حزن في الذاكرة
روايات احلام
كيت والكر
من هو هذا الرجل الذي راح يهاجم أيف في مساء أحد الأيام ؟
كانت عيناه تقدحان شررا كانه يريد ان يطبق الخناق عليها ....
-انا لم التقِ بكَ من قبل .... انا لا اعرفك !!!
--لا تكذبي .... اللعنة عليكِ !
أنتِ تعرفينني جيداً ....
أنتِ زوجتي ...
أوَ يعقل ان تنسى امرأة انها كانت متزوجه لثلاث سنوات من صاحب أجمل عينين قاتمتين ؟
ام تراها احدى الاعيب كايل الغامضة ؟
كان على ايف ان تفك رباط الذكريات وتسترجع ماضٍ دفنته منذ زمن ..
غير انها لم تكن تريد خوض غمار هذه التجربة ...
لكن كايل كان دائماً موجوداً ليثبت لها , وبإصرار غريب ...ان حديث الذكريات ابداً لا ينتهي ....
1-تعرفه او لاتعرفه
-كيف تجرؤين؟ كيف تجرؤين بحق الجحيم؟
بدت لأيف تلك الكلمات الغاضبه وكأنها وحش يندفع بقوة من الظلام ليوجه اليها صفعه عنيفه. كانت لا تزال مسمرة عند عتبة الباب، وبقيت لثانيتين لا تعي شيئاً، والمفتاح في يدها المرتفعه. كل ما كانت تعيه، هو الغضب الاسود في الصوت الذي سمعته...وما لبثت ان استجمعت افكارها مرة اخرى، وادارت تقطيبة مشوشة لصاحب الصوت، وهي تدفع الى الوراء خصلات ناعمة من شعر اشقر ذهبي، بعثرته الريح فوق وجهها.
-ارجو المعذره؟
ادركت في اللحظة التي تكلمت فيها، انها وحيدة وان الشارع الجانبي الهادئ خالٍ تماماً...وعلمت ان الصوت الذي سمعته كان صوتاً رجولياً من دون ادنى شك.
اما الجواب الذي تلقته فصمت اخرسته الدهشه كصمتها، فاستنتجت ايف في لحظة ان شيئاً ما في ردة فعلها قد ادهشه، ودت بكل شدة لو تستفيد من هذه الفرصة الضئيلة لتفتح الباب وتندفع داخل المنزل، لكنها سيطرت على اعصابها وهي تقنع نفسها ان ما من ضرورة لرد فعل متسرع ... على اي حال، ما كان عليها الا ان تضغط على زر الجرس، او تصرخ، ومن ثم يخرج جيم في اقل من ثانية، لا سيما انه يجالس الاولاد في تلك الليلة.
ثم عمدت الى رفع صوتها بترفع وبرودة:
-اعتقد انك ارتكبت خطأً ما.
ورفعت رأسها باستكبار وهي تدير عينين زرقاوين واسعتين الى الصوت الغامض...كان الرجل الذي وجه اليها الاتهام، لا يزال مختبئاً في الظل، بحيث ان كل ما استطاعت ان تراه هو شكله الضخم.
-انت تخاطب الشخص الخاطئ، هذا كل شئ...و...
-اوه لا ...حبيبتي...
اياً كانت المفاجأة التي احدثتها في نفسه، فقد استفاق من وهلها الآن فأضحى صوته جازماً واثقاً مرة اخرى، وقد تخللته لكنة ما... لكنة اميركية ...كما لاحظت ايف من دون تفكير عميق...لكنها لاحضت ايضاً ان صوته احدث فيها إعجاباً واضحاً.
-لست المخطئ... بل انت... ولست ادري كيف تجرأت على الاعتقاد بأنك قد تفلتين من العقاب...
اما ذعر ورعب ايف، صمت فجأة، وتمتم بشتيمه عنيفة، عكست الغضب الذي لم يعد يستطيع ان يكبح جماحه. وبسرعة تلاشت ثقة ايف بنفسها، وخطت خطوة سريعة الى الخلف، نحو الباب، وراحت تدفع المفتاح في القفل بأصابع ترتجف بعصبية. بات واضحاً انه يحسبها شخصاً آخر...لكن، تبين كذلك انه لم يكن على استعداد للإصغاء الى المنطق.
-لا..ايف...اللعنة عليك... انتظري!
ايف...اسمها وحده جمدها مرة اخرى، وبدا لها ان في رأسها ضباب من الصدمة. انه يعرف اسمها... لابد انها التقت به قبلاً...ولو لوقت قصير...ربما في حفلة عيد الميلاد التي اقامها جيم ودايان.
-اوه ... لا ...لن تهربي مني مرة اخرى.
اعادت الرنة الخشنه في صوت الرجل سلسلة اسئلتها الحائرة الى الحاضر. كان قد تقدم خطوة الى الامام، ومد يده وكأنه يريد الإمساك بها.
فما كان منها الا ان ابتعدت عنه بدافع غريزي. فوصلت الى النور الذي كان يشع من زجاج الباب... وحين تسلطت عليها الاضواء، اضيئ وجهها كله، فسمعت الرجل يسحب نفساً سريعاً متحشرجاً، واحست بنظرته تنتقل عليها، من الشعر الحريري الاشقر المتموج، مروراً بالوجه الشاحب المستدير كما القلب، الى عينين زرقاوين قاتمتين كبيرتين بشكل غريب، وانف شامخ الى فوق، وانتهاءً بفم ناعم ممتلئ، قبل ان يتابع تجواله فوق جسمها.
لو تمكن من رؤيتها منذ سنتين، لأبصر شكلاً مختلفاً، واجفلت ايف لتفكيرها هذا ولمرارة الذكرى اللاذعه... لكن القلق والخوف شلاّ تفكيرها، واعاداها بقوة الى وضعها الحالي. وفجأة قطعت كلماته حبل افكارها مرة اخرى.
قال بلهجة جديدة مختلفه تماماً:
-لا تتلاعبي معي ايف! ...لقد فات الاوان لهذا.
هذه المرة اجتاح ايف نوع آخر من الخوف، واحست كأن الآلاف من اجنحة الطيور المجفله تتضارب مذعورة داخل قفصها الصدري، فراحت تتنفس بسرعة، وبشهقات غير سوية...هل تعرفه؟ وما كادت تفكر بهذا السؤال، حتى ساورها شعور رهيب...اتريد حقاً ان تعرف الجواب؟ لقد توصلت، ان لم نقل الى الامان، فعلى الاقل، الى نوع من الرضوخ لواقعها، خلال الوقت الذي عاشت فيه مع جيم ودايان...فهل ترغب في خسارة كل ما كافحت بقوة للحصول عليه؟
-من...من انت؟
-اوه ... ايف ... الا تعرفين؟
بدا في الصوت اللطيف لمسة سخرية وتأنيب. اثارت نبرته في ذهنها احساساً يفوق الحزن، وكأن شخصاً ما اخذ يمرر حديداً احمراً ساخناً فوق اعصابها وسيطر على داخلها الذعر الاعمى.
-لا ... لا اعرف! ويمكنك ان تتوقف عن الاختباء في الظل وكأنك جبان يثير الشفقه!
وعرفت، حين ارجع رأسه الى الوراء ان اتهامه بالجبن لم يعجبه... لكنها اكملت:
-اذا كان لديك ما تقوله لي، فلتملك الصدق والذوق، لتواجهني به!
-حسن جداً ...
بدت الثواني الثلاث التي لزمته ليتقدم نحو النور وكأنها دهر. حينها احست بقلبها يخفق عالياً، فراحت تتنفس بصعوبة، قبل ان يتوقف امامها اخيراً، ويصبح مرئياً بوضوح.
سأل باللهجة المستخفه ذاتها، وابتسامة ساخرة تكور شفتيه:
-اهذا افضل؟
لكنها لم تعرفه ... ولم تعرف ايف هل تحس بارتياح او خيبة امل سوداء مريرة. انها لا تعرفه! او على الارجح لم تعرفه يوماً ... اذ كيف لها ان تنسى مثل هذا المزيج القاتل من الجاذبية والشعر الاسود، والعينين البنيتين العميقتين يعلوهما حاجبان كثيفان مستقيمان؟ بل كيف تنسى الانف المستقيم، والفم الجميل الشكل، والفك والذقن العنيدين؟ ترى متى رأت كل ذلك؟
وتبين لها انها اخذت انطباعاً عن شكل جسمه الضخم. فجسم هذا الرجل نحيل قوي العضلات. وهو يرتدي بذلة رماديه انيقة، ويمتلك قوة مثيرة للأضطراب. كان طويلاً، يفوقها طولاً بستة إنشات، وما ان وقع نظرها عليه حتى احست ايف وكأن ماء مثلجاً ينزلق نزولاً فوقها، بحيث اخذت ترتجف، وفمها ينم عن ارتباك مؤلم.
سألها الغريب:
-اهكذا افضل؟
كانت السخرية في صوته، تتناقض تناقضاً دقيقاً مع عينيه البنيتين المركزتين على وجهها، لا بل على كل قسماتها، حتى احست وكأنه يريد استعادة ذكرياته بكل تفصيل والاحتفاظ بها الى الابد.
شعرت ايف فجأة وكأن معطفها الواقي من المطر، لم يكن يحميها من نظراته الثاقبه. بدت لها الفكرة مدمرة الى درجة جفاف فمها اكثر فاكثر، فاضظرت متوترة الى ان تبلل شفتيها. وازداد توترها اضعافاً حين رأت نظرته القاتمه تهبط نزولاً لتلاحظ حركتها الفاضحه.
-ماذا ...؟
وخرج صوتها من السيطرة، فراحت تتلعثم قبل ان تكمل:
-ماذا كنت تريد؟ ان تقول لي يا سيد ...؟
وتعمدت اضفاء رنة متسائلة على سؤالها، وكأنها تلمح اليه، بما لا يترك مجالاً للشك، انها لا تعرف اسمه ...فأبصرت تقطيبه سوداء بين حاجبيه. وانتظرت رده، على احر من الجمر. لكنها لم تستسلم، الا بعد ان امتد الصمت الى درجة لا تحتمل، فتابعت من دون ثبات:
-..يبدو انك تعاني من مشكلة ما ...لابد وانك تفكر بشخص آخر ...انا...
قاطعها بخشونه:
-اوه لا...انا لا افكر هكذا...اعرف بالظبط ما ابحث عنه ...انت من جئت لرؤيته.
-اذن، ربما من الافضل ان تشرح لي ... لأنني حقاً لا اعرف ماذا اقترفت لأزعجك.
مرة اخرى ازالت التقطيبه الهدوء بين حاجبيه، وبدا في عينه البنيتن نظرة غضب وارتياب صريح فارتجفت ايف في داخلها. حاولت ان تواجه عدوانيته في ابتسامة خبت بسرعه امام تعابيره التي لا تلين.
-هلا قلت لي ما اسمك اولاً ... انا ايف مونتاغوي ..
وكأنها اضرمت النار في كومة من الاغصان الصغيره...فتجاهل اليد الممدوده اليه، والتمعت عيناه بنار محرقه. ثم رفع رأسه بعنف قائلاً:
-بحق الله! متى تتوقفين عن هذه التمثيليه اللعينه؟تعرفين تماماً من انا ولماذا جئت ... كان يجب ان تتوقعي مجيئي ...وانني في النهاية سأقرأ ما كتبته، ثم اجول البلاد لأجدك ...لكن الآن...
غمرها احساس بالتحرر، فترنحت الى الخلف لتستند الى الجدار بارتياح.
-لقد جئت بسبب كتابي!
قال بعدوانيه هددت راحة بالها:
-اهناك سبب اخر؟
-هل ارسلك جنسن؟
بدا ذلك التوتر الفضيع يتسلل اليها مجدداً ...ان كان يعلم بأمر مؤلفها، فمن الطبيعي انه يعرف اسمها، لكن عدوانيته المستمره ظلت تقلقها بعمق، اي نوع من الناشرين يمكن ان يزور مؤلفة لأول مرة في منزلها في السابعه والنصف ليلاً؟
كررت بقوة اكبر:
-هل ارسلك جنسن؟
ساد صمت وجيز، بدا الرجل بعده وكأنه تلقى صفعة قوية على وجهه. ثم اعلن بعجرفه:
-لا ...لم يرسلني جنسن...انا جنسن، كما تعرفين جيداً!
-كايل جنسن!
انزلق اسم المدير العام لامبراطورية النشر جنسن من فم ايف، فيما هي تتذكر المداخله التي قرأتها في دليل الكاتب خلال اوقات الغداء في المكتبه ... كان صغير السن بالنسبة لهذا المركز...وقدرت انه يقارب الخامسه والثلاثين، وكانت تتوقع ان يكون رئيس مؤسسة جنسن اكبر سناً.
-في خدمتك...
ثم انحنى امامها بسخرية اكبر.
-هل ترغبين ببطاقة العمل كدليل على هويتي؟
ردت بسرعة:
-كان يجدر بك ان تقدمها قبلاً، لو انني عرفت من انت ...
-لو عرفت ...يا للعنة...ايف..اي نوع من الالعاب تلعبين؟
وهذه المرة استسلمت ايف الى موجة الذعر التي اجتاحتها. ثم اشاحت وجهها بسرعة وهي تدس مفتاحها في القفل ...كانت على وشك ان تديره حين تقدم الى الامام وامسك معصمها بقبضة قوية، حتى تسمرت مكانها.
-لن تذهبي الى اي مكان حتى انتهي.
ابتلعت ايف صيحة الرعب التي ارتفعت الى شفتيها وهي تقاوم القبضة المؤلمة على ذراعها ...لكن من الافضل الا تثير عدوانيته اكثر من هذا...تمكنت من القول مرتجفه:
-من الافضل ان تقول لي ما تريد...ثم هل تسمح بأن تترك ذراعي؟ انا لست وحدي، فصديقي في الداخل...وما علي سوى ان اناديه ...
احست بارتياح شديد عندما انزل يده عنها بسرعة، وكأنها نار احرقته. وبجهد قاومت اندفاعاً غمرها لتدعك ذراعها، حيث خلفت اصابعه في بشرتها الرقيقه آثار قوية.
من هو هذا الرجل الذي يدعي انه قادم من جنسن وانه يملك جنسن، كما انه يتلفظ باسمها بحدة مخيفه؟
احست ايف بساقيها يرتجفان، وغمرها احساس بالضعف والصدمة...بدا الاحساس نفسه كما في الماضي...شعور غريب بالخوف، وبدوار في رأسها كأن اعصاراً يغزوها ليطرد منها كل تعقل. لقد قاومت بقوة...وتحملت الكثير من الضغط والالم، كي تعود الى طبيعة بالكاد تتحملها، هي حياتها الآن...وفي خمس دقائق قصيرة تمكن هذا الرجل من ايصالها الى ذات المستوى من الذعر والصدمة.
-اريد فقط ان نتكلم.
بدا وكأنه ادرك انه بالغ في الضغط عليها. لا سيما حين كشف وجهها الشاحب وعيناها البراقتان خوفاً مضطرباً.
ردت ايف بصوت متألم وهي تعاني في اخراج الكلمات:
-نتحدث؟ عن ماذا؟ عن كتابي؟
رد بشكل غامض:
-اذا كان هذا كل ما انت مستعده لبحثه ...اجل.
لم توح خشونة لهجته بأنه حاضر ليتكلم عن العمل.
-حسن جداً...
وفي خضم ترددها وضياعها، سمعت وقع اقدام في الشارع...و وصل اليها صوت محبب تعرفه جيداً فبعث فيها الراحة.
-مرحباً! ايف ...ماذا تفعلين هنا عند باب دارك؟
-دايان!
بصيحة اغتباط، استدارت ايف الى صديقتها، وصاحبة منزلها، والارتياح ظاهر بوضوح على وجهها. ومع تلاقي عيونهما، لمحت ايف تغيراً في تعابير المرأة التي تكبرها سناً، فقد قطبت جبينها قلقاً...
-ايف؟ من هذا؟
تنقلت عينا دايان الرماديتان النافذتا البصيرة من وجه كايل جنسن القاتم الى وجه ايف الشاحب، ولاحظت التوتر الذي يسيطر على عضلاتها، وعينيها المتسعتين، بلون القاتم:
-هل يزعجك هذا الرجل؟
-اجل...لا...
لم تعرف ايف كيف ترد على صديقتها، ولم تتمكن من التعبير عن مشاعرها في كلمات. لم يكن الرجل نفسه ما يثير قلقها...لكن تأثيره البارز والذعر الذي تملكها سببا لها شبه انهيار.
حاولت الكلام مجدداً:
-انه...
لكن دايان شاهدت ما يكفي...فتحولت الى امرأة عدوانية. ثم نظرت الى كايل في عينيه مباشرة. وسألته ببرودة كالثلج:
-ما الذي يجري هنا بالضبط؟
لكن هذا لم يزعجه البتة...فقد اعتاد كايل جنسن على التعامل مع الغرباء العدوانين...فهل يعقل ان يكون المرء على رأس امبراطورية نشر عالمية وخجولاً في الوقت نفسه؟
قال يسأل بنعومة:
-ومن انت؟
وارتفع حاجبه الاسود وكأنه يؤكد لدايان انها هي من يلعب دور المتطفله لا هو.
-اسمي دايان بينيت...وهذا منزلي...وايف تسكن عندي و...
نظرت الى ايف نظرة شجعتها وولدت فيها القوة:
-وهي صديقة مميزة جداً...فإذا كان لديك ما تقوله لها، يجب ان تقوله امامي.
تسمر كايل في مكانه، وقد تبخرت تماماً تلك النزعه الهجوميه التي ظلت تلازمه، جسدياً ولفضياً. لكن ايف لاحظت كيف اخذت عيناه البنيتان تتنقلان من وجه دايان الى وجهها، ثم تعودان اليها مرة اخرى. بدا انه يفكر بروية، وهو يقيم الموقف بسرعة وخبث، ويقرر كيف يتعامل مع الوضع الجديد.
-انا كايل جنسن.
بغتت لسماعها صوته يتحول فجأة الى النعومة والادب..فصعب على ايف ان تكبح شهقة دهشه لاسيما حين مد اليها يده القوية، وقد زينت بحاتم ذهبي منقوش في الاصبع الثالث. بدا لها رجلاً مختلفاً ذلك الذي يقف امامها الآن..رجلاً بشخصية دمثة، سهل المعشر، جذاباً ويسهل التواصل معه. وكان من الواضح ان دايان انجذبت للسحر الذي يحيكه..فقد استجابت لنظرة عينيه البنيتين، وتركت اصابعها تستغرق في قبضة ثابتة وواثقه.
-انا املك مؤسسة جنسن للنشر.
ترك يد دايان، ثم مد يده الى جيب داخلي اخذ منه بطاقة بيضاء مستطيلة، هي بطاقة التعريف به! فشهقت ايف وهي تقاوم احساس غضب هائلاً. فقد واجه دايان بدليل عن هويته بينما تحاشى هذا الامر معها. والتقطت اذنا كايل الحادتان الصوت الخفيف، فألقى عليها نظرة مقيمة. قالت متلعثمة، وبشرتها تقشعر توتراً:
-لو انك اريتني هذا منذ البدايه...
سأل ببرود وسخرية:
-أكنت تعاملينني بشكل مختلف؟ آشك في هذا كثيراً آنسة مونتاغوي.
ترك ايف حائرة كيف تفسر الطريقه الغريبه التي ركز فيها على اسمها، وادار اهتمامه الى دايان.
-لاشك في انك تعرفين ان الآنسه مونتاغوي..
ومرة اخرى كان هناك ذلك التعبير الساخر في لفظه لأسمها..
-..قد كتبت قصه...
صمت، منتظراً موافقة دايان، من غير ان تتوقف عيناه عن التنقل من وجه امرأة الى الاخرى، ومجدداً راح يراقب كل ردة فعل ولو صغيرة قد تظهر له مشاعرهما ...ولم تكن ايف في ادنى شك انه، مسيطر تماماً على الموقف، يتلاعب بهما معاً بسهولة تثير الاضطراب ...فسرت قشعريره في جسمها، لا دخل لها ببرودة هذه الامسية من شهر آذار (مارس)، وحذرتها غريزتها من القوة المخيفه في كايل جنسن، أكان هذا في العمل ام في الحياة اليومية...قوة من الصعب مواجهتها دون عواقب.
قالت دايان:
-قصه...اجل. لقد نصحتها ان تعرضها على الناشرين لترى اذا كانت مناسبة.
-وهل قرأتها؟
احست ايف شيئاً ما، في الطريقه التي انبسطت فيها لهجته، ورقة فمه الخطيرة، وكأنه يقول لها، انه، لسبب ما، لم يكن مسروراً بقصتها..لكن، بعد لحظة بدا وكأن الغضب، هذا اذا كان غاضباً، قد غادره، فيما عادت اليه اللهجة الناعمة:
-اذن ستفهمين لماذا اريد التحدث اليها.
تساءلت ايف ان كانت مصابه بجنون الارتياب، ام انه حقاً يملك عدة معان خفيه وراء لهجته المسترخيه، لم يبد ان دايان شعرت بكل هذا ..لكن بشرتها هي كانت تقشعر بتوتر في كل مرة يتكلم كايل فيها.
-لأنها قصة جيدة جداً!
لم تكن دايان تدرك التيارات الخفيه التي تتخبط فيها ايف، لكنها لم تتردد في الاعلان عن موالاتها لصديقتها بصراحتها المعهوده.
-انها بالتأكيد جيدة.
بالرغم من التوتر المؤلم الذي يتحكم بها، لم تستطع ايف ان تكتم ابتسامة ابتهاج حينما تمتم كايل بالموافقه...فقصتها كانت طوق نجاتها...واحست عندما علمت ان شخصاً رفيع المكانه في عالم النشر، مثل كايل جنسن يعتقد بالموهبة في كتاباتها، كأنما جنية تحقق لها اعز امنياتها.
قالت بسرعة:
-انا مسرورة لأن الكتاب اعجبك.
وتفحصها كايل بنظرة جانبية سريعه اخرى، انما بلمسه جديده. لمسة ماذا؟ عدم تصديق؟ سخريه؟
رد كايل:
-لقد اعجبت بها كثيراً...لكن...
ولدى سماعها لهجته تلك، استعدت ايف للأسوأ. لكن الاسوأ لم يأت...بدلا من ذلك، تابع كايل بلهجه مختلفه جداً:
-اسمعي...هل نستطيع مناقشة الامر في مكان اكثر راحة واقل انزواء؟
-بالطبع.
يدت دايان مصدومه ازاء وقوفه على عتبة الباب طويلاً، وهي بالعادة امرأة مضيافه مرحبه.
-لقد نسيت حسن الاخلاق...يجب ان تدخل سيد جنسن.
لقد ضم دايان الى صفه..وخبرت ايف موجة مرارة موجعه، وادركت كم سهل عليه تغيير رأي صديقتها.
انشغلت دايان بفتح الباب، وادخلتهما الى المنزل، فعلقت المعاطف في الردهة، ثم قادتهما الى غرفة الجلوس. في هذا الوقت، كانت ايف تقاوم الاحساس بالذعر حين دخل كايل جنسن الى البيت الوحيد الذي تعرفه. وبالطبع، كانت دايان معها، اضافه الى جيم الذي بدا متفاجئاً بالزائر غير المتوقع، ووقف بأدب يستقبله. فشعرت بالأمان لأن هذين الصديقين المقربين يحميانها..اضافة الى هذا، لم يكن من سبب منطقي يدعوها للخوف. فعلى اي حال، لقد جاء ليتحدث عن كتابها..اليس كذلك؟
فسألت دايان ما ان تخلصت من معطفها:
-هل ترغب في القهوة سيد جنسن؟
رد كايل بابتسامة ساحرة:
-سيكون هذا ترحيباً عضيماً..وقد يساعدني على البقاء مستيقضاً، لقد وصلت الى لندن من اميركا هذا الصباح، لذا اخشى ان اكون عرضة لمتاعب السفر الطويل.
وفكرت ايف: لا يبدو متعباً بالتأكيد. واخذت تقارن بذلته الرماديه الانيقه وقميصه الابيض، والربطه النبيذية اللون، فمظهره الانيق الخالي من اي عيب: مع خف جيم المهترئ وبنطلونه الواسع، وكنزته الخظراء العتيقه المريحه، ولان وجهها قليلاً وهي تفكر كم ان زوج صديقتها مهمل في مظهره... و لكنه يهتم ايضاً بأشياء اخرى ..زوجته مثلاً، ابنتيه التوأم البالغتين من العمر عشر سنوات، بالاضافه اليها. كانوا سيعترضون على فكرة استقبال غريب...تفرض نفسها على حياتهم المريحة، حتى ولو كان جيم معتاداً على زوجته واستقبالها لأي شريد، لأتفه الاسباب. لكن جيم رحب بها بدفء وكرم ماثل دفء زوجته وكرمها. ولهذا ستبقى ايف دائماً ممتنه شاكرة الى ما لا نهايه.
صاح جيم غير مصدق:
-هذا الصباح؟ من الولايات المتحده؟
حين اومأ كايل بالايجاب، هز جيم رأسه بذهول..فنادراً ما انتقل جيم بينيت بعيداً عن ركنه في لندن، ولا رغبة له في ان يرى المزيد من العالم...واكمل:
-لابد انك منهك اذن.
رد كايل:
-انا معتاد على هذا، كما انني اضطر للقيام بمثل هذه الرحله دائماً..لذا، اعتقد انني اتكيف مع اختلاف الوقت بين بلد وآخر بسهوله اكثر الآن.
قالت ايف:
-بسهولة تكفي لك لأن تذهب مباشرة الى مكاتب جنسن في لندن، وتبدأ العمل فوراً؟
وتمنت لو ان كلماتها لم تجذب العينين القاتمتين اليها مرة اخرى.. فوجدت فيهما التعبير البارد نفسه انما اكثر وضوحاً لا سيما انها تراه في النور لأول مرة.
لا يمكن ان تكون قد رأته من قبل..واقنعت نفسها بهذا..واعترفت مرة اخرى بتأثير جسمه المذهل، ولمعان شعره الاسود المصقول، وعينيه البنيتين الداكنتين، تحيط بهما رموش كثيفة سوداء رائعه...هل يمكن لمثل هذه الرموش التي يحسد عليها ان تكون طبيعيه؟ لم تستطع سوى ان تبقى على حيرتها، ثم تقترب منه من دون تفكير لتتفحصه عن كثب..عندئذ سرت فيها موجة صاعقه وهي ترة ردة فعله الآليه، والتصلب الغريزي لجسمه الطويل، وكأنه قادر على صد نظراتها فعلياً...على الفور حظت الى الوراء، بعيداً عن العدوانيه التي تشع منه. ثم لجأت بسرعة الى الأدب الاجتماعي:
-جيم..انا آسفه..كان يجب ان نعرفكما..هذا..السيد المهذب.
اكسبها هذا التردد المتعمد في الوصف، نظرة غضب من كايل:
-...هو كايل جنسن، انه ناشر...
فقاطعتها دايان عبر باب المطبخ:
-ولقد جاء ليتحدث الى ايف عن كتابها، اليس هذا امراً رائعاً؟
اهو امر رائع حقاً؟ لم تستطع ايف منع نفسها من السؤال. فمنذ بضعة ايام، وحتى اللحظة التي التقت فيها بكايل، كانت تؤمن ان كتابها سينتشر ليحدث اثارة كبرى..لكن هذا قبل ان يقترب كايل منها..وهذا اللقاء غيير كل المقاييس.
علق جيم:
-هذا عظيم!
واضاء وهج دافئ قلب ايف حين احست بحماسة جيم..كان هو ودايان يحبانها جداً، ويحميانها وكأنهما والداها بالفعل..او، بالاحرى، كأنهما اخوها واختها الاكبر سناً. كانت دايان في الستة والثلاثين من عمرها ولا تكبر ايف بأكثر من تسع او عشر سنوات.
فجأة، ادركت ان كايل يراقبها مرة اخرى، وراحت عيناه السوداوان تنفذان الى رأسها، وكأنه يستطيع فعلاً ان يقرأ افكارها..على الفور اصبحت فريسه لأحساس متوتر غير متوقع وكأنه غير راض عن الطريقه التي ترتدي فيها ثيابها. والفت نفسها تتمنى ارتداء ثياب مختلفه عن التنورة الكحليه والبلوزه المخططه بالازرق والابيض، فقد كانتا مناسبتين جدا لعملها كبائعه في المكتبه المحليه...لكنها احست فجأة انهما باهتتان وغير جميلتين..ثم راهنت ان صديقات كايل جنسن لسن مضطرات الى اصطياد الصفقات الرخيصه في المبيعات العامة لشراء الملابس. واجتاحتها موجة من الاستياء لهذا الاحساس..
وبعد لحظة استطاعت المحافظة على اعصابها. لقد ذهلت كيف اضطربت مل هذا الاضطراب بسبب نظرة واحدة من هاتين العينين السوداوين بلون القهوة...توقفي عن هذ! ما هم ما يظن كايل جنسن بمظهرها؟
تابع جيم، وهو غافل عن حالة ايف المتباعده:
-لطالما عرفت ان كتاب ايف يستأهل النشر. في الواقع، انا واثق من انك ستحصل على كتاب رائع.
-ربما.
نظرت ايف الي كايل وهو يتكلم، واحست بصدمة شبيهة، وهي ترى التناقض بين هذه الملاحضه الهادئه وتلك النظرة المليئة بالغضب التي كان يوجهها نحوها..لابد انه يشعر بشيء ما ضد من يقرأ مؤلفها...وهذا امر غير منطقي على الاطلاق. وما لبث ان تابع، وقد ظهر الانزعاج في صوته هذه المرة:
-اذن، كلكم قرأتم المؤلف.
احست ايف فجأة انها غير قادرة على السيطرة على كلماتها، ووجهت غضبها الى كايل بشراسه لم تعهدها، شراسه اذهلت صديقيها.
-وما الخطأ في هذا؟
وتقدمت دايان الى باب المطبخ وعلى وجهها نظرة مصدومة..اما جيم فقال:
-ايف..حبيبتي...
لكن ايف كانت قد تجازوت مرحلة الاصغاء او التعقل. وكأن شيء ما في كايل جنسن يقطع تيار توارد الخواطر في ذهنها...مجرد سماعه يتكلم، كفيل بأن يرسل شرارات ذعر فيها..
تابعت وصوتها يرتفع:
-اعني..من الطبيعي ان ارغب في ان اعرض كتابي على افضل صديقين لي اولاً..وكما تعلم..فمن الصعب جداً اخفاء ما اقوم به، بما اننا محشورون جميعا في مكان صغير..لكن، ما همك لو قرأ الكتاب لو انك قررت يوماً ان تنشره..؟
كانت كلماتها تنطلق دون اي كابح.
-اهذا ما يقلقك؟ هل انت قلق حول تخفيض ارباحك لآنهما لن يشتريا الكتاب..؟
-هذا امر مستبعد..اذا كنا سنتحدث عن مئات الآلاف، فلن يزعجني ذلك ابداً، فلن يلحظ احد.
سخريه مريرة..ضحك خفي، تلميح عن شيء آخر...شيء مختلف تماماً لم تستطع ايف تفسيره، بدا في صوته..
قالت دايان تحاول تلطيف الجو العدائي:
-بالطبع سنشتري نسختين من كتابك لو نشر.
بدا كأن عبارتها لم تبلغ مسامع كايل وايف. ففي تلك اللحظة، وقف كايل يواجهها، وعيناه لا تفارقانها، يكاد التوتر بينهما يظهر للعيان. تسمرت ايف بنظرته السوداء، وهي تحس وكأن السخريه في كلماته تحرق رأسها، بنيران حمراء مشتعله...منذ قابلته وفي داخلها بركان يقترب من درجة الانفجار.
تغير وجه كايل تماماً. اختفى ذلك التعبير الودي الذي اظهره لدايان وجيم. زال في لحظة ليحل مكانه قناع خشن من الغضب البارد. شد بشرته فوق عضامه، فظهر الغضب حول انفه وفمه فيما استقامت شفتاه بشكل خطير جداً. اما عيناه البنيتان الجميلتان فراحتا تشتعلان بنار ذهبيه. إلا انه، رغم ذلك، بدا مسيطراً تماماً على صوته حين قال:
-اعقتد ان الوقت قد حان للتوقف عن التلاعب، الا تعتقدين هذا ايضاً؟
خرجت الكلمات قاطعه:
-تلاعب؟
كانت شهقه يائسة، وظنت ايف انها على الارجح نسيت كيف تتنفس، فقد شهقت بألم وقد غادرتها الراحه تماماً.
-اي تلاعب؟ انا لا اعرف عمّ تتكلم؟
-اوه بلى...تعرفين.
بكلمه واحده صرف النظر عن احتجاجها وكأن لا قيمة له.
-تعرفين لماذا انا هنا ايف..لا لمجرد الحديث عن كتاب لعين، ولو انه سبب مجيئي الاصلي الى هنا..وكما خططت تماماً..اليس كذلك حبيبتي؟
صفعتها الكلمة الاخيرة وبدا لها هذا اللفظ التحببي اهانة سامة..
-انا لا افهم!
-اوه..بحق الله! حبيبتي لا بد انك ادركت انني سأعرف كاتب القصه ما إن اقرأ الفصول الاولى منها. حتى ولو حاولت جاهده ان تخفي اسمك، كنت تعرفين انني سأجيء بحثاً عنك..في الواقع، هكذا خططت لكل شيء. وبهذا ارسلت القصه الى جنسن اصلاً.
-لا..لم افعل..انا لا ...
-لا تكذبي..اللعنة عليك!
وقف جيم على قدميه، يتنفض سخطاً:
-اسمع الآن...
بالرغم من كربها وارتباكها، لم تستطع ايف الا ان تلاحظ كم يبدو جيم صغير الجسم، ومزري المنظر، امام كايل جنسن الطويل القامة الانيق الملبس..
لم ينظر كايل الى الرجل الاكبرسناً:
-هذا بيني وبين ايف.
واستدار الى ايف، فيما الوحشيه على وجهه تخيفها:
-اليس كذلك؟
-قلت لك...لا اعرف عمّ تتكلم..ولا اعرف لماذا انت هنا.
ازداد تدافع الحمم في رأسها، مع مرور الثواني..وكان البركان يقترب من الانفجار.
وكرر كايل:
-لا تكذبي علي!
هذه المرة لم يرفع صوته، بدت الكلمات وكأنها فحيح كوبرا مهتاجة على وشك ان تلسع.
-لقد اردتني ان آتي وإلا لما ارسلت مثل هذه الرساله الواضحه.
-اية رسالة؟
كانت صيحتها صيحة يأس وتشوش كامل، فكل كلمة ينطق بها كانت تبدو لها عجيبة اكثر من الاخرى.
-انا لم ارسل لك اية رساله قط.
-بالطبع ارسلت! فات وقت الانكار..كل شيء موجود على الآلة الطابعة..كل كلمة..لقاؤنا..موعد المرة الاولى..
-لا!
سيطر طنين في رأسها وكأنه الف نحله اجتاحته.
-لم التق بك من قبل..انا لا اعرفك..
صاح كايل بوحشيه:
-لا تكذبي..اللعنة عليك! انت تعرفينني جيداً!انت...
قاطعه جيم بقوة، وهو يمسك ذراعه ويهزها: هذا يكفي! ما الذي يجري بالضبط؟ اتحاول الادعاء بمعرفة ايف؟
-انا لا احاول ولا ادعي شيء..انا ابين امراً واقعاً..اعرف ايف..وهي تعرفني..يجب ان تعرفني على اي حال. لقد عشنا معاً كرجل وزوجته لثلاث سنوات تقريباً.
نتيجة لهذا التصريح المدمر الاخير، ساد نوع من الصمت المذهول. كانت تعابير وجوه الموجودين تتغير بسرعة صاعقة، وبقوة عجيبة. بدا ان جيم لم يفهم، ثم ارتبك تماماً، ونقل نظره بعينين فاغرتين من كايل الى ايف، واعاد الكرة، وهو يهز رأسه ببطء، غير مصدق. في الوقت عينه اخفت دايان فمها بيديها، ثم خطت بضع خطوات مستعجلة الى الغرفة، لتكبت صيحه حاولت الافلات منها.
لقد تحقق اخيراً اسوأ كوابيسها. لم تجد صوتاً او اشارة تعبر عن شعورها، بل وقفت مسمرة مذهولة، تحدق بالرجل الاسمر الغريب الذي يقف وسط الغرفة..الرجل الذي يدعي انه زوجها...الى ان تشقق البركان داخل رأسها لتكشف فوهته عن نيران مندفعه...وتفجر في هدير مرعب دمر كل وعيها، فانهارت ووقعت في اغماءة كاملة.
..
انتهــى الجزء الاول
..
************************