتلاحق منذ عدة أسابيع بين الجامعة القديمة والقيصرية بقصد التفاهم على إمكانات تأسيس منظمة يعمد إليها في صياغة برنامج مطالب شعبية تصبح منطلق حزب وطني ومناسبة إصدار جريدتين، إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية تكونان منبرا على الأكفاء من مواليي الجمعية أن يفصلوا أفكارهم فيهما وأن يبينوا سدادها.

الرأي : هذه هي الدعوة الجديدة التي جرت على كل الألسنة بعد نهاية الانتفاضة. لقد كان للبلد مطالب أساسية يسعى الى فرضها على "الحماة". كانت الجماعة تعي أن الشعب يحتاج قبل كل شيء إلى تربية ووعي وروح.

"إن السلاح، كان سي تاشفين يقول، ليس غير الدرع التي تقي الفكرة. ومن دون فكرة لا يكون للسلاح أي معنى وأي مبرر للوجود. إن الفكرة هي الشعور عندما يبلغ مرحلة الإدراك ويقع التعبير عنه بصيغ ملموسة منتظمة. وإذا ما بقيت الأمة في وضع مبهم تهزها الأحاسيس المتغيرة التي تحول دون قدرتها على تحديد مصالحها وطريقة التعبير عنها فإنه عليها ألا تأمل مستقبلا أفضل إذ هي لن تتخطى البتة المحيط الذي لا يتيح لها فرصة التطور ولكنها ستكتفي بالعض والانتقاض. إن منفي الـ ريينيون1 سوف يبقى وجها من أبهى وجوه

1 محمد بن عبد الكريم الخطابي.

تاريخنا. إن هذا الأمر مفروغ منه. ولكننا كنا نفضل، والحق يقال، أن يكون قد وجد عوضا عنه رجل من طراز جمال وطني كان يمكن أن يستدعي نخبة شبابنا الى التربي والتعلم في مدرسته. إن على الأمة الآن، وعلى شبيبتها بوجه خاص أن تواصل المعركة ركوحا إلى طرق جديدة . إن هذه المعركة ستكون شرسة طويلة مرهقة تتخللها محن لا تحصى ولكنه يمكن للبلد والعزم فيها أن ينتصرا. إن هذه هي السبيل الوحيدة التي تتيحنا خطوط نجاح جدية..."

كانت الجماعة عند هذا الحد من النقاش عندما جاء المتطوع ليجلس وسط الحلقة المتربعة فوق حصائر من صوف متعددة الألوان قصبت على طريقة الفجيج، كان شاحبا مهزولا. وقد لاحظ الحفل أنه كان يضلع شوية.

بعث في طلب إدريس وعدد آخر من الطلبة كانوا عند رفاق بصدد القراءة أو التناقش في مسائل مختلفة فجاؤوا على الفور واتخذوا بعد تقبيل الطالب وتهنئته مكانا في الحلقة. أغلقت الأبواب وبدأت الأسئلة تنهمر. كان إدريس ممتقع الوجه وكانت عرة غير مألوفة تهز خده الأيمن. أما جبينه فكان يقطر عرقا. لقد انقطعت عنه منذ ما يقرب من عامين أخبار العائلة على الرغم من أن حربا شرسة كنست بالنار الجبل. لقد مر الموت من هناك، متسلحا بـ بمحشته وأتى على الناس، يمينا وشمالا، من دون تمييز. لذلك كان أسوأ الأخبار متوقعا. كان يود أن يتحدث وأن يستخبر عن أبيه وأهله وأصدقائه ولكن صوته تجمد من دون أن يتمكن من لفظ أقل صوت. جاهد نفسه وفتح فمه ولكن الكلمات انطلقت لتموت على شفا شفتيه محدثة حركة انقباضية وحشرجة مثلما يحدث لفاقد للصوت يجتهد في مغالبة أوتاره الصوتية. دخل على الجماعة طالب يحمل ملعقا فيه زوجا بيض ما زالا قيد القلي في زبدة زنخة وطلمية وعدد من حبات التين الجافة ودعاه إلى أن يجدد بالغذاء قواه قبل أن يصب له طاس شاي. صمت الحفل وحوم صمت جنائزي على الرؤوس المقلنسة. لقد كان الجميع يتوقعون سماع أوصاف مخيفة وقصص رعب وتخريب ليس من شأنها إثارة الأمل في النفوس. جازف السلاوي الذي فاجأ المجتمعين بالدخول قبل قليل باستنباء الطالب، بعد عدة دقائق، عن سي اليزيد.

- لقد مات، أجاب المتطوع وهو يأكل. أماتته رصاصة أصابته في الجبهة شمال عين مديونة.

تجمد الدم في عروق المجتمعين. ها هو أمل من آمال المغرب الفتي يتوارى في ميدان المعركة فلا يجد من كفن وحيد غير سجيل الورغة.

- وبقية البعثة ؟ سأل سي تاشفين.

- إنه، باستثناء متطوعين هما الآن يعالجان جراحهما في دشرة بني زروال، لن يعود أحد. لقد هلكوا جميعا، وأغلبهم عندما كانوا يقاتلون الإسبان في الشمال...

واصل الطالب أكله وقدم له سي تاشفين كأسا من الشاي .وبينما كان يترشفه سحب ذيل الجلابة فوق ركبته. كان جرح كبير لم يندمل بعد والتصقت قشور من الدم والقيح فيه بضمادة خشنة يشج كل أسفل الفخذ اليمنى.

-إنه شظية قذيفة مدفع، قال. لقد كادت تهشمني. لقد أصابتني على ضفة الـ أودور أثناء هجمة قامت بها الفرقة الأجنبية . إن نجاتي تعد معجزة . إن الحرب أمر فظيع. ثم بعد جرعة شاي : وي، يالها من حرب باسلة خضنا ! لقد كنت أعتقد إلى وقت قريب أن وسام الشجاعة إنما هو من حظ سكان جبالنا في بو إبلان، والآن أنا اعترف اعترافا صادقا، بتفوق الريفيين والجبليين. باز ! (1) إنه لا بد من يكون للمرء قلب من حديد ليصمد للطوفان الجهنمي الذي عشنا أهواله. لقد صمدوا الى آخر دقيقة، الى اللحظة التي لم يعد فيها، في حوزتهم، بعد أن نفدت الذخائر، غير الخنجر وقندق البندقية أو قطع الصخر سلاحا يجتهد في إيقاف الجرف البشري الذي كان يتدفق عليهم من كل جهة.

-هل كنت في تيزران ؟ سأل إدريس بخجل.

-نعم، قضيت فيه ستة أشهر، وشاركت الحركة تقريبا كل معاركها ضد الإسبان. إنه لم يتبق شيء من هذه النخبة.

- وأبي ؟ قال إدريس في تردد مشوب بالجزع.

- أبوك ؟ أجاب المتطوع، لقد تحسنت صحته.

قتم وجه إدريس وومضت عيناه وأعلنت حركة حلقية متبوعة بصوت أجش عن نحب مضغوط وتبللت جفونه...

-لقد تحسنت صحته، نعم، كرر المتطوع القول كما لو كان يحادث نفسه. ولكن آخرين ماتوا. لقد مات سي بن عمر إذ أصيب في أدغال دار بن قريش ومات، أيضا، سي عبد القادر بن الأخضر، هذا الجزائري الملبس بعالم الذي سبق أن حدثتني عنه والذي تعلمت منه أن أعرف وأن أحب. لقد مات مثل واحد من هؤلاء العرب القدامى في الزمن الغابر الذين يكاد ينطفئ نوعهم اليوم. لقد فاجأته الحرب وهو في الريف فوضع نفسه فورا تحت تصرف الأمغار. لقد تخلى عن وظيفته بوصفه علاف المحلة التي عهد فيها إليه وتقلد بندقيته مثل كل الآخرين والتحق بفلول حركة تيزران بعد موت سي بن عمر واصابة أبيك. ائتمرنا أوامره ولم نفترق إلى النهاية. لقد شارك، وهو يتقلد بندقيته الصغيرة

1. مرحى ا

ويتكئ على عصاه ، في كل المعارك وكل الكمائن. وكان في المساء وفي زاوية من نيران وقودها سروع التين تشتعل في موقد مسجد قديم في القرية محدثة صوت انكماش إذا كان الطقس باردا وفي الهواء الطلق إذا كان الفصل ساخنا، كان يجمعنا إليه، فقيهين وطلبة ممن كانوا في الميدان ويلقي علينا دروسا في اللغة العربية أو في تاريخ المغرب مؤكدا على ضرورة تطور الإسلام الاجتماعي. لقد كان رجلا حازما . وقد سقط، ذات يوم، قرب الفندق، عندما أصابته شظية قنبلة طائرة مزقت بطنه. حملناه الى قرية في جبل الحبيب حيث بقي ما يقرب من شهر يعاني أوجاعا فظيعة. إن الهدوء لم يفارقه البتة. كان نزف داخلي قد أنهكه. ولكنه كان في كل مرة يسترد فيها شيئا من قواه يدعونا بالقرب منه ويناقشنا، مسفرا عن ابتسامة ضعيفة تنير وجها تكثفت فيه ظلمة الموت، حول موضوع من المواضيع ويحثنا، وهو الذي يحتضر، على الدراسة والانضباط والعمل. ذات يوم، وكان الوقت خريفا، بدا أن حالته تتحسن. وكان وجهه الذي شحب وأتلفته التجاعيد قد استعاد شيئا من صفائه .كنا قرب سريره وكان يقرأ عددا من صفحات رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ويشرح لنا النص. كنا نتابع هذا المونولوج عندما لمحنا على وجهه اختلاجا ضعيفا وانفتحت عيناه لتستقر في نظر أضفى عليه سكون الأجفان المفاجئ طابعا قاسيا وفاجعا معا. كانت أصابعه تمسك بالكتاب واتخذ فمه المنفرج على الكلمة الأخيرة التي انفلتت من حلقه، هيئة تكشيرة شبيهة بواحدة من هذه البسمات التي ترسم على شفاهنا عندما نحس بشيء من الغيظ المبهم. لقد مات سي عبد القادر...

- لقد مات ميتة رواقي، هتف سي تاشفين. وعلى هذا النحو أود أن أموت !

مات سي بن عمر، مات سي عبد القادر، لقد انهد عمادان مثاليان كان ادريس يسند إليهما حياته الشابة لوقع رشقة نارية. لقد بدأ الجبل يتبدى لعينيه مفجعا.

- و سي عبد السلام ؟ سأل

- سي عبد السلام، فقيه قريتك ؟ مات هو أيضا. لقد سقط، هو بدوره، في منحدرات الروكدي قبل عدة أسابيع من استسلام القائد. إنني سأتذكر دائما رضي الخلق هذا. أما في ما يتعلق بأبيك الذي أصابته في البداية رصاصة رشاش فقد أصابته اصابة بليغة، مرة ثانية ، شظية هدمته تقريبا.

- هدمته ؟

- نعم، كادت أن تهدمه. إن الشظية التي اتلفت فخذه بترت في الآن نفسه اليد اليمنى على مستوى المرفق. إنه لا أحد اعتقد أنه سيخرج سالما ولكن قدرة الله لا حدود لها. لقد عاد بعد أربعة أشهر إلى الحياة بشكل غير محسوس. هو، بالتأكيد، أصبح خفيف حركة الرجلين فاقدا إحدى يديه يغمز في مشيه ولكن نشاطه، مع ذلك، بقي على ما تعرفه منه بل إنه أصبح مهيبا شيئا ما. ويمكن الاعتقاد أنه فخور بجراحه وأنه يرى في التضحية التي سببت عرجه فضلا خاصا من الله به على شخصه الحقير. لقد تضاعف احترام من يحيطون به وأصبح، من الآن، نوع من الأسطورة ينسج حول اسمه. وكثير من رفاقك القدامى في الدشرة لم يعودوا من هذا العالم . ومع ذلك فإن عددا منهم نجوا من ضربات ملك الموت، فالأسمر الذي كنت تروي لنا مزحاته والذي عرفت فيه واحدا من أكثر محاربي الجبل اقداما، دكت وجهه ضربة حربة تلقاها أثناء تصديه للسنغاليين في قتال جسم لجسم. وهو إذا كان دميما خلقة فانه يمكنك أن تصدقني اذا قلت لك إن هذه الضربة لم تكن لتجمل من وجهه شيئا. وهي مع ذلك، لم تنغص، في شيء، عيشه...

كان الجميع في حالة انفعال وإدريس بالخصوص. لقد جفت دموعه وبقي هناك منذ هلا وجما تائها جامدا في موقف محزن ينظر من دون تركيز الى المتطوع الذي كان يسدد إليه، من دون قصد، هذه الأخبار مثلما يسدد بهراوة ضربات متواترة على الجمجمة .سكت الجميع عن الكلام وكان سي تاشفين هو الذي قطع الصمت.

"لقد انتهت الآن، استنتج سي الفحصي، الحرب المسلحة. لقد أدى المغرب واجبه ببسالة .ولا يمكن لنتائج حرب أن تقاس إلى أحكام هزيمة في معركة . إن مغرب أجدادنا انبثق ثانية بعد كارثة جاما وأطلال قرطاج .والنضال الحقيقي المتبقي الذي يسترعي قبل كل شيء انتباهنا وقوانا إنما هو في التربية والعمل اللذين علينا أن نجابه. إن علينا خلق وعي وطني يكون جديرا بإرادة الحياة فينا. إن للحياة قوانينها والتنكر لذلك يعني رضاء السقوط الى مرتبة رقيق اسبرطة أو عدد من الأقوام الذين ولدوا للخضوع لإرادة الأقوى. إن في هذا ترحيبا بالعبودية والخزي.

"إننا، في حقيقة الأمر، نحارب منذ 1830 1 وأعداؤنا، والحمد لله، لم يجابهوا جمهرة من الجبناء. ولكن ما كان ينقصنا إنما هو أمر أساسي في هذا النضال. إنه وعي السبب الذي من أجله كنا نحارب وثمن جهودنا وتضحياتنا والهدف النهائي من مجموع كل هذه الجهود . إن هذا هو ما علينا قبل كل شيء أن نعرف. وعندما نفهم ما يتوجب علينا إزاء ضميرنا ووطننا، وعندما يمكننا التعليم والعمل من معرفة أفضل بقيمة حقوقنا، وعندما يمتلك شعبنا الذي ازداد تطورا، لقيادته، نخبة قادرة على التعبير عن رأيه وصياغة رغباته، عندئذ،

1. تاريخ حملة لويس دي بورمون على الجزائر.

وعندئذ فقط، يمكن لعملنا أن يؤتي ثمارا قيمة مطابقة للعطفة التاريخية التي نعيش أحداثها المحزنة.

اجتذب سي تاشفين إدريس الذي مكث إلى جانبه صموتا منذهلا شوية وضمه طويلا إلى صدره.

"

" "

تسارعت الأحداث فلقد عقب استسلام الأمغار مجموعة من الأحداث آلت حسب عبارات القرن الأكثر ابتذالا إلى تكريس استعباد مراكش.

إن نظام الخوة هذا أداره نوع من الحماية ذات الرأسين توسل بحقوق مزعومة مكنته منها معاهدات واتفاقيات ختمتها القنصليات العالمية. لقد وقع تمثيل المسرحية في وجدة .وإنهاء خدمات لا روقان لم يلغ نظامه. وإذا كانت لعبة الرأي العام والقاعدة التي تقوم عليها الأحزاب تتعارضان في فرنسا وتظهران، في الغالب، مشهدا خاليا من التماسك واليقين فإن السياسة الفرنسية تقوم، على العكس من ذلك، على روح من الثبات يبعث على الحيرة لما يتصف به من عناد ورتابة باهتة، وهذا هو ما حدث.

لقد خلف تروك (1) لا روقان.

وتروك، مثلما يفترض ذلك اسمه، لم يكن فرنسيا أصيلا بل حتى ألزاسيا ذلك أن جده جاء، عقب المد النابليوني الذي لم يكف عن اجتياح أوربا الوسطى بداية القرن الأخير، من قلب ألمانيا. وهو بذلك يكون مثل موريس دي ساكس

1. هو المقيم العام تيودور ستيقSteeg

وكيلرمان وني وسبيلر، قد قبل بالذوبان في بوتقة الاندماج. أما أبوه فقد أصبح فرنسيا وجمهوريا، معا. لقد ربط مصيره، وهو البروتستانتي اللوثيري، بهذه البروتستانتية التي كان يقض مضجعها، على الدوام، شبح الحرب الصليبية الألبيجية وسان برتولومي وامتحان مونلوك ونقض براءة نانت والتي كانت تصر على أن تصنف ضمن أصلب حماة الجمهورية والمدرسة اللائيكية. ولقد ساهم، وهو العضو المرموق في الجامعة إضافة على أنه كان فيلسوفا، إلى جانب فيري، في مقاومة الجمعيات الدينية وآخر نواة من تجمعوا حول ذكرى قانون فالو.

لقد فضل الحفيد، وكان أوسع طموحا، صراع الـفوروم على نعم مينيرف. وحياته المهنية إن لم تكن باهرة فلقد كانت مثيرة شيئا ما للاهتمام. هو لم يحظ البتة بالدور الأول إلا عند رئاسة المجلس فترة جد قصيرة بل مضحكة ولكنه أظهر تفوقا في وزارات الثقة وفي حكم المستعمرات. لقد كان اليمين يمقته وكان اليسار يحذر منه فأساء قيادة سفينته في هذه المياه المتضادة إساءة حالت دون الفوز بالمنصب الأول. كان مفرطا في التعلق بمحامي ديواز إفراطا قاتلا. ويؤكد من عرفوه أن هذا البروتستانتي الليبرالي كان لا يفتأ يثني على تطور حياة مهنية مزدوجة إذا كانت قد انطلقت ذات يوم في بلدية سان-مندي من اشتراكية عالمية لتنتهي بعد ذلك بربع قرن إلى إعلان سيرك با-تا-كلان الشوفيني، فهي قد صبغت الديمقراطية المناضلة باللون الذي كان ينقصها في لعبة التحولات البرلمانية.

لقد كان تروك يشكو رهاب المنبر. وهو لم يكن يملك شيئا مما كان يملك واحد مثل بريان أو فيفياني من قدرة على الخطابة .كانت تدخلاته في اللجان نادرة رزينة. لقد كان، طبعا، يميل إلى النشاط في الكواليس ولكنه إذا كان ذا مهارة فلقد كان ينقصه الذكاء والبراعة. ولذلك فهو، عوض أن يستخدم أتباعه، استخدمه من كان من هؤلاء أكثر خبثا. وهو مع ذلك لم يضغن عليهم .إن هذه هي كل حكايته.

لقد حل تروك بمراكش عندما كانت الحملة الريفية على أشدها. كانت مهمته محدودة. إنها تعادل مهمة جراح عليه، قبل أن يجري عملية دقيقة، أن يكون عارفا قبل كل شيء معرفة تامة بفن التبنيج حتى يقبل المريض، من دون اعتراض، بتر أعضاء من جسمه. كان رجل المراحل الانتقالية. ولقد عاد المقيم الجنرال تروك بعد اقل من عام على طرد لاروقان إلى فرنسا بحجة أن تناحرا برلمانيا كان يحول دون بقائه، تاركا مراكش في حالة سلم هي أقرب الى السبات منها على الغبطة.

لقد عوضه سانلوشون(1) في الرباط. وهذا السانلوشون، كان، بدوره، بعيدا عن أن يكون قديسا على الرغم من صياغة لقبه التي تشم منها رائحة بخور السكرستيا. لقد كان واحدا من هذه الشخصيات الشيطانية التي غالبا ما يصادفها المرء في محافل الحزب الراديكالي ونوعا من أنواع دهاة السياسيين المرائين الذي يلقي على مسمعي من يريد أن ينصت إليه صلوات جمهورية لا نهاية لها رافعا عاليا لواء المثلث الوصي متهيئا لأن يفصح، حالما ينزع عنه السختيان أو الكبية ذات الأوراق البلوطية، عن المعدن الحقيقي الذي صدرت عنه روحه الانتهازية. لقد كان سانلوشون، تماما مثل تروك، من هذه الطينة.

1.Lucien Saint

كان سانلوشون قد قضى حياته الوظيفية في الإدارة الولائية إلى اليوم الذي طلبه فيه، بعد الحرب، الكسندر ميلليران وكان إذاك يجلس على عرش الإيليزي ليمكنه من مرزبة أفريقية فبدل مقاطعة في الجنوب الغربي بالإيالة التونسية التي أساء إليها، وأية إساءة ا

لقد كانت تونس تطالب بدستور وبحقوق ضمنتهما لها روح الاتفاقيات التي تنظم حماية 1881. وقد وعدت، أثناء الحرب، رسميا، أن تنال ما كانت تبتغي. وكان حزب وطني هو الدستور الذي تأسس في ظل المجيد على باش حامبة يطالب بالوفاء بهذه العهود لا سيما أن التقاء ملائما بين الأطروحات الولسونية وعقائد عصبة الأمم ومبادئ الثورة الروسية كان، في الظاهر، يسند هذه الأسباب التحررية، ذلك أن الأحوال لم تكن على ما يرام في نوميديا القديمة. فمنذ قليل كشف كتاب نقدي هو تونس الشهيدة، على نطاق واسع، أضرار هذا الاستعمار الذي كان يمثله، الـ الغروليون والـ كاملكوبفيون والـ كونيون المحليون والذي سبق للنزيه فينيي أن فضحه بشجاعة، قبل عشر سنوات، على منبر البرلمان وفي أعمدة "الحرب الاجتماعية". ولكن فرنسا التي لم تنقذها إلا معجزة من الرمح الألمانية كانت ترفض الاقتراح الذي يعرض عليها، فالإيالة يجب أن تبقى تقريبا على الصورة التي تخيلها لا فيجري وكارنيير وتريدون أي بقرة حلوبا، وعلى البرنوس أن يعرق من دون انقطاع حتى يوفر لروما الجديدة الخبز وألعاب السيرك. إن هذه هي الغاية التي كان على سانلوشون أن يسخر لتحقيقها مواهب المرزبان الذي كان خدمة لجمهورية رأسمالية يرأسها مرتد عن الاشتراكية. إن الخمس سنوات التي قضاها في تونس كانت تاريخ سياسة فظة متقلبة واجه بها راديكالي كانت الماسونية تحميه محاولات تحريرية بذلها شعب وقع الإبقاء عليه، قهرا، في وضع رتابة هذه المرحلة الميروفنجية التي سيتحدث عنها ذات يوم راديكالي صميم هو المونيخي إدوار دالاديي.

وصل سانلوشون سنة 1927 إلى الرباط قادما من تونس وقد اكتسب خبرة وتجربة أفريقية. ولقد وجد في عاصمة مراكش الإدارية مجالا للنشاط يلائم مستوى مكره الجنوبي. كانت التركة التي ورثها ثقيلة، لا لأن مراكش كان يتعذر، بعد سحق الانتفاضة، حكمها أو كانت قابلة لأن تربك المقيم الجديد. لا. إذ ما من شك في أن إرادة التعاون والتعاضد والتشارك أو أي شعارات أخرى لم تكن لتعدم، يقينا، أنصارا حازمين بشرط، وهذا أمر مفروغ منه، أن تعبر عن ذلك سياسة واضحة حاسمة نهائيا. لقد كان يمكن، عندئذ، تحقيق الرغبة في التفاهم إذ ما كان المراكشي ليبخل بعونه. ولقد كانت إرادته، بهذا المعنى، صادقة.

ولكن التوجيهات التي مد بها سانلوشون لم تكن قائمة على مثل هذه النية. لقد كانت الجمهورية مصرة، بعد أن أخمدت المقاومة بالسلاح، على انتهاج سياسة تقسيم خطير كانت تراودها منذ أمد بعيد ولكن الملكية والإمبراطورية لم تجرؤا على انتهاجها.

لقد وقع اختبار هذه السياسة، دوريا، في الجزائر وتونس من دون أن تفلح. هذه السياسة المستمدة من تقاليد السلم الرومانية ووصية إيزابيل وتعاليم السكرتير الفلورنسي الشهير، جميعا، كانت سلاحا حادا وضربا من الحسام الذي لا يخلوا استعماله من خطر. لقد كان الأمر يتعلق بمهاجمة الكتلة القومية المغربية وتقسيمها أقساما متعارضة وحل ما يربطها فتا في مقاومتها حقوق الغزو ودواعي الاستعمار. كان الغرض هو تقطيع الأمة المغربية شعوبا وعقائد مختلفة وتقسيمها فئات مستقلة وتشتيت عناصرها بعيدا عن المدار القومي والاحتياط من كل تمتين للوحدة وتجنب انطلاق القوى الأخلاقية التي تهدف، بتأثير من الدينامية التاريخية، إلى تكوين أو تقوية الروح الشعبية. لقد كان لا بد من مهاجمة المغرب، بعنف، بنسف أسس بنيته الاجتماعية القائمة على الوحدة الدينية .إن القوم مازالوا يجتهدون، بعد ساللوست وبروكوب بألفي سنة، في إحياء منهج فرق لتسود العزيز جدا على قلوب ولاة الإمبراطوريتين القديمة والمتأخرة. كانت فرنسا تمتلك، للوصول إلى مثل هذه الغايات، وسيلة مزدوجة لا تهدف، باللجوء، في آن واحد، إلى سياسة التبشير بالإنجيل المضادة للإسلام والى السياسة المسماة بالبربرية، إلى أقل من شل حركة انطلاق الفكرة القومية ومن ثم إلى إحداث فوضى من النزعات تمكنها من ضمان النجاح لجهد الإعمار الفرنسي الذي كانت تبذل ولاستصلاح الأرض حتى يفيد منها، حصرا، رأسماليها وموظفها ومعمرها خاصة. هذا هو، على الأقل، ما كان عليه تفكيرها.

إن أصول هذه المحاولات متجذرة. فهي ترقى الى الفترة الأولى من احتلال الجزائر أي إلى الزمن الذي شرع فيه بوجو في التخطيط لقيام فرنسا أفريقية تقوم على استعمال مزدوج للسيف وللمحراث، أي لمحراث ذي مقومين يمسك بهما، وهذا أمر طبيعي، الحراثون المنقولون من مراعي الـ بري وحقول بيريقور.

إنه لم يعد في الإمكان، بعدما استبعدت مصالح سكان البلاد الحقيقية، غير اللجوء إلى مناورتي القوة والحيلة، معا، لإحباط كل محاولة مقاومة. إن هذه المحاولات لم تكن صادرة عن مجرد تذبذب أفكار ولكن عن أفكار لم يعد في الإمكان من الآن فصاعدا، الارتياب فيها.

ولقد تطور الأمر ذاتيا. وعندما فطن القدم، وكان فورنيل هو الذي سبق إلى هذا الاكتشاف المدهش، أن الأمة المغربية تنحدر من أصلين مختلفين، اعتقدوا أنهم عثروا على الترياق المتمثل في محاولة إثارة الواحد على الآخر بإجراءات ملائمة. على هذا النحو كان منطلق هذا المشروع المؤسف. إن التبشير بالإنجيل يدعي أن في إمكانه أن يتوجه الى العرب مثلما يتوجه الى البربر إذ التبشير الديني لا يميز. لقد رأوا أنه يمكن أن تصبح الحواجز بين المسيحيين والمسلمين، مثلما كان الشأن في تركيا قبل إنهاء المشكلتين الأرمنية واليونانية ومثلما هي الحال عليه دائما في بلاد المشرق (1)، حواجز يتعذر عبورها. أما في ما يتصل بما يسمى بالسياسة البربرية فهي لم تعتمد إلى في صلب الإسلام الشمال أفريقي. لقد اجتهدت الكنيسة، زمن ملكية جويلية وبعد ذلك زمن الإمبراطورية، في إحياء فكرة سيسنيروس حول إمكانات بناء أفريقيا مسيحية. وهي لم تعدم حواريين جددا يقودون هذه الحملة الصليبية الجديدة. لقد بادر لويس فويو بالتبشير وبلغت الجرأة بأسقف الجزائر سيدنا دبوش حد الرغبة في تنصير عبد القادر نفسه. والمحادثات التي أجراها مع معتقل أمبواز هي، في هذا الصدد، ثرية بالمعاني. ولم يتردد ملهمون نتقصهم سلامة النية، بعد 1857 عندما استسلم المعقل القبائلي بعد مقاومة دامت ست سنوات، في إدعاء أن عددا من أصناف سكان جرجرة الشقر والصهب هم سلان فرع آري بقي في أفريقيا بعد تشتت الرومان والوندال .وإذ كان القوم يخلطون بين العرب والمسلمين فقد فضل المنصرون استهواء سكان القبائل. لقد خلف هوراس فيرني لوحة تصور قداسا في بلاد القبائل يرى فيها القس سوشي، مرشد الجيش، مرتديا ثوب الكاهن الأبيض الشهير. إننا إزاء رمزية تنذر بفكرة سترى النور.

ولقد أكب الكاردينال لافيجري والأب دي فوكو على تحقيق هذا المشروع. وقد اقتصرا على عروض مشهدية هزيلة لم تؤت أكلا واضحا. وفي بعض

1.بينت أحاث 1943 و 1945 ، ونهائيا، أنه لم تعد توجد مسألة دينية في المشرق فقد تخلى المسيحيون والمسلمون ، نصديا منهم للخطر الخارجي ، عن أحقادهم القديمة بمزج طوحاتهم المشتركة وتحقبق مستقبلهم الوطني مرة واحدة. فهل تكون فرنسا قد فهمت ؟: علي الحمامي

الأحيان لم يحجم قادة عسكريون أمثال الجنرال دي سونيس والأميرال دي غيدون والجنرال لابرين عن مظاهرة هذه المبادرات التي تناقض، وهذا أقل ما يمكن أن يقال فيها، دور العسكري المحدد.

لقد مكنت مجاعة 1867 المخيفة حواريي التفرقة من فرصة أن يؤسسوا، تحت غطاء المحبة المسيحية، عددا من الملاجئ آووا فيها أيتاما مسلمين وقع انتشالهم، اتفاقا، من الطريق وربوا ووقوا في كنف عقيدة المسيح.ولكنهم ما أن بلغوا سن الرشد حتى عادوا، جميعهم، إلى إسلام آبائهم. لقد اعتبروا عققة عصاة لا يستأهلون الرحمة الإلهية وأوسعوا شتما وأهين الإسلام ولكن هذا لم يسل مؤسس سان سيبريان في تيغزال عما لحقه من إهانة.

إن رسالة لافيجري في الجزائر وتونس لا علاقة لها بالدين.فلقد كان هذا الكردينال شبيها بهيكلي منشغل بفري الكذب على الإسلام وخدمة غايات فرنسا النفعية أكثر من انشغاله بقيادة عدد من الشياه المخطوفة من الزرائب الإسلامية الى الحظيرة المسيحية. لقد كان واحدا من هؤلاء الرجال ذوي اللباس الكهنوتي الذين لا يتحدثون في شؤون السماء إلا ليحققوا بشكل أفضل شؤون الأرض.

كان، وهو رجل ليون غمبيتا وليون الثامن مثلما سبق أن كان رجل الإمبراطورة أوجينيا وبيوس التاسع، خادما في الآن نفسه للمثلث ومرشة الماء المقدس لتحقيق مشاريع راهب محارب تخدم، في أفريقيا، نظام استغلال رأسمالي ليبرالي ملحد. لم يكن لتعصبه حدود. وكان المثل يضرب بمدى حقده على المسلمين، هذا الحقد الذي كان يستمده مباشرة من عظات بيير الناسك وتوركويمادا. لقد كان يطالب، ببرودة، وهو الذي كان يستميل الماسونية ويعارض، ظاهرا، لائحة الأضاليل التي خطأها البابا (1)، بتطبيق أحكام محكمة التفتيش المقدسة على الغيورين على العقيدة الإسلامية. وإذا كانت المحارق لم تغط المغرب فإن مرد ذلك إلى أن هذا الأسقف الغريب وهذا الكاردينال الذي سامه كردينالا رئيس دولة كان حربا معلنة على البابوية، قد ولد في عصر أذعن فيه الكهنوت منذ وقت طويل للسلطة الزمنية.

إنه هو الذي أنشأ هذه الأخويات الدينية بغية التبشير خصوصا في المشرق الإسلامي: الآباء البيض والأخوات المرسلات، وهي أخويات قد يكون في مكنتها أن تتبجح بأنها خدمت سياسة كنيسة مناضلة ولكن البتة سياسة الصليب، هذا الصليب الذي يبقى، عبر القرون، رمزا لتضحية نبيلة سامية لا نفعية.

لقد اعتقد لافيجري الذي رفع إلى منزلة كبير أساقفة كنيسة أفريقيا أنه مدعو إلى أنه يضطلع بدور شبيه بدور القديس أوغسطين الذي تخيل أنه اتخذ منه قدوة. ولكنه كان، على عكس أسقف عنابة، يفتقر إلى الاستقامة التي هي الشرط الأساسي في كل رسالة تطمح الى قيام نظام أرقى. وقد كان إيمانه، أيضا، مشبوها. وكل ما استطاع أن يفعل هو أن يظاهر، بنشاط، خطط غزو أفريقيا الشمالية مع دبلوماسيين متمرسين بسياسة الدسائس من قبيل روستان وضباط مصلحة الاستعلامات من نوع ساندير وجمع من السياسيين الباحثين عن الأراضي والوظائف الفضفاضة والدخول الضخمة. فالأمر، وقد تعلق بكاردينال يستمع إليه قداسة البابا والإدارة البابوية ولا تخطو الأسقفية الفرنسية خطوة إلا بإذنه، يعد، إجمالا، أمرا لا يعتد به.

1.Syllabus ، أصدره بيوس التاسع سنة 1864. ومن أهم هذه الأضاليل الليبرالية والاشتراكية والطبيعية ـ نسبة الى الطبيعة ـ

وقد وجد داعية آخر إلى أنجلة المغرب الفاشلة هو الأب شارل دي فوكو.وهو وجه ملغز كامد لا قسمات فيه تثير الاهتمام شبيه بشخصية ثانوية في رواية لم تنل من النجاح حظا لم يبرز إلا بفضل محاولات إعلان عقبت موته قام بها كتاب في خدمة الإمبريالية.

إنه لم يكن في إمكان هذا الضابط القديم في سلاح الفرسان الذي تشبع بأدب السكرستيا وفتنته المغامرة والتصوف ونفرته من الحياة المدنية خيانات زوجية تعيسة، إلا أن ينتهي بلبس ثوب التوبة الكاذبة. لقد كان يداعبه، مثل لافيجري، وهم تحويل أنهار أفريقيا الشمالية الى ما يساويها من نهر الأردن وبذلك يكون القديس يوحنا ذا القلب المعمد المختلف. وكان، مثل لافيجري، عدوا للإسلام لدودا. لقد انخرط، مثله، بطيبة خاطر، في المشروع الاستعماري، ولكنه، خلافا له، فضل حياة التنسك على الحياة الكهنوتية وحاول أن يتمثل، شوية، بالقديس فرانسوا.

لقد أنجز تحت اسم وثوب تنكر يهوديين وبصحبة ابن لإسرائيل (هل نكون هنا إزاء موضوع عدد من ضروب الشبه بذكرى اسكاريوت؟ (1)، مهمة سرية في مراكش لا أحد يطعن في أنها كانت من قبيل التجسس الصرف ذلك أن الأمر لا يتعلق بأقل من رسم خرائط طبوغرافية ومن دراسة عقلية السكان قبيل غزو الإمبراطورية الشريفية. والجوسسة، على حد علمنا، لم تكن البتة من بين الفضائل الإلهية المعتمدة عناصر حاسمة في إجراءات إعلان القداسة. ترهب دي فوكو ضمن الأخوية السستيرية وبصفة أدق ضمن اللاترابية التي يفترض ما توجبه من ضرورة كبح الانفعالات الزهد في كل ما يعد صاخبا جلبا في هذه الحياة التي تقوم على الحركة. وقد جنح الملازم الأول في الخيالة

1. كنية الحواري يهودا الذي سلم المسيح الى أعدائه ثم شنق نفسه تأثرا بالملامة والندامة.

ذات يوم، بعد فترة تأمل تحضيري قضاها في الأديرة الرومانية وحج إلى الأرض المقدسة، في قلب الهجار في وسط بلاد العطش بين الجبال المحترقة في الجزء الجنوبي من الصحراء عند الطوارق الرحل الذين كانت فرنسا، في هذه اللحظة بالذات، تخشاهم. فيا لها من رياضة روحية عجيبة هذه التي سلم هذا اللاترابي بأن تختار له في هذا التانزروفت الذي كان يرى فيه المنظرون لفرنسا العظمى سرة الإمبراطورية الفرنسية في أفريقيا ا إنه سيحرز، هنا، سنة 1916 على النصر من دون أن يحصل، مع ذلك، اتفاق حول مدى وطبيعة ما قدم من تضحية، ذلك أن لكل امرئ الشهادة التي يستأهل ا ولكنه إذا كان مثل هذا السعي قد باء بفشل على هذا القدر من السوء فإن ذلك لا يعني أن الحكومة الفرنسية رمت، نهائيا، بأثواب الكهان في الحراق. لا. إن هذا لا ينسجم مع سياسة يتلخص همها الأول في الإبقاء على التباس مزدوج إيديولوجي واجتماعي. إن ميزانيات بلدان المغرب الثلاثة كانت تتضمن أبوابا تدرج فيها مبالغ هامة مخصصة للدعاية الدينية. ولسوف يبقى هذا في أيدي أكلة الله ، في فرنسا، سلاحا احتياطيا.

إن السياسة البربرية المزعومة تنهض على روح البلبلة هذه. ولقد كان القائمون عليها يؤكدون، منذ بعض الوقت، أن من شأنها، وقد وقع تصورها على أساس من التوافق مع العادات والأعراف في الموطن البربري، أن تكون أكثر نجاعة بما لا يقاس من أوهام تعميد ترش فيه ماريان (1) كتلة الأحداث الأفارقة بمياهها المطهرة. فهل هي الجمهورية تتسلح بمرشة الماء المقدس ؟ وهل في وسعكم، مثلا، أن تتصوروا واحدا مثل غامبيطا وفيري وكومب وبريان أو كليمنصو (كليمنصو كتاب "في شيخوخة الفكر") يضطلع بدور تبني شعار من أجل مجد أكبر للرب (2) ؟ إن الكتب المقدسة، هنا، تعترض على الميثاق المقدس، ومن العبث تغيير لون القناع. فالحقيقة باقية.

كناية عن الجمهورية الفرنسية.

ad majorem Dei Glorium

إن الشريعة أي القانون القرآني الذي هو في الآن نفسه القانون المدني في الإسلام، لم تطالب البتة بمركزية مفرطة في ما يتعلق بصلاحياتها القانونية وكذلك فإن التجمعات الريفية أو القبلية البعيدة عن المدن بعدا لا يسهل عليها اللجوء في القضايا، الصغيرة أو الكبيرة،إلى فقه القاضي حافظت على عدد من عاداتها أي العرف العربي والازراف البربري الذي تتولى الجماعة تطبيقه بمقتضى نوع من التفويض من القرية أو القبيلة.

لقد خيل للبعض أنه عثر في أمور على هذا المستوى من العادية على قضية توجب إعادة النظر في الأمر. فياله من منطق عجيب ا

لقد كان إدريس يستاء لمثل هذا الارتداد .ولقد كان في مناقشاته مع أصدقائه لا يكل من مقابلة مختلفة المعطيات التاريخية في تطور القانون في فرنسا بما يبيح الموظفون الفرنسيون العاملون في وفاق مع حكومتهم لأنفسهم أن يفعلوا في أفريقيا.

كان كثيرا ما يفكر أننا نعيش في نظام فرضته أمة محكومة بدولة جمهورية يركح دستورها الى مبدإ الوحدة واللاانقسامية. وصرحها التشريعي الذي هو قانون نابليون إنما هو تأليف مكثف بين شتى أنواع المصنفات القضائية التي انبنى عليها، منذ العهد الروماني إلى اليوم، مجموع النصوص والوسائل المستعملة لتعريف القانون وتحديده وضمان دراسته ولتطبيق العدالة تطبيقا سليما.

لقد كانت الأحكام القضائية، في فرنسا، تصدر عملا بقوانين ظرفية وعرفية مختلفة.

ولقد أحجمت الفترة الملكية، على الرغم من المركزية التامة التي اتسمت بها طريقة الحكم، في المساس بهذا النظام فكان لابد من قيام الثورة الفرنسية ممثلة في أكثر أبنائها نبوغا لمحو هذه التناقضات. ومثل هذا الأمر لم يتحقق تماما إلى اليوم. فالقانون العرفي في نورمانديا مازال يحكم العلاقات القضائية في جزر المانش التي خضعت منذ حرب المائة عام للهيمنة الانجليزية. وما زال في إمكان المرء أن يعثر في بريطانيا وأوفرنيا وفي البيرن على بقايا إجراءات قانونية ما زالت تعتبر براهين صالحة في أيدي أنصار الجهوية السياسية.

فهو يمكنه أن يكشف فيها عن مبادئ أحكام عفاها الزمن ترقى أصولها، على الأرجح ، الى الأزمنة الدَّرْوِيدِيّة وعلى مبادئ أخرى مستمدّة من القانون الروماني ومن التشريع الغَالي-الإفرنجي ومن تعاليم الحق الكنسي. ولكننا هنا، على كل حال، إزاء قضايا تطفو على انصهار العام VIII الكبير . ولا احد ، مع ذلك ، يجد في ذلك مطعنًا حتى ليمكن القول، إن رمز القَشَّة و الرافدة (1) ما زال قابلا للدفاع عنه في كل مرّة يتعلّق الأمر بضرورة فضح فوضى العقل البشري التي لا تَتَغَيّر.

إن ما اختصّت به الجماعة بين السكّان البربر من حكم في عدد من

Parabole de la paille et de la poutre

الخصومات كان، بالذّات، منطلق هذه المحاولات المتكررة لفصل العرب عن البربر التي باء فيها التبشير بفشل ذريع. فلم لا يجرّب الحظ ّ، بعد فشل تحويل سكّان القبائل والخمِّيريين في الجزائر وتونس ، في مراكش التي مازال العنصر البربري فيها هاما إلى حدّ أثار ، ما من شك في ذلك، اهتمام كوينلارتيي الإقامة ؟

لقد سبق للاروقان ، قبل 1914 بكثير، أن فكّر في هذا الأمر . وكان معاونوه على اختلافهم في القرب منه، مانجين وغورو وبْريّو وبلان وسوربيي دي بونيادوريس و ميشو-بلير وموريس لوغلي والقبطان أودينو يدفعونه الى تبنّي هذا المشروع بحماسة مدهشة بالنسبة الى عدد منهم. كانوا، جميعهم، ، وهم يتعلّقون بمغامرة على هذا القدر من الجاذبية، يعلنون أنهم "أَفَاِرقَةٌ" يهمّهم أن تتخذ في القضيّة قرارات قويّة. ولكن الحرب ومخاطرها وما بعد الحرب وتعقيداتها لم يكوّنا ظرفا مناسبا لمشاريع على هذا القدر من المجازفة فوقع تأجيل الأمر الى مناسبات أفضل. وفي الأثناء اندلعت الانتفاضة الريفية. لقد كانت هذه الحرب مناسبة جيّدة كان في إمكانها أن توحي إلى القوم أفكارًا جديدة تعدّل الوسائل القديمة. ولكن لا أحد أقام لها وزنًا. لقد ذهب إعصار الانتفاضة بلاروقان ومرّ بعده تْروك مرور النيِْزكِ في سماء كاسفة. أما مع سانلوشون فقد تقرّر ، في نهاية الأمر ، إمساك الثور من القرنين.فكان أن تمخّضت هذه السياسة عن الظهير(1) البربري.

الظهير: المرسوم السلطاني.في 16 ماي 1930 صدر في الرباط ظهير زحمته إمضاءات طوعية أو قسرية أضفت عليه مظهرا شرعيا

*

* *

إن القبائل المسمّاة بالبربرية( ومن الصعب جدّا معرفة من أين تبدأ القبائل البربريّة وأين تنتهي القبائل العربيّة) قد أخرجت بقوّة القانون ،حسب عبارات هذا المرسوم، من دائرة السلطة القرآنية وأخضعت إمّا لصلاحية الجماعة أو القائد القضائية في ما يتعلّق بالقضايا الخاصّة بالقرية أو القبيلة، وإما للقضاء الفرنسي في المدن أو ، إن شئنا،فهذا ينزع بطريقة أكثر واقعيّة، إما إلى ابدال التشريع القرآني بالإزراف في القانون المدني أو الميراثي وإما إلى إخضاع المجموعة البربريّة للقانون الجنائي الفرنسي. وبهذه الطريقة وقع التعدّي، عمدًا، على قانون المراكشي الأساسي.

إن الإدارة تتعدّى، من تلقاء نفسها، على مسائل دينيّة التزمت الحماية والمعاهدات الدوليّة التي تحكم القانون الأساسي باحترامها. وهكذا فإن فاصلاً مصطنعا ادّعى أنه يمكنه أن يلقي بظلّه الباهت بين مرّاكشيين يشتركان ، في الآن نفسه ، في الوطن والدين. فما وقع التغافل عن حمل الجزائريين عليه، وهم الذين كان بلدهم ، بمقتضى الاتفاقيات التي تحدّد وضع الغزو، يتمتّع، نظريًّا بحقوق المدينة الفرنسية،خُوّله البربر المراكشيون كرهًا وجملةً وهم الذين لا تربطهم علاقة بالتقاليد ولا بالقوانين الفرنسيّة.

إن سلوك هذا المسلك إنما يعني ، ببساطة، شعوذة العقل !

لقد كان ردّ المرّاكشيين، هذه المرّة، سريعًا مقتَِرنًا بمحاولة تنظيم جدّيّة. فقد بدا ، للمرّة الأولى منذ زمن طويل، أن وعي الأمة الخامد يستيقظ من خُدْرًتِه. واجتمع الناشطون الذين تثقّف فريقهم وازداد عدد منخرطيه منذ اليوم الذي انضمّ إليه إدريس ، لمناقشة الحدث. لقد كان لا بدّ من الردّ على الاستفزاز. ولكنه كان من الضروري عليهم فبل الإقدام على أي أمر أن يعلموا بدقّة أسباب قرارٍ لا يقنع بقلب كل نظام دبلوماسي بُنْيَ على أساسٍ من اتفاقيات 1906 و1912 ولكنه يتجرّأ حتى على إهانة شخصيّة مكّنتها الحماية من حقوق ومن تبجيل يمكن القول انه يتعذّر انتهاكهما.

لقد كان السلطان(1) ،وقد هُدّد بوضوح ، مُجْبَرًا على أن يصدّق على مرسوم لم يكن يهدف إلى أقل من تشتيت الشعب والقضاء على الإمبراطورية. لذلك طفح الكيل.

1. هو محمد بن يوسف أي محمد الخامس

دُعي المنضوون إلى الفريق إلى اجتماع سِرُّي يهدف إلى توضيح مضمون هذا المرسوم

والى اتخاذ موقف عام منه فخطب سي عبد الرحمان فيهم قائلا إجمالا :

" إن هذا المرسوم الذي حُمِّله السلطان والمخزن برعونة غريبة هو نتيجَة سياسة مدبّرة وسوء نيّة ملحوظة فلا مجال ، بناء على ذلك، للانخداع. إننا إزاء ضربة متعمّدة

وبادرة هي، في حدّ ذاتها، نذير خطٍر يتهدّد أمننا الوطني إذا لم نردَّ الفعل على الفور وبكل ما تتطلّب مناسبة مثل هذه من رباطة جأشٍ.

"إن تاريخ صدور الظهير هو 16 ماي 1930. ولكن الفكرة التي خطّطت له ترقى إلى أزمنة أبعد من هذا الزمن بكثير. لقد تهجّس بوجو بمعطياته في الزمن الذي بدا فيه أن الحكمة الملكية لاذت بشعر لويس –فيليب المبيضّ. لقد كان هو الذي استوحاه هذا الكتاب الغريب الذي ألفه المعتمد العسكري العام ِجينْتِي دي بُوسي والذي طالب فيه هذا الـبْرافيدَا في جيش أفريقيا علانية بـ"عودة الجزائر إلى الحضن المسيحي" . ولقد رسم رجال غامبيتا ، هم بدورهم، تصاميم غير واضحة وغير مفيدة. وقد فكّر لاروقان الذي كان دائما يبدو بمظهر الرجعي المحنّك،ولا يخشى البتّة اللجوء إلى أسوإ التناقضات، في أن يجعل منه مدار الأمر في انجازاته المراكشيّة. وقد أقدم المقيم سانلُوشون، رجل المحافل الماسونيّة، في نهاية الأمر، على تطبيقه مستندًا الى حججٍ تليق بيسوعيّ يلقي خطبة أخلاقية في حفل من الأتباع المغتبطين.إنه ما كان يمكن لجوريس في زمنه أو النائب رُودْيُو لو قدِّر للشيوعيين أن يرفعوا في يوم من الأيّام العلم الأحمر على قمّة برج إيفّيل، أن يغيّرا ، هما أيضا، شيئا من هذه السياسة الخرقاء.

هذا هو، إذن، واقعنا.

"هل تعتقدون ، واصل سي الونوغي، أن فرنسا تحبّ البربر؟ ولكنّ كثيرا منّا، وغالبيتنا يقينا، تَجْحَفُ دمًا تمازيغتيًا في عروقها.ونحن ، من جهة أخرى، نفخر بأمة كانت أمة يوغرطة وطارق وابن تاشفين وابن تومرت وعبد المؤمن وابن طفيل وابن بطوطة والمقراني وابن عبد الكريم مثلما نفخر ، بالقدر ذاته، بالمغاربة الآخرين من أصول عربيّة وأندلسية وتركية: عقبة والغافقي وابد رشد وابن المعتمد وابن خلدون وبارباروس وعبد القادر والأخوين باش حامْبة. فهل آخذنا في يوم من الأيّام فرنسا على تمجيد ذكرى أجدادها الكبار من ذوي الأصول المختلفة من شارلمان الألماني إلى نابليون الإيطالي ، ومن ني السَّرْوي إلى غامبيتا الجِنْوِي،ومن جان-جاك روسو السويسري إلى آف كوري البولونيّة ومن زولا البييمونتيِ إلى هنري برقسُون اليهودي ؟

التي تذكّر شُوَيَّة ِبلَطافة ذئب لا، إن ما يوحي إلى الفرنسيين هذه المداعبات البربريّة

الحكاية ليس دافعا خيريًا. إن فرنسا، هذه الإمبريالية المستعصية على التقويم المَهْمومَة

لا شك أنها لا تتمكّن من النوم مطمئنّة البال. إنها تمارس بنزقٍ، شأنها شأن هذا الذي يهضم بعسرٍ ما اكتسب من دون حقٍّ ويُوَظّفه ، إضافة إلى ذلك، بسوء تصرّف، ما تُسَمّيه رسالتها الأفريقية. لقد تولّد من هنا كل تردّدها وتعثرها وكلّ هذا الارتباك الذي ميّز ما تمارس من سياسة أَكُّورْديُوٍن غير مضبوط لا تصدر عنه، وهو يوسّع ويضيّق من دون تبصّر، غير نغمات متناثرة تضيع في خليط صوتيٍّ رديءٍ.

"إن ما تحقد عليه فرنسا، على الأصَحِّ، هو الثقافة العربيّة ودين آبائنا.وهما معا، تبنّاهما المجموع المغربي باتفاق جماعيٍّ.وإن ما تستهدفه هو هدم تماسكنا وشلّ إمكانات نهضتنا الوطنية. ولو كانت اللغة العربية مجرّد لغة مشوّهة وغير مفهومة تَرْطِن بها قبائل مُشتّتة وكانت البربرية لسانُا ذا بناء متين، فإنه ليس ثمة ظلٌّ من شكٍّ في أنه كان سيعمد إلى عكس المحورين فتحلّ العربية في مكان البربريّة في قلب ماريان الجسيمة. وهذا الأمر لا يستعصى على الفهم. فإلى أي حدّ يمكن أن يذهب هذا الشغف الجديد بفرنسا؟ إنه لن يذهب بها بعيدًا جدّا. ولتتركوني أضرب لكم مثلا من بين ألف مثل . فهو الذي سيفتح أعينكم بما فيه الكفاية، على ما أعتقد، على هذيان هذه الدسائس السياسية الفاسدة.إن الأمر يتعلّق بقضيّة مَقْلَة.

"إن مقلة هو اسم بلدية في القبائل الجزائرية . وهي منطقة بربرية مثلما هو شأن جملة مرتفعاتنا الأطلسية. إن الأمر لا يتعلّق هنا بتطبيق القانون القبائلي الشهير الذي هو المرادف الجزائري للازراف الشِّلْحِي وإنما بممارسة أكثر اتساعا وأوضح بيانًا لقوانين المدينة الفرنسية التي خُوِّلتها نواة من المتجنّسين الذين ستسمح لهم قضية انتخابية عارضة بالتأكّد، وبشكل يستبعد كل ّشكّ، من نوعية هذه البربريّة المصنوعة في فرنسا(1).

(1): Made in France

"إن مقلة بلدية في أتمّ نشاطها. وأنتم تعرفون ما معنى هذا. هو يعني أنها واحدة من هذه المدن المدرجة ضمن المجال الجزائري الذي يحاذي الساحل والذي صنّفه ارتجال الإدارة الفرنسية بلدًا يتمتّع بكامل الحقوق المعمول بها في العاصمة الفرنسية. هي تابعة مباشرة لوزارة الداخلية وتنتخب بلديتها بالاقتراع. ونتيجة التصويت لا تنقض بمقتضى الدستور نفسه. فلا مجال لأي قيد في هذا الأمر . إن كل فرنسي ، مهما كان منبته، يمكنه ان يمارس مجموع الحقوق المعترف له بها قانونيًّا .ونتيجة لذلك فإن هذا الفرنسيّ الذي هو ناخب ومؤهّل لأن ينتخب في إمكانه ان أن يطالب بالمناصب التي يمكن أن تؤول إليه نتيجة لعبة هذا اليانصيب الكبير المسمّى بالانتخابات. ولا شيء يمكنه، إلا إذا حدث تزوير أو إكراه موصوف، أن يبطل نتائج المنافسة أو يطعن فيها . وأنتم تعرفون أننا، هنا، إزاء مبدإ قُدُّوسٍ من مبادئ السيادة الشعبية.

"وإذن، لقد أكّدت الانتخابات البلديّة في مقلة، قبل وقت ليس ببعيد، فوز قائمة انتخابية حدث أن كانت الأغلبية فيها من القبائليين المتجنّسين. لقد كان هؤلاء فرنسيين مزوّدين بورقة مدموغة تعتبر في حدّ ذاتها شهادة ميلاد.ولا شيء، من الناحية النظرية الصرفة، كان يجب ان يحول دون إثبات انتخابهم قانونيًّا بالطريقة ذاتها التي يثبت بها الآخرون من كاتالونيين وصقلّيين ومالطيين وبهيميين متنقّلين ويهود الذين تتكوّن منهم فرنسا الجديدة العزيزة جدًّا على قلب هذا اللاتيني المتأخّر لويس بارتران. ولكن الاختبار

سيسفر عن خواء مثل هذا التصوّر.

"ومع ذلك، فإن هؤلاء الكسّاريين 1 مثلما كان السيد روبير راندو ،وهو كيبلينغ خائب آخر، يسمي البربر المدعوين ، زعمًا، الى الجلوس في البيت الفرنسي ، ان هؤلاء الكسّاريين لم يعتبروا أهلاً لحظ بمثل هذا الإشراق. فلقد اجتمع المجلس البلدي ، بعد الانتخاب ، وانتخب رئيس بلديته فكان قبائليّا. وكذلك كان أغلب المستشارين . وفورًا تملّك الانفعال الجزائر كلَّها أي هذه التي تنتخب بمعنى أقلية الأوروبيين الصغيرة التي تكوّن كتلة المهيمنين(2).إن قضية مقلة تمثل بالنسبة الى هذه الفرقة ، ربّةِ المعزَلِ، سابقة مزعجة.

ولا أحد سأل نفسه إن كان رئيس البلدية والأعضاء من العرب أو القبائل.

نسبة إلى Cassard

Les Prépondérants

إن هذا هو أقلّ همومهم شأنًا.ولعبة التخبئة فقدت جاذبيتها منذ اللحظة التي انسدّت الدروب، بتصميم، على البربرية الرسمية. إنه لم يعد يمكنهم، من الآن فصاعدًا غير رؤية أمر واحد : الجزائريين متمتّعين بعدد من حقوقهم...

-ولكن، اعترضت عقول ساذجة ذات آراء بالية ما زالت ترى في شولشير داعية تحرّر وفي بودين شهيدا وفي صخرة قرنيسي محجّ لُورْدْ(1) ديمقراطي ، ولكن، لقد كانت انتخابات مقلة نزيهة روعيت فيها القواعد بدقّة.والبلديّة تتكوّن ، إذا ما فكّرنا ولو قليلا في الأمر، من عناصر قبل بها في المدينة الفرنسية طبقا للشروط التي قضى بها القانون...

ـ خطأ ا وخطأ كبير.أجابت الإدارة مدعومة بجوقة الكواسر الذين يحكمون البلاد ويستغلونها.إن على الأهالي المُتَجَنّسِن (سواء أكانوا بربرًا أم لا) أن يزهدوا ، ضمنيّا، في الطموح إلى ممارسة حقوق سياسية اكتسبوها صراحة.ذلك أننا لو فتحنا لهم عرضًا ،

هُوَيْس القناة فإنه، من المؤكّد، أنهم سيغمروننا في يوم من الأيام. فحذار من قانون العدد وعلينا أن نختار واحدا من أمرين : إما أن نمارس ، هنا، سيادة لا تنازع. وعندئذ !

نكون قد رفعنا عاليًا سارية العلم الفرنسي. وإمّا أن نجازف باسم ما لا يدري أحد أي مبدإ من المبادئ هو، بمنح تنازلات خطرة في ميدان السلطة وبالقيام بمحاولات إدماج حقيقية وفرنسة عناصر متنافرة فيكون الإفلاس بما ينتج عن ذلك ، حتمًا، من عبور القوم المتوسّط من جديد. يجب رفض المبادرات ! دائما! على طريقة كارَاكَالا

-وإذن ما معنى هذه السياسة القبائلية وشهادات التجنيس التي صمَّت منّا الآذان؟

ردّ عضو من جامعة حقوق الإنسان شيَّخَه عدد من سنين الغباوة الإيديولوجية. لقد تخلّى هؤلاء، حقيقة ،على حالتهم الشخصيّة.وهم ، إن بقوا مسلمين، لا يكونون من الآن فصاعدًا، إلا تابعين لقانوننا المدني.إنني أقرّ أن الأمر اختلط عليّ أو، إذا لم أته بعد، تمامًا سأتجرّأ على ان أطرح ، بدوري، سؤالا وهو، عندئذ، أيضا، واحد من اثنين:إما أن الجزائريين يمثّلون أمّة خاصّة بما تتضمّن هذه الكلمة من خاصّيات تشمل الجنس والتاريخ واللغة والحضارة والثقافة. وفي وضع مثل عليهم ان يتطوّروا في مجالهم

الحيوي الخاص. وعلينا، في هذه الحالة ، أن نتفاهم معهم على نحو يزيل نهائيّا سوء تفاهم

Lourdes، مركز حجّ في البيريني العليا

عمره الآن قرون ومازال مليئا بالمخاطر. إنه لا أحد يمكنه، في ما أعتقد أن لا يوافق على ذلك. وإما أن فرنسا ، وأنا ألحّ على هذه النقطة بكلّ قواي، تنوي أن تحقّق في هذه الأرض رسالة مثاليّة مثلما يتصوّر ذلك الكثيرون منّا وعليها، تبعًا لذلك، أن تفتح الأبواب على مصاريعها للذين يلتمسون منها حقّ تبنٍّ من دون أن يتدخّل في الأمر خلاف عابر...

-إن هذا غير ممكن، قاطعته ارتجالا، أصوات ذات نَبْرَةٍ خنّاء. إن هذه أحلام طوباويين قديمة، وترّهات...

ـ موافق ا أرعد صوت تلميذ فرانسيس دي بريزانسي، ولكن ، ألغوا ، إذن، قوانينكم

للتجنيس واتركوا العرب والبربر يعيشون في سلام.جنِّبوهم وجنِّبونا، نحن أيضا، الأوهام والخيبات...

-إن هذا ليس قضيّتنا. هو من شأن الحكومة، صاحت تشكيلة أبناء الغزو الأعزاء جماعيّا.

"لقد كان على الأفِِرقاء المتخاصمين أن يتقبّلوا على هذا النحو تقريبًا، ختم سي الونوغي حديثه في هذه النقطة، خبر انتخاب مجلس مقلة البلدي .فأنتم توافقون، إذن، أن الانفعال لم يلبث أن ملك أيضا الحكومة العامة في الجزائر إذ كان في الأمر ما يمكن أن يُربِكَ سياستها. إن الحكومة تتمتّع في موضوع مثل هذا بسلطات استثنائية تصل الى حدّ مضادّة القانون . والأمر هنا يتعلّق بولاية مطلقة حقيقية بالنسبة الى مسلمين لا قانون يحميهم من امتناع القضاء عن البت في قضاياهم .فما ان رفعت القضية الى القضاء حتى أصدر ممثل فرنسا قراره.لقد أبطل الانتخابات وحلّ المجلس البلدي.فلا أهمّية للبربر ولا أهمية للتجنيس. إنه حتى لو كان مستشارو مقلة القبائليون من رعايا لافيجري ما كانوا !ليحضوا بمعاملة أفضل

"حكم المؤهلون للانتخاب في المدينة القبائلية الصغيرة، بعد أن حلّ المجلس وألغت السلطة الحكومية الانتخابات ، وكانوا عارفين بالقانون، ناخبيهم من جديد. وهذا أمر موافق للعبة.فوقعت انتخابات جديدة وتحقق فوز قبائلي جديد وانتخب ، من جديد، قبائليٌّ وقبائليّون رئيسا ومستشارين. أوقف الحاكم ، هذه المرّة لأجل غير مسمّىً(1)، صارفا النظر مرّة ثانيّة عن قرار المقترعين، مجلس الجهة ومنع بهذا القرار الذي لا يجيزه

(1) Sine die

القانون البتّة

في نظام ديمقراطي، حرّية حركة اللعبة الانتخابية. رفع قبائليونا المنذهلون الذين أداروا حملتهم الانتخابية بنزاهة ، قضيتهم إلى مجلس الدولة وفوّضوا أمرهم ، راجفين، إلى ....استقامة قضاة باريس. ولكنّهم، وهم الأقل حظّا من صاحب الطاحونة التاريخية لم يسعهم الا أن يترقبوا مآل مسعاهم غير السار الذي حسمت فيه أعلى هيئة في الصرح التشريعي الفرنسي.

فعلى غير ما كان يتوقّع صدق رجال القانون الوقورون ذوو القرارات المعصومة الذين اجتمعوا في جلسة مغلقة في معزٍل عن كلّ ضغط معنويٍّ لا يرافقهم غير وعي إنسانيتهم وأنهم رجال قضاء و حرّاس القانون الذي عوّض الأناجيل والذي كان عليهم ، بصفتهم خلفاء كوجا(1) مخلصون، أن يناِفحُوا عنه ضد كل لُوبَاِديمُوِنييّ الأرض، صدّق رجال القانون على تجاوز الإدارة القانونَ عندما تهيّؤوا لضرب الهيكل الجديد بيد لا تقلّ دنسًا عن هذه اليد التي أرعشت هؤلاء الأجداد الذين عاشوا يوم برومير.

" وهل تصدّقونني إذا قلت لكم إنه في ذات الوقت الذي كانت فيه الحكومة العامة في الجزائر ومجلس الدولة يتحالفان لتثبيت أخر مسمَاٍر في نعش الاندماج في مقلة كانت

1.Cujasمشرع فرنسي من القرن السادس عشر كان له أثر حاسم في تأويل القانون الروماني.

الإقامة العامة تباشر السياسة نفسها، هنا في مراكش، بدءًا من محاولة أولى لإبعاد الإسلام من المحاكم المحلِِّية مما يؤكد إجمالا ، بداية تجزئة أمتنا أجزاء منفصلة ومن دون أن يؤدّي هذا الفصل، مثلما تثبت ذلك تجربة البلدية القبائلية، إلى حلول واضحة لصالح الجزء الذي يقع الاجتهاد في إفساده بمناورات على هذا القدر من الضبابيّة.

" إنّنا اليوم، أصدقائي الأعزّاء في سنة 1930 وهي سنة مائوية الجزائر أي استعباد المغرب.وفي السنة الماضية احتفلت فرنسا بتكريس مجدها بالاحتفال بمرور نصف أَلْفِيَّةٍ على خلاصها على يدي جان دارك. ويمكن القول ان هذا مثّل بالنسبة إليها خاتمة انتصارها وازدهارها. لقد شبّه أندري تارديو، رئيس الحكومة، تدفّق الغبطة هذا بـ"الطريق الذي تحقّق عليها فرنسا في هدوء أقدارها المفرحة".ومع ذلك فإنه في مقدور العين المجرّبة قليلا وهي تتأمّل عن كثب هذه اللوحة ذات الإشعاع الساطع وهذه البهجة الغامرة وهذه الواجهة التي تزيّنها العظمة والتفاؤل، أن تتبيّن ، كذلك، العيب الشائع في هذا الصَّرْح ذي التراكيب الصارخة

"إنه ليكفي المرء أن يلقي نظرة سريعة على ما يسمّونه الإمبراطورية والأخلاق السائدة فيها والنفعيّة الضارية التي تعيث فيها فسادًا وان تخفّت وراء مظهر مخادع قُدَّ من نسيج من العبارات فنّدها ما نُذِرتْ له من استعمال، حتى يجد نفسه قد نُقِل إلى مشهد سبق أن رآه على عهد الإمبراطورية الرومانية بعد حكم سلالة سِيفِير أو زمن الإمبراطورية المتأخّرة بُعَيْد موت جُوسِْتينْيَان.

ومن ناحية أخرى فإن الأوضاع في فرنسا ذاتها ليست على ما يُرام. وهكذا فإننا نتجه صوب هذا الوضع الذي ، طبيعيًا، يبخل فيه من يطيعون، مثلما كان يقول كاردينال ريتْز، باحترامهم لهؤلاء الذين يطلبونه على الرغم من أنهم فقدوا، نهائيًا، وإن كانوا ما زالوا على إصرارهم على التشبّث بالحكم، الحَيَاءَ.

"فإلام يهدف مرّة أخرى هذا الظّهير الشهير؟ أإلى حفر خندق بين العرب والبربر ؟لقد مورس هذا قديما عندما كان صولجان العالم في يدي روما. ولكن أين هي روما اليوم؟ أين هي أحلام فرجيل؟ فهل القصد هو زعزعة أسس المغرب؟ إن هذا لشيء سخيف! ذلك انه حتى لو اختفى الإسلام من قلوبنا فإن الوطنيّة ستبقى راسخة فيها رسوخًا لا يقلّ عما كان عليه الإسلام لسبب بسيط هو أننا سنواصل ، دائما، وقد أصبحنا لا إسلاميين، استصلاح الأرض لنمدّ بالثروة والعظمة امبرياليّة كَنَسَتْ من حساباتها منذ زمن طويل أديانًا وفلسفات أخلاقيّة.لقد كانت إيرلندة وبولونيا مسيحيتين في أوروبا خاضعة لحكم الصليب . وهذا الواقع قليلا ما منعها من التصدّي ، دفاعا عن استقلالها ، لأمم أخرى مسيحيّة مثلها.

كما أن زنوج فرجينيا كانوا على دين الجنرال لي و جفرسون دايفس اللذين كانا يرفضان تحريرهم مجازفين ، نتيجة لهذا الموقف، بإمكان واحدة من هذه الحروب الأهلية التي عرفها التاريخ الأكثر فظاعة.

ولقد كان دونات والسِّيرْكُونْسِيلْيُون، حتى نبقى داخل حدودنا،هم أيضًا مسيحيّين. ومع ذلك فقد ثاروا على الإمبراطورية والبَابَِويّة بصفتهم مغاربة منشغلين قبل كلّ شيء بمصالح بلدهم.

"هل تريدون معرفة الحقيقة؟ إنه لا لاروقان ولا سانلوشون كانا منخدعين في هذه المسألة. لا بل انهما كان يخشيان الوقوع في ما نصبا من شرك. ولكنه كان يلذّ لهما، سعيا إلى الحفاظ على حكم قوّة مبنيّة على اللبس، أن يعتقدا أن الوسيلة الوحيدة لتأبيد هذا الوضع هو عدم اليأس بتاتا من دوام اللبس نظاما للهيمنة.

"إلا أن ما كان يغيظهم، وأنا أكرّر هذا مجدّدا، هو صورة حضارتنا الخاصّة. إن قوانا الفكريّة والأخلاقيّة تبدو لهم على هيئة أحجار عثر ليست بالقليلة. وهم يخشون، عن خطأ أو صواب، أن يصطدموا بها في يوم من الأيام. لذلك هم يسعون، وبئس الخبثاء، إلى سلب المغرب كل الوسائل القادرة على أن تقوده إلى اليقظة والى التعبير عن مشاعره ونزعاته إلى حياة حرّة مزدهرةّ بواسطة تطوّر ملائم في ملكاته النقديّة.

إن امبريالية كل الأزمنة ، ومهما كان اللون الذي تحتمي وراءه ، تقوم على عِِمَادَيْن: تفقير الشعوب التي تسيطر عليها وتجهيلها. فأفٍّ للمُبَرِّرات! إن القميص الأخلاقي المزعوم الذي اعتقِد على مرّ القرون أن من اللائق أن تلَبِّسَهُ مشاريع فتوحاتها لم يعد يخدع أحدًا. والأزمة المَزْمُوريّة أصبحت، من الآن فصاعدًا، معروفة معرفةً تمنع المرء من الخطإ في تبيّن أسباب هذه اللعبة التشويشيّة. إننا ، بما أننا منذ الإسلام تبنّيّنا اللغة العربيّة مثلما قبلنا بالحضارة الإسلامية وساهمنا في ترقية هذه الحضارة التي تبقى أساس تكويننا القومي، نثير فزع فَاتِحي الساعة والأسياد العابرين من فكرة كسوف ممكن يلحق إمبراطوريتهم الأفريقية الشماليّة. لذلك هم لا يعتقدون البتّة أنهم يضيعون وقتهم عندما يتفنّنون في طعننا في هذا الموضع طعنة تضعف القوى التحريرية التي نملك بالقوة. إن هذا هو كل شيء. ولكن الفرنسيين، في ما يتعلّق بهذا الأمر، ليس لهم حتّى فضل الابتكار. فلقد سبق لروما وبيزنطة وبارونات جنسيريك أن جرّبوا ، هم أيضا، بوسائل مطابقة، هذه السياسة .ولكن مع ذلك...

" ولنلق الآن نظرة إلى الوراء معتمدين الجزائر معيارا لملاحظاتنا. وأنا أوصيكم أن تدرسوا،بادئ ذي بدء في كل مرّة تسعون فيها إلى تحليل سياسة فرنسا الشمال أفريقية، ما الذي حدث في الجزائر. فلا تُضْلِلْكِم راية الحماية كثيرًا.إنها رُفِعت على مراكش مثلما يرفع بَيْرقٌ خَدّاع على قَادِِسِِ يقرصن بحارًا هادئة. إنه لا واحدة من السياستين الإدارية أو القروية تراود خاطري في هذه اللحظة ولكن السياسة الثقافية التي شرع في العمل بها في الجزائر وطبّقت ، بعد ذلك على نسق واحدٍ، في تونس و فاس. لقد كانت مطفأة الكِْوينْلاَرِتيين في كل مكان . إن المَلَكيّة والإمبراطورية والجمهوريّة تعاقبت على رئاسة الشؤون في فرنسا. ولكنه لم يحدث البتّة أن اهتمّ بْرَايّار منذ أن يطأ نعلاه أرضنا بنشر هذا التعليم الذي هو ، مثلما يعلن عنه في صخب ويذاع، مبرّر التوسّع الاستعماري الفرنسي.

"ما هي، إجمالا ، نتائج قرن من احتلال الجزائر، من الزمن الذي ظَلَّلَ فيه شارل العاشر الغزو بالقدّيس لويس وبالحروب الصّليبية الى الزمن الذي تجرّأ فيه إدوار هيريو، وسط هتافات كلّ الأُمَمِيات، على تبرئة الفلسفة الإمبريالية بعبارات مستعارة من الترسانة التولستوويّة؟ إنها لا قيمة لها في ما يخصّ السكان المغاربة. وهذا يشمل كل الميادينوبوجه خاص الميدان الثقافي.ففي رأس الهرم الاداري يتربع قانون الأهالي الذي ، بمقتضاه، الأهلي ( ذلك أننا في عيون مواطني أمثال تروبمان وسوليان ولاندرو ، لسنا غير "أهالي" على غرار الكاناك والماووري(ويجب أن يبقى صالحا للسخرة والاستغلال.وهذا الأمر يحدد كل شيء. فغياب الحقوق السياسية يقود ،نتيجة منحدر طبيعي، الى القضاء على آخر ما تبقى من الثقافة الاسلامية الفديمة والى رفض ، معلن أو مستتر، لتمكين الشعب من تربية حديثة. انه لا حاجة الى مدارس والى صحافة والى منظمات يمكن أن تعاضد حركة أفكار وتحرير اجتماعي. وحتى اذا وجد عدد من المدارس ومعاهد قديمة تسير على نسق عصر آخر وبعض الصحف ذات السحب المحدود اضطرارا والنسخة الخاضعة للرقابة وهذه النوادي نصف المهجورة بسبب المراقبة التي تخضع لها ، فان هذا ليس ولا يمكن الا أن يكون من قبيل الخدعة.وكذلك هو شأن عدد قليل من الجامعيين من هنا وهناك وجماعة من حائزي الباكالوريا الذين يقع الزهد فيهم أو يوظفون في وظائف بسيطة بأجور مساعدي بنائين وعدد من الشاشيات التي تتقاذفها أمواج بحر من القبعات. انها لمسرحية تافهة ا

إن قانون الأهالي، على ما يبدو، تَحَسَّب لكل شيء حتى يقيّد الجزائري ويمنعه من التطوّر.هذا يصدق على الجزائر مثلما يصدق على تونس ومراكش حيث تطبّق القوانين الأثيمة(1) متدثّرة بكلمات أخرى. إن صياغة البرامج ومراقبتها، عندما يسمح بفتح مدرسة حرّة، هما من شأن فرنسيين يتلقّون توجيهاتهم من كِْوينلارتٍيي المكان.

» ومسؤول جريدة محرّرة بالعربية أو الفرنسيّة يجب أن يكون فرنسيّا. وفرنسيٌّ أيضا يجب أن يكون سكرتير النقابة. وعلى الكتاب أو الكراسة أن يعرضا على مصالح الرقابة قبل الحصول على الإذن بالطبع(2).فالرقابة(3) لا تنام البتّة. وهي لا تعرف عطلا قانونيّة. ولكن ضغطها يبلغ حدّا يجعل القليل منا قادرين، لضعف تعليمهم أو للهموم التي تسبّبها أوضاعهم المادية اليومية، على اقتحام الميدان الفكري والتعبير بأقلامهم عن روح تفكير أكّدَه صدام التيّارات التي نعيش.

" فلا يذهبنّ المرء ، إذن، على غرار ما يلذّ للبعض أن يفعل مجّانيّا، إلى استنتاج أنّنا لسنا في مستوى دور مثل هذا.حمدًا لله، إنّنا لا نحتاج إلى دروس يلقيها علينا أي كان وخاصة هؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم وقد أصبحوا ،لفترة ،أسياد المغرب الأردياء، رقباء في الوقت الذي ينهالون فيه علينا مآخذ فَظّةً أقلّ ما يقال فيها إنها أفرطت في الجزئية الى حد يحول دون اعتبارها حصيفةً.

ما هي نسبة من حصلوا ، في كل بلاد المغرب، عن المبادئ الأساسية في التعليم؟

(1)Lois Scélérates

(2) Imprimatur

(3) Dame Anastasie

هي أقل من 2%. وحتى في هذه الحالة هم لا يتجاوزون إلا نادرا المرحلة الابتدائية إذ هم مجرّد طُلْبَةٍ لا يكادون يتمكّنون من كتابة عدد من الأسطر بالعربية بالقلم الأصفر المغموس في حبر من الصوف المحترق.فكيف تريدون ،والحالة على ما وصفنا، أن توجد صحافة وحركة أفكار محسوسة وتجديد مثلما يطلب منّا، في عدم أخلاقية وغالبا في سخرية محيّرة، هؤلاء الذين يتّهموننا بالنقص وانعدام القدرة على الاندماج ؟ كيف تريدون أن يكون عندنا صحافة مماثلة لصحافة القاهرة حتى لا نتحدّث إلا عن بلد إسلامي؟

"يوجد في الجزائر وفي مراكش عدد من الصحف الوطنية. ومع ذلك فهذه الصحافة تعاني الأمرّين.إن إمكاناتها المالية تقتصر على البيع المفرد واشتراكات نادرة واكتتابات تزداد بساطة لا سيما أنها تتأتّى من أناس لا ثروات لهم ولا مداخيل مجزية. فقراؤها ، تبعا لذلك، محدودون بل إنه يمكن أن نضيف أنهم ينحصرون في عدد من المتعاطفين معها.

» هذه الصحافة التي تعبّر عن الرأي الشّعبي غالبا ما يديرها صحافيون شبّان نزيهون.فظروف الحياة التي تحيط بهم والتعسّف على الفكر تعسّفا يبلغ درجات يستحيل تصوّرها واستغلال البلاد وغياب العدالة والمنطق في العلاقات العامة والنفاق السائد والرّيْبة التي نزلت منزلة مبدإ في الحكم وعقلية الكسب التي تلهم وتقرّر مثلما كان الشأن زمن الدّلالة والقادس وتلغي، مسبقا، كل فكرة تقارب واتفاق والإمبريالية العمياء على الطريقة الفرنسية، إن كل هذه الشرور تحمل محاربي القلم هؤلاء على اللجوء غالبا إلى حروب كلامية لاذعة لمعاضدة قضية بلدهم.

وعلى الرغم من أنه كان يساء فهمهم ويوضعون في مواضع الارتياب ويحاربون بالإشاعة الأكثر سريّة وتترصدهم مكيدة خصم أفرط في الإيمان بقوته إلى حدّ منعه من أن يولي القانون أقل اهتمام، فإنهم كانوا يكوّنون جيش معارضي السلطة الذين يفسدون بمطالبهم المباغتة، الوليمة التي وفّر حصص الكلاب فيها الغزو الاستعماري.

إنهم لم يعودوا، إذن، وطنيين ينوحون على مصير وطنهم المستعبد وشعبهم الذي أخضع لحمل قيود الاستعباد ، وطنيين كان يمكن لـ ديروليد في فرنسا أن يعتبرهم يستأهلون نغمات قيثارته مثلما يعتبر أشيه موسيوس سكافولا ذي الدور الجسور. لا، إنه ، وقد قلب طرفا المعادلة، لا يعترف لمناضلي القلم النبلاء هؤلاء حتى بميزة الترفّع.إنهم

لم يعودوا غير زارعي قلاقل وطموحين يجرون وراء تأكيد الذات أو الظهور ومهملين وساخطين أو، مثلما كتبت ذات يوم "أفريقيا الفرنسية"، لسان الاستعماري المناضل » انهم ليسوا غير زقاقيين من درجة حقيرة يطمحون إلى التشبه بأمثال زغلول وغاندي « .

» وهل تعرفون الوسائل المستعملة لتكميم هذه الصحافة والقضاء عليها ؟ إن هذه العملية ليست على ما يتصوّر من تعقيد. ويكفي لفهم الأمر قراءة عدد من صفحات مكييفيل بطريقة معكوسة. ولا يخرج، مرّة أخرى، موقف الصحافة عن واحد من أمرين :

إما أن يقبل محرّرو صحيفة وطنيّة ، بعد حالات من الجهر بمعارضتهم ، بتلطيف لهجتهم وحتى بتبنّي وجهات نظر الإدارة. وعندئذ يرمى إليهم ببعض الفضلات مما التقط من تحت المائدة. إن هذه هي المناورة الأكثر مهارة إذ هي تتمثّل في حرمان من نالوا

ثقة الشعب من كل اعتبار في عينيه. إن ردّة مثل هذه وعدولا مثل هذا عن مواقف سابقة يضعفان إما كثيرا أو قليلا قدرات المقاومة في مواجهة الحالة المضطربة التي غالبا ما تكون عليها هذه الحركات.ووجود شاة جرباء واحدة يكفي لإدانة كل القطيع. والوشاية بالنسبة إلى خصم لا تحرّكه غير دوافعه المادية، تصبح سلاحا لا يقلّ قانونية عن غاز الخردل أو الباسيل المميت.

ومن الصحافيين ذوي الخلق الفزّيع من يكتفي بالانسحاب، بعد وقت معيّن، من الحلبة وقد أرهقه صراع غير متكافئ محفوف بالمخاطر وخيبت ظنّه عداوة البعض ووَهْن البعض الآخر فيهمل عندئذ، في فورة من التبرّم، الأمر يأسًا من النجاح.وإما أن يواصل عدد منهم من ذوي الطباع الأفضل تسلّحا الذي وعوا نبل الرسالة التي حمِّلوا، النضال من دون كلل. وإلى أمثال هؤلاء أعلن قانون الأهالي عن وصاياه . ولكن قوانين اللعبة الإدارية ترى، أنه من الحكمة السياسية، يجب، قبل اللجوء إلى الوسائل الحاسمة،

"تركهم، قبل كل شيء ، يرقصون في الحلبة" والعبارة هي ، على ما أعتقد، للحاكم العام جُونَّارْ.

» إن صحفهم تبتدئ بتحاليل جدية تتناول الوضع وبمطالب حصيفة كان على منطق الأشياء أن يشير، في الحال، بمراعاتها ومحاولة حل المشاكل موضوع الخلاف على أساس من تفاهم ممكن دائما بل دائم.

ولكن أفريقيا الشمالية ليست إلا مستعمرة استيطان. وبصفتها تلك وجب عليها أن تتعرّض لقانون الاستعباد خدمة للمستوطن مثلما سبق أن شوهد في العصور القديمة ، وقريبا منا جدّا، في القارات الجديدة في القرنين السادس عشر والسابع عشر . إن هذه المسَلَّمة تحدّد وتبيّن سياسة كاملة وتشلّ قبليا، (1) مثلما أكّد ذلاك فشل الإصلاحات الجزائرية التي أوصى بها نابولبون الثالث ، كل مبادرة شجاعة مبنيّة على مبادئ العقل السليم.

» إن صحافيينا الذين يكمن مبرّر وجودهم في تمثيل رأي يدافعون عنه ويريدون له الغلبة يُدفعون، وقد سدّت عليهم الدروب، الى نفاد صبر معيّن يقع التعبير عنه بملاحظات وزلاّت قلم على شيء من الحِدّة.. ويشتدّ النقاش ليتحوَّل بوضوح، الى النقد اللاذع والى الهجاء. ويتعوّد القلم ، مثلما هو الشأن عند أبطال هومير، على القدح فإذا هو يتصيّد، وقد فقد الاهتمام بالنتائج، كل ما يمكنه أن يغذّي قوته الفاعلة.

» إن فرنسا تدّعي أنها تعيش في جمهورية وأن حرّية الكلمة والكتابة شرط من شروط النظام الديمقراطي الأساسية. ومهما كانت التضييقات على ممارسة حق النقاش ن خارج فرنسا، فإن عليها بطبيعة الحال ألا تلغيه تماما وأن يبقى، على الأقل،على المظاهر. فمن حق الصحفي ، حتى إذا كان "أهليا" أن يتمتّع به حسب هواه. ولكن المحاكم، في المستعمرات ، يقظة. وإذا كان القانون لم ينصّ على كل شيء، فإن قانون الأهالي على عكس ذلك، يسمح للسلطة ،بعجلة ، بقمع جريمة الرأي. والمحكمة القمعية غير المعروفة في فرنسا مطلقة اليدين في أفريقيا. إنها محكمة الجنح التي تماثل قضايا صحافة بسيطة بحالات قذف وغالبا بمؤامرات شرّيرة ضدّ.. سلامة أمن الدولة .وهذا في حدّ ذلته جريمة.

» على أن القمع يمارس بطريقة أخرى . وفيه يلذّ استعمال بعض المرونة.ولكن ما أن تبدو المقالات أكثر إقذاعًا وتهجّما ويبدأ الصحافي الذي هيّجته سلبية الإدارة المقصودة إزاء القضية التي يدافع عنها، في "الرقص" على حدّ كلمة جونّار حتى يلجأ الوالي ،عندئذ، الى جهازه القضائي. هو يحاول مرّة أخرى ، مدفوعا بنوع من الميل الى التظرف، أن

1. a priori

يعالج الأمر على نحو مرضي. فهو يكون، قبل اللجوء الى القاضي، قد ترك للصحافي مجالا لصب جام غضبه فصرخ ووبّخ وأرعد ورمى حكّام الجمهورية بحقائق مطبوعة بحبر لاذع. لقد أتيح له المجال لتشريح النظام المفروض وأسلم العنان، شيئا فشيئا، بتأثير مُغيظ من غضب محق تماما، لعنف لفظي قد يبيحه التشريع الاستعماري

أو لا يبيحه حسب الحالة التي تنفرد الادارة وحدها بتقديرها.

»وفي كل مرّة تخرج فيها الصحيفة التي استعملت هذا الأسلوب اللعني من المطابع، يسارع "قرّاء" في شراء كلّ النسخ في حين يحجز البريد ، من جانبه، الأعداد الأخرى التي أرسلت إلى المشتركين من دون أن تغفل عن تسجيل العناوين المثبّتة على الأربطة.

» وماذا تعتقدون أن البوليس يفعل بأمر من الحاكم، بهذه النسخة؟ يتلفها؟ بالتأكيد لا.إذ ليس القوم، في ما وراء البحر يمثل هذا الغباء! وهناك توجيهات لا بدّ من العمل بها

حرفيّا.إن النسخ المخصّصة للبيع والتي وقع تحويلها عن عنوانها الأصلي ترسل ، بكلّ بساطة ، الى الشرق وإلى الخارج وإلى فرنسا. إنها ترسل الى كلّ مكان ما عدا الجزائر وبلاد المغرب.

»إنكم سألتموني لماذا؟ ومع ذلك فإن الأمر لا الغاز فيه. فالذين كانوا في الشرق وفي الخارج ضمن الأوساط الغير متحمّسة للاستعمار أو الثائرين عليه، في فرنسا، يعثرون بهذه الطريقة على مناسبة تمكّنهم من أن يقرؤو ،كتابيًّا، مثل هذا النقد الموجّه إلى الإمبريالية الفرنسية ومن ثم لن يتردّدوا بعد ذلك في أن يمكّنوها من مكسب لا يكاد يقلّ أهمّية عن رضاء مكتسب. ولنتمعّن في الأمر! فأن يقع تحديد دور البنوك والشركات الكبرى في استغلال فلاحنا وكشف أصناف القراصنة الاستعماريين والكشف عن أعمال القرصنة البرلمانية وربط عمل شخصيات قنصلية الديماغوجي ببيع أفريقيا بالمزاد ونقد أوجين أوتيين وتمريغ أنف واحد مثل تارديو في وحل الـ نقوكو-سانقا والتنديد بتواطؤ الصحافة الباريسية في عملية السطو على أفريقيا الشمالية من أدريان هيبرار إلى دوبَارِّي : إن حرّيات صحفية مثل هذه إنما هي مدينة لليبرالية بل لأوسعها!

»وهل يدوم كلّ هذا؟ لا. فما أن يقع إرسال عدّة آلاف من النسخ إلى أصقاع العالم الأربعة حتى يستقرّ الأمر على وضع حدّ لهذا النقد اللاّذع. وفي الأثناء يكون القلق قد

ساور الإدارة وأقلّية المهيمنين الذين يبتزّون البلاد. لقد كان كل شيء قد بلغ حدّا من قابلية النقد والاستنكار والتشهير دفع الشعب الذي أيقظته مواقف صحفه اللاذعة الصادقة المتحمّسة الى أن يهتزّ ويصغي الى من يدعونه الى المزيد من التحمّس لإبلاغ صوته. إذاك تتحرّك الشرطة والمحاكم . ويكفيها ان تعود الى الصحيفة لتسمّي الدجاجة شَبُّوطا. وكل شيء بخصوص صحفي أهلي ، مباحٌ.فحتى لو عمدت الشرطة الى تركيب كل ضروب التقارير فإن المحاكم تتقبّلها، مثلما لو كانت غرفة تسجيل ،بترحيب غالبا ما يقارب التواطؤ.ذلك أن الإدارة لا تحتاج، اذا تعلّق الأمر بقمع حقّ بارز من أجله مرّات كثيرة إيميل دي جيراردين وأرمان كاريل وتعرّف في فيكتور نْوار على شهيد في سبيله، الى اللجوء مباشرة الى قانون الأهالي . وآثام القانون الدنيء لا يقع اللجوء إليها إلا في حالات أكثر خطورة بكثير. إنه يقع التظرّف حفاظًا على المظهر ولكن ذلك لا يجب ، على عكس التقاليد التي مثّلها بريدوازون ، أن يتجاوز الحدود التي رسمها مفهوم ما سمّي مبدأ السيادة الفرنسيّة.

»يحال الصحافي الشمال أفريقي الذي يتهمه محقّقون تخفّوا وراء قضاة تحقيق، الى عدالة محرفة حيث يصدر الحكم عليه غالبا من موضع آخر غير المحكمة. ولدى القوم ما يختارون بين محكمة الجنايات والزجري ومحكمة الجنح. على انه لا بدّ هنا أيضا من إبداء نوع من المهارة واللياقة اللتين لا علاقة لهما بالإنصاف بمعناه البسيط إذ الأمر يتعلّق بزجر لا يثير فيه الحكم القضائي استنكارًا حريًّا بان يعرّض الحكومة القابضة على مقلاد السلطة للملامة.ذلك أن المعارضة تترصّد عثراتها والمعارضة، هي بدورها، لا تتردّد في مقاومة من يبعدونها عن تسنّم المنصب الأول في الدولة. وسواء انعدمت القضايا أم قلّت. إن الأمر يبدو على هذا المنوال.

»إنه يقع ، عموما ، تجنّب محكمة الجنايات . ذلك أنه يمكن لوجود المعارضة، أن تصبح هذه المحكمة منبرًا يلقي فيه محامون من طلبة الإشهار أو النيابة ، وعلى غير انتظار من تحت قبّة المحكمة بأمور غير سارّة تستدعي نقاشات ليست البتّة في صالح الاستعمار.حقّا إن تكوين لجنة هذه المحاكم ، وهذا نعرفه، لا يتّسم بشيء من الديمقراطية وخاصة عندما يكون المتّهم الجالس في قعر مقصورة المتّهمين بين دَركيين كورسيكيين "أهليّا" مثقلا بحمل اللعنة الإدارية. والمعمّرون الذين تتكوّن منهم، عموما، هذه الهيئة وغالبا ما تسير بوحي منهم ويديرونها أنما هم أمثال هؤلاء المغتصبين(1) للأراضي في الأوهايو والإلينوي الذين كانوا يرون أن " أفضل هندي أحمر هو الهندي الميت" .إن هذا لا يجرّد المؤسسة من أهليتها ولا يكاد يسم محلّفيها بسمة الكراهة الجوهرية ولكنه يتضمّن معنى عدم كفاءتها ما دام تطبيق القانون بمعناه الحصري مشوبا بهيمنة الرأي المسبق الذاتية.

»فهل يقع اللجوء، إذن، الى الزجري؟ ولكن هذا سبق أن كان تعبيرا عن التشريع الاستثنائي. إنه قانون الأهالي بشعار جمهوري يمكن تبيّنه بواسطة قراءة بين السطور. والمعارضة ستعثر فيه، ما دامت لم تتسلم الحكم، على مطاعن.

»محكمة الجنح، إذن؟ إن في اللجوء إليها ما يحافظ تقريبا على سلامة الحيلة ويراعي إن كثيرا أو قليلا، شروط الحكم القانونية . وهو ، إزاء "الأهلي"، تأمين جنائي مضاد

لحريةالصحافة التي ما سمح بها إلا لتوفير عدد معين من الحجج الهادفة الى تضليل الرأي في الخارج أو واحد مثل بْرَايّارْ ما زال مستعصيا على كل تدنيس استعماري.

»إن محكمة الجنح وهي تحكم في جنح الصحافة هي التي يحال إليها، بانتظام ، الجانح الجزائري. والقاضي يصدر، في مثل هذه الظروف ،أحكامه مثلما يفعل أي زميل له في قضاء منتارجيس أو بريف لا-قايارد. فالأحكام الصادرة غالبا ما تكون خفيفة. والقاعدة هي الغرامة.ولاتتجاوز التعويضات المطلوبة عندما يتعلّق الأمر بعقوبة على الثلب

عددا من آلاف الفرنكات. إنه مبلغ ضئيل بل هو لا شيء. ولكن هذا يكفي لقتل صحيفة رأي مغربية.ولتحكموا على الأمربأنفسكم. إن دائرة القراء ضيقة وينعدم المانحون . أما المكتتبون المتعاطفون مع الجريدة فعددهم قليل جدّا. ومالية الجريدة زهيدة.إن المداخيل تكاد لا تغطّي النفقات.فإذا انضاف الى هذا الوضع حمل مالي جفّ المورد حقيقة.

» لقد وقع بهذه الطريقة شل انطلاق تفكير حر في الجزائر ولقد جرّب ذلك من قبل في تونس وهو ما تقع تجربته اليوم في مراكش

»ويسوء القوم أن يتوقّفوا في منتصف طريق واعدة مثل هذه.إن المنع لا يقتصر على الصحافة المغربية وحدها.هو يشمل كل صحافة المشرق القادمة إلى شمال أفريقيا التي تخضعها مصالح رقابة تشتغل حسب نظام استنفار دائم لغربلة جادّة. إننا هنا في وضح

(1) Squatters

المطفأة. وهذا هو أوان التصريح بذلك. فلا بد لتأبيد وضع الجهالة الذي لا يمت بصلة ، والكل يقرّ بذلك، الى الإعلانات الدائمة المثيرة للسخرية حول عولمة التعليم مثلما تسعى البلاغة الفرنسية الى الإيهام به، من مواصلة الإبقاء على الجهل لا بين أوساطنا الشعبية العريضة فحسب ولكن لا بدّ كذلك من توزيع هذه الهبة السماوية بتقتير وبطرق تظهر فيها العيوب نفسها للعيان. فهل انتم الآن تتبيّنون أي دورعين لجنس الكِْويِنْلارِْتيين في مجال التعليم المغربي الخاضع للختم الفرنسي؟

»لقد كان من الصعب ، حتى أزمنة قريبة جدّا، الحصول على مطبوع أصدرته مطابع القاهرة حتى لو كان خاليا من كل مضمون سياسي. لقد كان علينا أيضا، وقد أبعدنا من المدارس التي كنا،مع ذلك، ننفق عليها من مالنا، ألا نجد ،في قرن إرسال شارات المورس، شيئا نغذّي به أدمغتنا فيجلي ما غمض عليها . وحتى عندما تقدم على المغرب صحف مناصرة لفرنسا صادرة في مصر فإن البريد يعيدها، تواطؤا منه مع البوليس ، الى بلد المصدر أو يجيز لنفسه حرقها.

»فبم يفسّر هذا الموقف النابذ، من هذه الصحيفة المصرية، مثلا ، التي تصل الى بلاد المغرب؟إن سؤالا مثل هذا ينطرح ذاتيا. ومع ذلك فإن الإجابة عليه من أبسط ما يجاب به على الرغم من أنها تبدو، لعيني الإنسان العادي عصيّة التفسير شُوَيَّةْ. إن هذه الصحيفة

ورقة قد تكون محدودة السحب ولكن مداخيل الإعلانات غالية الثمن تسمح لها بتحسينات تقنية على الطريقة الأمريكية. وقطعها وطريقة حفر الكليشهات ومستواها الأدبي العالي وغزارة ودقّة معلوماتها وأهمّية ما تتناول من مواضيع وشهرة المتعاونين ، بمقابل مالي،

معها ،كل ذلك يجعل منها صحيفة يصعب جدّا على صحافة باريس أن تأمل في مباراتها بنجاح.وعلى المرء ، إن رام أن يجد لها نماذج حقيقية، أن يتوجّه بنظره الى لندرة آو نيويورك. وإذ كانت هذه الصحيفة محرّرة بالعربيّة ومشبعة بفكر وثقافة عربيين، وكذلك افتتاحياتها، ومسلسلاتها ودراساتها العلمية والفنية ونشرتها المالية وأخبارها القضائية وعرض النقاشات البرلمانية والبيانات حول وضع الدول الكبرى العسكري وزواياها الإعلامية ولمحها الأرصاديّة ونقدها الأدبي والمسرحي وأسلوب نثرها السليم وحرّية تعبيرها وبراعة مجادلاتها، فإن كل هذا يبدو خطيرا عند مُسُوخِ مكييفيل الذين يحكمون أفريقيا الشمالية باسم فرنسا السيد بول فاليري.

»إن المغربي ذا اللغة والثقافة العربيتين ليس عليه إلا أن يلقي نظرة خاطفة على صحيفة مثل هذه ليستخلص ، بمقارنتها بواحدة من صحف الديبيش التي تصدر في عواصم المغرب، نتائج تطيح، من دون رحمة، ببناء كامل من الأحلام المُضِلَّة.

»كذلك لا يجب، أيضا، التساهل إزاء أي إنتاج أدبي عربي اللغة. إنه يقمع فورا بذرائع متنوّعة مستخرجة من ترسانة القوانين الاستثنائية واستنادا إلى ضرورة حماية حقوق لا يدري أحد ما هي.

»إنه ليقع التذرّع بالحرية الدينية عندما يتعلّق الأمر ، مثلا، بمحاربة كل محاولة للتحرر الاجتماعي أو للتقدّم الفكري. ويعتبر تأسيس جامعة ومدارس حرّة ونوادي محاضرات من بين الأنشطة المخالفة لروح التقاليد بالمعنى الذي تتصوره الادارة.هذه الحرية ذاتها التي يحتج بها أيضا عندما يطالب الشعب بواسطة نخبه بالغاء أو تجديد المؤسسات القديمة. البالية المنحطّة.

»وأما الشعوذة بكل أشكالها فهي، على العكس من ذلك، محمية مصانة مدَلّلَة.إن الزوايا التي تعارض معارضة صارخة تعاليم الإسلام تفرّخ تفريخا طفيليّا فيقع الحفاظ عليها ودعمها في ما تأتيه من نشاط يوهن العزائم تدريجيّا. إن كل ما ألغته روح النهضة والثورة وفلسفة القرن التاسع عشر في أوروبا باسم الحضارة، من طوائف المختلجين

وأكلة الحيّات وبلاّعي المسامير والجذم والمتسوّلين الجوّالين والملهمين الدوّارين الصيّاحين وجمعيات المعتوهين ممن يشبهون هؤلاء الذين كانوا يعمّرون بلاطات المعجزات في باريس في السنة الألف، ما زال باقيا أو ينبعث من رماده في أفريقيا نصب عيون جماعة من المربين الفاشلين المتسامحة.

سعل سي الونوغي قليلا سعالا خفيفا وطلب كأس ماء ابتلعها في جرعة واحدة ومسح شفتيه بمنديل ثم تابع كلامه:

»ولنوسع الآن النقاش .إن خطر الفكر لا يستهدف الثقافة عربية اللغة فحسب ولكنه يتفنّن في مطاردة وتدمير كل ما ينشر بالفرنسية إن كان صادرًا عن قلم مغربي . والأمر المثير الذي لا بدّ من ملاحظته في هذا السياق هو أن هذا الإقصاء لا يراعي حتى جانب أنصار الإدماج . لقد كتب في بداية هذا القرن تقريبا مترجم جزائري ملحق بجيش أفريقيا كان على مستوى أدبي معيّن هو إسماعيل حامد (اعتقد هذا الشخص أن مما يعين على تحقيق مزيد من الانسجام هو أن يتفرنس بأن يبدّل بتاء مناسبة الدال التي تختم اسمه )، في الفرنسية كتابا يعرض فيه ويسند أفكاره التصفويّة في المسألة الجزائرية.وهو ، على الرغم من انه قدّر الحضارة الإسلامية وتاريخ المغرب حق قدرهما لم ير حلا للمسألة التي تقضّ مضجعه في غير التضحية بهما والانصهار في البوتقة الفرنسية. إن هذه هي الأطروحة الرسمية ، أطروحة مَشْيَخِيِّي (1) الإمبراطورية

التي كرّستها على هامش قانون الأهالي، المماحكات

اللفظية في السرّ حينا وفي العلن حينا آخر والتي انتهت، بعد أن تطوّرت من السيئ إلى الأسوإ، بإفلاس مقلة الانتخابي. إن هذا الكتاب كان يجب، لو اعتمد المنطق الصرف، أن يحظى من الدعاية الإدارية بالترحيب. ولكن ، ماذا كان مصيره؟ إنه الإهمال والاختفاء.فلا أحد سمع عنه شيئا.

»أما الكتاب الثاني الذي يندرج في هذا الصّدد فقد ظهر منذ قليل في الجزائر. وهو عمل أنجزه شركًا فرنسي وجزائري. فهو،إذن، نَتَاج ٌ بغْلِيٌّ مثلما هو شأن كل ما يمكن ان يتولّد من تصالبٍ غير سويٍّ.ويسعى رفاق الحديقة(2) مثل كتاب م.إ. حامِتْ الى الغاية التفتيتية ذاتها تحت ستار المزج والخلط. إن لافيجري ، لم يكن في الزمن الذي كان فيه يوعد الإسلام الجزائري إن لم يركع أمام أرجوانه الكردينالي ، يقول في القضيّة، شيئا آخر.وعندما يقلب المرء الصفحة الخيرة، فإنه لا يسعه إلا أن يغتاظ للدور الذي تفنّن الفرنسي في إسناده إلى الجزائري . والأجدر هو أن يتحدّث المرء عن ِشرْكَةٍ بين ماكر وفْدم .ويظهر في حديقة ليس فيها من الصفات الأكاديمية إلا القليل ولا تشي فيها المناقشات بشيء من المشائية، عددٌ من الشخصيات الوهمية التي تمثل نزعات تضطرب في الإنبيق المغربي تَذُبٌّ ذبَّ فرق من الزنابير حول أجمّة من الحنظل. إن كل واحدة منها ترفع علمًا وتبسط رأيها وتبرّر انحيازها وتوصي باستعمال طرقها في لبس لا يتصوّر.

فمن المرابطي الرجعي الذي يزين برنوسه وسام جوقه الشرف الى المصلح الذي يعتقد أنه عثر على الترياق في رمال الصحراء ، وفي بعث نوع من المجتمع التوراتي الذي

Sénatus-consultes

Les Compagnons du Jardin

ندّد بأطره،بالذات، الإسلام ، وقوضها ، الى الطبيب الذي يكرّر ، مثل ببغاء عجوز، أغنية الإدماج الخالدة على أساس من الحالة الشخصية الى الشاشية الشاب الذي تربّى تربية فرنسية والذي لا يعرف كلمة واحدة من العربية أو القبائلية والذي كان يمكنه أن يتنكّر لكل شيء ، بما في ذلك كرامته لو كان على يقين من تحقيق جزء من طموحاته والذي يخفف نفاد صبره بفكرة الزواج من ابنة بائع خمر بالمفرق أفريني في حالة إفلاس أومن هذه المعلمة البيرينية التي تفكّر ،بهلع ،وقد تجاوزت سن الأربعين بكثير، في الغضون التي تحفر خدّين لم تعد الغضاضة التي كانا عليها بالأمس غير ذكرى مصدر حنين .

»إن ما تهدف اليه سياسة فرنسا الشمال أفريقية إنما هو بالذات هذا الخليط من الآراء المتعارضة وهذه السَّلْطَة الروسيّة من الأفكار المضطربة التي لم تنفذ الى عمق الإحساس نفاذا يمكن من التعبير عنها بجلاء.وفى حبكة الكتاب الذي لا يخفى ادعاء عرض كل الآراء التي تولّدت من نزاع الاتجاهات التي تدفّقت على أفريقيا المغربية يجيز مناصر للتصفية القومية مرتدّ ، لنفسه، أن يجاري واحدا من ممثلي الإدارة الجزائرية الأكثر خلوصًا في ما يذيع من كلام معسول. إنها لعبة تخبئة صيغت في شكل كتاب . وفي هذه الهرجة يمضي العراب المسلم، وقد تخلّى عن اسم لم يلمع في ميدان الأدب لمعانا يجيز ترف التخفّي وراء اسم أدبي مستعار ، هذا الكتاب الذي هو عبارة عن خدعة فظّة باسم فكري. وتلك ، لعمري، فكرة عجيبة في رفقة مثل هذه !

»والحال أن رفاق الحديقة الذين استخلصوا ضرورة أطروحة الإدماج الرسمية ودعوا الى الردّة من أجل تحقيق بالوعة رومانية ينقصها تخفيف سلالة ِسيفِير التشريعية، لم ينالوا ،على حدّ علمي، سمعة حسنة عند الطرف المقابل.بل العكس إذ أن كل شيء يدعو الى الاعتقاد أن مصيره لم يكن أفضل من مصير هذيان إسماعيل حامت. ففرنسا لم يبد عليها أنها كانت مهتمّة بهذه القبلات التي لا تقلّ حرارة في الظاهر، مع ذلك، عن قبلات الأب لامورات(1).

» لقد كان المراد هو تأبيد اللبس باستثارة الرأي العام. لا أكثر ولا أقل. والأساس في كل هذا هو تجفيف الينابيع الثقافية التي يمكننا منها ان نرتوي وأن نروي غليل عقلنا

(1)L’Abbé Lamouretteرجل دين وسياسة جمع سنة 1792 النواب للتصدي للخطر الخارجي .وقد أطلقت على مشهد عناقهم عبارة قبلة لا موريت.

الذي فطم عن رضاع المعرفة واسْتُكِدّ على أمل مقامر هو، إجمالا ، صبياني، في ان نرى ذات يوم، وقد قضينا جوعا مثل هذه الأشجار المنفردة التي ينتهي بها جفاف دائم الى الدَّسْوَة والموت. إن هذا لهو المبدأ الذي حكم ، قبل كل شيء، السياسة البربرية. فما دامت لغة البلاد هي العربية فإن ما يفهم القوم من البربرة إنما هو ، ببساطة، نسف أساس كل بعث ممكن. ويظهر هذا بجلاء أكثر أن المنافحين الأفارقة عن الرومنة الجديدة وأنصار الفرنسة لم يجازهم الفرنسيون أنفسهم على الرغم من إلحاحهم المتكرر،بغير الجحود والسخرية والإهانة. إن هؤلاء السنت ـ أوغستينيين من المدمنين على المقاهي-المغاني وهؤلاء الأبوليين المبشّرين في الصحراء وهؤلاء الترتوليانيين الشاحبين وهؤلاء اليوبيين المضحكين لم يكونوا يطلبون البربرة فحسب. لقد كانوا يحاربون كذلك القومية الثقافية الكلاسيكية باسم الاندماج. ومع ذلك!

"فلتحذروا، أنهى سي عبد الرحمان كلامه. إن السلاح موجّه الى القلب فينا.أنه لا بد من ردّة فعل وإلا فإننا سنسمح لأنفسنا بأن نهوي الى منزلة مسترَقّي المجتمعات القديمة الذين لم يكن يسمح لهم بالوجود إلا بالقدر الكافي من الخدمات الذي يقتضيه رفاه أسياد المدينة "

مـــــا وراء الأفــق

تشاورت الجماعة في أمر النضال. لقد حلّ الشارع من الآن فصاعدا محلّ الجبل وقام القلم والكلمة مقام البارود لترجيح كفة الحقوق الوطنية. لقد وقع استخدام صيغ التنظيم الجديدة التي ولدت بقيام الثورة والتي كان عليها، بالتأكيد، أن تتسرّب من منافذ الميدان الأوربي إلى بلاد المشرق حيث وضعت الهجمة الإمبريالية الفظّة الحديثة الشعوب الخاضعة لها أمام اختيار ذي حدين لا مفر منه :

إما تكييف وسائل العمل حسب ما تقتضيه الروح الجديدة وإما الاختفاء من المسرح العالمي بمقتضى هذا القانون الذي شاء، على الدوام، أن يُخِْليَ الضعاف مكانهم للأقوياء. لقد بقيت، ما دام ابن عبد الكريم قد فشل حيث انتصر كمال أتاتورك، الوسائل الأخرى الأفضل والأوثق والأنسب إلى مستوى ظروف البلد الاجتماعية. هذه الوسائل التي طبقتها بورجوازية القرنين قبل الأخيرين وبروليتاريا القرن اللاحق في أوربا والتي ستُوَطِّنُها فترة ما بعد الحرب في مصر والهند بقيادة زغلول وغاندي.

لقد رسم سي الونوغي الذي قرأ الكثير حول تاريخ حركة الأفكار في أوروبا وتعلم منها بما فيه الكفاية وتردّد، مدفوعا بفضول يفوق الرغبة النضالية، على الأوساط التي كانت تدّعي أنها ملاذ التفكير الثوري، مخطّطَ مقاومة مستوحىً من البيئة المغربية وملائما لطبيعة الأحداث الجارية.

وما دام ظهير 16 ماي يهاجم الدين بطريقة غير مباشرة فقد اختير المسجد في البداية بؤرة للمقاومة. لقد كان هذا، إذا شئنا، نوعا من ناقوس الخطر عوض فيه سيف الإمام الخشبي حبل المصلصلة.وأصدقاء إدريس، في ما يتصل بهذا الأمر، لم يأتوا بدعة، لا في الزمان ولا في المكان. ففي الجزائر، بالذات، حاول ابن باديس، من حجر المسجد، أن يجَدِّدَ إسلاما أفسدته وشوّهته الشعوذة الطرقية.

وفي المسجد كذلك اشتهرت مشاريع التجديد الاجتماعي المغربي الأولى مثلما أخذها التاريخ في إبانها في بداية العصرين المرابطي والموحدي.

وفعلا فإن التقاليد القديمة تشاء أن يكون الحرم هو منطلق كل إصلاح وكل إحياء وكل تعبير عن الأفكار. ذلك أن الواجبات التي تطلبها العناية الإلهية لا تنافي البتّة مقاومة جور السلطة.

لقد اضطلع المنبر دائما بدور رئيسي في إسلام الأزمنة الأولى واستخدمه محمد وعمر ومعاوية والحجّاج وأبو مسلم بكثرة للدعاية إلى الدين أو لتقويم الأخطاء.ولقد صوّبهم التاريخ. إن الإسلام الذي تولّد من ضرورة إصلاح مجتمع أكدته الفوضى وترصّدته لا يتعين ولا يلتمس إلا عندما تحسّ شعوبه بالاضطرار الملح إلى خلع الغل الذي أحاط به أسياد، أجانب كانوا أم أهليين، رقابها من دون أن يحسوا بوخزة ضمير...

*

* *

هكذا إذن انتشر الأمر بين المساجد المراكشية. لقد مكثت أغلبية المؤمنين، بعد الصلاة، جالسة على الحصائر داعية إله الرحمة، والسبح في الأيدي، أن يحبط مشاريع الفرنسيين وأن يحفظ الوحدة الإسلامية في الوطنية الوليدة. إنه ليخيّل للمرء أنه كان بإزاء عودة الماضي القديم وتحدٍّ استعادي صادر عن أشباح متلاشية وظلال تنبثق من قبور ابتلعها الزمان والتراب منذ عهد طويل.

ولو قدّر لعقل كَِلفٍ بالتاريخ أن يرى مشهدا مثل هذا لاستحضر، في التوّ، هذه المواكب من ضحايا محكمة التفتيش التي حكم عليها بالحرق أو بالسجن أو أن يستحضر أيضا، وهذا عندما بدأت العظمة الإسبانية تزخرف واجهتها باسمي سرفانتيس وزورباران، مذابح المنفيين المسلمين الهاربين من وطنهم بحثا عن ضفاف أكثر ضيافة.

كانت الأشباح تبدو كأنها تفلتت من حلم مُغِمٍّ ومن قبور طوتها الأرض في جوفها في كل أرجاء الأندلس المجاورة وجاءت، في حشود متراصة صاخبة لتجلس في حلقة المؤمنين وترتل معهم، بصوت تضفي عليه التضحية طابعا من المجد الخرافي، اللطيف الذي كانت مقاطعه تتعالى مثل ناقوس إنذار عبر أقاصي البلاد. كان إدريس الذي سبق أن عرف عددا كبيرا من القصائد الأندلسية التي ترقى إلى هذه الفترة المشهورة يقارن هذا المشهد بالمرثية التي وجهها أبو الوفاء الرندي، سابقا، إلى السلطان بايازيد عندما كانت محاكم توركويمادا تعرض على القضاء البابوي قرارات إبادة تمثل مقدّما، وبشكل عجيب، ظهير المقيم سان لوشون. لقد دوت مساجد مراكش، كلها، وحتى الجزائر، مرددة في رتابة ضارية، هذه الصلوات المؤثرة السائطة وكأنها تعلن عن استدعاء للطاقات الغافية. فالشبيبة المغربية التي اخترقت القشرة الغليظة التي ميزت إسلاما هجّنته ممارسات تزمّت آلي لاحِميّة فيه ربطت إيمانها، صراحة، بعد أن استفِزّت في أكثر ما تفخر به من مشاعر، بحياتها الأرضية. وهي في هذا النهج، بقيت على نهج التقاليد الموحدية السوي في صلب مضمون التعليم الاتحادي العقلاني الذي تلقته من أمثال ابن تومرت وابن رشد وابن خلدون أي على نهج لا يقول، لدفع الضّراء، برميها بصيغ لعنية لا طائل من ورائها أو بتوسل فردي يشي بأقنعة من التواضع أو بالأمل الافتراضي في عون يسقط من تلقاء نفسه من السماء مثلما سقطت بيضة العقاب على رأس أشيل. كما أنه نهج ليس البتة نسخة حرفية من هذه التقوى المطمئنة التي تفوح طرقية رديئة. إن الدين لم يعد، على عكس ما ذهب إليه اعتقاد البعض، قوة مساعدة للظلامية وضربا من ضروب صمام الأمان الذي يشغّل لضرب حريات البلاد وشرفها. لقد التصق، من الآن فصاعدا، بالمفهوم الوطني. لقد استعاد المسجد، وهو يحارب الزاوية عميلة الأجنبي ومعقل الأيديولوجيا الرجعية الأكثر سفالة، دوره التربوي في العصور البطولية.

أشعل ترديد اللطيف بسرعة كبيرة أرض المملكة ونفذ النفس الألفي الذي كان يتضمن إلى الشعب فكان كل واحد يحسّ إحساسا تُوقّعه حبات السبحة التي تفرطها أصابعه المحمومة، بخطر يدهمه يناسب الفكرة التي كوّنها عن إيمانه وعن العقيدة التي تلقى من ربه ويدرك مداه. إن الإسلام الذي تفتّحت عليه عيناه الآن بدا أنه يستعيد وجهه القديم، وجه الإسلام السلفي المتفق مع مقتضيات القرن مثلما تصوّره مصلح الأطلس قبل عدة خمسيات من ولادة الشارح القرطبي. وهذا يحدث في الوقت المناسب لأن جذام الطرقية، هذه الهرجة المقيتة التي تدعمها فرنسا، كان يتدرب على تخليد وضع خَرَبٍ إذ أن الدينامية التاريخية كانت، بمقتضى هذا القانون المتعلق بالأواني المستطرقة والذي يسري على الأشياء الاجتماعية مثلما يسري على الأشياء الفيزيقية، يجبرها، ذاتيا، على التجدد والتكيف. كان روح من التنظيم يؤثر في الحركة بطريقة بارعة. وقد وجد إحساس بتوطين وسائل نضال جديدة واعتماد انتظام يناقض التقليد القديم المتمثّل في فردية الأجداد : كما لو أن فوضى القبائل الجرمانية، وهذا نفيد به هؤلاء السادة، أو غليان العشائر الغالية منعا التاريخ من إصدار أحكامه. ويبدو أن هذا الأمر شغل بال الإدارة. فالصحف والنوادي وجيش الـ غرولوين والـ كاملكو بفيين و الـ كونيين كانوا يؤكدونه.ولقد بلغ صداه البرلمان، في باريس، مضافة إليه التعليقات التي كان نواب الجزائر من المستوطنين يوجهونها

وجهة ليس من الصعب جدًّا تبنيها.

!وهكذا هاج الرأي العام

تعجرف سان لوشون. فقد وجه من أولمبه المقدس إنذارًا إرهابيا إلى "زارعي القلاقل" الذين كانت "أفريقيا الفرنسية" وزمرة الكتاب الأردياء الفرنسيين في أفريقيا الشمالية تقدّمانهم له ثيران مصطرع تسكن غيظة. لقد تعود الناس منذ 1930 على هذه الحلول التي يرثى لها إذ ما زال القوم عند معتقدهم أنهم إزاء واحدة من هذه الزوابع في كأس ماء يكفي إخطار رسمي مرفوق بنقل عدد من مفارز الجندرمة لتهدئتها. وهكذا فإنهم رأوا أن عليهم، تماما مثلما هو الشأن في دراما فودفيلية، أن يكتفوا بإبراز نيوب الليث للأهلي حتى تعود المياه إلى مجاريها ويَعُود السكون. ولكن تقطيب الحواجب، هذه المرّة، لم يعط النتيجة المرجوة إذ أن التهريج طال بما فيه الكفاية.

لقد بدا، بانتشار اللطيف في كل مراكش وتخطّي حدود المولوية، أن القضية تتخذ وجها رأى أقل الناس تشاؤما في الإقامة أنه ينذر بالخطر. هذا إذا بقيت على هذه الهيئة من الاقتصار على التباطؤ في العمل إذ كان من المقرر، على العكس من ذلك، أن ترفق بجملة من الأحداث تنقلها، دفعة واحدة، إلى مستوى يمكن القول إنه عالمي. وفي اللحظة التي كان فيها سان لوشون يهمّ بالانقضاض على الحركة كان وفد من الناشطين هو نواة الحركة الوطنية في البلاد، لاحقا، يسلّم مصالح الإقامة المختصّة عريضة مطالب كانت في الوقت ذاته خطة إصلاحات درس فيها كل شيء وعرض بدقة. كانت مجموعة المطالب لا تخرج، بطبيعة الحال،عن النطاق الذي حدّدته الحماية. إنها أساس مشروع تعاون دقيق بين طرفين يملكان ما ادعت اتفاقيات 1912 أنها مكنتهما منه .فلا شيء، يمكن الواحد منهما من أن ينفرد به من دون الآخر. وهذا على الرغم من أن الأيتام القصّر كانوا يطالبون، وقد بلغوا سن الرشد، وبالوسائل القانونية والمباحثات العقلانية، بما لم يكن الأوصياء ليمكنوهم منه إلا قولا ويحرصون على أن يثبتوهم في الوضع الذي كانوا يدعون أنهم وجدوهم فيه. لقد كان ذلك بالذات حجرا جميلا ألقاه الدّب في مستنقع الضفادع! ولقد وقع توضيح الإشكال وسدت الدروب على أفكار لاروقان. إنه لم يعد للنفاق الرسمي الذي يرعاه سان لوشون من مبرر بعد الآن.

*

* *

"إن هؤلاء السادة، شرح سي تاشفين للوفد المكلف بإبلاغ المقيم العام لائحة الإصلاح، يدعون أنهم قدموا إلى هنا لغرض النظام ونشر نعم حضارة كنا، إن صدقناهم، نفتقر إليها. إننا لن نسعى إلى مناقشة صحّة هذا الزعم الذي أصبح لازمة كل المغامرات الإمبريالية في هذا القرن الذي وهب الإنسانية الفن والعلم. ولكننا سنتظاهر باعتقاد ذلك وكأنه أمر صحيح. لنأخذهم بما يدعون. إن الحماية هي، إن التزمنا بمضامين الفلسفة الرسمية، المبدأ الذي ينبني عليه التعاون بين الفرنسيين وبيننا. وبناء عليه فإن ثروات مراكش ومراقبة التصرف العام يجب أن توزعا مُنَاصَفَةُ بين المتعاقدين وكل هذا في المبتدا وإلى أن تمكّننا المدرسة والنصائح من بلوغ النضج المطلوب . والحال أن الحماية بلغت اليوم سن الثامنة عشرة، أي سن الرشد، وما زال هؤلاء السادة لا يتردّدون في الإجابة، في كل مرة يتجرأ فيها واحد من ذوي النيات الحسنة على تذكيرهم بالتزاماتهم، بأن مراكش مازالت تفتقر إلى نخبة قادرة على أن تعبّر عن رغبات الشعب بأفعال واضحة وبأن الحل الأفضل هو "تمكين البلد من التطور في نطاق ثقافته الخاصة". هذه صيغة جميلة فتّانة على الرغم من أنها ماكرة شيئا ما. والمكر، مع ذلك، لم يكن البتة فضيلة من فضائل الحكم.

"ونحن اليوم، شاء القوم ذلك أم لم يشاؤوا، نملك نخبة. ولا بد لكل هؤلاء الذين جاؤوا عندنا لافتكاك أراضينا وافتكاك وظائف ومهن الإمبراطورية والحصول على وظائف عاطلة شائنة من يكونوا يصدرون عن سوء نية تامة إن تجرؤوا على ادعاء أننا لا نمثل غير عصابة من مهيجي الجماهير لابدّ من الإسراع بلجمها بالقوة.

"إننا نقبل بصيغة المعاهدة. وإذا ما وجدنا محاورين صادقين أمناء مستعدين لا للاستماع أو المحادثة فقط ولكن للعمل في مصلحة الجميع، فإنه لا أحد منا، في ما أعتقد، يمكنه أن يصدر عن قصد سيء. إن سلام المغرب ورخاءه لا يتوقّفان علينا ذلك أننا، نحن، الضحايا الطالبون الذين سلبوا كل شيء، معنويّا ومادّيا، والذين يطالبون بحقهم باسم هذه العدالة التي يصفق لها حينا وتداس بالأقدام حينا آخر حسب ما يقتضي الظرف.

إننا نعيش عصرا رفع فيه شعار الأمن الجماعي إلى منزلة المبدا المحرك لكل الاتفاقيات الدولية الكبرى. وبناء عليه فإننا نريد أن يكون التفاهم المبني على الثقة المتبادلة هو الضامن الأفضل في حل المشاكل الأكثر استعصاء .وهذا مشروط بأن يبذل كل طرف ما وسعه من جهد إذ لا حل من دون تحقيق هذا الشرط.

"إننا، لذلك، سنعرض على هؤلاء السادة خطة شاملة صيغ فيها كل مطلب صياغة تراعي الدقة المطلوبة حتى لا يتخفّى القوم وراء سدّ رماية يطلقون منه سَيْلا من الأوصاف المجانية والأسئلة المفخّخة. وفي هذا الصدد سنعتمد، روحا ونصا، المعاهدات التي كانت سبب الحماية والتي تبقى بالنسبة إلينا، السلاح الشرعي القانوني الذي لن نسمح بأن يسلب منا.

"يبدأ هذا المخطط، يا أصدقائي الأعزاء، بعرض للأسباب التي نحدّد، انطلاقا منها، وضع البلاد ونعرّف بالأدواء الثلاثة التي تعانيها مراكش سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. هذه المعاناة مردّها، مثلما تعرفون، إلى أسباب ملازمة للنظام الذي فرض علينا قسرا. إننا لن نجرّم شيئا لا علاقة له بصلب النظام الذي يحكم الحماية أو يندمج فيها. وباختصار فإن هذه الأدواء نشأت، رأسا، من الإدارة والاستعمار الفرنسيين.إننا نجد هذه السياسة جائرة ماكرة. ونتيجة لذلك فإن من حقّنا الذي لا مجال للمنازعة فيه أن نجيز لأنفسنا فضح الجور الذي يقوم شاهدا عليها ويجرّدها من المشروعية".

"هذه السياسة عنصرية، فهي تستعمل المحاباة الضريبيّة والميزانية. وهي ظلاميّة. وهي معادية لليبرالية. وهي استعمارية. وهي، بعد كل حساب، إدماجية. وكل هذه الحقائق تكذب الإدعاءات التي تسند مشاريع فرنسا الشمال أفريقية وتجعل من صيغة الحماية، مثلما تصورها بول كامبون بالنسبة إلى تونس، قبل أن يوطّنها لاروقان في مراكش، هزأة.

"إن هذا المخطط، مثلما شددنا على ذلك في عرض الأسباب، ليس فاتحة عمل سلبي أو وهمي. وليس فيه شيء مما يمكن أن يعد تخريبيا. فموقفنا من الحماية واضح. إننا نتبنى الامتيازات السياسية مثلما تبينها الاتفاقيات والرسائل وكذلك تصريحات الحكومة الفرنسية الرسمية...

"إننا نطالب، بمقتضى هذا المخطّط، بإصلاحات سياسية: أي بتنظيم إداري وحريات عامة وخاصة وبتعريف قانوني بالجنسية المراكشية. ونطالب بإصلاحات قضائية تتصل، حصرا، بالعدالة : بتنظيم قضائي وبإجراءات وبحقوق القضاء وممارسته وكذلك إعادة النظر في نظام السجون. ونطالب بإصلاحات في التعليم والحبوس والصحة العامة والمساعفة الاجتماعية والشغل. ونطالب بإصلاحات اقتصادية ومالية:أي أننا نتطلب إعادة صياغة سياسة اقتصادية تكون بمنأى عن النزوات الشخصية وبالحد من نظام الاستعمار، بل مراجعته، إذ هو مصدر فساد الوضع في شمال أفريقيا. وهو يهدد بشكل دائم سلامة العلاقات الاجتماعية وتحسين الفلاحة المراكشية وتعديل قوانين النظام العقاري وتليين القوانين الضريبية: التراتيب وضرائب أخرى. ونطالب، أخيرا وختما لقائمة مطالبنا، باتخاذ إجراءات تهدف إلى إلغاء السياسة البربرية المزعومة إلغاء تاما وبحرية اللغة العربية ونشرها، وبالتنديد بالتبشير الديني باعتباره مصدر سوء تفاهم وخلاف، وبالسماح بشهر الراية الوطنية والاحتفال الرسمي بأعيادنا القانونية، وبراحة يوم الجمعة. كل هذا، إذن، واضح دقيق ولم يعد في إمكان القوم أن يتهمونا بالسعي الى تحقيق منافع بشكل موارب وسطحي".

لم يسلم هذا المخطط للإقامة وحدها إذ كان يمكنها، بعد الإطلاع عليه، أن تتغافل عنه إن لم تلق به في قعر سلّة. ذلك أن مقيما يتحول ،في أفريقيا، بقوة الأوضاع،إلى حاكم طاغية. فأول ما يفكّر فيه عندما تطأ رجلاه التراب "المحمي" هو تنكيس علم الديمقراطية. ومن هذه اللحظة لا يصبح غير متسلطن بسيط. وهو، إذا ما غطّ شفتيه في هذه الكأس، يصبح الله وحده عالما بما إذا كانت رأسه لن تستسلم للدوخة ا انه لن يبالي بحقوق الآحرين.

كان للناشطين المراكشيين المعجبين بيوغرطة، قُوّةُ حَزْمِه. ومثلما كان هذا الفارس في حروب المغرب القديم على روما كانوا، هم أيضا، يعرفون كيف يتصرفون في أفريقيا وأوروبا. وإذا كانت سلطات أفريقيا الشمالية غارقة في المحاباة التي وفّرها الحكم الجديد المتولد من الفتح واغتصاب الأراضي فإن باريس بقيت ميدان عمل مذهل للنشاط المغربي. وعلى هذا النحو وجد البرلمان نفسه مثلما كان شأن مجلس الشيوخ قديما، يتعرض لوابل من العرائض والمطالب وتسلمت الحكومة واللجنتان الكبيرتان في المجلسين ورؤساء ومدراء الأحزاب الرسمية والصحافة المخططَ. وباختصار فإن المخططَ عرض على الرأي العام العاصمي في الوقت الذي عرض فيه على الإقامة في الرباط.

كان الأمر ذا شأن. فها أن سانلوشون يعبر عن سخطه وهو الذي اشتهر بأنه كان البرودة سوّيت بشرا. كانت هذه المساعي التي ضبطت على نسق واحد ونفذت بسرعة مدهشة تربك سياسته. فلقد كان يريد أن يباغت الجميع وأن يضرب الخصم، مفاجأة، ضربة قوية من دون أن يذيع الخبر في الخارج. إنه ما يشبه عملية خنق لطيفة. ولكن ها أن ظهيره يفشل.

كان الناشطون المراكشيون وهم يتأثرون خطى من يكبرونهم سنا في تونس يعجّلون في السير فظهرت، في باريس، صحيفة ناطقة بالفرنسية رعاها عدد من الشخصيات البرلمانية المزدهية بأفكارها الليبرالية. إن مثل هذه الفؤول ،على الرغم من أن التجربة الجزائرية التونسية كانت تدل على وجوب الحذر منها دائما، كان لابد لها، مع ذلك، أن توحي إلى عدد كبير من أنصار سياسة استعمال القوة وجوب توخّي حذر ماكر يتمثل في اللجوء، عوضا عن إرخاء القمع، إلى سياسة التحري والتذاؤب والظهور في مظهر المنشغل بالأمور والدبلوماسي.

على هذا النحو ولدت المغرب. والمغرب هو اسم المجلة التي أصدرها منذ قليل إدريس وأصدقاؤه في باريس بالفرنسية ابتغاء الدفاع عن مصالح مراكش وكذلك فضح تصرفات السياسة الاستعمارية في أفريقيا الشمالية. لقد سبق قبل خمسة عشر عاما عندما كانت الحرب العالمية جاشية، أن نشر ناشطون مغاربة آخرون، وهؤلاء كانوا تونسيين، في جنيف، هم أيضا، جريدة تسمت بجريدة المغرب واختفت بنهاية الأعمال الحربية وموت محركيها الأخوين علي ومحمد باش حامبة.

كانت القومية المغربية المعزولة في بداياتها المترددة تبرم حبالها وتتبدّى في سلسلة أحداث متتابعة تعبر، بهذه الطريقة، وإن في شكل طفرات وتقدم متقطّع، على الرغم من تشتت صفوفها، عن قوة تعلن أضعف علامة فيها عن الرغبة في فرض النفس والمطالبة بالحق في العزة وفي الحياة وبحق المغربي في أن يكون له مكان على الأرض يبرره، بعزم، تاريخه الطويل الخصب.وهذا على الرغم من عظمة قوة خصم كان يطارد هذه القومية بالوسائل الكثيرة التي في حوزته ويناوشها من دون انقطاع في كل مكان.

ومثلما ناضل المناظرون التونسيون الذين اتخذوا من القسطنطينية وسويسرا ملجأ لهم في مجلة كان عنوانها وحده يوحي فكرة البعث القومي سمّى النشطاء المراكشيون، في باريس، مجلة مطابقة المغربَ. وفي العنوان تسمية رمزية. وفيه كذلك إخطار وثيق الصلة بالموضوع. فالمغرب إنما تُحذّر هؤلاء الذين يلتهون بتحدّي ذرية حنبعل وابن رشد وورثة قرطبة وغرناطة وأحفاد المحاربين في كان وبواتيي وسُلاَّنِ قراصنة المتوسط الكبار وتحذر ممتهني الثلب الذين لا يتجرؤون على الإمساك بالقلم إلا لاقتناعهم أنه في إمكانهم، من دون خشية عقاب، أن يقذفوا ِبرُوَالِهِم أخصامًا تُكَمِّمُ القوانين أفواههم وتطادرهم الشرطة وتحاكمهم المحاكم ركوحا، في أحكامها، إلى قوانين استثنائية. لقد كان وقع صدور المغرب في فرنسا على فرسان الشتيمة والنميمة هؤلاء شبيها بوقع قنبلة تنفجر، فجأة، في ميدان استعراض.

لم يكن مخطّط الإصلاحات وصدور المغرب هما الإجابتان الوحيدتان على الظهير إذ وُجِدت ثالثة كانت ما تزال تنتظر المقيم سانلوشون. ولقد بقي، عند الإعلان عنها مبهوتا وأصابته دهشة عميقة ووقع هذا الداهية الإداري في الشرك الذي نصب وكلّفه ذلك ولايته. ولم يكن من السهل، إنقاذا لهيبة فرنسا التي امتزجت بالماسونية والاستيطان، إمهاله في منصبه، سنتين أخريين. ولقد آل أمره إلى أن يمضي بقية أيامه في كرسي قاض عاجي.

لقد كانت هذه الإجابة الثالثة هي موجة الاستنكار التي انتشرت، بعد أن تخطت حدود مراكش وأفريقيا الشمالية، في باريس وفرنسا وأوروبا والمشرق. لقد وقع تمثل دروس يوغرطة بشكل جيّد. ولقد غطّت صحف الجزائر وتونس مقالات احتجاج وعبّرت غريزة البقاء، لأول مرة، عن نفسها بفعل تضامني يدل على أن الشعور بدأ يتحول فكرة.ولقد كان هذا هو الأساسي. وهو أفضل ثمر أنتجه الخطأ الكبير الذي ارتكبه المرزبان الصلف ومستشاروه الذين كانوا يدعمون رأيه في أن الوقت قد حان للإجهاز على وحدة المغرب الأخلاقية. وفي أقل من شهر عُرِّيت فرنسا من ثيابها قدّام العالم، وتسلمت باريس ولندرة ومدريد وبرلين وجنيف والقاهرة ومدن المشرق الكبيرة ونيويورك وبيونس آيرس وساو باولو عرضا شاملا، في صيغة نصوص تدرج في الصحف أو كراسات وجهت إلى الشخصيات والمؤسسات السياسية، مصحوبة بملاحظات تفسيرية للإثبات، حول الإجراءات التي يوجزها الظهير البربري.

ومن الذي كان يخطر بباله أن أفريقيا الشمالية التي كانت مؤامرة صمت تعزلها عن العالم وتفوّض أمرها لتقدير أمة كاسرة هي التي ستكون سببا في اقتناع العالم الآن بأن ليبرالية الجمهورية لا تنفصل عن جماعة الـ براياريين والـ كوينلارتيين و القرولويين و الـكاملكوبفيين والـ كونيين ؟

*

* *

إن الخلاصة هي أن القضية، إذا ما اعتبر تطوّرها من اللطيف الذي كان يردد في المساجد إلى مخطط الإصلاحات ومن تدفق التحاليل والمجادلات حول الوضع إلى مظاهر الاستنكار التي ترددت أصداؤها في أقاصي الأرض، لم تقع إدارتها برعونة. وهي تعدّ، باعتبارها محاولة أولى، دليلا على البراعة. ومن الصعب على المرء أن يتصور ما كان عليه وجها سانلوشون ولاروقان، أي المتحمس للمثلث وعسكري الـ سكريستيا المتحدين، بالتساوي، في الحقد على المغرب، عندما ظهرت نتائج ظهير 16 ماي على هذا النحو أمام أعينهم المندهشة بعد عدة أشهر، لا أكثر، من تحمل الإقامة مسؤو لية هذا القرار.

لقد تردّدت الإدارة وقد أذهلتها المناورة المضادة.كانت ترغب جيدا، وقد صدر الظهير، في أن تبدي، على الفور، "جهاز قوتها تجنبا لاستعماله" مثلما كان يوصي بذلك الماريشال من كان مهيئا للقبول به كاهنا معصوما. ولكن رد الناشطين السريع أفحم هذه الإدارة إلى حد إرباك سياسة صرف الأنظار التي كانت تعتمد إرباكا كثيرا.

لقد فضّلت، إذن، التريّث في البداية منتظرة مرور العاصفة. ذلك أن عرافي أفريقيا الشمالية الذين يتميزن بإدراك أضرت به الأفكار المسبقة الراسخة حتى الأعماق، لم يكونوا ليولوا موجة القَعْرِ هذه غير أهمية عرضية. فهي لم تكن، في نظرهم، غير واحدة من هذه الزوابع التي تهدأ بمجرد الإعلان عنها والتي يشبهها أكثرهم اتزانا ببؤرة تمرد لا تستحق أن تخضع، في أسوا الأحوال، لغير عملية أمنية بسيطة. فهذه النسخ الرديئة من مترنيخ المنتفخين إدعاء هزيلا لا يكادون يتبيّنون ما يميّز الانتفاضة عن الثورة. لقد بلغوا، بمقياس هذا القرن، من العمر عُتِيًّا!

أما النشطاء فلم يكتفوا، من جانبهم، بما حقّقوا من نجاح. لقد كانوا يعون جيدا أنهم يخوضون صراعا غير متكافئ وأن هذه المبارزة غير المتكافئة التي يصعب الصمود فيها تتطلب قدرا مساويا من الصلابة والرشاد حتى تؤتي ثمارها. وهم، فضلا عن ذلك، كانوا يقدرون قواهم تقديرا سليما ذلك أن قرنا من التجربة مكّن عقولهم من معيار صالح لتقدير ما في وسعهم أن يتحملوا حتى لا تخمد هممهم.

لقد كان يمكن لسياسة صريحة تحرّكها رغبة صادقة في التفاهم أن تدفع الإقامة، يقينا، إلى مراجعة قرارها حول الظهير وأن ترهف الأذن لمشروع التعاون الذي عرضته الشبيبة المراكشية عليها إذ أن الأمر بلغ منعطفا اتضح معه أن ليس يوجد خطأ أفدح من عناد أعشى لابدّ له من أن يصطدم، عموما، بقضية الهيبة أو كبرياء الفكر المسبق. ذلك أن مثل هذه الصخور هي التي تحطمت عليها روما وبيزنطة. وفي هذا درس للإمبراطوريات الكبيرة الحديثة يجب تذكره إذا ما طمحت إلى الحد الأدنى من الدوام. ولكنه بمثل ما يصعب على المرء أن يغرق سمكة يصعب عليه أن يقنع الفرنسي في هذا الموضوع. فهو قد اتخذه قراره. وهو ما دام يملك القوة، لا يعرف غير الهراوة مع احتمال أن يغلف ضروب تعسفه بنوع من الهذر المسهب الصبياني الذي يذكر بالمماحكات اللفظية التي اشتهرت بها لاتينية ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية.

كان الصدام، إذن، وشيك الوقوع. ولم يكن من الممكن تلافيه. ولسوف تبين الأسابيع اللاحقة أن خرافة قوزاق الإمبراطورية الروسية والفرسان المرتزقة في الجيش البروسي، من سيافين ورماة، ليست ميزة الدول المستبدة وحدها ذلك أنه كان للجمهورية، هي أيضا، فيلقيوها وسينيغاليوها، وكانت تمهر في استعمال سوط الجلد والضرب بالعصا مهارة الجلادين الذين سبق أن أدانهم ثوار 1848 دفاعا عن بولونيا الشهيدة!

ضرب الحصار على فاس، فاس عاصمة مراكش التي ورثت، هي وتلمسان، آخر التقاليد الأندلسية التي وصّت بها مدينة أبي عبد الله. إنها فاس، من الآن فصاعدا، التي سَيَشِعّ منها ومن محيط طلبتها الفكري النشيط ومن تجارها ومن صناعها إيمان جديد يتحوّل، وهو يخرق قشرة عاداتها القديمة التي تجاوزها الزمن شيئا ما، إلى وطنية نافذة اندمجت في قوانين القرن. إنها فاس، وعلى إثرها كل مدن مراكش. إن حبل الوفاق بين المدينة والجبل الذي قطعته منذ الموحدين سلسلة كاملة من الأخطاء وسوء الفهم، يعقد من جديد ويتأسس على توازنات جديدة لا تتمكن السياسة الأجنبية، على الرغم من جهودها المتزايدة، من تفكيكها وهدمها. إن روح التكتل أصبح يصدر عن توليف وطني.

لقد كان يتخيل، مثل يوشع، إيقاف الشمس عند طلوعها. وها أن مقاومة البلاد، بعد استسلام الأمغار بأقل من خمسية تتخذ، بعد أن بدلت ممرات الجبل بالمدرسة والمسجد والسوق، صيغا من النضال جديدة يغلب فيها توضيح الأفكار على قوة الشعور الفطرية العمياء. إن هذا هو ما توقعه جمال الدين لبلاد الإسلام عندما التقط، نهاية القرن الماضي تقريبا، بعين العقاب، أسباب انحطاط الإسلام الخفية وأوصى، معا، بجهود قائمة على العلم والتسامح والعمل، دواء.

وأخيرا صمم سانلوشون، في تصلب يبعث على الإستغراب ولكنه سمة فرنسية مميزة، على اللجوء إلى سياسة القوة. لقد أحس هذا الماسوني الحائز على رتبة عالية في الترتيب الحيرامي فجأة، أثناء القمع، أنه يتوفر على نفس يعقوبي من سلالة كاريي وجان بون سان أندري وأطلق على المتظاهرين باشاواته ومخزنييه وسينيغالية وجندرمتة وكلف الجنرال نوار، قائد حامية فاس بـ "إعادة الأمن إلى نصابه في العاصمة" وَالَذكرى فارصوفيا!

فمن يكون هذا الجنرال نوار ؟ إن اسمه، هو أيضا، يمثل مزاجا ونظاما وعصرا. بل إن الأفضل من ذلك هو أنه نموذج الضابط الفرنسي المجزّم المخوّذ الذي يُنشر من فترات ثورية سابقة. إنه شبيه بديمورييز وكيلرمان وهوش عندما ينشطون في "المستعمرات".

كانت الحكومة الفرنسية ،عندما انخرط،بصفته ضابطا شابا ثانويا في المهنة قبل ربع قرن، قد قررت ،بعد حل قضية دريفوس وتبني الراديكالية مذهبا سياسيا، تطهير الجيش من العناصر الرجعية فيه وتهيئتة لتقبل نفس جمهوري جديد. ولقد تميّز الملازم الأول نوار الذي كان، إذاك، حديث التخرج من سان سير، بأفكاره التقدمية وأخذ، على الرغم من أنه كان ينتمي إلى الأبكم الأكبر 1، يكتب في صحف اليسار متخفيا وراء أسماء مستعارة تشي بحبرها العسكري. لم يكن في ما كان يكتب منشغلا بالخطط الحربيّة وإنما بالسياسة بل إنه كان يظهر، في هذا الميدان ،حماسة مربكة.

ولقد أثارت مذابح سان بيترسبورغ، في هذا اليوم البعيد المضب، يوم 22 جانفي 1905 اهتمامه فنصر غايون على القيصر والجمهور الثائر على القوزاق ومكسيم غوركي على يليهف والغران دوق سيرج. ومع ذلك فإنه كان على فرنسا التي كانت ترتعش لمجرد تقطيبة من القيصر وكانت تربطها بروسيا معاهدة تحالف وشهدت انتصار اليابان الساحق على المحدلة أن تؤثر بطريقة جد مغايرة في ألياف هذا المتمرد الغريب الوطنية.

ولكن فرنسا كانت فريسة أزمة عميقة. وبدا أن غريزة جزار فاس في مقبل الأيام الجمهورية تطغى عنده على أمري الوطن والانضباط.

1.La Grande Muette ، كناية عن الجيـــش.

كان الجنرال أندري قد عوض الجنرال غاليفي. وكان قنص ذوي الميول الدينية من العسكريين قد افتتح. إن هذا هو ما أطلقت عليه عبارة "قضية الجذاذات" الشهيرة.

ونوار، وهو ينشغل بالمجادلات الصحفية ويشي بزملائه، إنما كان في حقيقة الأمر يستجلب اهتمام رؤسائه الجدد في الجيش. ومع ذلك فإن 1914 لم تغير من رتبته العسكرية شيئا. لقد ساهم في الحرب التي وقع أسره فيها منذ المناوشات الأولى بوصفه سجينا في معسكر اعتقال ألماني. وقد استأنف سنة 1918 عمله بالرتبة التي كان عليها قبل 1914. أما فاس فقد شهدته سنة 1930 حاملا النجمة الثانية. وها أن الفرصة تتاح. ولقد انتهز هذه الفرصة السانحة بأن سلك في مجابهة الجماهير المراكشية المتمردة سلوكا رَفَضَه سنة 1905 للقيصر وبليف والقران دوق. لقد سبق أن توفي الكاهن الأرتوذوكي غايون وإلا لكان الملازم الأول القديم المعارض، أكيدا، أمر، وقد أصبح جنرالا للجمهورية وحاكم فاس العكسري، واحدا من سينيغاليه بأن يصرعه إذ أن الجيش الفرنسي يترفع عن استخدام القوزاق للقيام بمهام تحضيرية مثل هذه.

لقد وقع رفض مبدأ التفاوض حول مخطط الإصلاحات الذي كان هو الشرط الضروري في كل تسوية أساسية. وكانت الإقامة تعوّل على احتمال هذا الرفض لترد الفعل وتبرر إجراءاتها الصارمة. أما الناشطون المراكشيون فلم يكونوا، في ما يخصهم، ميالين إلى الوقوف موقف المتفرج المشدوه من الأحداث ولذلك قرروا النزول إلى الطريق.

إن الطريق، هنا، ليس لها من المعنى ما لتعبئة الحشود في كبريات المدن البروليتارية في أوروبا. إنها تختلف عنها اختلافا تاما على الرغم من سيلان الدم دائما نهاية هذه المظاهرات. ذلك أن المغربي الذي جرّد من حقوقه الأكثر ابتدائية لا تحمي ظهره لا قوانين تمنع التعسف الإداري ولا صحافة تتمتع بكامل حصانتها ولا حريات نقابية ولا حرية تنظيم يمكن أن يؤطر تحركه. وهو إذ ينزل إلى الطريق لا يفعل ذلك بوصفه منتصرا للعنف ولكن بوصفه متظاهرا مسالما واعيا حقوقه وواثقا، كذلك، في منطق الآخرين. والأوامر التي يطبق لم تتضمن في يوم من الأيام محتوى انقلابيا ولا استفزازيا مثلما يلذّ لدعاية غادرة أن تؤاخذه عليه إلى اليوم. لقد انتسبت حركته، بإصرار، إلى مفهوم القانونية الذي لم يعترف له بالحق فيه ركوحا إلى حجج أقل ما يقال فيها انها بلغت من المكر مستوى يستنكف معه العقل النزيه من التوقف عندها لخطة.

إن الجماهير المهنية المغربية، وهي تسير خلف وفودها وراياتها، إنما تعبر عن نوع من حركة الجماهير التي تماثل الجماهير التي تبعت سنة 1905 الكاهن الأرثوذيكي غايون ملتمسة من القيصر شيئا من العدالة والتي اعتقد الأعمى بيليف، وهو يغرقها في الدم، أنه كان يأتي فعلا محمودا.

وهل يعرف المرء ما الذي انجر عن ذلك ؟ إنه لا يعترض للتيارات الشعبية من دون عقاب. فصوت الشعب من صوت الإله (1) وإن ثورة ما لا تدفعها ضربات سيف أو رمح حتى لا نقول طلقات رشاش. إن الثورة يقع تجنبها بتجاوز من الطرفين حقيقي أساسي صادق. وإلا فإنه الانقلاب. إن العالم يسير على هذا النحو منذ فجر المجتمع المنظم: من الزمن الذي ألقى فيه ابن الإنسان في وجه الإمبراطورية الرومانية الجبارة بكلمات محبة تحولت، إذ أطرحت، بقوة الأشياء، إلى عناصر تغيير عام هادفة إلى تجديد الإنسانية إلى الأيام التي سيّب فيها كرومويل وواشنطن وروبيسيير وبوليفار وكوسوت وماتزيني ولنكولن، بدورهم، تيارا حاملا نفسا تحريريا مطابقا، حتى يجرف القوى المعارضة للتقدم ذاتها.

والحال أن الفكرة التي تجعل من لاروقان، هذا الدوبليكس المتأخر، الذي يعيش في أزمنتنا المعاصرة، باني إمبراطورية إنما هي فكرة مآلها السقوط لعيب في الخلقة. إن للعالم من الآن فصاعدا الحق في حلول حكيمة جسوره وإننا لندور في وسط حلقة مفرغة. لقد سد تطور الإنتاج الفوضوي وسلطة البنك والمصنع المطلقة ومبدأ أولوية الربح وغلو الإيديولوجية الثورية الواقعة بين سراب مجتمع مثالي وتصورات عنف مجاني، الدروب على العالم. ومع ذلك فإنه لا أحد لا يعرف لماذا دمرت أورشليم قديما. وكل الناس يخشون، اليوم، أن يتعرض العالم لعقاب مماثل أو ربما أشد قسوة من هذا الذي أثار أيما إثارة غضب النبي اشَعْيَا.

لقد كان الإضراب، هذا السلاح الخاص بالضعفاء، بعد ذلك، وسيلة عمد النشطاء إلى استخدامها. واللفظ هنا أيضا يختلف في معناه عما يفهم منه في أوربا إذ أنه انتهي فيها، منذ مجيء الرأسمالية الصناعية، إلى مرادفة المعارك التي كانت تشنها الطبقة العاملة. وإذا ما فهمنا من البروليتاريا العامة والفئات الشعبية المنحطة اقتصاديا فإن هذه الفئات تتمثل في أفريقيا الشمالية، وهي بلاد مجردة من كل تصنيع، في الكتل الريفية والحرفية التي تكون صميم الطبقات العامية. فقلة المصانع والورش الكبيرة تحصر أعداد البروليتاريا العمالية الشمال أفريقية في المنشآت المنجمية والمواني، وساحات التعمير ومؤسسات الحفر وخاصة في الأعمال الفلاحية. ولذلك فإن الأجور المنخفضة التي يتقاضاها العامل وحرمانه من كل منحة يمكن أن تتأتى من التشريع الاجتماعي الجاري به العمل الذي يتجاهله ويحطّ من قيمة عمله، يشدانه، حتما، إلى وسطه الوطني ولا يكون من الممكن أن توجد علاقة تضامن ممكنة بينه وبين العامل الأوربي.

إنه لا خير مشتركا يمكن أن ينالا، معا، من حركة تنظيم نقابي أو حرفي حتى لا نتحدث عن إضراب بما أن القوانين والأفكار المسبقة واختلاف الأجور تتضامن لتفضيل الواحد منهما على الآخر. فالدور الوحيد الذي يمكن أن يؤول إلى الواحد منهما في علاقته بالآخر أثناء النزاعات المحتومة التي لا تحصى بين رأس المال والعمل هو أيضا دور كسر الإضراب.

وإذا كان الميثاق الوطني والحركة النقابية يدعمان العامل الفرنسي في مجابهة أرباب العمل والدولة فإن الرباط الوحيد الذي يمكن للعامل المغربي أن يعوّل عليه، عند الاقتضاء، سواء على المستوى المادي أم المعنوي، هو الذي يشده إلى وسطه المخصوص. إن التعاطف والمساعدة العالميين ليسا ،بالنسبة إليه، غير رماد يذر في العيون وتشكل سراب وخرافة طنانة، ولا شيء أكثر من ذلك!

ولهذا فإن الإضراب، باعتباره وسيلة لمجابهة الامبريالية الفرنسية، يبقى محصورا في السوق والمدرسة. إن هذه هي، في هذا الظرف، الأوساط التي يمكن لاحتجاج الأمة أن

Vox populi, vox dei :(1)

يعثر فيها على آذان صاغية موافقة قادرة على أن تحول أفعالا ملموسة. وعندما يغلق التاجر، بناء على أمر تلقاه، متجره ويغادر الصانع حانوته الصغير وعندما يردّ صاحب المقهى وصاحب الحمام مصاريع أبواب محليهما وعندما يقاطع الطالب الدروس وتصطبغ المدينة، لذلك، بواحد من هذه الألوان الحزينة المنذرة بأفدح وعيد، فإنه لاشك في أن ما حصل من نتائج يفوق بكثير تأثير إيقاف الحركة الاقتصادية الذي يرافق هجر المصانع والمكاتب في بلاد أوروبا. إن الأمر أخطر بكثير إذا ما تخلينا أن الإضراب، في أفريقيا الشمالية، يشمل كل طبقات السكان التي توحدت في وثبة تظاهرية واحدة في حين أن الإضراب عن العمل، في أوروبا، يستنفر الطبقة العاملة ويستثني أجزاء السكان الأخرى التي، غالبا، ما تبدي إزاءها العداء وفي بعض الأحيان تنصر الدولة عليها.

إنه عندئذ الإضراب العام (1) أي نظرية الإضراب العام الشهيرة التي شهرها، ذات يوم، أرستيد بريان أثناء تربصه في صفوف الحزب الاشتراكي والتي أصبحت، بعد أن ازدرعها الدستور في تونس، منذ فترة آل باش – حامبة، سلاح الحركة الوطنية المغربية الذي لا يضاهيه سلاح.

لقد أصاب سي تاشفين وسي عبد الحرمان عندما وضعا خطة مترابطة تتمثل في خطوات أُحْسِن تصورها وتنفيذها معا: من اللطيف في المسجد، مستقر اتفاق مشاعر الأمة إلى السوق التي تنشط فيها حياة العاصمة الاقتصادية والتي تؤثر في مجموع البلاد إلى الجامعة التي انطلقت منها الفكرة التي تولّدت منها الحركة أي بكلمة واحدة أكثر إيجازا وأكثر اختصارا، التحالف بين مولاي إدريس والقيصرية والقرويين.

وما أن أعلنت الإقامة أن سانلوشون يرفض أن يجلس إلى الوفد الذي فوضّته المنظمات الوطنية التي تطالب بإلغاء الظهير والقبول بالمخطط حتى تقرر شنّ إضراب احتجاجي. ولقد دلت أوامر تقييد حركات العساكر في معسكراتهم على أن الإدارة كانت قد تهيأت لتسديد ضربة موجعة. فالإنسان لا يمكن أن يكون فرنسيا اتفاقا.

(1) : بالعربية في النص

شُنّ الإضراب. وفي لمح البصر توقفت كل المدينة عن العمل. وفعلا فإن مخازن القيصرية والدكاكين المتناثرة في كل حارات فاس والحانوتيين والباعة الصغار بالمفرّق والبقال والجزار والحائك والصباغ والدباغ والزنار والمبيطر والحداد والنجار والبابوجي والحذّاء والمقصدر والنحاس والكتبي والكاتب العمومي وتاجر الثمار والسقاء والحلواني المتجول والدلال وكل المهن وكل أصحاب الحرف والتجار والأعراف والصناع المبتدئين، إن كل هؤلاء عادوا إلى بيوتهم وهم يصفقون الأبواب.

لقد ظهرت المدينة بمظهر صارم. وهذه الحاضرة التي كانت إلى حد الآن، لما بدا على وجهها من تهكم ناقد وطيبة ساذجة، تبدو على مزاج متردد مائج أبانت عن فضائل جديدة من الحماسة والثبات.

لقد اندهش إدريس، وهو ابن جبل لم يكن يرى في المدينة غير مسرح يبدّد الطاقة عندما تمسها الحياة المتهاونة السهلة من ذلك، هذا الاندهاش الساذج الذي يميّز المزارع الأبدي التائه في العواصم الكبيرة. لقد كان يقف من المديني موقف نفور تولّد، ما من شك في ذلك، من ارتياب رجل المحراث في رجل دفتر القيد خاصة عندما يكون خاط الثلوم مُلَبَّسًا برام حاذق أو بمروّض جياد جيّد. ولم يتمكن إدريس من التخلّص من هذا الاحتراس الذي ترقى جذوره إلى أزمنة بعيدة والذي ما يزال باقيا في أزمنتنا الحاضرة، أزمنة الزراعة الآلية وحتى المتشيعة، إلا في الوقت الذي بدأ فيه يتشرب، في ظل سي تاشفين، نوعا من القومية المتنورة. لقد كان مزارعا، وبقي كذلك. وكانت إحدى قراءاته المفضّلة هي أن يتفحّص، بتوجيه من الونوغي، وهو مديني، أطوار هذا الصراع الذي كان يتبيّنه في العلاقة بين البونيين والبربر عند قراءة صفحة قديمة من التاريخ القومي في صالامبو. لقد كان يفضل على النبوغ القرطاجني القائم على التنظيم واتساع الأفق من ناحية وشدة التدقيق في التفاصيل وتقدير العواقب من ناحية ثانية، حمية النوميدي، هذا البدوي الفارس الذي مزج بين البساطة والبطولة ، والذي لا يملك من الحياة إلا ما يكتسبه من أحاسيس أثناء حُضْرِ فرسه والذي يعرف كيف يموت، في اللحظة التي تقتضي ذلك، وهو يعهد بمطيته وقوسه إلى الرفيق الذي يتجشّم عناء دفنه تحت مدرة من التراب. إن مثل هذا النوميدي، وبعد ذلك العربي، هما اللذان خلدا أمجاد المغرب. وفعلا فإن القديس سان أوغسطين لم يجتذبه البتة إذ لم يكن يرى في هذا النابغة العظيم الذي تحرّر ظله من أسوار المدينة ليركب تيارات الإنسانية الكبرى، غير علامة من المطلق ومن المدمج وغير عنصر ارتد عن أرض الأجداد. لقد كان يفهم جيدا عددا من صفحات مدينة الله وما تتصف به ،أكيدا، غاية أب الكنيسة الذي نجح شيئا ما في تنظيم بناءات المعتقد المسيحي الغامضة، من تعال. ولكن عقل مستخلص الجوهر هذا المفرط في الليونة إلى حد ذاب فيه في عقل جنس معاد، كان، في الآن نفسه، يُنَفِّرُهُ ويُقِْزرُه منه. فبين الفارس النوميدي الحر الفخور والأسقف العالم المدجّن كان غالبا ما يلذ لإدريس، بتأثير من تأسُّلِيَّة قبلية قديمة، أن يبرز حذر الكوخ الضارب في القدم من البيت الحجري.

وها أن وجه فاس يتبدّى لعينيه وقد نفض عنه هذا الرشاش الفردي. إن التاجر والصانع اللذين تركا عملهما ومصدر رزقهما الذي فرض عليهما منذ أزمنة غابرة الخضوع لنير العمل اليومي الشاق استجابة منهما لنداء البلد بديا عنده جديرين بالإعجاب جدارة المحارب في الجبل الذي يهجم على الخصم غير ملفت إلى الوراء وأصابعه على لسين رمي البندقية التي لا تفارقه، وهو معرض في كل لحظة، للتدحرج أسفل ثلم أو دغل من دون أن تفلت من شفتيه أقل صرخة توجّع بل إن الأمر وصل بإدريس، الآن، إلى التعبير عن تفضيله مُطَرِّي الجلود في الحومة المجاورة وقهوجي الدوح وعقاقيري العطارين والقراب الذي يتعيش هو وعائلته في هذا المسكن المتداعي للسقوط والذي يراه، وقد أثارت القلب هذه الصدمة العاطفية الغامضة التي تحملنا على الاندغام في الناس الذين يشاركوننا التفكير، يستجيب لدعوة الإضراب في همة وهدوء غير متوقعين حقا.

كان إدريس، إذاك، يواجه مسألة صراع أحاسيس تحدّد، قبل أن يتمكن المرء من حلها، هذه الحيرة الأخلاقية التي يرى فيها عدد من الناس بدايةً لازمةً لكل تطور ذاتي. لقد فهم إدريس، مثل أبيه في الماضي الذي علم وهو ينزل بطرابلس أفريقيا بعد أن أنهى رحلة طويلة قادته إلى أهم مدن الشرق، بتنحية السلطان عبد الحميد الذي كان محط آماله، باعتباره مسلما شيخا مناصرا لخلافة واحدة، وانتهى به الأمر إلى أن يفهم أن سير الأفكار يحتم على المغرب أن ينهج نهجا قوميا، فهم إدريس بدوره، على مستوى اعتقادي آخر، أن ضرورة مطابقة تفرض، أيضا، زوال الاختلافات الاجتماعية القديمة في سبيل دمج البنية العضوية في البلاد دمجا أكثر كمالا. ولقد كانت فاس، هذه المرة، هي معلمته.

عقد اجتماع مساء الإعلان عن الإضراب في بيت سي عبد الرحمان. وفي العشية كان الأسمر قد وصل من تيزران محمّلا برسالة إلى إدريس. كان الحاج علال الذي لم ير ابنه منذ حرب الريف شغلا به. وكان يحرص، وقد وهن منه العظم، على لقائه قبل أن يموت ذلك أنه على حد قول مأثور في البلد، إذا بدأت اللحية في التزين بشعر الحكمة فقد حان وقت التهيؤ للمثول بين يدي القاضي الأكبر.

وكان إدريس، من جانبه، يتمني أن يرى أهله. فلقد استولى عليه، نهاية إقامته الطويلة في فاس، الوطان وانتهى ، بغيابه المستطيل ،إلى أن يمرضه . لقد أصبح كئيبا. وأصبحت سِكَتُه الطويلة التي تقطعها أحيانا نوبة حمّى تثير في أصدقائه شعورا متزايدا بالخيفة من مكروه يلحق بصحته. ولكن هذه الحالة لم تكن تدوم طويلا فالحنين إلى الوطن الذي كان يعذبه كان، من جهة أخرى ،يجد له في الدرس والعمل ترياقا كافيا.

لقد كبر الآن. كانت لحية تبطّن وجهه البيضوي بطوق خفيف. وكانت جبهته المحدّبة تعبر عن نضج باكوري. وتلمع عينان كستنائيتان مذبلتان بريقا يستثير نشاط جسد مشيق ويمنحه مظهر بساطة سليمة النية لا تخلو من رهافة. لقد بقي، وهو الرشيق صاحب العضلة ذات الرأسين الفولاذية وربلة الساق القوية، ابن الجبل.

لقد نما تعليمه. وكان ،بفضل ملكاته الفطرية، قد أقبل، بكدّ، على دراسات متنوعة فتوسعت معارفة وتعود على استعمال الفرنسية استعماله العربية .وكانت الآداب تجتذبه. وقد مكنه حب اطلاع لا يستثني شيئا، منذ وقت باكر، من أن يألف الميكانيك والعلوم الطبيعية. إلا أن الأمر يحتاج، طبعا، إلى الكثير حتى يصبح في إمكان معارفه العلمية أن تجد الوسائل التي تسمح بالتعمق في معطيات المعادلات والصيغ العلمية المعقدة شيئا ما. ذلك أن بلدا يتنزل فيه كوينلارت منزلة الملك ليس مؤهلا، بالتدقيق، للسماح لفتًى أهلي موهوب بمواصلة طريق معرفية، ارتضاها، قادرة على أن توصله إلى تعقب آثار واحد مثل لابلاس أو لامارك.

إننا نعرف الأخلاق التي دفعت بهارييت بيتشرـ ستو إلى أن تكتب كوخ العم توم.إن الحضارة الغربية حضارة انحطاط. فهي لا تعرف ولا تقدر، لانبنائها على أساس من الفردانية الضارية وعلى المنفعيّة التي تنخرها، غير الربح. وسلّم قيمها مقصور على الفائدة التي هي منها، في الآن نفسه، النسبة والقاسم المشترك. إن المادة، فيها، تهيمن على كل شيء وتبتلعه ابتلاعا يعلن، منذ الآن، نتيجة حروب الإبادة التي أملتها النزاعات حول الربح، عن نهاية روما الجديدة مثلما نظم فرلان :

أنا الإمبراطورية ختم الانحطاط.

أنا من يرى مرّ عظام البرابرة البيض.

إن فاس ليست بالمدينة التي كان يمكن لإدريس أن يتابع فيها مرحلة تعليم قد تتوّجها السوربون.

فباريس لا تفتح كل أبوابها في وجه المغاربة. إن مدينة النور لا توزع عليهم مَنَّها الفكري إلا بالتقتير. وحتى في هذا الإطار لا يجب أن يتعدى الاختصاص الحقوق والطب. وهل حدث لأحدهم أن رأى مرّة شمال أفريقيي، يجتاز بوابة البوليتكنيك ؟ قد يحلو لماكر أن يلقي إليك، وهو يضحك سرا، باسم هذا العقيد الجزائري في المدفعيّة. ومع ذلك فإن هذا العقيد اللامع في الرياضيات المتضلّع خصوصا في علمي القذائف والناريات الذي أجمع أساتذته على أن يتوسموا له مستقبلا باهرا، أحيل، فجأة، على التقاعد بمجرد أن علق على بزرته الشريط الخامس. لقد كان عمره، إذاك، خمسة وأربعين عاما. لقد كان أفريقيا. ومن سوء الحظ أن هذه الحقيقة تحيي في عدد من الناس ذكرى سبتيم- سيفير، قيصر اللابوريموس. إنه ليس عندنا، في شمال أفريقيا، رأي قبلي في باريس ولا فرنسا : فرنسا هذه التي يلذ للكتب المدرسية أن تحليها بأجمل المفاتن المثالية. ولكن فرنسا هذه ليست بالنسبة إلى الشمال أفريقيين غير فرس رولان! ما الذي يبقى غير الشرق ؟ إن المغرب مسلم وشرقي على الرغم من اسمه، وهو مبرر جغرافيا، الذي يربطه بالمشرق المتوسطي إذ كان ،دوما ،يولّي وجهه، لثقافته وللون أحاسيسه وطريقة تفكيره ونوع سلوكه، شطر المشرق. وبالأمس كان المشرق هو الإمبراطورية العثمانية وهو مصر اليوم.

كانت مصر، في هذه الفترة من نهاية الثلث الأول من القرن العشرين تسير، في خطى ثابتة، في طريق التقدم وكانت تحقّق، حسب الصيغة الرشدية تأليفا صائبا بين الإيمان والعلم إذ لا يوجد غير قدر هيّن من الاختلال في هذا التطور شبه الثوري. لقد وقع، عن قصد، استبعاد المثال التركي.ولم يتوقف عليها أن شمل التغيير، بطريقة أوسع وأصلح، صيغا اقتصادية أشمل كان نظام الامتيازات والوفرة العائقة الناتجة عن استثمار رؤوس الأموال الأجنبية يُثَبِّطَانِها تثبيطا بالغا.

أما الأزهر فلم يعد يبهر أحدا. لقد تخطاه العصر. فقد انتهى وانقضى الزمن الذي كان فيه الجنرال بونابرت يذهب، وقد سمي بعلي وعُمّم، إلى فناء الحرم الجامعي لمناقشة علماء كانوا ،على نقيض الأحمرة ،يفضلون المال على التبن والذهب على الشعير. لقد انتهى وانقضى الزمن الذي كان فيه قاهر الأهرام ينتزع من عدد من الحمقى، تصحبه في ذلك بسمة مونج الساخرة وضحكة كليبير المغتصبة، فتاوى تفيد أن جيش مصر مسلم ولكنه، مع ذلك، يتمتع بامتياز يعفيه من الختان ويبيح له استهلاك لحم الخنزير وشرب الخمر. لقد انتهى وانقضى العصر الذي كان فيه الشيخ عْلِيش يرفض، معارضا في ذلك الخديوي إسماعيل،أن تدرس الجغرافيا الحديثة في الأزهر ولا يرى عيبا في أن يعتقد تلامذته اعتقادا يتعذر ردّه، أن النيل ينبع من جبال القمر في تخوم عدن السماواتية!

لقد أصلح الأزهر، منذ أن مرّ به جمال الدين، مناهجه وبرامجه إصلاحا كبيرا. كان يسرع أكثر مما هو متوقع بالقدر الذي سارت عليه السربون عندما فرضت أفكار النهضة إنشاء معهد فرنسا حيث أَشْرَعَ تعليمُ الإنسانيات الذي بدّد ما تبقى من آثار السكولاستيكية العجوز، الأبواب على مصاريعها لتقدم الثقافة. لقد أعلن سعد زغلول وطه حسين، وهما تلميذان من أشهر التلاميذ فيه خرجا من المعهد الفاطمي العجوز وهما يصفقان الباب، للشرق عن نهاية نقيضة وعن مجيء عصر جديد. ولكن ما كان ينبئ بحسن طالع مصر لم يعد الإبقاء على الأزهر الذي لم يعد غير ضرب من المنارات يقوم بمهماته قياما غير مجد إطلاقا. ذلك أن الأساسي والإيجابي كان هو الازدهار الفكري الذي شمل مصر نتيجة إدخال التعليم العصري بشكل منظم. إن الشيخ الشرقاوي زمن بونابرت والشيخ عليش زمن إسماعيل لم يعودا غير شبحين متلاشيين من ماض كان الزمن، هذا الحكم الأعظم، يلقي عليه تدريجيا كفن النسيان.

هذا التجديد الذي لم يعرفه المغرب، باستثناء وحيد، وإن كان أيضا نسبيا، هو تونس، كان مع ذلك، حريا بأن يمهد الطريق لتربية تطمح إلى التمام لا سيما أن وحدة الدين واللغة والأخلاق تحل، في ذاتها، مشكلة ضرورة التكيف عند الإبتداء.

كانت تونس في المغرب، ما تزال على قدر من القيمة .فالزيتونة المحَسَّنَة والصادقية والوسط الذي جدده خير الدين ومحاولات الليبرالية الدستورية الراسخة، دائما، في أذهان النخبة وذكرى الأزمة البونيقية وحروب يوغرطة المجيدة وأرض تدشين الإسلام الشمال أفريقي الذي تلخصه ملحمة افريقية، وطن مؤلف المقدمة وتاريخ البربر، كل هذا كان ميدانا مهيئا لبذر حبة مفيدة ولود.

لقد كان يمكن، إذاك، لخط المحراث، أن يكون على خلدونية كلاسيكية. ولكن حظّ تونس لم يكن ليختلف عن حظّ مراكش .كانت تئن من ثقل حماية ذات نزعات مماثلة. ولقد أحدث، هنا، سابق للـ براياريين وللـ كوينلارتيين هو الهزأة ما شويل، هذه المطفأة أي سلاح الظلامية الرمز التي شرعت جمهورية السيد الماريشال دوق دي ماهون في الطواف به عبر القارات مستظلة بدعوات الثورة المخفقة. وَرَغْم هذا فالدراسة في تونس دونها عقبات إذ على إدريس أن يحصل على جواز للذهاب إلى تونس. وكان الأمر صعبا لأن مغرب 1930 لم يعد غير فيلاركية من العصر الروماني المسيحي الأول.

لم يتبق، إذن، غير الارتحال إلى مصر. ولكن الظرف، إذاك، كان غير ملائم البتة. إذ كيف يغادر المرء بلاده ويخلي المكان الذي يقضي الواجب أن يكون فيه، في الوقت الذي كان فيه اللطيف ،نتيجة الطعنة الغادرة التي تمثلت في الظهير البربري، يردد صداه مثل ناقوس إنذار عبر البلاد ؟ إن ذلك لمن الصعب. فلقد سبق قبل أربع سنوات أن حال تردّد مماثل دون التحاق إدريس بأهله عند تصديهم للغزاة. ولقد ندم على ذلك ندما لا شفاء منه. والحال أن الخطر ذاته يهدد، اليوم، البلد. هذا الخطر، وإن لم يرتفق بفرقعة قذائف المدفعية أو بلعلعة الرشاشات ليس، مع ذلك، أقل شدة بل إنه أشد. ذلك أن المرض، مثلما هي الحال في الأدواء الخبيثة، يظهر في هيئة مرض هيّن.

لهذا السبب عزم إدريس عندما تقرّر الإضراب، على البقاء في مراكش ومتابعة سير الأحداث إلى جانب أصدقائه. ومثلما سبق أن جابه الموت حلف، هذه المرة، أن يجابه السجن أو النفي.

*

* *

حدث ذلك ذات يوم مشمس من أيام الخريف. كانت هبات البوإبلان تلطف آخر قيوظ الفصل المنتهي .وكانت فاس تخضوضر تحت سماء ساطعة. وكانت منازلها البيضاء وحدائقها ذات الأوراق شبه الاستوائية التي يهدهدها تموج خفيف يتنزل من القمم الأطلسية تعلن إعلان سحرة قدامى عن خلود أمجاد المدينة المرينية .وكان الفاسيون يبدون أنهم يستقرئون من أعالي السطوح، وقد اتجهت أبصارهم نحو الأبعاد المتقزحة التي تعمم الأطلس، هذا الأولمب الحارس حيث تقيم الجنّيات التي ترعى أقدار الجنس، المضمر بين الأرز وثلوج المنحدرات الجبلية.

كانت المدينة مغلقة والحياة متوقفة. وكان الجنود والشرطة ومخزن الباشا وجيش من الجلاوزة ذوي القبعات والـ رازا 1 يسدون الأنهج والأزقة. وكانت السجون قد اكتظت بالموقوفين و "المشبوهين" .ولم تكن مقرّات الشرطة باطلة عن العمل. كان القانون العرفي قد أعلن .وكانت مجالس الحرب منعقدة، في انتظار تطور الأحداث، من دون انقطاع. إنه لو كان في إمكان ديبون دي نومور أن يعود الى الحياة لفقد، ما من شك في ذلك، مبادئه الأخيرة... لبس سانلوشون الحائز على أعلى الرتب في أخوّية المثلث، سعيا منه إلى قمع أفضل للحرية، سترته المبهرجة وبنطال الركوب والرّان وقبّعته التي تأخذ من كبّية الجنرال وكسكيت الأميرال ويعلو مقدّمتها تاج من أوراق البلوط.وسيجيب المؤرخ، في المستقبل، عما إذا كان سانلوشون، وهو يتأهب للأمر بأن يطلق مرتزقة الجنرال نوار النار على المراكشين، قد عاش حيرة قانونية، هو أيضا، مثلما سنرى دالاديي، فيما بعد

1.razza : غطاء الرأس.

يقلب صفحات الـ داللوز حتى يتأكد من أن الدم الذي أراقه الباريسيون في ساحة الكونكورد لا يخالف القانون الدستوري مثلما وقعت مراجعته وتصحيحه استنادا إلى تعليم الكسندر ستافسكي ا

تحركت المواكب عبر أنهج المدينة في نظام ومن دون صراخ .كانوا يمشون متراصين متلوّنين متنوّعين، في هدوء ونشاط مدهشين. لقد حوفظ على النظام في التجمع المتموج المكون من جموع متراصة يضخمها، مثل مياه البحر عند المد، قادمون جدد يتوافدون من دون انقطاع من جميع جهات المدينة. كانوا يتقدمون تبعا للمهن والحرف والمدارس والأحياء. كانت فاس، روح البلاد، تغلي. وكان النحّاس والعقاقيري والبنّاء والتاجر والشوّاء والرثّاث والتلميذ يكونون كتلة تمثل الإرادة الشعبية تمثيلا تاما، شكلا ولونا. كانت كل الفئات الاجتماعية تنصهر في وثوب جماعي. كان عدد منهم ممتلئ البطن محمرّ الوجه كثيف شعر يحدق بخدّين ملحِميْن متثاقل الخطو متزن الخطوة وكان الآخرون رشيقين فارعي القوام هزيلي الوجه خفيفي الحركة قليلي شعر اللحية الأسود المرطب. وإلى جانب من سبق كان يوجد صنف أكثر أصالة ذو عضلة متوترة وعضلة ومأبض منفوخين يعلنان عن العامل العامي المتمرس بمشاق العمل اليومي. كانوا مسنين وراشدين وشبانا. وكانوا مدينيين وجبليين. وكانوا رحلا ومستقرين في السهل. كانت توجد الجلابات وبرانس الصوف المندوفة المنقدرة المفصلة التي ما زال يشم منها وشل الجزة وكذلك جلابات وبرانس وقفاطين من حرير خام أو من قماش انتجته مصانع الغزل الأنكليزية. ويرى المرء سلم الألوان جميعها : الأحمر الفاقع والأحمر الرماني والوردي الخامد والأخضر التفاحي والكستنائي الغامق والأصفر المخملي والأزرق الليلكي وأزرق بروسْيا والأبيض السكري والأسود الفاتح. وفوق هذه الألبسة الغنية بالألوان فراجيات باتستيّة وموصلية. وفي موضع وسط بين هذه الألبسة، تقع جلابات الطلبة من الصوف الأبيض المحبب التي تغطي الصدرية المقدودة من قطن قصبة الحرير. وتغطي الرأس إما الـ رازة المراكشية أو الطربوش الأحمر. وأغلبهم كانوا، عملا بالتعليمات، يحملون في أيديهم السبح.

كانوا يمشون في صفوف تتكون من ثمانية أو عشرة أشخاص أو اثني عشر يشرف عليهم موجه رافعين اللوحات والرايات الصغيرة. إنها أول مرة في تاريخ مراكش يتظاهر فيها الشعب امتثالا لأوامر مقتبسة من حق التظاهر الشعبي في أوربا. ومن ناحية أخرى فإنه ما كان لديه إمكانات اختيار متعددة. فلقد وجد نفسه، وهو يُوقَظ فجأة من نومه، في مواجهة خصم حل بأرضه مثلما فعل ذلك الرومان واليونان قديما، ولكن هذا الخصم كان أكبر خطرا على البلاد من خطباء الفوروم وفرسان بيزنطة لأنه، وهو الماهر في تلبيس الحبات القاتلة بجيلاتين من الصيغ الفارغة، كان ينوي قمع البلاد على النحو الذي نجح فيه توركويمادا في اسبانيا الإسلامية، من دون أن يظهر وقاحة الكاغولي الشرير البدائية. ذلك أن الحرية في فرنسا أصبحت ادعاء فضفاضا. ومع ذلك فإنه لابد من الاتفاق على معنى هذه اللفظة المتعددة المعاني.

يتبدل هذا اللفظ في المغرب متعرضا للتغييرات الأكثر غرابة. ففي المغرب يكون المرء ضد الحرّية إن طالب، بمقتضى العقود الممضاة واستنادا إلى منطق الأشياء، بأن يمنح الحريات الأكثر ابتدائية في ممارسته الحق العام. وهو ضدها إن احتج على الاستيطان ومصادرة الأراضي بكثافة. وهو ضدها إن طالب ببسط الانتفاع بالأشغال العامة على المدن والأحياء وعلى الريف حيث يسكن السكان المسلمون. وهو ضدها إن ألح على ضرورة إلغاء الشعوذة بكل أشكالها ومنها المرابطيّة.

وهو في المغرب، مع الحرية إن كان في الموقع المضاد وأصر على رفض كل هذه المطالب. فهناك، إذن، أسلوب في التقدير يحوي، أصلا، كل النزاعات القادرة على أن تحدث، نهائيا، تباعدا بين الجنسين المتواجهين .إنه لا يتبقى عندئذ، بما أن الخصم لا يكفّ، لما هو عليه من ارتباط بشكل مؤسساته، عن استخدام الكلمات الرنانة الفارغة التي لا يأخذ بها أو يكرسها في الممارسة، غير مفاجأته، وهو في حالة تلبس، بجريمة الغش وإقناعه بخيبة مسعاه وتضييق الخناق عليه.

ومع ذلك فإنه يتبقى في كنانته سهم هو النظر إلى المغاربة من عل، على الرغم من أن هذه مجازفة قد تكذّبها وقائع غاية في الفظاظة، بأنهم يفتتنون بالأوهام الكاذبة ويكرّرون ألفاظا لا يفقهون معناها ويطلبون برق خلب وأن أفضل ما يتبقى عليهم فعله هو الصمت. لقد وقع، بهذه الطريقة، الحديث إلى شعب باريس في 13 جويلية 1789.

والحال أن ما يحتاج إليه المغاربة ليس هو النصائح المجانية بقدرما هو أفعال مطابقة لما تقتضيه المرحلة. وهم، في ذلك، على حق. وهكذا فإنهم مثلما لقنوا في مدرسة البراياريين أن يكرهوا الباستيل وأن يبصقوا في رأس الحاكم دي لوني بعد أن قطعت ورفعت في طرف وتد وأن يروا في الإعلان عن حقوق الإنسان منتهى المبادئ الإنسانية الكبرى وأن يقبلوا بالحروب النابليونية انتصارات تحريرية على قوى الرجعية العالمية وأن يصدقوا كل ما رسم كومت وتين ورينان وهوغو وأ. فرانس على جَبَهيّة القرن التاسع عشر تصديقهم حقائق تصور المستقبل مقدما، فإنهم اعتبروا، وقد رأوا أن الممارسة تخالف هذه المعاني، أن واحدا من أنجع الأسلحة التي في إمكانهم استعمالها هو هذه الترسانة من الشهادات والادعاءات المعلنة.

*

* *

كان موكب إدريس قد احتشد في القيصرية، الشارع الرئيسي في فاس .وكان هذا الموكب الذي ضخمه طلبة جاؤوا من كل المدارس وحشد من الصناع والحمالين الذين خرجوا من بوجلود، يضم، كذلك، كثيرا من الجبليين الذين يمكن تبينهم من جلاباتهم القصيرة ومن بلغاتهم المدورة ذات النعول المفردة ومن رؤوسهم العارية التي يغطيها القاب. كان عدد منهم ينتمي إلى هؤلاء المقاتلين غير النظاميين الذين انتزعوا فاس عنوة بإعانة طوابير شريفية سنة 1912. وكان آخرون، وقد شجت وجوههم وثقبت أجسامهم، ممن نجوا من حرب الريف ومن الجبل. كان وجود أسود البارود هؤلاء في هذه المظاهرة في غير محلّه تماما. فلقد تاهوا وسط كتلة المدينيين وكانوا يظهرون، بأسمالهم الجبلية الخشنة مثل بقع مغراء وسط بحر من الألوان الساطعة.كانوا جافلين شيئا ما، مندهشين. فهم لم يكونوا قد فهموا جيدا ما الذي يراد منهم. وكثيرون منهم كانوا يرون أنه من الغريب إلحاق الأذى بالفرنسيين بالتظاهر عبر الأنهج. لقد كان تصوّرهم النّضال هو تصور عنترة الذي لم يكن يرى حلا ممكنا للنزاعات في الدنيا في غير منطق رمحه وفي الحجج التي تحويها كنانته. ولكنّ سبحا وضعت في أيديهم وقيل لهم أن يمشوا في النهج وهم يهمهمون اللّطيف وأن هذه الصلاة التي تصّاعد من الجماهير المتحركة هي قربان لله وتضرع إلى القوة السماوية حتى تدفع قوى الشرّ التي استدعاها حظ المغرب العاثر إلى أرضه والتي تتهيأ ،مثلما كان شأن إبليس الذي لعنه الكتاب المقدس، لتقويض أسس الأمة والإسلام. لقد شاركوا، وقد اقتنعوا، في الموكب وكانوا يتهيؤون للسير حول الرايات.

كان اللطيف يصّاعد في السماء مثل مزمار منتقم وترتيلة جشاء النبرة. مدينيون وقرويون، جبليون ورحل : كل الشعب الذي يصرخ تعبيرا عن إرادته في العيش حرا على أرض أجداده. ولقد وجد موكب المتظاهرين نفسه وهو يبلغ نهاية القيصرية، يجابه قوى الفيلق والسينغاليين وجها لوجه. بدا أن ترددا قد حدث فقد حاول "ذباب"1 مندس، على الطريقة المعهودة، أن يشيع، بتجاوز صفوف العساكر، هلعا يقود هذه لى رد دموي ينجر عنه، سريعا، تشتيت شمل المظاهرة بتخطئة المراكشيين. ولكن المتظاهرين لم تخدعهم هذه الحيلة وتمكن الموكب من الحفاظ على تماسكه وانفصل عنه وفد يقوده سي تاشفين وعدد من الأعيان طالبا مفاوضته قائد الجيش.

كان الوفد الحامل عريضتين إحداهما إلى السلطان والأخرى إلى المقيم يطلب مقابلة المندوب ورئيس الرقابة المدنية .وقد رفض القائد، عملا بالأوامر التي تلقّاها، استقبال الوفد فرد إلى الخلف وعاد إلى الموكب. حقا إن الجو هو جو استفزاز.

في الساعة نفسها كانت هرجة تمثل في المشوار2. وإذا كان لبعض الجاهلين بحقيقة الأمور أو الشكوكيين أو السوداويين عن الحماية ومرونة جهازها رأي سلبي مسبق يدعو إلى أن يشفق عليه جيش الأطبّاء من بني "هذا أفضل" الذين زحموا وظائف إقامة الرباط الوهمية ولكن عالية الأجر وعدد من المنظمات الموازية في العاصمة الفرنسية فلن يكون عليه، في هذا الظرف، الا أن يذهب إلى فاس ليتأكد عنده صواب رأيه. فكلمة التعاون الشهيرة تمارس فيها ببساطة لا مزيد عليها.

جاسوس Mouche

المشوار : المكان الذي يعقد فيه السلطان مجالسه.

كان محمد بوشته بن البغدادي، وهو مقاتل قديم في جيوش السلطان وباشا فاس بنعمة لاروقان، آخر عيّنة من مخزن نخره السوس متداع وشهد احتضار الامبراطورية وتبخر آخر آمال مراكش. ولقد كان متربعا على هيئة ناسخ من نساخ توتيميس بدا فيها، وهو يتهزهز، طويلا جسيما ذا لحية بيضاء تؤطّر وجه ثعلب عجوز يتنامى كيده بتقدم السن والسهولة المتزايدة في الاختلاس .وكانت تستغرق رأسه طاقية على هيئة قالب سكر تتوارى خلف جدائل زخرفية في رازا واسعة. هو لم يعد أكثر من تحفة في متحف. وإذا كانت ريشة هنري رينيو وقلم تارو قد نجحا في رسم صورة سريعة تقريبية لظله الثقيل فإن الأجيال القادمة وحدها ستقاضي في يوم من الأيام ذكراه. وكان على مقربة منه القبطان المسمى توكيت، وهو الضابط الذي يرأس المصالح البلدية ويقوم مقام المفوّض عن الإقامة والمؤتمن على تفكير المقيم ومحرك الباشا الذي لم يكن غير اليد التنفيذية العاملة بإنجيل الحماية، يباشر استنطاق المعتقلين الذين يقعون في يديه صدفة ويجرمهم ويعينهم للباشا الذي يأمر، بكلمة، ومن دون أقل مراعاة لقانون" فلتأمن على جسدك" الشهير أو تحقيق قضائي أو محكمة أو دفاع يمكن أن يطلب قانونيا أو قانون يمكن أن يستفتى أو مسرحية قضائية يمكن أن تمثل، بأن يطرح "المجرم" أرضا ويحدّد، على هواه، عدد الجِلاَد وينفذ، من دون حضور أي طبيب، عدالته على مرأى من الموظف الحامل شارة السلطة التي عينته، سلطة فرنسا السيد غاستون دوميرق العطوف.

كان يتملك المأمور المستبد، وهو يحضر، في فقدان للرفعة، هذا المشهد، وقد غرس السيجارة في منقاره في حين كان سوطه يسيط بايقاع جزمتيه المبرنقتين، إحساس بالمتعة لا تقدر عليه غير أمة متفوقة ترك لنا عنه كارنيير واشباهه وسيرفيي وبرتراند شهادات لذ مذاتها وصلف أدبها. لم يكن القبطان هو وحده الذي حضر لمشاهدة هذا الحثل من النيرونات فلقد جلست هناك، أيضا، شخصيات رفيعة المقام جاءت لاقتيات انفعالات تذكر بانفعالات سبق أن وجد لها مثيل قبل ألفي سنة أثناء لعبة المصارعين في الكوليزي الروماني لإمتاع الشعب المختار المجتمع تحت أقدام القياصرة بالدم المسفوك. ومع ذلك فقد روى القوم أن تيبير وكلود ونيرون دخلوا التاريخ وقد وسمت اللعنة جباههم إلى الأبد. ولكن نيرون وكلود وتيبير قد خلفوا أقرانا. وهؤلاء نعثر عليهم اليوم بكثرة في أفريقيا الشمالية. إنهم هذا الأستاذ في الكوليج دي فرانس الذي باض عددا لا يستهان به من الكتب حول المغرب. وهم عدد من الصحافيين الذين يوفرون مداخيل شخصية سخية بتنقل لا ينقطع بين باريس والرباط. وهم ضباط مصلحة الاستعلامات الذين حضروا بوصفهم متفرجين. وهم السيد غرولو دي بونتير الذي رافقه عدد من زملائه وقد أفقدته الشامبانيا صوابه وحاول أن يطلع ،من خلال المشاهدة الحية، على الطريقة التي كان الباشا الطيب يجلف بها لحم "مثيري الشغب" في فاس.

*

* *

رقعت السيور في الهواء وكان يمسك بها قردة سود منفرون. كان تجار وعمال وصناع وأعيان يمرون، جميعهم، على هذا السراط. لا تقدير ولا شفقة. كان انبساط شيطاني يتجلى في سمات الأستاذ الباريسي العجوز الذي حمل شدقاه سمات عالم خان سلطته الثقافية وأصبح ضميره يقدر بعدد أجور الأتعاب التي تلقي بها إليه في كل سداسي مقابل وظائف شرفية لا يعرف حتى صفاتها الشركات التي تقضم أرض مراكش.

جيء بسي بن زيدون. كان التعس، وهو حسير النظر خلقةً يضايق عينيه التهاب فيهما وكمدة العدستين التي يثبت على الأنف، قد انضم، طوعا، إلى المظاهرة وقبض عليه عندما كان يناقش رائد فوج السينيغاليين الذي يحرس محيط المندوبية.

مشى بجسارة وصرخ ووبّخ العالم وتفلت، بضربات من مرفقيه، من المخازنية وهو يطلق، بوصفه سعديا حقيقيا فخورا بذكرى الحروب على البرتغال، سلبيته، ليوبخ الباشا بشدّة، ولكن لا شيء أثر فيه. أمر ابن البغدادي الذي لم يكن غير آلة تسجيل، بناء على إشارة من توكيت، بطرح أستاذ التاريخ أرضا.

أطلب العفو من الباشا! قال الضابط المليح وهو يشدد، لاستنقاصه،

على ضمير المخاطب المفرد.

أنا؟ ولماذا ؟ أجاب الفقيه.

لقد تمردت على سلطة سيدنا، إنك لم تحسن التصرف.

ماذا ؟ سأل سي بن زيدون بسذاجة وقد تملكه شعور مزدوج بالانذهال والارتباك بسبب ما كان يعيش من وضع والتهمة التي وجهت اليه: كيف ؟ متمرد أنا ؟ ولكنني طلبت فقط، مع الآخرين، مقابلة ممثل سيدنا وممثل سيدكم، فهل ترى في هذا أمرا جديرا بالعقاب ؟

إنه لكذلك، أجاب قرن الـ البوبرتريين والـلاكرويين الدي فوبوايين: "يوجد في تصرفك عنصر تمرد .وإذا ما أردت الخلاص فعليك أن تطلب العفو من الباشا."

"لن أطلب العفو لأمر لم اقترف، أبدا ".

أومأ القبطان، بعينيه إيماءة ترجمتها آلة التسجيل المدفونة تحت قالب السكر والثياب الموصلية، بحركة من اليد متثاقلة خطيرة ما زالت تحافظ، على الرغم من حقيقة الخضوع الأعمى لأوامر الأجنبي، على بعض من مظاهر القرار الحر لا يخلو من امتلاء ذاتي يثير السخرية.

هزّ الـ أزفال 1 الهواء محدثا صفيرا مخيفا وبدأ يشطب كتلة لحم الأستاذ ذي الحظ العاثر الذي لم يكن يصدق أذنيه. لقد بدأ القرع بالعصا...

إن كل مرونة إوالية الحماية التي جعل منها لاروقان، طوال ولايته، أساسا لسياسته تتلخص، هنا، في الطريقة التي عرف بها سي بن زيدون باكورة ... السوط. لا أكثر ولا أقل. إن الشعب المراكشي والشعب الأفريقي الشمالي إنما هما سي بن زيدون.كان هذا الشعب يتعرض للاعتصار والقضم والتفليس والاستعباد والنفي خارج حدود الإنسانية. ولم يكن عليه إلا أن يصمت. وإذا ما صرخ فإن الهراوة جاهزة. ولكنه عوضا عن أن يكون القبطان هو الذي يضطلع، شخصيا، بمهمة الضرب مثلما كان الشأن في الجزائر، البلد الملحق، فإن توكيت يكتفي، في فاس، بالأمر. أما التنفيذ فقد أوكل إلى ابن البغدادي فصارالسلطان في هذه الحالة مجرد ذيل للمقيم والمخزن دولابا دركيا سفليا من دواليب

1. السوط

الإدارة وستارا ملائما كانت الغاية منه حجب جميع أصناف خرق القانون وتفريط العدالة في مبرر وجودها.

وكانت الضربات في الأثناء تنهال على أستاذ القرويين المنكود، قاسية جارحة. لقد صدرت عنه، عند الضربة الأولى، حركة. وكاد أن يبدي شكوى ولكنه عدل عن ذلك. لقد كان يعرف جيدا من كان واقعا بين أيديهم. إنهم أناس من دون حياء لا يستأهلون، في أحسن الحالات، غير هز الكتفين احتقارا لهم. لذلك صمت وكز على أسنانه وثبت، بعد تحسس بالأصابع، النظارتين اللتين زلقتا على الأنف بتأثير من هزة الأزفال ثم امتنع نهائيا عن الحركة.

أطلب الأمان، هس إليه الباشا في أذنه.

الأمان ؟ أبدا، اكتفت بأن تأوهت ضحية الحضارة التي يشخّصها توكيت وسوطه.

انفجرت من الفريق الأوروبي الذي كان في المشوار ضحكات ساخرة وقهقهات. وكان المستوطنون السكارى إلى حد الموت يأتون اختلاجات صرع لم يكن أقبح سفيه في الطريق قادرا على اختراع مثلها. كان في إمكان المرء، إن فحص المشهد فحصا، أن يتعرف فيه، بسرعة، على ما تقوم عليه فلسفة تذكر جيدا بلوحة عذاب اليهودية مثلما ثبت ذلك ديهونينك في لوحة مشهورة. إن هذه العدالةالعجولة التي حاولت ريشة الرسام أن تخلّدها كانت زمن نظام منحط. وأحداث 1912 لم تغير منه شيئا. فكل ما جد هو نقل المسؤوليات فيه. فالباشا مازال دائما في مكانه للقيام بأعمال التعذيب. ولكنه على عكس باشا ديهونينك لم يعد غير دمية يحرك القبطان الفرنسي خيوطها بمعلم ومرأى من الجميع.

كان أستاذ الكوليج دي فرانس (ولتستشيطي في قبرك غيظا يا روح إيراسم !) يتأمل بمرح هذا المشهد المسلي .كان ،هو، بائض الكتب نفسه المختص في القضايا الشمال أفريقية، الذي صرح ذات يوم أن فرنسا لم تأت أفريقيا لسواد عيون الأهالي وأنها كانت تنوي، بوصفها وريثة روما، أن تنفرد فيها بالعظمة وحق الإثراء. وهذا أمر ما من أحد شك فيه البتة.

كان هذا المثقف الرديء يقبض مرتّبا عن كل الموازنات التي تعدل على عرق الجلابة والبرنوس. وكان حضوره يكنس ،بذاته ، آخر ما قد يكون تبقى من أوهام حول خرافة فرنسا أم الحضارة. كان متظاهرون آخرون في انتظار أن يجلدوا وأن يتلقوا نصيبهم من ضربات المقرعة وأن يدفعوا ضريبة الإهانة الضرورية لتهدئة سورة غضب سلطة ما زال القوم يصرون على القول إنها لا تقبل المنازعة وغير منازع فيها.

كان حوالي عشرة مراكشيين محاطين بسينيغاليين جعلوا حرابهم في أفواه بنادقهم وبجمع من المخازنية ، حول جسد سي بن زيدون الممدد. كانوا يمثلون، على الرغم من ثيابهم الممزقة والتراب والدم اللذين كانا يغطّيان أجسادهم ومساجين المؤبد السود القائمين بوظيفة الجلاد المساعد الذين يأخذون برقابهم ، جماعة تقف وقفة فخورة لا عجرفة فيها كان توكيت يلقي عليها نظرات تريد أن تكون مزدرية ولكنها لم تكن إلاّ وقحة جبانة.

كان السلاوي بين هذه الجماعة. وكان يبدو من عينه المورمة ووجهه الذي تغطيه الكدوم ومن أنفه وفمه المنزوفين وجلابة الحرير التي مزقت قطعا وقدمه العارية، أنه شارك مشاركة بارزة في المعركة. كان يجيل عينه السليمة المتبقية بين سي بن زيدون والباشا لتصل الى توكيت واستاذ الكوليج دي فرانس والمستوطنين الذين فقدت أفكارهم السداد بفعل أبخرة الأنيسون فاذا هي تائهة في مكان ما من حقل حقل كروم المولى. كانوا ثلاثيا مضحكا : لقد كانوا، وقد ثملوا، يغمغمون شتائم ويلقون بهُجْر من الكلام بدا أنه يمتع العالم البحاثة الذي كان يصنفه نشاطه الأدبي ضمن المترشّحين في مقبل الأيام لنيل جائزة مونتيون.

وكان يقف بالقرب من السلاوي شاب قصير اسمر ذو رأس تنم عن ذكاء ووجه متوتر وشفتين ثابتتين وعينين يقظتين تعكسان العزيمة والنشاط. كان ينتمي إلى عائلة مراكشية عتيقة وحصل حديثا على ألقابه الجامعية من إحدى كليات باريس 1. كانت ثقافته صلبة وكان، وهو الذي مارس الصحافة، ذا مواهب في الجدل لا يستهان بها. ومثل هذه

1. هو حسب الوصف محمد بن الحسن الوزاني الذي تخرج من المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس سنة 1930.

الصفة تبقى، في الفترة التي نعيش، أفضل سلاح يمكن استعماله لمواجهة خصم كان على الدوام يتباهى بالتوفيق بين الحيلة والعنف في مشاريع لصوصيته الاستعمارية .لقد قاوم، عندما أوقف أثناء وجوده في مقدمة المظاهرة، معتقليه فوقع تدافع وتبودلت اللكمات العنيفة، وعلى الرغم مما تعرض له من سوء معاملة فإنه قاوم مولوسيي 1 الباشا والجندرمة الذين هرعوا لمساعدتهم. كانت آثار الحركة الدامية بادية في خدود زنجيين. وكان أنف أحدهما الذين سبق أن فطسته الطبيعة قد زادته لكمات الصحافي الشاب الذي أثبتت يده، بهذه الطريقة، أنها تتقن، في الآن نفسه، مسك القلم وهدم نوع معين من الأشداق، زادته تفطيسا.

ألقى بنظرة ازدراء فيها تعال وفيها مكر على الجماعة المكوّنة من القبطان والمتحذلق والسكيرين وعدد آخر من الحاضرين. كان الأوّلان، وهما الضابط والمدعي الأحمق، يعرفانه إذ كان لديهما، عدة مرات، متسع من الوقت لدراسة سيرته الذاتية في جذاذات مصلحة الاستعلامات. وها هو في هذه الساعة ينزل عليهم من السماء منا وسلوى. فما اسعد حظ هؤلاء الآخذين بنظام الإرادة المطلقة!

تلمظوا لرؤيته كانوا يتلذذون، سلفا، بنعيم العرض الذي ستتاح لهم فرصة مشاهدته. أي ا لقد كان منذ زمن بعيد يقرعهم في صحيفته ويعنفهم وينقدهم نقدا لاذعا ويشهر باستمرار ومن دون انقطاع، باختيانهم ودعارتهم. هو لم يكن ليتركهم يهضمون، في راحة، ما ملكت أيديهم من غير حق : أراض سرقت من الفلاح وقطع أرض افتكت خفية بأسعار تافهة ورشاو وعمالة بنسبة مائوية باهظة واتجار بالنفوذ واستبداد وتعدد وظائف غير قانوني وانتهاك متعمد لأبسط شروط الحماية. إنه لا شيء من هذا لم يقع فضحه. وكان، من دون كلل، يكافح نذالة أصحاب القلم. ولم ينغص أحد مثلما نغص طمأنينة الجيش الكبير من المخفقين في الأدب الذين كانت السمعة السيئة أو الحاجة تطردانهم من بلادهم فيجيئون إلى مراكش عارضين خدمات أكثر من مشبوهة على أي يود استخدامهم. كان المثقف الشاب المراكشي يحمل على هذا الصنف من الأدباء الملفقين، وهو نوع جديد من إخوان الساحل 2 ينشط في اليابسة، الذين يعهرون كتاباتهم خدمة لنهب البلاد، حملات

1.كلاب حراسة من بلاد المولوس

2. القراصنة.

تتردد أصداؤها في كل أفريقيا الشمالية وحتى في فرنسا. كان يوقعهم في حيرة. وفي كل مرة كان فيها صحفي فاشل يحاول أن ينزل إلى الميدان لترويج حجج لا سند لها باسم منطق مفترع مترسما في اسلوبه الباهت أسلوب واحد مثل درومون أو كارنيير، كان يوبخ بعنف. وبالتأكيد ا

لقد شكا القوم، وقد نفد منهم الصبر، إلى الإقامة. وهذه طلبت من مصلحة الاسعلامات تقريرا اتخذ، بناء عليه، قرار:إنذار فمباغتة شرطة فاستدعاء قضائي كان ينتهي، دوما، بالغرامة أو السجن أو منع الصحيفة من الصدور.

ما أن رآه الجمع حتى تشابكت العيو. أشعل القبطان، وكان دائما على تعاظمه، سيجارة وأشار إلى الباشا بالتوقف عن جلد سي بن زيدون. قِوّم أستاذ القرويين التعس. ومن دون أن ينطق بكلمة ومن دون أن يأتي حركة غير نافعة، تبع المخازني إلى بنيكة الباشا التي حولت في هذا الظرف إلى سجن. وهناك جلس ونفض ثيابه وعدل نظارتيه واسند ظهره، وقد أضاءت بسمة خفيفة وجهه الملحم الذي انخضد شْوَيّة، إلى طي الأريكة القديمة التي كانت فيها وأخذ يتنفس. ومع ذلك فلقد كان يبدو سعيدا يعيش حالة من وفّى ما عليه من واجب ثقيل إزاء ضميره بل قد يكون بعيدا عن البنيكة وعن المشوار وعن المشهد الشرير الحقير الذي كان موضوعه وعن فاس. لقد كان خياله في مراكش التي وقف فيها أمام صف القبور السعدية خاشعا خافضا رأسه حتى ليمكن أن يقال إنه كان يتهيأ لتلقي أمر وتقديم حساب بما عانى في سبيل قضية لا يكاد يتنبأ بعظمتها الخفية.والمغرب مليء بأمثال هؤلاء البنزيدونيين.

انقض مخازنية الباشا، تنفيذا لإشارة من القبطان، على الصحافي وأرادوا الإمساك به. وتبع ذلك ارتباك استغله السلاوي للانفلات فجأة من حراسه. وتماما مثلما يحدث لأنقيليس وقع في شبكة صيد ولكنه نفذ فجأة من عيونها بفضل ضربة من ذيل زنجور مختلج قطعها، تفلت صديق إدريس، على الرغم من أنه كان محروما مؤقتا من إحدى العينين، من بين سيقان الجنود وجلاوزة الباشا. ارتفعت الصيحات والشتائم ودوى طلق ناري. ولكن الطالب أصبح بعيدا جدا...

ألقي بالهجّاء أرضا، مقيدا، في حين كان المثقف الشقي الذي أثرى من دم الشعب المغربي يحاول أن يصبح أكثر تواضعا مما كان عليه في العادة بتصنع موقف حليم متعطف إزاء هذا الذي كثيرا ما أرهقه، مستقويا بحقه، بالأسئلة.

-هلم، فلتتعقل، أطلب الأمان من الباشا. إننا لن نلحق بك أي أذى، قال العالم مجمّع الوظائف الوهمية والدخول.

وانفجرت الإجابة انتقامية سريعة سرعة صرخة تعجب أطلقها هوس 1 جديد يجره الى الإبّالة رهبان الديمقراطية الحديثة :

- اخرس، غوغوس ا

- آه، اخرس ا وما زلت تتجرأ على النطق بهذا ا إيه، إننا سنرى ا

تلاقت عيون توكيت وغوغوس، واستقر نظر القبطان على الباشا الذي ما كان منه، تماما مثل الرائد، إلا أن يومئ بيده الى المخازنية فقطع الأزفال الصمت من جديد.

كانت سيور الجلد تقع على صلب الصحفي الذي نال شهاداته من جامعة باريس مثلما حرثت، قبل قليل، ظهر استاذ جامعة فاس. وفي اللحظة التي تقررت فيها بداية المحن لوح غرولو الذي ما زال يخمر ما شرب، بيده على الطريقة الرومانية، لا محييا ولكن ناكسا إبهامه الى الأرض مثلما كانت تفعل عامة أوربس المخمورة في المسرح عندما تستحسن بهذه الحركة، مقلدة في ذلك طغاتها مثل نيرون وكاليغولا، إشارة البدء بإطلاق الحيوانات المتوحشة على الضحايا المصطفين حول أعمدة المصطرع. إن ما يحدث هو تكرار حقيقي لمشاهد المدرج. لقد احتفظ لنا التاريخ، هذا المبلغ الكبير، بأسماء أندروكليس والقديسة بلاندين وشهداء فيلق طيبة. ومع ذلك فإن رومة، على الرغم من أنها تجملت بكنية الخالدة قد اختفت ولم تعد أكثر من ذكرى. ولكن الفكرة التي من أجلها تعذب أندروكليس والقديسة بلاندين وجند طيبة، عند إشارة الإبهام، ما زالت حية وتتجدد على

1. هوس : مصلح تشيكي أحرق اذ اتهم بالهرطقة ـ ق 14 ـ 15 ـ

الدوام في كل مكان. فمن العبث محاولة تكرار حركة قيصر أو أي بهلوان آخر منتفخ بقيمته التافهة إذ لا طائل من وراء هذا الأمر. فالحق، في نهاية المطاف، هو الذي ينتصر. أما في ما يتصل بقوة الإمبراطوريات فإن حكمها، مهما كانت عبقريتها، محكوم، حتما، بمصير الكائنات العابرة إن لم تسعف القوانين الحكيمة الخادمة للتكيف، في الوقت المناسب، القائمين عليها. هكذا تحدث سفر الجامعة. وهذه الحقيقة تبدت، باستمرار، من العصور القديمة الى أيامنا هذه من جملة من العوامل الثابتة في تطورها ثبات حركة النجوم أو تأبد الأجناس الحيوية. فلا تخدعنا المظاهرا

كان الأزفال يصوّت في الهواء واقعا، في ضربات عنيفة، على ظهر الكاتب الشاب الوطني. فما الذي كان يمكن لأرمان كاريل وروشفور أن يقولا لو كان في مقدورهما أن يكونا هناك ؟ لا شيء بالتأكيد. إن حادثة دريفوس ممكنة في فرنسا. وهي تصبح بمجرد تخطي المتوسط، غير ممكنة.

لقد كنا في سنة 1930 وكان القرن العشرون قد جاوز ربعه الأول. لقد سبق أن مات باستور ورينان وتولستوي وأناطول فرانس وما زال إيديسون وماركوني وبرغسون على قيد الحياة. وكانت فرنسا غاستوني ،وهو ابن ألبيّ ومجانس لكالاس، تحكم أفريقيا الشمالية. لقد ظنت نفسها، إذ لبست قلنسوة الحرية، قد أصبحت مسيحا جديدا مخلصا للأمم. وها نحن نراها في هذا الوقت بالذات التي لم تخرج فيه من الحرب منتصرة إلا بمعجزة حقيقية والذي باشرت فيه الاحتفال بسلسلة من الأحداث التاريخية بدءا بذكرى رحلات جان دارك الخيلية وصولا إلى استقرارها في الجزائر، ها نحن نراها لا تعثر، بعد أن قمعت في الدم مظاهرة شعبية، على ما هو أفضل من جلد أستاذ وصحفي. ومع ذلك فإن من يعرض نفسه، بمثل هذا السلوك، للتشهير إنما هو، بالذات، فرنسا. ولكن فلنعلم جيدا أنه لا ضربة من المقرعة تعرض لها سي بن زيدون والشاب المثقف الفاسي لم تتثبت في ذاكرة شعب كامل. فحذار من أحقاد نيميزيس ا إذ لا شيء يخلد في الأرض. واليوم أنا وغدا أنت .وإهانات من هذا النوع لا تنسى أبدا.

قد يعارض البعض مستندا إلى أن روما وبيزنطة لم تسلكا إزاء الأفريقيين سلوكا مغايرا وهذا هو بالذات ما قصر عمري إمبراطورية قياصرة روما وقياصرة بيزنطة على الرغم من ألق واجهتيهما واتساع نفوذهما .فهما ،إذ اختفتا، لم تتركا وراءهما غير عدد من الآثار الحجرية التي تحمل اسما شائعا لم يتمكن الزمن حتى من تجنيبه الشتيمة. نم إنه تندرج بين هذه الفترة وبين عصرنا الفترة الإسلامية بما حملت من مياه حلم ألقيت على الحَنادق القديمة. إن الأمور، اليوم، تختلف تماما عما كانت عليه.

*

* *

بعد أربع سنوات من هذا الحدث نام لاروقان، في هدوء ،وقد طعن في السن وحاز الثروة والمجد، في حضن المولى. لقد مات ميتة هادئة بعيدا عن صلصلة السلاح التي لم يكن هذا الماريشال يحبها في حياته. إن اللّباس العسكري وركوب الخيل وحفلات الاستقبال الرسمية إن هذا هو كل ما ورثه متحف بولون. ولكنه ترك بعده ورّاثا صاخبين كانوا ينتوون، لأنهم عاشوا في ظلال مجد مغالى في تقديره، عدم السماح للنقد بأن ينزل من عليائه رجلا ساهموا في رسم صورته بأن توجوا جبهته بنوع من الإكليل القنصلي وفي هذا المجال ظن أصحاب الأقلام المروضة هؤلاء أن عليهم، هنا أيضا، أن ينتحلوا أفكار بلوتارك. فبعد أن حبوه بلقب سيبيون رأوا أنهم يأتون عملا صالحا إن أقاموا لذلك أساسا. وبهذه الطريقة عرف المرء أن لاروقان كان قد أبدى رغبته، في حياته، في أن يدفن في شالة، مقابل الأطلنطي، في ركن فاتن من الأرض المراكشية مشبع بالذكريات الموحدية. لقد أراد، على ما أكدوا، وهو يهجر الـ أنفليد وعقيقه اللوريني الهادي ودائرته الشرقية العزيزة، أن ينام نومته الخيرة في حضن إمبراطوريته. لقد أثيرت حول نعشه مناقشات إن كانت ذا طابع بيزنطي فهي لا تخلو من معنى. فكل واحد أصر، وقد تدخلت المجادلة في الأمر، على أن يسند مناظرات ما بعد الحياة هذه بعرض آماله أو مخاوفه إذ أن منهم من شاء أن يرى في ما أتى الرجل وهوفي آخر رمق ،فكرة بقيا المهمة الفرنسية في أفريقيا وأطنب في دعم رأيه. ومنهم من لم يتردد، لأنه كان يقدّر قوانين الدينامية الاجتماعية حق قدرها، في افتراض أن يقع الحكم، في يوم من الأيام، بعد أن تكون فرنسا قد خرجت من أفريقيا مثلما سبق أن خرجت منها روما وبيزنطة الواحدة بعد الأخرى بعد حكم دام ألف سنة تقريبا، بأن وجود قبر لاروقان يعد إهانة لبلد سبق أن خنق حرياته وأن رفاته مثلما فعلت التأسيسية برفات ميرابو سيلقى به، من دون أي شك، في مياه البحر مثلما ألقي برفات سيجان، ذات يوم، في أمواج التيبر.

إن المغربي لم يكن في يوم من الأيام فظا. وهو، لأنه ينحدر من قبائل فخورة كانت الضيافة دائما فضيلتها الغالبة، نادرا ما يقابل الموت بعمل تدنيسي. زد على ذلك أنه لن يحدث ذلك في مقبل الأيام. إن القبة الصغيرة البيضاء التي يعلوها صليب وتزينها نقوش لا تينية سيشملها التسامح مثلما شمل الآثار الكبيرة الخرساء التي تتكاثر في المغرب من ليبتيس، مانيا الى فوليبولوس، بل أكثر من ذلك : فمغربي المستقبل الذي يكون قد أحس، على طريقته، بالدروس الأليمة التي عاشها من سبقوه، سيذهب إلى ما هو أبعد من هذا التسامح. إنه سيرى أن من الواجب عليه أن يبني قبالة القبة مسلة صغيرة مقدودة من صوان أفضل صخر من صخور الأطلس لتخليد ذكرى لحظة سيئة في تاريخه وللإشارة الى الأجيال القادمة، بنقوش سوداء الحروف، إلى مدى العبودية التي أمكن للضلال والضعف أن يقودا إليه. وهكذا فإن نصيب لاروقان في مراكش يكون قد أدى، انطلاقا من تأويل فيه قدر من التعسف ،للتفكير الذي قاد إلى دفنه في مراكش، إلى أمر سليم وإلى استرعاء ضمير مرسوم في التراب دق ناقوس خطر صامت ومصلصل دائما.

كانت مجموعة إدريس في صراع مع الجيش.

لقد صرف وفد النواب المكلف بمقابلة السلطان. كان سي تاشفين وممثلو المجموعات الأساسية يتناقشون لتحديد الموقف الذي يجب أن يتخذ عندما ظهر السلاوي وهو غاية في اللهاث. لقد تمكن من الهرب وانتهى، عبر أزقة المدينة، إلى الالتحاق بالمتظاهرين وحدثهم بما حدث في المشوار. أذهل وصفه ما حدث سي تاشفين ومن كانوا معه، فقد كانوا قد مالوا إلى التساهل. وكان عدد منهم يوحي بالتأجيل ويقترح، تجنبا لإراقة دماء لا فائدة منها، نوعا من الهدنة. ولكنهم ،عندما عرفوا بما حدث في المشوار تغلب السخط واستولى على هذه العامة المسالمة جدا في العادة غضب لا حدود له. تعالت من هنا وهناك الاحتجاجات والصرخات والأحكام الصارمة وجلبة منددة بالتعسف الذي تقدم عليه، في ظل الحماية، أمثلة عديدة مؤسفة. وتركزت كل اللعنات على رأس الخائن الذي داس برجليه اسم المغرب إذ قبل أن يضطلع بدور الجلاد وأن لا يحجم عن فظاعة جلد مواطنيه على مرأى من الأجنبي الذي كان هو الذي يصدر الأحكام. وبذلك تحوّل الى كبش المحرقة وتقرر صرف النظر عن قرار منع الزحف على المندوبية. وقرار مثل هذا يفترض كسر صف العسكر إذا انتصبت حول الرشاشات الرابضة سرية من الفيلق الأجنبي على أهبة الاستعداد.

الفيلق ؟ إي ا إنه يضاهي الآخر جيدا في كل شيء وخاصة في طابع تركيبته المتميز بالارتزاق وغياب الوازع الأخلاقي. فالفيلق الذي تجند عناصره من بين هؤلاء الذين يمثلون أوباش كل بلدان العالم ولا تعرف لهم أصول ولكنهم أصحاب ملفات عماما ما تكون مثقلة بالأحكام الشائنة، يمثل، في ما وراء مظهري الانتظام والانضباط العسكري، اندماجة تلطخت بكل عيوب الإنسانية. إنها تتضمن من كل الأجناس من يعتبر عندها السقط والنفاية وحثالة المجتمع. إنه فيلق مغامرين هم من الأشرار أسوؤهم وهم ما أن يتطوعوا حتى يغفر لهم كل شيء بشرط أن يستخدموا البندقية التي توضع في أيديهم ضد سكان البلدان المفتوحة التي إما يقيمون لهم فيها موقعا أو يجوبون أراضيها على هيئة رتل.

إن على المرء أن يرقى إلى العصور القديمة الرومانية وإلى العصر الوسيط الإيطالي وإلى القرن السابع عشر الألماني، وهي عصور لم يظهر فيها بعد مفهوم الوطن ليخفف من وحشية الغريزة، إن أراد أن يعثر على شيء شبيه. وإن جمهورية حقوق الإنسان لتركح في مشاريعها الاستعمارية إلى هذا الحشد من الضواري.

إن هذا الفيلق خلف في كل مكان من أفريقيا الشمالية آثارا تعادل آثار السائفين الذين عاثوا فسادا في فرنسا إبان حرب المائة سنة أو في ألمانيا غوستاف – أدولف.

استولى فاسي طويل كان يلبس جلابة ذات لون أزرق بنفسجي على لافتة وتقدم الصفوف محاطا برجال من سواد الشعب كان الوجه منهم والمشية يدلان على أصلهم الجبلي.

كانوا أناسا من بو إبلان : بني وراين وبني سدان وآيت يوسي ويزغة من المقيمين في فاس بعد أن بادلوا المحراث بالمتجر والآلة .وكان فريق من الجبليين الذين لبسوا الجلابات القصيرة وانحسرت منهم الرؤوس يتقدمون حوالي الصف نفسه. كان في مقدمتهم إدريس والأسمر وطلبة الجامعة. وقريبا منهم سي تاشفين والسلاوي، بعينه اليسرى المعصوبة، الذي تخلى عن الطربوش ليلبس رازا .لم يكن في الإمكان تجنب الاصطدام. فلقد كان من البين أن الفرنسيين تهيؤوا لاستعمال السلاح. وقد شرع قسم من الفيلقيين الذي كان يكوّن لسانا متقدما وسط المتظاهرين ويقوده مساعد عجوز من المرجح أن شارته الأولى ترقى إلى الحملة على مدغشقر، في ردّ عدد من المراكشيين المصرّين على التقدّم إلى الخلف مستخدما قنادق البندقيات. ومن خلفه كانت بقية أفراد السرية قد اتخذت هيئة رمي في حين كان رشاشان منتصبان في زاويتين يوجهان مدفعهما الى الجمهور.

كان الضباط يحملون مسدساتهم ولم تكن توجد خيالة إذ لم يكن الصَبائحية موضع ثقة تامة .تكاثرت ضربات القنادق وأصبحت أدق توجيها وكان عدد من الجنود يستخدمون حرابهم في الهجوم على المتظاهرين بمثل البساطة التي يمكن تصورها لو تعلق الأمربـتمثال تدريب.

وكان من الصعب جدا على المرء أن يتمالك نفسه فالضربات والشتائم لم تكن لتساعد ولو قليلا في تهدئة الغليان الذي كان يزيد من حدته إلى حدّ ما قيظ مستم. كان سي تاشفين يبذل ما وسعه من جهد، يمينا وشمالا،اجتهادا منه في اتقاء الاصطدام مهما كلف الأمر. وفي لحظة ما ارتمى فيلقي ذو سحنة ضبعية، وكان فظا جسيما قصيرا سمينا ونموذجا لهذا الفرنسي من جنوب الـ لوار الذي تعلن نظرته الجامحة ويداه الموشمتان عن بعض قدماء المحكومين بالمؤبد سرح من السجن، على فاسي وأطاح به بضربة عنيفة من قندق البندقية على الرأس ثم حاول، وهو يقلب السلاح، أن يشكه بحربته. وكان آخر، وهو ذو شدق بلقاني وشعر صدئي اللون، يضري في ضرب طفل صاحب المظاهرة ويتلذذ بدوسه بحذائه العسكري. وبعيدا قليلا عن الإثنين كان نذلان متدليا الشاربين يطرقان رأس ريفي دامية وهو تعلق بعنق أحدهما.

اندفع القسم، وقد شجعه هذا الهرج والمرج وسط قلب صف المتظاهرين الذي شكل في تراجعه مربعا في مواجهة العسكر. وحدث تشابك تعرضت فيه القبعات العسكرية والـ بوشمرير 1 التي عرقت في أمواج الجمهور الهائجة، في الحال للهجوم. ففي اللحظة التي كان فيها الريفي يتخبط بين الفيلقيين كان الأسمر الذي قلع جزءا من بلاط زقاق ملاصق للقيصرية قد هرع هو وجبليين آخرين لمساعدة الجبلي وقد قببت ذيل جلابته كومة من الحجار.

لقد اشتهر الجبلي، قديما، بأنه، وإن كان راميا جيدا، أفضل مقلاعي في الكتائب القرطاجنية ولقد كان غالبا، إن عدم المقلاع، يستخدم قطعا من الصخر بمهارة تعادل مهارة رامي القرص في الجيش المضاد. لقد كان حنبعل يثني على هذه الخصلة فيه. وهو، عندما يستنفد آخر خرطوشة وتمنعه عقبات من استخدام الخنجر، وهذا هو سلاحه المفضل، في الهجوم فإنه يمكن أن يصبح خطيرا، بوجه خاص، إن استخدم الحجارة في هجماته. وما أكثر المدفعيين والرشاشين أو حتى المشاة اللائذين بالمتاريس الذين جربوه ودفعوا حياتهم ثمنا لذلك ا

ولذلك فإن جيليي المظاهرة عندما رأوا الفيلقيين يستعملون القنادق والحراب وأن عددا من أقاربهم بدؤوا يسقطون أرضا، لم يجدوا بدا، وقد أعوزتهم الأسلحة من استخدام الحجارة، ولقد استخدموها على أنجع وجه.

رمى الأسمر الذي تصدى للفيلق مثلما تصدى سابقا لـ الترسيو بكل قواه، وقد مد جذعه الأمامي وسحب ساعده إلى الخلف وأمال رأسه شْوَيّة على الكتف اليمنى راسما بذلك صورة دقيقة لرامي الصحن مثلما يبدو في نقيشة أثر قديم يبرز الملامح ذاتها والنظرة ذاتها، فيلقيا يبعد عنه عشرة أمتار بحجر فانهار على الأرض وقد تهشم صدغه. تراجع القسم وقد فاجأه هذا الجرف وغطت السماء رشقات حجارة، وسقط فيلقي آخر تدحرجت بندقيته على الأرض فاستحوذ عليها إدريس.

لقد استعاد ابن ذئب الجبل تفوقه على الطالب الذي تشكل في ظل الأخلاق الفاسية، واستولى، عند سماع إطلاق النار وبروز الخطر، غريزيا وبتأثير اجتماع ارتكاسات

1. مختلف أغطية الرأس الغربية عند المراكشيين.

وراثية أقوى مما هو معتاد، على السلاح من يدي الجندي العدوّ. احتمى وراء جدار وجثا على الأرض وصوّب البندقية الى المساعد العجوز.وعبرت، نتيجة تداع للأفكار غريب، صورة الـ الفاريز الإسباني الذي قتل قبل سنوات مثلما يعبر ظل طيف شمسي، قمحة السلاح ولكنه رأى في اللحظة التي كان يهم فيها بالضغط على لسين القفل سي تاشفين واقفا على نوع من البناء الصغير وهو يلوح بـ رازته ويجتهد، صارخا مشورا، في تهدئة حماسة المتظاهرين الذين كانوا قد شقوا صف الجنود وتقدموا نحو الرشاشين. أشار سي تاشفين الذي اشتبه في الفخ الذي ستتعثر فيه المظاهرة إن أسلمت للعنف قيادها، أشار إلى إدريس بأن يلقي ببندقيته وبضبط الجبليين الذين كانوا يتأهبون، هم بدورهم، لدق الـ بوشمرير ... وفي الجهة المقابلة خفضت البنادق استعدادا للرمى، ودوت أوامر موجزة. مزقت فرقعات الهواء ولفت نيران صلية متواترة الجو بهزيم رعد. كان الرشاشان يطقطقان مضيفين الى الجوقة الجهنمية هزيز طلقاتهما المخيف . وتلون الهواء المشبع دخانا المثقل سخونة بلوين مصفر زاده بهوت أشعة الشمس تكثفا .وسرعان ما اختلط بهذا الصوت أنين المحتضرين والجرحى.كان نطاق المتظاهرين يتفرج بسرعة. وكان عشرات من المراكشيين الذين حصدتهم النار منتثرين على الأرض. كان الدم يسيل. وكان الفيلق المجيد الذي انتظمت صفوفه، ما كان منها جاثيا وما كان منها واقفا، انتظاما مثاليا، يطلق النارويلقم بنادقه ويطلق النار من جديد تطبيقا للأوامر وكأنه كان في ميدان تدريب. فيا لها من لوحة رائعة تليق بلامْبير البطولة الرخيصةا

لم يفقد سي تاشفين، على الرغم من رشق النار والموتى والخطر، شيئا من هدوئه. كان، على هزاله وكهوب وجهه والتهاب النظر في وجه تقبضت قسماته وعلى حركته الدائمة، لا يكف عن الانتقال من مكان إلى آخر وعن تعريض نفسه للضربات متضرعا الى المتظاهرين أن يرتدوا إلى الوراء، مجابها حشد الجند المذعور الذي كان يطلق النار من دون توقف، صارخا مناشدا متوسلا. إنه في وسع المرء، وهو يراه على هذه الصورة، أن يتحدث عن انتصار ساموتراس وهو يثني جناحيه الحاميين على مشهد مقتلة.

انطلق، من جهة المراكشيين، طلق لقد كان هو الطلق الوحيد : إنه إدريس الذي أطلق النار من البندقية التي التقطها عندما صرع الأسمر الفيلقي. ولقد اكتشف وهو يعالج مؤخرة البندقية ليحشوها ثانية، أن مخزنها فارغ لأن الفيلقي نسي، على الأرجح، أن يدخل فيها الملقم.

رأى ادريس، عندما نهض من ملجئه ليهرع لنجدة الجرحى الذين كانوا ممددين على البلاط، سي تاشفين الذي كان يحاول أن يهدئ المتظاهرين المشتتين في واجهة الجند. لقد أعجب بشجاعته. وفعلا فإن نشاطا مثل هذا حري بأن يفتن النفوس الأقل ميلا إلى إضمار الإجلال لمن تميزوا بنكران الذات.

كان موتى ومحتضرون وجرحى على اليمين وعلى الشمال. وكان حولهم أصحاب عاهدوا أنفسهم، على الرغم من النار الكثيفة التي كانت تبيدهم، على ألا يتركوا الصديق المصاب على عين المكان. إن مثل هذا السلوك ناجم عن تقليد قديم. إنه لا يجب، البتة، إلا عند خرق مبدأ ملتصق برصيد المعتقدات الشعبية، ترك رفيق نضال من دون إغاثة ولو استوجب ذلك طلبه في بؤرة النار. والتنصل من هذا الواجب إنما يعني الانحطاط إلى مستوى الوغدان. إن التضحية تطابق، هنا، الكرامة وضربا من الشجاعة الأخلاقية التي لا يبت في أمرها غير الضمير. ولا بد، بعد الصديق المغاث، وسواء أكان ميتا أم حيا، من العود بسرج الجواد الصريع حتى لا يمكن انتصار عدو من وسيلة تجمل. وفي هذا إبداء غير مباشر لشعور بالتقدير إزاء فرس القتال الأمين الذي لم يعد عجزه عن مواصلة الكفاح يسمح، وقد بلغ المعترك أشده، بإنقاذه من الموت أو الاغتنام. إن هذه العادة التي وقع توارثها عبر القرون، من جيل إلى جيل ومن الآباء إلى الأبناء، رسخت، بمر الزمان، في الشعور الوطني، وهي، من ناحية أخرى، تلائم جيدا جملة الخصال التي تمثل نواة إرث الأجداد.

*

* *

جرى إدريس الذي أذهله شيئا ما المشهد الفظيع الذي كان يدور أمامه الى سي تاشفين وقد رأى شبحه يبرز فوق ستار الدخان. كان إطلاق النار متتابعا. ألقى نظرة متفحصة حواليه فرأى الأسمر وجبليين أو ثلاثة وعددا من الفاسيين يجرون وراءه من دون هدف. واعتقد أنه لمح، على اليسار في مكان أبعد وسط فريق يدوم تدويما، السلاوي وقد عرفه من عصابة عينه. كان واحد من المتظاهرين يطلق، من وقت إلى آخر، صرخة ثم يسقط أرضا. وكان سي تاشفين، دائما، واقفا. كان يواصل صراخه وقدحه متوجها، بالتناوب، إلى أهله وإلى الفرنسيين كما لو كان يعتقد أنه في مقدوره أن يبث في أي كان رغبته في التهدئة. ولكن واحسرتاه ا إنه لم يكن يملك، في ساعة الجنون تلك، شيئا من صفات القطب المغناطيسي ا إذ لا أمل، يقينا، في حل مرضي بين المراكشيين العزل والفرنسيين الذين كانوا يطلقون النار. فالقضية مفروغ منها.

وبعيدا جدا وفي مؤخر المشهد المؤلم كان الجنرال نوار غاليفي الذي وقف وسط مجموعة من الضباط المتطاوسين في مشية زادها تبجحا أنه لم يكن شيء ليتهددهم، يتبدى في هيئة خيال يظهره في مظهر هزأة ازدراها بوليب.

حاول إدريس أن يقترب من سي تاشفين وأن يتلقى أوامره ولكن النار كانت تتواصل في ازدياد مطرد .وكان الأمر يتعلق، قبل كل شيء، بتجنب مسار رصاصة قاتلة.

كانت اللحظة خطيرة. فلقد كان يمكن في كل لحظة أن تذهب زلة قدم أو حركة غير حذرة أو نسيان بحياة ثرية بأفضل الوعود الى الأبد . كان الواحد يقفز ويركض وينبطح لينطلق من جديد ومن دون أن يعرف ، بالضبط، في أي اتجاه يسير لشدة ما فاجأ به إطلاق النار الجميع.

وصل إدريس أخيرا قريبا من ثنية الأرض التي كان سي تاشفين فوقها يتحرك عندما هزت، من جديد، صلية أكثر كثافة مما سبقها الهواء. كان الرشاشان اللذان توجههما طلقات البنادق يطولان قذفهما زارعين، هذه المرة، الهلع والرعب. وخرت ضحايا جديدة صريعة. وأحس إدريس في الدقيقة التي هم فيها بالانحناء على سي تاشفين كما لو كان يطلب سماعا أفضل بألم حاد في الجهة اليسرى. لقد أصابته رصاصة. طن صدغاه وجرى نوع من السائل الفاتر اللزج طول جسده ورأى سي تاشفين يكب عليه في حين كان الأسمر يمسكه من وسط الجسم. تتالت بعض الأشباح أمام عينيه اللتين انغلقتا على رؤيا من الرعب والجزع. قلص فواق يستحيل كبحه حنجرته ثم تراخى، ببطء، وقد أحس فجأة بقواه تخور، في حضن صديقه...

كان إدريس، عندما استعاد وعيه، ممددا على بساط ملفوفا في أقمشة صوفية ورأسه تستريح على وسادة زين وجهها بعيون طاووس. وكان يحيط به أصدقاء يهمسون في صوت خفيض فألقى نظرة طويلة دائرية حوله وتعرف، فورا، على منزل سي عبد الجبار. وفي الجانب الآخر من الجدار كان شخص آخر نائما على فراش مغطى بسجادة صغيرة وبمخاد من الجلد وقد أحاطت برأسه وعينه الضمادات. لقد كان هو السلاوي. فلقد أصابته رصاصة في الفخذ ولكن الجرح لم يكن يبدو خطيرا إذ لا العظم ولا الشريان أصيبا. كانت بقع دم تلطخ أغطية السرير. وكان مولاي عبد الجبار متربعا على الطريقة الشرقية قريبا من رأس إدريس وأمامه سي تاشفين والأسمر. وقد جلس طالبان وعدد من الجبليين الذين انتشلوه من مكان المعترك في زاوية الغرفة وقد اسودت منهم الوجوه وشحبت الملامح. كان الدم يحمر جلاباتهم .

كانت إصابة إدريس قاتلة. لقد أغمي عليه لنزف حدث . ولم يكن الوقت الذي اقتضاه نقله إلى المنزل عبر ألف صعوبة الا ليزيد من أوجاعه. فلا طبيب إذ كان على القوم أن يحافظوا محافظة تامة على سرية المخبأ. والعجوز مولاي سي عبد الجبار إنما خاطر مخاطرة بينة عندما رضي باستضافته .ولم يكن منزهه يؤوي جريحين فقط وإنما، أيضا، واحدا من "المحرضين" وجبليين جرمهم مجلس الحرب، هذه المرة، من دون تردد لاجئا إلى واحد من تلك القرارات العجولة التي هي من نصيب البلدان التي لا يحس الاستعمار فيها بما يقرب من الاطمئنان إلا في ظل سيف مسلول باستمرار.

استنجد أحدهم لعلاج إدريس والسلاوي بأنوار مطبب 1 من زمن سيدي محمد بن عبد الرحمان يتمثل تطبيبه، وهو نوع من الترياق لجميع الأمراض، في تبليع المريض ملء عدة ملاعق من الزبدة المذابة وتطهير الجراح بواسطة دواء منفط مكون من فضالة

1.Toubib

زواحف وحشرات شويت وسحقت وغطست في سائل ضارب إلى السواد. لا شك في أن الطبيب الدجّال قد عد في مصيده منذ الوقت الذي شرع فيه في ممارسة مهنته النبيلة عددا لا يستهان به من الضحايا المساكين. وعلى الرغم من ذلك فهو لم يعرف، في بلد نسجت فيه الجهالة خيوطها بقذارة ، بأنه كان هامة مفزعة بل إن الجميع، على العكس من ذلك، كانوا يؤمنون بمحاسن علمه الشفائي العلاجية التي لا تقهر.

كان مولاي عبد الجبار، وهو نموذج قديم من عالم منهار، هو الذي بعث في طلبه ضامنا نجاعة علاجه فلقد كان يكن له احتراما لا حدود له. ولكن ما أن هم الطبيب بالجلوس على البساط في وقار وأبهة أضفتهما عليه جدارة تعتقد، جديا، أنها غير قابلة للقدح فيها حتى أمسكه سي تاشفين، الذي قفز من مقربة من سرير المريض، من كتفيه ودفعه نحو الباب وهو يحتدم غيظا. كان المسلك الذي سلك سي تاشفين غريبا. وهدا أقل ما يقال فيه. وفعلا فإنه كان مخالفا للمألوف خاصة إذا تعلق الأمر بعجوز كانت لحية بيضاء ترزن شْوَيّة امتلاء ذاتيا في طور الزوال. ومع ذلك فإن هذا الموقف لم يكن من الرجل بقدر ما كان من الماضي البغيض الذي كانت تمثله شعوذته والذي انصب عليه عنف الفقيه الفاسي العابر. لقد كان يعده، بحق، مسؤولا عن الوضع الذي كان هو وأصدقاؤه فيه. وكان، في حقيقة الأمر، على شيء من الصواب. ذلك أن الحالة الحزينة التي كان المغرب يشرف على الوقوع فيها إنما ترد الى خطأ ارتكبته جهالة على هذا القدر من البلادة. إنها هي سبب نضوب منابع نشاط الجنس الفكرية. وهي التي انتهت إلى تبديد كنز البلد المعنوي وإيقاف نمو قدرته الإخصابية بتهيئته لنوع من الزهادة التي تكاد لا تطابق في شيء مدى نبوغه.

سقط من يد العجوز الذي تعثر بعتبة الغرفة أنبوب قصبي كانت تسده قطعة فلين فانفتح وهو يسقط أرضا وتفلتت من داخله، في أزيز متوحد، مجموعة كاملة من الجعلان والجعران والجنادب اصطيدت في ذات الصباح في أحد مروج فاس . وانبعث من مسحوق مصفر كانت تلك الحشرات تنقع فيه حية رائحة نعنع بري خالطها ظل من رائحة الصعتر البري والحلبة.

كان يمكن لهاوي حضارات قديمة أن يتبين في هذا التعايش الغريب عددا من المعارف في علم النبات والحشريات لم يقع تمثلها على الوجه المرضي والتي كانت تمثل في الزمن الذي كان فيه ابن سينا ساطع النجم في سماء بغداد العباسية، رصيد مكتسبات العصر العلاجية. ولكن سي تاشفين لم يكن من ذوي الأفكار المسبقة .كانت وطنيته من طينة أخرى. ولقد كان على قدر كاف من وعي ذاته مكنه من تجنب الوقوع انذهالا إزاء ما لا جدوى منه. إن التاريخ الذي تعلم على قراط الشموع المدخن والزيت الرديء لا يقتصر على الإعجاب بأشياء عيشت وعفاها الزمن وماتت تقريبا ولكن، ومثلما كان يعلن ذلك دائما وبصوت عال، يقتضي إخضاع المجموع لنقد واضح قاس . فهو لم يكن يضمر لمجموعات منتخبات العصر الوسيط غير استخفاف كلي. وهو لم يتردد البتة في تحميل أغلبية الكتاب المسلمين مسؤولية الانحطاط الذي أصاب الإسلام والمغرب تبعا لذلك وبالقدر ذاته يحمل استبداد الخلفاء وتزمت الاكليروس المنفعي غالبامسؤولية ذلك.

لقد كانت قدوته هي ابن خلدون. وباستثناء مزاجه العاصي المتذمر دوما كان يتشبه به في كل شيء . وإذ كان سيد فلسفة التاريخ ابنا للمغرب فقد عثر فيه سي تاشفين على المعلم الأمثل للم شتات الجزء الحي في الشبيبة المغربية حول تعليمه. لقد كان من المشكوك فيه أن يتمكن مطبب جاهل من أن يوحي شيئا آخر غير الازدراء إلى مزاج ارتوى من عين مثل تلك.

عندما بدأت مغمدات الأجنحة التي انفلتت من القصبة تطن عبر الغرفة ارتسمت علامة وجوم واضحة على ملامح مولاي عبد الجبار. لقد أصيب بالبهت واعتقد أن في الأمر نذير سوء طالع وبطلان سحر وابطال فعل رقية. هو لم ير، وقد تشبع دربة على الأساطير، في مسلك سي تاشفين غير إقرار بعقاب سماوي سلط على شبيبة ملحدة. ذلك أن احترام الخرافات والإيمان بالدجل والخضوع الأعمى للخداعي والغامض كل ذلك تقدم، في هذه الرأس المريضة المنهكة على الرغم من بدانة الجسم والخدين الموردين، على الشعور المعقلن والفطرة السليمة. ولكن مولاي عبد الجبار لم يجرؤ على الكلام فذهب ليجلس، في هدوء، وراء الأسمر.

إرتفق السلاوي وكان يتأمل، بالعين الوحيدة الطليقة، الحيوانات المجنّحة التي خلّفها الطبيب والتي كانت تملأ الجو بموسيقاها الصارة.

-"لقد تبخّرت الطلاسم وتبخرت معها بقايا علمنا المسكين. وإن شاء الله يكون ذلك آخر الجن الذين ما زالوا يصفدون سذاجة آبائنا والذين أوصلونا إلى ما نحن فيه اليوم."

ثم انه ردّ النظر، في فضول، إلى إدريس الذي بدأ يغشّي وجهه شُحوب الموت. لقد كان حزينا، وكان ،هو بدوره، يبدو متألما، لا من جراحه ولا من المشاهد التي شهد، ولكن من حالة صديقه.

كان يعرف مثلما يعرف الآخرون، أن دقائق ابن الحاج علال معدودات وأن الصاحب الحنون الذي ارتبط به منذ سنين أصيب بطلقة لن يبلّ منها. لقد وحّدتهما منذ سن المراهقة روابط المحبة ورابطة الإيمان بأنبل مثل أعلى يمكن للشباب، زمن الأحلام الكبيرة، أن يصوغ. وها أن رصاصة تافهة يتلقاها المرء في مظاهرة، اتفاقا، تكفي لحشّ حياة كانت تبشر بكل خير.

كانت نظرة إدريس محمومة وقسمات الوجه مضطربة. وكان خداه قد وسمهما ذاك الضرب من ألوان الشمع الذي يشيع، قبل سكرة الموت، في وجوه المحتضرين وميضا عابرا سرعان ما تطفئه الموت. وكانت جبهته، تماما مثل آخر انعكاس لشمس غاربة ، ما زالت تعبّر عن ذلك الألق من الجمال الجسدي الذي يشبّهه أرباب الفن بهّبه سنفونية إلهية تاسعة. طلب أن يجلس. ولكن كل حركة كانت تنتزع منه صرخة ألم. كان خييط دموي يتجلّط في ملتقى الشفتين. وضعت مخاد تحت ظهره في حين كان مولاي سي عبد الجبّار يحاول، وقد جرت دمعتان كبيرتان على خدي الشيخ الجليل، أن يبقيه على قفاه. كان ملك الموت يحوم فوق الغرفة وكان صمت جنائزي ينشر أهواله في مداخل البيت وكان الحاضرون يرتّلون، بصوت خفيض، سورة ياء سين التي تعادل، عند المسلمين، المناولة الكبرى والإعلان عن نهاية حياة جاهزة لإجابة دعوة ربّها. لقد كان إدريس هو الذي قطع الصمت. تمددت أجفانه مسفرة عن عينين كبيرتين كستنائيتين محاطتين بأهداب طويلة كان اقتراب النهاية ينوّرهما برقة ملائكية ووجّه الكلام إلى سي تاشفين وقال له:

-"لقد أعجبتني، حقا، أثناء التراشق بالرصاص. إنني أغبطك على رباطة الجأش. إن قوة وراثية أثّرت فيّ .وبدل أن أذعن لما كنت توجّهه إلينا من إشارات، ارتأيت أن أواجه العنف بالعنف. إن هذا لهو الخطل. بندقية ورصاصة لمواجهة مفرزة فيلقين مسلحين بالبنادق والقنابل والرشاشات ويقف وراءهم المائة والخمسون ألفا من جنود الاحتلال بطائراتهم ودبّاباتهم وكل زلزال الأرض : إن النتيجة، حقا، ليست في مستوى الهدف المنشود. إذ لابد من تقرير ذلك هنا...

-"ما ذا تريد، يا صديقي العزيز؟ إننا جيش التضحية. لقد حبلت بنا أمهاتنا في زمن عجيب حقا. فنحن لو جئنا هذا العالم قبل خمسين عاما مزوّدين، طبعا، بما في رؤوسنا اليوم، لكنّا، أكيدا، مددنا مولاي الحسن بمجموعة المعاونين الذين كانوا ينقصونه لمساعدته في مشروعه الهادف إلى الإنقاذ الوطني. ولكن الأمر في الواقع لا يتحدّد على هذا النحو من الحسم .فكل شيء ينجم عن تطوّر تحدّده أسباب قاهرة. ونحن ربما كان يمكن أن يكون في مقدورنا، لو ألزمنا بمهمة مماثلة وفي لحظة ملائمة، أن نتجنب الكارثة. لقد ولدنا بعد زهاء خمسين عاما. وكان يمكن، أيضا، ولا يجب الشك في ذلك، أن نجد أمامنا ميدانا هيئ بشكل أفضل لتقبّل ِبذَارنا. كان يمكن للوسط أن يكون أكثر تأهلا ومن ثم أكثر تأييدا للنشاط الذي نبتغي لمصلحة وطننا.كان في الإمكان أن نكون أفضل تسلّحا لمجابهة المسألة الخطرة التي يطرحها مبدأ تحررنا.

"ولكن الآلهة، وكما كان يقول حكيم المدينة، قرّرت غير ذلك. لقد اختار وسيط الوحي طرقا أخرى. إن إسرار القدر مغلقة، وليس للإنسان أن يطالب بحق لوضعه إلا إذا أثبت قدرته على ممارسته. إن لغز التاريخ، وأنا عارف بذلك، إنما يكمن هناك. "

_"ومن ناحية أخرى: لقد علمتماني ذلك بما فيه الكفاية، سي عبد الرحمان وأنت.ان علينا أن نمرّ عبر هذه الطريق المزروعة أخاديد حتى يعيش البلد وحتى يمكن ذات يوم لأولئك الذين يأتون بعدنا أن يجدوا أمامهم أرضا حرّة. نعم، إنه لابد من المرور من هناك. إننا، ونحن منهزمون، نرفض الركوع. إننا، ونحن قد وضعنا أمام اختيار واحد من بديلين إما القبول، في خضوع وردّة، بوجود قوامه السلام البهيمي وإما أن نجابه ضروب العنف التي في إمكان نظام قائم على سياسة الدسيسة أن يتصورها، اخترنا البديل الثاني. إن الحياة ليست إلا صراعا أبديا وقوانينها محتومة. إننا لن نرتد إلى الوراء. إننا، بهذه الطريقة، لن نفرط في الرسالة الثقيلة التي نتحمل إزاء ضمائرنا. وإن هذا لأفضل من القبول بحبل الحرير الذي يراد لنا أن نضع على الرقاب والوضم المصقول الذي تنتظرنا عليه ضربة المقصل أي الموت أي، في كلمة واحدة، الموت التي يعرض علينا في كأس من المعدن الخسيس.

"لقد رويت لكم مرات عديدة ما دار من نقاش بيني وبين الأب توركواتو، هذا القس الإسباني الذي عرفت في تطوان وكان يخبئ ،تحت إسكيمه، قلبا إنسانيا انفك عن كل هوى، حتى عن هذا الذي كان يدعي، من وراء حجاب النفاق، الترفع عن كل مصلحة. لقد كان يحدثني هذا الإنسان الإلهي ذو السخرية الرفيعة المتبسمة، عن مشاهد من رواية الإنجيل آلام المسيح لم أتمكن، حينذاك من فهمها. وكان لابد من كل علم سي عبد الرحمان الذي تمكنت في مدرسته من التدرب على فك ألغاز الرومانسية الأدبية، حتى أتعلّم كيف أعرّي السرّ المسيحي من جزء من حجابه. وقد يكون في هذا سبب نفور عقل الأفارقة السليم المولع بالبساطة والصدق البريء من المسيحية على ما كانت عليه مقاصدها الأولى من نبل.

"كان الأب يحدثني عن جبل الزيتون وعن حديقة غيتشيماني وعن الطريق الأليمة وعن غولغوتا. كان يحدثني، بطبيعة الحال، بوصفه مؤرخا ولا بوصفه مبشّرا تصفده غلول إدارات رهبانية تشيد بالتبشير وتغفر، باسم الرأي المسبق، أشنع الفظائع الناتجة عن الغزو الاستعماري. لقد كان يبلغني كلمة سينيك التي كان يفضلها على كلمة سيسنيروس. كانت أسماء مثل هذه تسترعي انتباهي. وفيما بعد تمكّنت بفضل شروح سي عبد الرحمان من الربط بين ما تقوم عليه عند قراءة حياة المسيح لـ رينان. إنني، إذا نقلت الأحداث إلى إطار آخر هو ما نقاسي اليوم من شقاء في سبيل بلدنا والذي هو، أيضا، رسالة تبشير مخصوصة، أدرك جيدا، تعاقب الأوجاع والآلام التي كانت تتمخّض في خطبة الجبل قبل أن نسلك، بدورنا، نحن أبناء أفريقيا الشمالية الطريق المؤلمة التي قادت، قديما، إله المسيحيين إلى جَبَلِ الجُلْجُلَة. وإذا كانت المقارنة ليست دائما صوابا فإن تطابق هذه الملاحظات كان لابد له من أن يجلب انتباهي. إن المغرب، اليوم، وطن مصلوب.

"إنني في اليوم الذي عرضنا فيه للمرّة الأولى في حياة أفريقيا الشمالية تارتوف لموليير على المسرح الفاسي تحدّثت في ذلك إلى سي الونوغي وإليك أنت...

أومأ سي تاشفين برأسه مصدقا على كلامه في حين جرت من عينيه دموع تحسّر.

"... ومع ذلك، واصل إدريس، فإنني أودّ، حقا، لو امتدّ بي العمر. إن البلاد في حاجة إلينا. وعيوننا لم تتفتّح إلا منذ قليل على شمس العمل. وإنها لبَهْجَةُ أن يواصل الإنسان الحياة وسط المخاطر إذا كان ضميرنا، في هذا الشأن، موافقا لتفكيرنا ولكن...

لم يتم جملته وقطرت قطرتان أسفل عينيه. لقد أصبح وجهه منزوفا. كان مولاي عبد الجبّار والجبليون يبكون. واقترب السلاوي، زاحفا بتؤدة على البساط، من كدس اللُّحَفِ والمِخاد التي تمدّد فوقها صديقه. كان يحدق فيه بعينه الوحيدة. وكان خداه اللذان جوّفهما، هما أيضا، الألم، يعبران عن الكرب الذي يعصف بصدره في حركة كانت تنتهي، مناوبة، إما بالتنهّد أو النحيب. تناول يد المحتضر وقبّلها. ورفّ الصمت من جديد على البيت. كانت الشفاه تواصل تمتمة سورة هؤلاء الذين تحرّرهم فكرة اقتراب الموت، أخيرا، من الهموم على الأرض والذين يتهيؤون للمثول أمام الخالق. وتدفق سيل مضطرب من الذكرى والتذكر المبهم في مخيّلة المحتضر فاستذكر التيزران والدشرة العائلية وأباه وأيام صباه الأولى ورغباته وحبّه الدراسة وفاس والقرويين وكتبه وصداقاته وخطواته الأولى في طريق الوطنية والنقاشات بينه وبين زملاء الدراسة وسي عبد الرحمان وسي تاشفين وتأملاته. وها هو، وهو على عتبة الحياة وعندما بدأ يهيء نفسه، وقد امتلأت رأسه بالمعارف التي لا غنى عنها، للنزول إلى الميدان والى متابعة الطريق التي اختار وإلى إشباع رغبته الشديدة في العمل، يصاب أثناء مظاهرة كان عليه فيها أن يلمس، للمرة الأولى، بيده الجور الذي يكبل المغرب متخفّيا وراء مظاهر حضارية مزيّفة ذات اتجاه واحد، بالرصاصة التي إن كانت قد أخطأته عندما كان يجابه الإسبان في الفندق فهي تصيبه إصابة قاتلة، هذه المرة، وسط أنهج فاس الهادئة.

لقد جاء إلى هذا العالم مثلما قال إما شيئا ما قبل الأوان وإما متأخرا قليلا. وكان في عداد زمرة المضحّى بهم .هذه التضحية التي لن تؤتي ثمارها إلا في الأجيال القادمة باعتبارها ثمنا تولّد عن أخطاء الأجيال السابقة.

لم يتمكن، وهو المسلم الصادق الذي تربطه بعقيدة آبائه عرى راسخة، من الامتناع، وهو على عتبة الموت، من استحضار الصورة التي رسمها له الأب توركواتو، ذات يوم، في غيضات تطوان البيضاء المزروعة برتقالا ذا روائح مدوّخة، عن تعذيب المسيح وموته: جبل الزيتون وحديقة غيتشيماني وطريق الآلام التي تتخطى وادي يوسفيت والتلّ الصغير في مقابل أسوار الهيكل حيث كان يتماحك كهنة إسرائيل الشاهد على حدث سيجعل من راع متواضع في الناصرة لم يخف أمام الموت، إشباعا لتعطشه إلى العدالة، شهيدا ونبيا وفاديا ضفته أعين شيعته كل أفضال الفتنة الإلهية.

إن رواية الإنسانية المجيدة،هذه التي أسست عليها شرائع الكنيسة، فيما بعد، قاعدة دين وهدف رسالة، يمكنها بالمستوى نفسه، في كل مكان وفي كل زمان أن تكون المثال المحتذى في عمل ذي أشكال متشابهة تقريبا. وهكذا كان إدريس يقارن، بتأثير من التقاء أفكار ومن تسلسل ذكريات بعثها تفكير شرد عبر مناطق الشعور الباطن وفي ما يشبه الهذيان مصائب المغرب وتضحيته الخاصة بصورة إن كانت يهوذا مسرحا لها، فهي تنطبق، تماما، على الأحداث في أفريقيا مثلما تنطبق على أحداث أخرى خارج أفريقيا وذلك بعد ألفي سنة من لعنة هيرودس وخديعة بونس بيلاتوس وخيانة حايف وصعود الجلجلة.

*

* *

هزّ المحتضرَ انتفاضٌ. وتزايد تقلصه بمقدار ما كان خداه يتحوّلان من الشحوب إلى لون أكثر شمعية وبقدر ما استغرقت عينيه اللتين انقلبتا في محجريهما هذه الرؤية المرعبة التي هي آخر انطباع يحدثه الموت في النازع منذ بدء اتصاله بما وراء الحياة.

وجاءت الحشرجة أخيرا لتعلن عن نهاية سكرة الموت : نهايات وبدايات وبدايات ونهايات. إن هذه لهي ماهية الإنسان الخالدة إذ هو يولد ويموت ويتعفّن ليعود إلى الحياة من جديد. وهي موضوع جدل شائك معقّد بين الروح التي تواجه الجسد والفكرة المادة والأطروحة النقيضة، جدل بين النور الذي يواجه الظلمة والحياة والموت. وهي قضية تتجدد، على الدوام، في أشكال وألوان مختلفة وسط اللانهاية الشاسعة ذات الحدود التي لا تقدّر والتي فيها يلوّح الإنسان، هذا الذرة الضائعة في المحيط الروحاني، بعدمه مجابها الروح العبقرية التي خلقته وترهقه والتي عليها، مع ذلك، أن تحسب له ،دائما، حسابه.

فتح إدريس، فجأة، عينيه ورأى بين يديه الأسمر الذي كان، وفي اليد سبحة، يرتّل بهدوء آيات ياسين.كانت لحية سوداء تحوط بوجه صديق الطفولة المبرنز. وقد تذكر عينيه واستحضر تسلسل الذكريات التي سبق، قبل عدة دقائق، أن ذكرته بمحاورة الأب توركواتو، فتذكّر،هذه المرّة ،قرية الولادة المخبأة في أرز تيزران. لقد خرجنا من أحشاء الأرض وإنا إليها لراجعون.

هذه القعطة الصغيرة من الأرض التي وُلد فيها والتي أضاءت فيها بسمة أمٍّ وجه طفلها الصغير وهو يرى نور الحياة، إنه ليستذكرها في اللحظة التي كان فيها يسلم الروح. السلام الأسمى على الأرض والدم. وهذه التحية يردّدها، تذكرا، بإجلال وحب مثل التَّمِّ الذي يرسل في الطبيعة، محييا قبل أن يموت، آخر صوت في الحنجرة وأروعه. وفي الدقيقة التي لاقت فيها عيناه عيني الأسمر ورأى يديه تسبّحان في حين كانت تصدر عن شفتيه أصوات مبهمة ظنها طريقة في الحساب، ظهر بين يديه شبح سي عبد السلام وهو ينبثق من أعماق الماضي متدثّرا بثوب أبيض، باسما شبيها برسول الرحمة. وَلَبَسَ خليط من الفرحة والرهبة قسمات المحتضر. وخيل إليه أنه يتبيّن في طرف يد رفيقه الرحيمةَ وشفتيه المهتاجتين مُحْيِيًا بذلك مشهدا من المْسِيد القديم كان جريان السنين قد أقصاه في ركن من أركان الذاكرة .وفكّر في نوع من الامتحان الإعدادي قبل

المثول أمام المنصف.

كانت آيات ياسين تتحول أرقاما كما لو كانت تحصي

الثواني أربع ا ثلاث ا اثنتان ا واحدة ا الأخيرة . وهذه المرّة لم يكن الأسمر يغشّ في اللعب. فعيناه اللتان غشّاهما البكاء ووجهه المنهك والنحيب الذي كان يهزّ صدره، كل ذلك كان، حقًّا، يدلّ على ما كان يعيش من انفعال.

هزّت رجفة النازع وجرى تنمّل مزعج على أخمص القدمين اللذين جمّدهما الموت وأحس بهذه الحِكَّة الشبيهة بما يحدثه سير صفِّ من النمل على الجسد تبلغ الساقين فالظهر فالصدر. وامتطّ جسمه وتقبّضت أطرافه، وهي تتيبّس، في هزّة أخيرة. وارتسم ضرب من الابتسام على شفتيه المتقلصتين المنزوفتين. إنه لوميضُ هلعٍ. ثم إن إدريس دخل، وقد أطاح رأسه لتسقط على كتف سي تاشفين وقد تخفّف ضميره من كل ندامة... في الأبدية.

بعد شهرين كان الأسمر والجبليون الذين نجوا من مذبحة فاس يمرّون أمام منحدرات تيزران. كانت الدشرة على مرمى البصر. وكان السكان قد فرغوا من قطاف العنب وجني التين ولم يتبقّ من منظر الكرْم والأشجار غير شبكات من الجذوع والفروع العارية من الأوراق تحوم فوقها أسراب من طيور الزرزور والكروان. إنها فترة الحرث. كان فلاح الجبل يمرّر، ببراعة أُلْعَبان على تلال الجبال وفي الوهاد الصغيرة وفي غور واد جاف سمحت فيه طبقة من الطَّمْيِ حَمَلَهَا آخر فيضان بمحاولات زرع، المحراثَ البسيطَ الذي يجرّه بغل أو ثور الجبال الصغير الذي يجتاز مجرى السيل قفزا أو يتسلق الصخر بخفة جَدْي.ويشاهد ، أيضا، على المنحدرات مزارعون آخرون عراة الرؤوس سحبوا من الجلابات سواعدهم، يَنْكُشُون بالمعاول ذِرْعَانًا من الأرض الصالحة للزراعة تُطَيّن الحجر ويلصقون فيها الحبوب أكثر مما يَطمرونها.

كان الـ زْبِير يحرق مساحات شاسعة من الدغل. وكانت النار المشتعلة تضيف، تحت زرقة السماء ويشب التموّجات الجبليّة، حرارتها الشديدة إلى نور النهار فيشحب انعكاسها القوي الآفاق.

كان تيزران يشعّ في اخضيضار أفناده العملاقة المثقلة صَبَرًا والتي تزداد بهاء على الدوام بألق ألفيّ. إنه عزّ مجده. كانت غابات مرتفعاته تتقدم بين الأرض والسماء مثل حدائق بابل.

وكان الهواء النقي ينفخ في الصدور. والأرض كانت تَجْحَفُ نُسغا وفَوَحانا مغذيين. ويبرقش الترنجان وزهر اللؤلؤ والخشخاش وزر الذهب حقولا صغيرة يغطيها عشب مائج. وترعى أعنز ذات جزّة بلون حبّاري باقات من الشوك. وتصّاعد القبّرة، رسولة العمل، في الهواء مطلقة صيحاتها الجذْلة. وفي البعيد، وفوق أشجار الأرز، يرسم عقاب دورات حلزونية طويلة قوية، لقد كان يبدو أن السلام يسود...

كان الجمع يمشي صامتا. وكان يتوقّف، بين الفينة والفينة، عند حرّاث أو حطاب أو راع يبادلهم الكلمات أو نَفَسَ ِكيٍف ثم يواصل سيره. كان رجل على بعد عدّة مئات من الأمتار من القرية يتقدم، بمشقّة، وراء محراثه الذي كان يسحبه ثور أبيض مرقّط بالشقرة وبغل كسي جلدا أصفر.

كانت الأرض، على الرغم من أنها على هيئة منحدر، أفضل وأسهل استصلاحا من الأراضي الأخرى. وكان مالكها الذي يلبس جلابة بيضاء قصيرة ويعتمر رازا ساحبا زعبولته إلى الظهر، يبدو في وضع ميسور شُوََيّةً. كان عجوزا. وكانت حركاته متثاقلة غير موفقة. وكان ينتقل متعثرا ولا يستخدم غير يده اليمنى. أما الكمّ الأيسر فكان فارغا. وكانت لحية بيضاء قليلة الشعر تنفش وجها عزوما وإن جعّده العمر والهموم. وكانت العينان الذابلتان مازالتا على احتدام يسكن جسما ضامرا متهافتا.ولقد كانت رأسه الصغيرة ذات القياسات العضدية الرأسية الكاملة وقوسا الحاجبين اللطيفين على الدوام، على الرغم من الشعر الأبيض المبعثر، والنظرة المؤنسة، كان كل ذلك يدلّ على أصل الجنس وصلابته. لقد تحدّب ظهره وكانت بداية ربو، وهو مرض عادي في المناطق المرتفعة، تهزّ، في أوقات متقطعة جسما ليس في وسع نحافته أن يشير إلى عرض من أعراض انحطاط الشيخوخة. أما الوجه الأسمر فكان يتضوّع جلالا. لقد كان الرجل هو الحاج علاّل بن حازم، أب إدريس. كانت الجماعة أمامه عندما بدأ يتهيأ، وقد أنهى ثلمه، لعكس المحراث. تقاطعت النظرات في آن واحد فتوقف الحرّاث بتأثير المفاجأة. ومع ذلك فلقد كان يتآكل شوقا إلى إدريس. لقد كان في قلق لغيابه. وعتّم فجأة هاجس قاتم وجهه وتسارعت دقات قلبه فترك ِمقْوَمَيْ المحراث كما لو أنّ نُعْرَةً لسعته وأدار رأسه وأطلق خُوارا طويلا.

حرك البغل جسمه ثم عدّله في حركة جافة عصبية. انحنى الأسمر وأصدقاؤه لتقبيل يد أب صديقهم النكيب. حياهم ولكنّه لا شيء فيه، مع ذلك، كان يعبّر عن تداع نفسي حقيقي. إن للجبل قوانينه وعاداته وطرقه التي هي إرث الأسلاف القدماء ذوي التقاليد القوية التي لا يستخف الناس، على الرغم من مظاهر الخشونة، بضرورة الأخذ بها.

تبادلوا بعض الكلام المبتذل حول الصحّة والسّفر ثم حلّ صمت مزعج تقطعه جمل مُتحَفّظة أو تلميحية أو كلمات لا معنى لها حقيقيا. أخرج الحاج علاّل منديلا ونشّف جبهته وتمخط ثم ارتجل سؤالا :

وإدريس، أين هو ؟

إدريس، أجاب الأسمر بهدوء مغالى فيه، إدريس لن يعود. ولتشمله الرحمة الإلهيّة. لقد مات صريع رصاصة أصابته عندما كان يمشي، منذ عدة أسابيع، في طليعة مظاهرة فاس...

عقب ذلك وقفة صامتة ثقيلة مزعجة ثم إن جبليا كان قد عاد من فاس صحبة الأسمر قطع الصمت :

فلتغتبط، سيدي، قال، لقد مات إدريس موتة رجال!

لا شيء، باستثناء تملُّلٍ خفيف في اليدين، لا شيء دل على ظل من الوجوم عند الحاج علاّل. ومع ذلك فإن ما ضاع منه إنما هو شيء من حياته ودعام وجوده ومناط مطامحه التي تقوّضت في حين أنه، وهو الأب العجوز المتعب المعوّه الذي تترصّده كل مصائب جسم هالك بلغ الحدّ ،تخلّف عن الابن الذي انبنى عليه فخر وأمل العائلة والقبيلة وربما البلد. إن هذا ليعرفه الحاج علاّل السلفي والمحارب ورئيس الجماعة ويحسه عن خبرة وكان يقدر أهميته وليس في إمكان شعوره أن لا يعبّر عن هذا الأسى البالغ المتولد من خسارة مثل هذه. ولكنه عرف كيف يتمالك نفسه.

إن الرأس، عنده، تغلب القلب. لقد منعته 1 مبادئ تربية عمرها قرون عديدة التحمت بروحه التحام جذور الأرز العملاق بالأرض منذ أمد طويل، من حالات ضعف مماثلة. ولو قدّر لسي تاشفين، صديق ابنه ومرشده، أن يعرفه على غير ما قدمه إليه إدريس من وصف بَخيل لقارنه، يقينا، بشخصية كورنيليّة تجمّلت بخصال أرض أفريقيا الرجولية.

-حسنا، قال، بعد دقيقة من التفكير. فلتذهبوا، رأسا، إلى منازلكم ولا تذيعوا الخبر قبل أن أبادر بإخطار العجوز.

ثم إنه وخز، وهو يدير سكة المحراث نحو الجنوب، ردف الثور، بمنخسه القصير.

كان تيزران، وقد بلغ من الجمال مبلغا لم ير له مثيلٌ يستبد بكلاكله، بهذه الأرض المغربية الشرسة الضليعة التي لم يتمكن أي غاز منذ أزمنة خرافيّّة، من أن يقضي منها وطرا. هذه الأرض تؤوي شعبا صلبا نفورا. وفي كل مرة كان فيها هذا الشعب يستشعر خطرا على استقلاله، كان ينطوي على نفسه. وهو، إذ يغلب، لا يسلم بالهزيمة. إنه لا شيء يفتّ في عضده. هذا الشعب القنوع العنيد الأنوف اللازب النزق غالبا ولكن الصبور دائما المرتبط بأرضه التي محّضها شغفا عنيفا والذي يضمر الإجلال للأجداد، الجسور جسارة العقاب الذي يعشش فوق الذرى، والذي هو نظيره عذابا وشراسة، هذا الشعب يفوّض أمره دائما عندما تتعثر خطاه، إلى سماواته الحامية. وهو يترك، في أيّام الحظّ العاثر المدّ الجارف يمرّ ثم ينتظر، في منجَى جَبَله وبَرَاحه الصحراوي، أن يَنْفَدَ الموج

ذاتيا. ومثلما كان شأن أنتى 2، يستغل هذا المآل لتجديد قواه بتأثير الأرض الأم. إنه بهذه الطريقة توصّل إلى إضناك روما وبيزنطة. وهكذا فإن شعب الحاج علاّل وإدريس الذي هو في الآن نفسه متمرد ومستوعب ولود على غرار مكسر البحر الذي تضربه المياه المجنونة والعنينة، يرشح نفسه حارسا لا يقهر لدينه و...لوطنه.

بغداد ، ديسمبر 1941- جويلية 1942

1. منعته ، بتشديد النون

2. هو في الأساطير الاغريقية عملاق متعلق بالأرض التي هو منها. وقد خنقه بعض الآلهة بأن أبقاه معلقا في الهواء ، بعيدا عن الأرض التي يستمد منها قواه.