الفصل الخامس
5 - فجوة في قلبها
" متى يأتي كايل ؟ لقد وعدنا بأن يكون هنا باكراً !!."
وبختها دايان بلطف :
"امكدّ انه سيصل في التاسعة والنصف .... و عليكِ ان تدعيه بالسيد جنسن يا كورتني ."
تدخلت كارولين توأم كورتني :
" اخبرنا انه يمكننا ان نناديه كايل !! ولقد وعدنا ان يأخذنا الى متحف التاريخ الطبيعي والى مدام نوساود اليوم .
هل نستطيع الذهاب لنتأكد من مجيئه ؟"
" مازال الوقت مبكراً جداً .... اوه حسن جداً ... اذهبا !! ."
وضحكت دايان وهي تهز رأسها باستسلام حين ترجلت التوأم عن كرسيهما متجهتان الى الباب ...
كان الجميع يحيطون بمائدة الافطار قل وجودها في يوم السبت .
فقال جيم :
" يبدو ان كايل هذا اكتشاف هام .... على الاقل بالنسبة لابنتيّ .."
ثم التفت الى ايف مبتسماً :
" اتدركين ان اسم كايل يتردد على مسامعنا كل يوم منذ بضعة اسابيع ؟. "
ارادت ايف ان تحتج .. انه ليس لي ... لكنها ابتلعت الكلمات لانه ما زال رسمياً على الاقل زوجها ...
وها هي عائلة بونيت تكن له حباً كبيراً .. فلِمَ لا تفعل هي هذا ؟؟..
لم تستطع ان تجيب على هذا السؤال ... فجيم ودايان لا يعرفان كايل اكثر مما تعرفه هي .. بل أقل بدرجات .. وهما اكثر استعداداً لاستقباله .. لكنهما ايضاً غير مضطرين الى تحمل الإحساس المخيف الذي يتسلل الي احشائها في كل مره يظهر فيها , وهو شعور لن يفارقها حتى تعرف الحقيقة الكاملة حول علاقتهما .
صرخت الفتاتان ببهجة من الردهة :
" إنه هنا ! كايل هنا ! "
وفكرت إيف انه وصل باكراً , وما لبثت ان احست بموجة قلق , فسارعت الى المرآة وهي تتأمل نفسها بتمعن .
شعرت دايان بتوترها فقالت بلهجة دافئة مطمئنة :
" تبدين رائعة ! "
تنهدت إيف :
" لسة واثقة ابداً انني سأبدو يوماً رائعة في نظر كايل .. فهو لم يسامحني بعد لرفضي تلك الملابس "
لكن الحقيقة ان المسألة لا تتعلق بتلك الملابس فقط , فقضية وظيفتها لم تحل بعد .. فقد التزمت ايف بقرارها بعناد واصرت على الاستمرار بالعمل في المكتبة , ولو ان المصروف الذي عرضه عليها كايل , كان يفوق مرتبها بأضعاف .
خلال الاسابيع الخمسة الماضية , ازدادت معرفتها بكايل عمقاً .. فأعجبت بذكائه ومرحه , وكرمه وصبره , لا بل فوجئت بتلك الصفات . في ظروف اخرى , كانت لتؤكد انها معجبة به كثيراً .. لكن هذه ليست بظروف عادية .. فما زالت حلقة اساسية مفقودة .. وراحت تتسائل ماذا يخفي وراء القناع اللطيف المتمدن التي يبرزه لها , ولبقية العالم .. وماذا عن دوافعه ؟ وسرعان ما أنبها ضميرها لتلك الاسئلة المبالغ فيها , لا بل الظالمه لهما . ففي اعماقها , كانت تعرف انها تحاول ان تجد فيه عيباً كي تبرر مشاعرها الداخلية ..
" صباح الخير ايف .. كيف حالك اليوم ؟"
دفنت ايف افكارها السيئة وراء ابتسامة قصيرة مضيئة ,ردت بها على تحية كايل :
"أوه .. انا بخير "
" هل انتِ مستعدة لنزهة في الطبيعة ؟ "
تمكنت اخيراً من تمتمة بضع كلمات وكأنها الموافقة .. لكن الحقيقة كانت غير ذلك .
فمنذ وقف كايل عند باب الغرفة وهيناها لاتفارقان جسده الطويل الأسمر ,
لقد كان حقاً جذاباً بشكل قاتل !
واعترفت بهذا في سرها , وهي تعرف ان لا مجال للإنكار ,
فاي امرأة طبيعية تفخر بمرافقة هذا الرجل .
لكن ايف لم تكن بحاجه الى النساء لتثبت مشاعرها , فتذكرت كيف استجابت لكايل بسرعة .
وهي لم تنس طبعاً كيف كبح كايل غزله لها , فاقتصر على قبلات اعتيادية قصيرة نهاية كل زيارة .. ترى , هل كان يقصد ان يشعرها بالاحباط ؟
" حسن جداً .. احضري معطفك إذن , وسنخرج ."
عادت إيف إلى ارض الواقع , فمنحته ابتسامة قصيرة أخرى , وهي تتساءل كيف يمكنه ان يتحكم بصوته وتصرفاته , كي ينجح في اخفاء كل خيوط علاقتهما المعقدة خلف قناع من الاسترخاء السهل , بعيد كل البعد عن حالتها . ترى , أهذا هو مايحسه فعلاً ؟ لابد انه يشعر بشئ ما , وإن لم يكن يعاني من الكرب نفسه الذي يجتاحها .
" هل احضرتما سترتيكما .. أيتها المتوحشتين المرعبتين !"
اخترق صوت كايل افكرها وهو يخاطب التوأم بمداعبة مرحة . وعبثاً, راحت تجاهد لإظهار درجة من الحماس تتناسب وبهجة الفتاتين . ثم احضرت معطفها من المشجب في الردهة.
وظهر كايل الى جانبها :
" دعيني اقوم بهذا .."
تناول المعطف القصير العاجي اللون من يدها استعداداً لتدس ذراعيها فيه .
" شكراً .."
كان يمكن لأي شخص ان يظن ان الحركة الصغيرة التي بدرت عنها , تمثل جهداً عظيماً ... بعد لحظات , نظرت الى صورتها في المرآة بشئ من القلق .. لم يكن لتدفق اللون الى خديها , او لبريق عينيها , أي دخل بجهدها , بل لقربها من هذا الرجل .
بدا شعره الاسود وكأنه يلامس خصلاتها , فيما عيناه العميقتان تلتقيان بعينيها في المرآة .
بلطف وإثارة , لا مس القماش الصوفي على كتفيها , وازاح بنعومة خصلة على الياقة ..
وفجأة , أحست ايف بضربات قلبها تتسارع حتى تبلغ مسمع كايل , وانه يعي السرعة المضطربة لأنفاسها .
ما الذي يحدث لها بحق السماء ؟
وكأنها أعشاب جففتها حرارة الصيف .. لا تحتاج سوى لمسة من عود ثقاب لتشتعل . لم تفكر أنها قد تمسي يوماً ما على هذا النحو ...
لكن , كيف لها ان تعرف نفسها حقاً من دون ماضٍِ تتذكره ؟
شعرت ايف بالألم من نظرات كايل , عبر المرآة . وبجهد , دفعت عنها افكارها المضطربة , ثم ارسلت ابتسامة مضيئة لانعكاس عينيه في الزجاج .
" انا مستعدة ! هيا نذهب ! "
كان صوتها مرتفعاً جداً , وكأنه يفضح أمرها. وسرعان ماابتعدت عن كايل , مثلما يبتعد المرء عن نار اصبحت فجأة شديدة الحرارة .
نعم , هذا هو شعورها .. لكن , أحقاً تريد الذهاب في هذه الرحلة ؟
لكن التوأم كانتا تنتظران هذا اليوم على احر من الجمر منذ بداية الاسبوع.
إذن, من الأفضل لها ان تحافظ على رباطة جأشها وتجاهد لتتمتع باليوم الذي ينتظرها .
في النهاية , ألفت الراحة تتسلل اليها فعلاً .. أولاً.. كان التوأم في غاية السعادة لركوب سيارة كايل القوية اللماعة , فصرفت النظر عن التوتر الذي تحس به . وحين وصلوا إلى متحف التاريخ الطبيعي , كان قلقها قد خفّ بشكل كبير , بحيث انها كانت تلحق بالفتاتين من طابق إلى آخر بالحماسة ذاتها التي تظهرانها .. ولم تضعف سوى بعد ساعتين حين بدأ التعب يساورها .
قال كايل :
" فلنأخذ استراحة للقهوة .. وإلا لن نملك طاقة لزيارة " توساود" ".
وفيما هما في الطريق الى متحف الشمع , قالت له ايف :
" انت خبير في التعامل مع الأطفال .. يجب ان اعترف ان لااسئلة التي لاتتوقف تزعج احياناً .. على أن أعترف أنني متأثرة بتصرفك .. فهل تملك خبرة مع الأولاد ؟
وجه إليها نظرة جانبيه من عينيه البنيتين الداكنتين , قبل ان يرد ببطء:
" انا عمّ لابنة أخ في الرابعة من عمرها تمتلكني في لحظة .."
ظللت صوته آثار قاتمة لم تستطيع تفسيرها , فتلوت ايف بعصبية في استجابة غريزية
" واضح انك تحبها كثيراً "
" أجل "
كانت الكلمة الوحيدة جازمة إلى درجة الفظاظة .. ولم يكن ينظر اليها ,
بل كان يحدق في الفتاتين قرب تمثال شمعي لمايكل جاكسون .. وأحست إيف بإنطباع قوي انه لم يكن يراها فعلاً .
هل فتحت جروحاً أخرى ؟ يا إلهي ! ألهذا دخل بتحطم زواجهما ؟
" أكنت .. هل ترغب في الأولاد ؟"
مرة أخرى , اتجهت نحوها تلك العينان البنيتان , ثم سافرتا بعيداً مرة أخرى . رد بتوتر لم يبعث الراحة في إيف :
" لا أعتقد ان هذا سؤال مناسب في هذه المرحلة من علاقتنا "
لكنها أصرت :
" هل رغبت .. وهل تريد ... ؟ "
أحست وكأنها تسير في حقل الغام قد ينفجر في وجهها في أية لحظة :
" أعنى ... لوأننا .. "
وجف صوتا بألم حين استدار كايل ليواجهها
" إن كنتِ تقصدين هل أرغب في ولد منك .. فالرد نعم .. وهذا من أغلى الآماني على قلبي .. كان يجب ان تعرفي هذا .. اللعنة عليك ! "
أحست بالصدمة تخترقها .. وكأن كلمته كانت صفعات عنيفة حقيقية ..
ولم تستطع سوى ان تحدق فيه بذهول وكرب , بينما كان القناع المتمدن ينزلق عن وجهه , ليكشف عن دمار يخفيه .. طعنتها مشاعر كابل القوية كما نصل السكين المثلج ينغرز في القلب .
وبدافع غريزي امتدت يدها لتلامس ذراعه .. كان السكين في قلبها يتوغل عمقاً ,
فيما هو يصد نظرة التعاطف بحركة عنيفة غاضبة .
" ماذا قلت ؟ ماذا ... ؟ "
لكن السؤال لم يكتمل :
" كايل .. ايف .. تعالا لتنظرا .. "
أمسكت كارولين وكورتني ذراعيهما وقد اعمتهما الفرحة عن الجو المتوتر بين الراشدين .
" على المقعد الخشبي امرأة جالسة .. "
" لقد ظننا انها حقيقية وانها نامت .. "
" يجب ان تلقيا نظرة! "
وكما المذهولين يستيقظان ليجدا نفسيهما في شارع مزدحم ,
لم يكن امام كايل وايف أي خيار سوى الخضوع للتوأم , وإلقاء نظرة على تمثال الشمع الذي ابهجهما كثيراً ..
من تلك اللحظة انتفت أي فرصة لحديث جديد . باستثناء الكلمات التي يتبادلها أي راشدين مسؤولين عن فتاتين في العاشرة من عمرهما , تجرانهما من تمثال إلى آخر , مذهولتين بتمثايل البلاط الملكي , ومشاهير أهل السياسة والكتّاب , وأخيراً غرفة الرعب .
قالت ايف مصممة :
" لن أدخل الى هنا .. إذهبا ان اردتما .. لكن لا تلوماني لو داهمتكما كوابيس ليلية ".
قال كايل : " سأعتني بهما .. ولن نتصرف بسوء " .
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يخاطبها فيها مباشرةً . بإمكانها ان تثق به .
ثم تحركوا بعيداً , فيما كل من التوأم تمسك بيد كابل .. لزوجها هذا , غريزة رائعة نحو الأولاد .. أو على الأقل , التوأم .. لقد تصرف طيلة اليوم وكأنه العم او الخال المثالي ,
وقد امضت الفتاتان وقتاً ممتعاً .. لكن , بعد لحظة , تغير مزاجها حين تذكرت ردة فعل كابل على تعليقها منذ قليل .
لكن الذنب كان ذنبها .. فهو لاشك لم يكن مستعداً للحديث عن الأولاد , ولاتستطيع ان تلوم سوى نفسها على تفجر الامور في وجهها .
والمشكلة انها لا تعرف كيف تتصرف مع هذا الرجل .
صحيح انه زوجها قانوناً , إلا انه ما زال مجهولاً بالنسبة لها .....
لاشك في ان هذا الرجل يحتل مكاناً مهماً في حياتها .....
فهي تشعر بالراحة في رفقته , لا بل وتتمتع بوقتها احياناً , مثل هذا اليوم .... الى ان اشعل سؤالها الفظ ذلك الانفجار ,
لكن كايل , الزوج , الحبيب , مسألة مختلفة تماماً ,,,
ومع انها تعرف جيداً ان عليها التفكير بالحب في يوم ما , لكنها تبعد هذه المرحلة بانتظار ان تصبح اكثر قوة واستعداداً لمواجهة الوقائع .
اما الآن فقد اقتربت كثيراً من خرق الصمت الضمني الذي بنياه حول ذلك الموضوع ....
اذن لماذا حولته فكرة انجاب الاولاد الى رجل حساس بهذا الشكل ؟؟
لقد اعلن كايل بصراحة صدمتها انه اراد طفلاً ...
أكان هذا سبباً لعزلتهما ؟ الم ترغب هي في ذلك ؟
انقطعت أفكار ايف المزعجة مع عودة التوأم ...
كانت كارولين تبدو شاحبة بينما كورتني تواصل رأيها بقوة أكبر ..
" كان هذا مقرفاً ."
قالت ايف وهي تعبث بشعر كارولين البني :
" حسن جداً ... لقد حذرتكما ."
" اتمنى لو بقيت معكِ ايف ."
ضمت ايف الفتاة وهي تواسيها :
" لم يكن هناك اناس حقيقيون حبيبتي ,, كلهم تماثيل شمع ...."
ولم تعرف لماذا رفعت نظرها في تلك الللحظة الى العينين السوداوين المتفرستين ....
فاستعادت الطريقة التي استدار فيها اليها منذ وقت قصير , ليبعث فيها حزناً وانزعاجاً ,,
فعادت تصب اهتمامها على التوأم هرباً من نظراته ..
قال كايل :
"والآن اعتقد ان الوقت حان لنعود الى المنزل ... اليس كذلك ؟
الوقت متأخر وامامنا مسافة طويلة حتى موقف السيارات ."
وجهت كورتني سؤالاً الى كايل :
" اوه ... هل يمكن ان نذهب بقطار النفق ..... "
اضافت التوأم الآخر :
" اوه .. ارجوك ,,, فلا تتاح لنا فرصة الركوب في القطار دائماً ."
قال كايل بكل استعداد :
" طبعاً نستطيع ... لكن عليكما قراءة الخريطة لتخبراني اي طريق نسلك لنصل الى هناك ."
ما ان اخذهما الى المحطة تحت الارض , حتى اخذت الفتاتان تتناقشان حول الطريق .
قالت ايف لكايل فيما الفتاتان تفرران :
" لقد تمتعتا فعلاً .... شكراً لك كثيراً ... مع اننا نسكن خارج لندن تماماً الا ان المال عادة قليل جدا و لا يسمح بكثير من الرحلات الى منتصف المدينة ....
لذا فرحلة بقطار الانفاق مغامرة جديدة .. لقد كان لليوم كله نكهة مميزة ."
رد بكل سهولة :
" كان هذا من دواعي سعادتي ..."
وبتشجيع من صوته الدافئ , تمسكت ايف بشجاعتها :
" كايل ... بالحديث عن كلامنا قبل وقت قصير ."
قاطعها بسرعة ..:
" لا .... يجب ان اعتذر ... لقد نسيت نفسي و بالغت في ردة فعلي ... انا آسف ..."
ثم خاطب الفتاتين :
" هل أخذتما قراراً ؟".
وهكذا انتهى الحديث ... ما من مزيد يقال في هذا الموضوع .
حسن جدا ,
اذا كان هذا ما يريده , قلن تجادل ...
لكنها كانت تعرف في اعماقها ان القلق والاهتمام الذي أثاره كايل لن يزول بمجرد كلمات ....
كان القطار مزدحماً جداً ..
لذا كانوا محظوظين بالوقوع على مقاعد شاغرة ...
وابتسمت ايف بابتهاج لمراقبتهما تتحدثان بحرارة ... ثم استدارت متحمسة الى رفيقها .
لأول مرة كانت البهجة مرسمومة على وجهها بجلاء من دون اس احساس يردعها :
" شكراً لكَ مرة أخرى على هذا اليوم !
لقد حولته الى يوم مميز للتوأم !!"
" لقد تمتعُ به كذلك .. واحببت رفقتهما , انهما فتاتان رائعتان ."
ولانت العينان البنيتان القاتمتان و امتلأتا دفئاً ...
أزال برودته السابقة ....
" ولقد تعلقتا بك ايضاً .."
ما ان تلفظت بالكلمات حتى ادركت خطأها ....
رد كايل بنعومة :
" ومااذا عنكِ يا ايف ؟ هل تتعلقين بي كذلك ؟".
باتت شفتا ايف جافتين , فبلتهما بتوتر , وفجأة اختفى صليل عجلات القطار وهو ينطلق في الظلام وضجيج بقية الركاب جولهما , كل هذا ضاع وامسى ضباباً كاذباً ....
" لستُ ادري ... احتاج الى المزيد من الوقت .."
" لم تحتاجي الى اي وقت حين التقينا اول مرة ."
لفحتها انفاس كايل في تذنها ...
" لم تترددي يومها .. واعرف انكِ تتذكرين هذا ..."
كان الاحتجاج حاداً وسريعاً :
" لا !! انا لا اتذكر شيئاً !!."
" لكن لاوعيكِ يتذكر ... اعرف .... لقد قرأته في كتابك .."
اغمضت ايف عينيها امام العر الذي اجتاحها ... بعد ذلك الحديث المتفجر الليلة الاولى التي جاء فيها الى المنزل ,
لم يعد كايل يذكر كتابها ...
لكنها كانت تعرف انه لم ينس .. ولا هي نسيت ,, كم من مرة اعادت قراءة ما كتب , وكم من مرة اشتعلت بشرتها وارتفع الدم الى وجنتيها ....
" كنت يومها شخصاً مختلفاً ,,, ولستُ ادري من انا الان . ما كتبته في الكتاب لا يبدو لي حقيقياً ...انا لا اشعر به ... وبكل تأكيد لا اشعر به نحوك !!."
هذا غير صحيح.... فأنبها ضميرها بحدة ...
عاطفياً كانت قسوتها جارحة لا تعرف ما تفكر او تشعر به ...
لكن جسدياً لم يكن لديها ادنى شك في استجابها لكل ما يشعله كايل فيها ,
لكنها لابد اوحت له بالعكس تماماً , ففجأة جف الدفئ في تعبير كايل , وقست عيناه لتصبحان شظيتين من الثلج الاسود ,
ثم تراجع في مقعده ينزوي عنها جسدياً وفكرياً , فأحست ايف وكأن باباً صفق في وجهها ...
سيطر التوتر على بقيه الرحلة الى المنزل , فامتنت ايف بعمق لوجود التوأم اللتين لم تدركا الصمت بين الراشدين ...
فتابعتا الحديث الهادر حول مباهج اليوم دون كابح فيما هي متصلبة في مقعدها ...
ما ان وصلوا الى المنزل حتى سارعت الفتاتان الى الداخل وهما تكطران والديهما بحديث مبهج , وكل واحدة منهما تنافس الاخرى للفت الاهتمام الى ان اسكتتهما دايان بنفاذ صبر .
" اصمتا لدقيقة واحدة ايتها المتوحشتان !
كايل ... يبدو انهما امضتا وقتاً رائعاً ...
كيف يمكن ان اشكرك ؟
الن تدخل لتشرب الشاي ؟".
هز كايل رأسه الاسود الشعر بحزم , وقال بغموض :
" لن اتجاوز مذة الترحيب بي ... لدي اعمال اقوم بها .... "
ولم يذكر زيارة اخرى .. ادركت ايف هذا وهو يستدير نحو سيارته وصدمها الالم و خيبة الامل اللذين تسببت بهما ..
وفيما هي تقاوم المشاعر المؤلمة التي ايقظها فيها رحيل كايل , استدار فجأة ليواجهها :
" سآخذكِ الى العشاء ليلة الغد ... كإحتفال مبكر لعيد ميلادك ... لقد وعدتكِ باصطحابكِ الى مكان مميز , سآتي لآخذكِ في الثامنة .."
" اذا شئت "
كان رها مريراً ,, في الواقع ليست هذه بدعوة ابداً ..
بل لكانه يأمرها ... مع ذلك , فقد راح قلبها يخفق استجابة لإعلانه المتحجر , فعرفت ان مثل هذه التفاصيل لا تهم ,
يكفي انه يرغب في رؤيتها مجدداً .
كانت تتوقع ان يكون اليوم التالي قاتماً وموحشاً ,
فإذا به فجأة مشرقاً وصافياً ,
وكأن الشمس اشرقت فجأة من خلف غيمة كثيفة سوداء .
وأكدت له :
" ساكون حاضرة ."
وفيما هي تراقب السيارة تبتعد راحت تتسائل ان كان سيعود ابداً لو لم يتذكر وعده لها ....
تكلكها الخوف في القطار , وخشيت ان تبعده كلماتها الى الابد لاسيما للألم العظم ا لذي كانت تحتويه ...
هل تحتاج فعلاً الى ذلك الوقت الذي اصرّت عليه ؟
اليس في الواقع انها على وشك خسارة قلبها لمصلحة كايل .؟
ام انها تقصد انها ستخسره مجدداً ؟
لن تستطيع ان تجد رداً بسهولة ..
لكن في اعماقها كانت تعرف ان الامر لا يهم في كلتا الحالتين ....
فهي ما زالت لا تتذكر كايل جنسن زوجاً .....
ولا تتذكر ما كانت عليه علاقتهما من قبل ,
لكنها تعرف انه لو خرج من حياتها الآن , فيحدث فجوة عميقة ضخمة , من المستحيل ردمها ...
**********************************
6 الهدية المكسورة !!
عند تمام الساعة الثامنة في الليلة التالية ، نزلت ايف إلى الطابق السفلي وما أن رأتها كارولين حتى صرخت باهتياج :
(( واو 00ايف ! تبدين كعارضة أزياء ))
استدارت ايف على نفسها فوق الدرجة الأخيرة من السلم :
(( هل أعجبك ؟ ))
دخل جيم إلى باب غرفة الجلوس يستطلع صراخ ابنته ، وما إن رأى ايف حتى صفر لها إعجاباً 00وقال :
(( مثير 00للإعجاب 000تبدين مذهلة تماماً 00فتاة لعيد ميلاد ))
انحنت ايف بتحية سريعة : (( شكراً لك 00سيدي اللطيف ))
خرجت دايان من المطبخ لتقف إلى جانب ايف ن وهي تتفحص مظهرها برضا :
(( ألست مسرورة لأننا دفعناك لشراء هذا الفستان ؟!))
كانت ايف قد شاهدت الفستان في محل أزياء محلي وأحبته ، منذ أسابيع 00لكنه كان بعيداً عن متناول يدها وفق ميزانيتها المحدودة ، لكن منذ أسبوع ذكر كايل عشاء عيد ميلادها 00ولحسن الحظ 00اكتشفت أن الفستان لا يزال في المحل ، لا بل معروض للبيع بأسعار مخفضة 00وحين أعلن جيم ودايان أن فرق السعر سيكون هدية عيد ميلادها ، لم يعد من قرار آخر تتخذه 0
سألت :
(( ألا تعتقدين أنه رسمي جداً لمثل هذه الليلة ؟ ))
ولم يكن ما تعنيه حقاً 00
(( لا00لا اعتقد هذا ))
انبأتها لهجة صديقتها أنها تعرف ما تعنيه (( صدقيني حبي 00سوف تسلبين عقله ))
ولهذا السبب بالذات تراها تشعر بالقلق 0 اعترفت ايف بهذا لنفسها ، وهي تلقي نظرة شك أخرى على انعكاس صورتها في المرايا 0
هل تريد حقاً أن تحدث هذا التأثير على كايل ؟ هل تريده أن ينظر إليها كامرأة ؟ والأكثر من هذا 00كامرأة أنثوية مثيرة ؟
ارتجفت ايف مع قشعريرة إدراك تسللت إلى ظهرها 00فلو كانت وكايل ، رجل وزوجته فمن الواضح إذن ، أنهما تشاركا علاقة حميمة 000لكن المشكلة الآن أنها لا تتذكر أبداً مثل هذه التفاصيل الحميمة 00ولذا فهي بريئة ولو فكرياً على الأقل ، وانكمشت معدتها بعصبية 00لن تستطيع مواجهة كايل على هذا النحو ، يجب أن تغير ملابسها ، لكن في تلك االلحظة بالذات أنبأها إقفال باب السيارة في الشارع أن الوقت تأخر كثيراً 00وبع برهة ن تصاعد صوت كورتني عالياً حتى غلب رنين جرس الباب 00
((كايل هنا ))
بالرغم من الدفء الذي يغمر الغرفة ن أحست ايف برجفة برد 0إذن ، لقد جاء 0 راحت نبضاتها تتسارع فجأة فيما وجهها موشح بلون وردي ن فعرفت كم يعني لها وصوله ن ففي أسابيع قصيرة أصبح مهماً جداً في حياتها 00وفي هذه الأثناء ، قررت أن تشعره بترحيبها ، وتحاول أن تمحو كل التوتر الذي برز بينهما بالأمس 00وهكذا ، وضعت بتصميم ابتسامة على وجهها ، وفتحت الباب 0
أعلنت بخفة كانت بعيدة عن (( توقيت ممتاز ))الاحساس بها
كان الصمت الذي تلى تحيتها ، قصير جداً 00قصير إلى درجة أنا لو لم تكن متأثرة جداً بكل ما حولها ، لشكت في صمتها 0 أما كايل ، فبعد أن استعاد وعيه ، قدم لها باقة كبيرة من الورد : (( عيد ميلاد سعيد 00ولو قبل يومين 000))
((اوه 00كايل 00كم هي جميلة 00))
أفلتت صيحة ابتهاج بعفوية شكرت الله لأن صوتها يبدو طبيعيا أكثر من قبل ، كانت فعلا ممتنة للورود ، لا سيما أنها استخدت عطرها كعذر تخفي رأسها في جمالها العطر ، وتجنبت النظر إلى كايل 0
ولم يخف عليها في اللحظة التي فتحت فيها الباب ، التغير الذي مر على وجهه وأضاء عينيه ، وأحست في الممر بنظراته تتفرسها من رأسها الأشقر اللماع ، ثم تتحرك ببطء نزولاً على وجهها المتورد 0
ارتاحت ايف لاجتماع عائلة بينيت كلها لتحية كايل 000وإلا ، من يدري ماذا يمكن أن يحدث ؟ ففي اللحظة التي التقت فيها عيناعا بعيني كايل ، بدأت استجابة مشوقة تتفتح في اعماقها 0
قال :
(( أنا مسرور أنها اعجبتك 000))
بدا صوته خشناً وأجشاً 00وكأن أوتار صوته مجروحة 00كان يتكلم فيما عيناه متشابكتان بعينيها 00وما لبث خدا ايف أن تلونا بلون أحمر يشبه احمرار الورد 0
ارتفع صوت كارولين سخطاً وخيبة أمل ، ليكسر حدة الجو المشحون :
(( هه !! زهور !! كنت واثقة أنك ستهديها شيء مميزاً ))
وتبدد التوتر 00وتناهى إلى مسامعه ايف صوت كايل المرتجف يقول : (( أنا آسف لخيبة أملك كارو 000في المرة القادمة سأجيء بالألماس ))
وما لبث أن استعاد صوته ورباطة جأشه :
(( إضافة إلى هذا ، هذه هدية مبكرة 00وكما تعرفين يوم مولد ايف يوم الأربعاء ))
((إذن ، ستقدم لها هدية مناسبة يومها ؟ ))
(( سأفعل ))
أخيراً وجدت ايف القوة لترفع وجهها الحار عن درع العطر 0 فاتجهت نظرة نصف ضاحكة ، نصف مقيمة نحو خديها المحمرين ، ثم سأل كايل :
(( لو اشتريت الألماس لك ايف 00فهل تقبلين ؟ ))
كان سؤاله ينطوي على ما هو أكثر بكثير , فجأة احست كأنهما أصبحا وحدهما في الغرفة 00فأدركت أن خلف سؤاله مجموعة من التلميحات والمضاعفات 0
حثها كايل بصوت أجش ( ( ايف ؟ ))
لم تعرف كيف تجيبه ، كانت غرائزها البدائية تحثها على الاستجابة 00لكن هل تستطيع أن تثق بهذه المشاعر ؟ منذ ثوان مضت ، لأقدمت على ذلك دون تردد 00لكنها الآن ، ترددت لبرهة أطول بقليل 00وسمحت للمنطق أن يقاوم 0
وأخيراً تمتمت : (( اسألني هذا يوم الأربعاء ))
قرأت في عبوسه السريع أنه لم يكتف بردها 00لكنه لم يملك سوى أن يقبل 0 سيما و أن ايف في تلك اللحظة ، أشاحت بنظرها عنه ، واستدارت نحو المطبخ 0
(( سأضع الباقة في الماء 00))
وبينما هي تبحث عن مزهرية مناسبة ، قامت باستجماع أفكارها ، ثم نفضت عنها المزاج العاطفي الغريب ، الذي استبد بها منذ وصول كايل 0
لكن دايان اعترضت طريقها : (( اوه لا 000لن تفعلي هذا 00سأهتم بها 00اذهبي في طريقك 00وامضي وقت جميلاً ))
(( سأعود الساعة 00))
دفعتها صديقتها إلى الباب : ((اوه 00هيا أخرجي 00أنا لست والدتك ! وتعرفين أنك لن تستيقظي من النوم غداً في ساعة مبكرة 00فغداً يوم إجازة ))
تمتم كايل ، وهو يفتح لها باب السيارة : (( محاولة جيدة 00لكني لا أنقلب إلى ذئب مفترس عند منتصف الليل ))
بالرغم من صوته الناعم ، التقطت ايف الغضب الذي كان يتخلل كلماته 0
قالت : لم أكن اعني 000))
لكنه اقفل الباب في وجهها موقفاً محاولة التفسير 0
لعل هذا أفضل 00ودار كايل حول السيارة حتى وصل إلى مقعد السائق 00على أي حال ، لن تعرف السبيل إلى الشرح من دون الخوض في دوامة من التعقيدات لم تكن مستعدة للتعامل معها 0
وماذا يمكن أن تقول ؟ أشعر بالقلق من قضاء أمسية معك . و أنا لا أثق في نفسي ؟ ستكون هذه هي الحقيقة على الأقل ، و أصابها التوتر لمجرد التفكير باستجابة كايل لكلامها 0
سألت بارتباك وهي تريد أن تكسر الصمت المزعج : (( إلى أين نحن ذ ذاهبان ))
بدا وجه كابل في نور المساء ، مشبوبا ً بالظلال 0 وسرعان ما القى عليها نظرة جانبية سريعة قبل أن يرد : (( إلى مكان أعرفه 00هادئ جداً 00وخاص جداً ))
(( إذن ، هل يسمحون لك بالدخول ؟ ))
وأشارت إلى قميصه ياقة الأخضر المفتوحة 00ثم تمنت على الفور على الفور لو أنها لم تفعل ، إذ وقع نظرها على عنه الطويل وصدره المكشوف تحت النور ، وأحست فجأة بحرارة حارقة ن وكأنها أسير حمى مشتعلة 0
وفيما كان كايل (( من دون ربطة عنق 00))يعبس بسؤال صامت ن أكملت بصعوبة
(( أوه 00هذا ))
لسبب ما ، بدا أنه يتسلى بتوترها والتوى فمه عند الزاوية 0
((لا 00ما من مشكلة 00فأنا معروف هناك ))
فيما بعد ، أخذت ايف تفكر بسذاجتها وقلة درايتها 00لكنها لم تشك ، ولو للحظة واحدة ، بما كان يجول في ذهنه 00لقد صدقت أنهما يتجهان إلى قلب لندن ، نحو مطعم فخم غالي الثمن ، وحين تابع كايل القيادة دون توقف ، نظرت حولها بمزيج من الدهشة والخوف ، فجأة وصلت السيارة إلى منحدر ، ثم توقف في مرآب للسيارات تحت الأرض
خرجا من السيارة ن وقادها كايل إلى مصعد قريب ن فسألته مترددة (( أين نحن ؟ هل المسافة بعيدة إلى المطعم ؟ ))
ضغط كايل زر المصعد لينطلق بسرعة إلى الأعلى : (( أبداً 00كما قلت لك أريد أن آخذك إلى مكان مميز ، حيث لا يزعجنا أحد ))
أنهى كلامه مع توقف المصعد ، وفجأة انفتحت الأبواب 0 خطت ايف نحو ر
ردهة رخامية ، ونظرت حولها بشيء من الارتباك ، ثم حل عليها الإدراك أخيراً حين أخرج كايل مفتاحاً من جيبه ودسه بالباب المقابل 0
أعلنت بسخرية لاذعة : (( مكان تعرفه !1))
لا عجب أنه لم يبالي بثيابه العادية 0
(( مكان هادئ وخصوصي ! ))
هز كايل كتفه دون اكتراث لسخطها ، ثم فتح الباب ، وتراجع إلى الوراء ليتركها تتقدمه إلى الغرفة 0
للحظة ، استشاطت غضباً للطريقة التي خدعها بها ، وودت لو تبدي عنادها ، وتدق كعبيها بالأرض ، ثم ترفض أن تتحرك 00لكن الفضول تغلب على غضبها ، فخطت إلى الأمام نحو غرفة جلوس ضخمة 0
على عكس الظلام الذي ساد في الخارج ، كانت الأنوار والألوان أول ما وقع نظرها عليه 00بين الوهج الساحر للخشب المصقول ، واللون الأخضر والأزرق الذي يشع من الأثاث الناعم ، والسجاد المتألق كالجوهر، أحست ايف بالدهشة ، فلم تتوقع أن هذا المنزل مسكن مؤقت لرجل أعمال أمريكي 0 في الحقيقة ، كان للغرفة إحساس دافئ ساكن ، خال من أي انطباع عصري 0
راقبها كايل بصمت ، وهي تتطلع حولها ، من دون أن يعلق كانت تعرف أن عينيه لم تفارق وجهها 0
سألها أخيراً وقد انتهت من تفحص المكان : (( هل أعجبك ؟ ))
ردت بحماس حقيقي (( إنه جميل ! ))
وفيما هي تدير وجهها إليه ، اضطربت أفكارها بقلق 0
قال كايل :
(( غرفة الطعام من هنا 000))
لو أنه لاحظ تغيير مزاجها 00إلا أنه مضى يفتح باباً يكشف عن غرفة أخرى أصغر حجماً ، مزينة بألوان فاتحة كتلك التي استخدمت في غرفة الجلوس 00وفي وسطها طاولة معدة سلفاً ، بأدوات فضية لامعة ، وكريستال رائع ، مع شمعدان وزهور 00
قال لايف : (( لم أعد الطاولة 000ولا الوجبة كذلك 00أعرف كيف أطهو ، لكن ليس بالمستوى المطلوب لهذه الليلة 00لذا طلبت من مطعم أن يوفر لي كل التحضيرات 00كل ما علي أن أفعله هو تسخين الحساء ، ومراقبة جهاز التوقيت 00مما يذكرني 000))
رفع كمه للوراء ، ونظر إلى الساعة الذهبية الرقيقة في معصمه :
(( أمامنا حوالي العشرين دقيقة 00لذا دعيني آخذ سترتك ، حتى تتمكني من الاسترخاء ، هل ترغبين في شراب معين فيما أنت تنتظرين ؟ ))
قاومت لتخفي توترها : (( بكل سرور ))
وبسرعة خلعت سترتها وأعطتها له من بعيد ، وهي خائفة من ردة فعلها 00
((مياة غازية أرجوك 00))
((لم لا تجلسين 00سأحضر الشراب )9
حين عاد كانت تجلس في المقعد الذي أشار إليه 00بدت متصلبة وقد اختارت الجلوس على حافته ن فيما الانزعاج ظاهر على وجهها 0
سأل بحدة :
((ما الأمر ؟ هاك 000ربما هذا يساعدك ))
أخذت ايف الكأس ، واحتست جرعة من المياه الفوراة ، فاستجمعت شجاعتها بحيث وجدت القوة الداخلية لتستدير إلى كايل وتواجه نظرته المتفحصة 0
سألت :
(( وهل من المفترض أن أعرف هذا المكان ؟ أهو واحد آخر من مخططاتك لشفائي ؟ إذا كان الأمر هكذا ، فإنك لم تنجح 000أنا لا أذكر هذه الشقة أبداً ))
رد بنعومة وهو يتهالك على مقعد مقابل :
(( لا 00لم تكن هذه هي فكرتي أبداً 00ولو كانت فعلاً ، لما جئت بك إلى هنا ، 00فأنت لم تري هذا المكان من قبل ))
((لم أره ؟ ))
لم تستطع إخفاء دهشتها 0
التوى فمه بسخرية (( لا 00لقد بعت المكان القديم منذ سنة 00كان جوه 00لا يعجبني 000))
جو مشحون بالذكريات لا يريدها 0 حاولت ايف أن تستند إلى الوراء براحة أكبر ، لكنها لم تستطع أن تسترخي جيداً ، ومع أن كايل نفى ظنونها السابقة ، إلا أنها ظلت تفكر أنه ما أحضرها إلى هنا ،ن إلا لسبب خاص يفكر به 0
قال كايل :
(( كنت أتسأل عن أمر 000))
ضربت لهجته العفوية على أعصاب ايف المتوترة 0
سألت متصلبة : (( وما هو ؟ ))
لكنها ندمت على سؤالها حين رأت ابتسامته الساخرة 0
(( ألا زلت ترين خطراً في كل ما أفعله ؟!! حقاً حبية قلبي 000سالهذا العقل الصغير المرتاب الذي تمتلكينه ))
ردت ايف بحدة ن وقد آلمها وصفها بالعقل الصغير :
(( قد أكون تسرعت ببعض الأمور في لقائنا الأول 000لكن الأمور مختلفة تماماً الآن 00وأنا مختلفة ))
عبست بشدة حين ارتفع حاجبه الأسود ، وكأنه يسألها كيف عرفت هذا 0 سألت :
((إذن ، ماذا تريد أن تعرف ؟ ))
(( كنت أتسأل فقط 000هل تريدين مني أن أتصل ببعض أصدقائنا القدامى 00أناس من 00))
(( من الماضي تعني ؟ لا 00لا أعتقد هذا لكن شكراً للعرض ))
(( لكن ألا تظنين 000))
قالت بحدة :
(( كايل 00أرجوك لا تفعل 00بات كل شيء أكثر صعوبة مما تصورت يوماً 0 صعب علي أن أتقبل أنك تعرفني جيداً ، في حين لا أستطيع تذكر شيء عنك ، فكيف إذا واجهت أي مخلوق آخر في الوقت الحاضر ؟ ))
(( لكن ألا يساعدك لقاء شخص آخر 00ألن يحث ذاكرتك ، مثلاً ؟ ))
(( لاأظن ذلك ، على أي حال إذا كنت لا أستطيع أن أتذكر زوجي 00فكيف لي أن أتذكر إنسان آخر ؟!! قد أخبرتني أن أعز صديقة لي ، سوزان قد هاجرت إلى نيوزيلندة ))
حين أخبرها كايل أن سوزان ، التي شاركتها شقة صغيرة قبل أن تلتقي به ، لم تعد تعيش في انكلترا ، أصيبت ايف بصدمة 000فقد كانت تأمل أن يدور حديث بين امرأة وصديقتها ، ليطيعها نظرة داخلية على العلاقة التي تربطها برجل يدعي أنه زوجها 0
(( دع عنك الأمر أرجوك ، فأمامي ما يكفي لمواجهته الآن 00))
ظنت ايف أن كايل سيجادلها أكثر ، لكنه هز رأسه بصمت ثم توقف 0
(( هل تحتاج أية مساعدة ؟ ))
هز رأسه (( أعتقد أنني أستطيع تدبر الأمور ، وأن أسخن الحساء بنفسي ))
مع ذلك ، تقدمت ايف نحو المطبخ خلفه ، ثم راحت تتفحص خشب السنديان المتناسق برضا وإعجاب 0
(( المكان لطيف 00وعملي 00لكنه ليس فعال 00هل كنا نقيم حفلات كثيرة حين كنا متزوجين ؟ ))
والتقطت جزر من قصة سلطة محضرة وقضمتها 0
عبس كايل لاستخدامها صيغة الماضي ، لكنه أجاب وعيناه على وعاء الحساء الذي يحركه :
(( كنا نقيم دائماً حفلات عمل 000لكن مع الأصدقاء ، كان الأمر أكثر عفوية ، ولو أننا بالطبع ، كنا نرغب في قضاء الكثير من الوقت وحدنا 0
التفتت العينان الأبنوسيتان إلى وجه ايف بنظرة مؤثرة ، بحيث كادت ايف تختنق بالجزر الذي تأكله 0
سألت ، وهي تهدف أن تتلهى عن أفكارها 00وأفكاره :
(( ماذا سنتناول كطعام ؟ )9
(( حساء البقلة المائية ، سلمون وتوت العليق ))
هذا هو طعامها المفضل ، إذن ؟ لقد خطط للوجبة بحذر شديد 0 ومدت يدها اليسرى لتأخذ قطعة جزر أخرى 00فجأة تسمرت في مكانها وهي ترى أصبعها خالياً من أي خاتم ؟ فخطرت لها فكرة جديدة 0
(( أين هو خاتم الزواج ؟ ))
جمدت يد كايل وهي تمسك الملعقة الخشبية 000وأحست ايف بالتوتر يتصاعد في جسمه الطويل ، ويشد كل عضلة منه 00وفجأة أخذ الحساء يغلي ن فأطفأ النار ، ليتحرك ويصبه في قصعة محضرة 0
بعد أن أكمل مهمته ، تمتم بنبرة ناعمة تخالف ردة فعله الأولى ، فيما لا يزال يدير ظهره :
(( إنه معي ))
- معك ؟ لماذا ؟ وهل تركته هو الآخر ؟))
تمنت لو يستدير 00كان من الصعب جداً أن تتكلم معه وهي لا تستطيع أن ترى وجهه0
وضع القصعة على الصينية ن وهو يركز على عمله 00ثم قال :
(( لم ترتديه لبعض الوقت 00فهو لم يكن يناسب مقاس أصبعك تماماً ))
ثار فضول ايف :
(( لم يكن يناسبه ؟ كيف هذا ؟ ))
أخيراً استدار كايل ليواجهها ، لكن تعابير وجهه بدت حيادية 000
(( لقد سمنت قليلاً 00تعالي تناولي هذا ، فيما هو ساخن ))
حمل الصينية إلى غرفة الطعام وهو يتكلم ، من دون أن يترك لايف أي خيار سوى أن تلحق به ن لو أن وزنها ازداد هكذا ، فلا بد أنها خسرته مرة أخرى عنما وجدت نفسها في المقهى !!
سألها كايل فجأة فيما هي تتقدم إلى جانبه :
(( لماذا تسألين عن الخاتم ؟ هل تريدين استرجاعه ؟))
لم تستطع ايف التفكير بالجواب ، لم تكن المسألة مسألة خات ن وهي تعرف هذا 00
سألت مترددة (( وهل تريدني 00أن استرجعه ؟ ))
(( ياله من سؤال غبي !!))
وصفق كايل الصينية فوق الطاولة ، غير مهتم بالحساء فوق حافة القصعة ، ثم استدار إليها ونيران الغضب تشتعل في عينيه 0
كانت كل كلمة تطعنها كخنجر حاد :
(( وماذا تظنين أنك تفعلين هنا ؟ لماذا تظنين أنني جئت أبحث عنك أصلا ؟ لو لم أكن أريدك ، لتركتك ، ولسعدت برحيلك 00لكنني لم أفعل بل أمضيت الأسابيع الأخيرة أحاول استعادتك إلى حياتي 000))
(( لكن لماذا ؟ لماذا تريدني ان أعود ؟ ))
تراجع رأس كايل بحدة إلى الوراء ، وبدت عيناه عميقتين فارغتين بشكل غريب ، فاضطربت ايف حين أدركت أنه مرتبك للمرة الأولى 0
أخيراً قال : (( أنت زوجتي !!))
ردت ساخطة : (( زوجتك ؟ ومن تظن نفسك ؟ أنت لا تمتلكني 00أنا لست عبده !! ))
كان صوتها مرتجفاً دون أدنى شك ، وراحت تكافح لتخفي ردة فعل أكثر غموضاً 00فمع أنها تستنكر بغضب لهجة التملك في كلماته القاسية (( أنت زوجتي )) إلا أنها لا تستطيع أن تنكر الصدمة الكهربائية العنيفة التي سرت في جسمها ما إن أعلن هذا الرجل القوي أنه مصمم على المطالبة بها كزوجة له 0
(( لقد رأيت الوثيقة ))
اشتعلت عينا ايف بنار زرقاء ، فوق خدين أحمرين :
(( لقد ناقشنا هذا من قبل 00قطعة ورق لا تعني شيئاً من دون الالتزام العاطفي ))
سألها بنعومة خطيرة : (( وأنت تظنين أن لا وجود لتورط عاطفي ؟ ))
لكن ايف لم تنتبه إلى الإنذار الذي لمحت إليه لهجته الناعمة المنذرة بالشر :
(( أنا لم أر أي شيء منه ! ))
وأحست أن بدنها يقشعر تحت تأثير لمساته 0
((إذن 00هذا ما تريدينه 00))
وتحرك نحوها ، ثم رفع يده إلى خدها ، خفيفة كلمة خيوط العنكبوت على وجهها ، وتمتم :
((أوه ايف 000أنت عمياء جداً 000لا تستطيعين رؤية ما يواجهك 000أيعقل أن تسأليني لماذا أريد عودتك ؟!! لكنك تعرفين الرد ، لقد قلت لك 00))
((لا 00لم تقل شيئاً 000))
(( أوه ايف 000لكنني قلت 00ليس حرفياً ربما 000لكن أردتك أن تعودي 000نحن رائعان معاً 00أنا وأنا زوجان سعيدان 000وما كان يجب أن نفترق ))
لكنه كان لا يزال يفي أشياء وأشياء ملحة ، فأحست ايف معها وكأن روحها تكاد تخرج من جسدها قال : (( دعيني أعلمك ايف كيف كنا 000وكيف يمكن أن نكون مجدداً ))
وفجأة أفاقت ايف من سباتها 0
لم يعد يهمها إن كانا متزوجين أو عاشا معاص لمدة ثلاث سنوات 000بدا الأمر بالنسبة لها ، وكأن شيئاً لم يكن 00كانت تحس وكأنها بريئة خائفة 0
(( لا 000))
أفلتت منها الهمسة الضعيفة ، كخيط رفيع 00لكن كايل التقطها وتصلب على الفور 0
سألها بنعومة : ( لا ؟ ))
لم تعرف أش إشارة ظهرت على وجهها ، لكن طغى على وجه كايل لون أسود ، وانعكس في عينيه لمعان محموم 0
قال بلهجة مختلفة : (( أوه 00لا ايف 000لقد فات الأوان لتغيري رأيك الآن 000لقد فات الأوان كثيراً 000))
( فات الوقت كثيراً 000)9ثم تمتم مرة أخرى
رفع رأسه ينظر إلى عينيها البنفسجيتين الواسعتين :
(( هكذا يجب أن نكون00ايف ! هكذا كنا ، وهكذا سنكون مجدداً 00وليذهب إلى 000الماضي 00من يدري ؟ ربما سينجح هذا حين لم ينجح أي شيء آخر ))
لكن ايف كانت قد تجاوزت مرحلة التركيز على كلامه 00أرادته أن يصمت 0
كانت عيناه تلمعان وهو يراقبها 00فأغمضت عيناها 000وفضلت أن تركز على مشاعرها 0
قال لها بصوت خشن :
(( لقد انتظرت طويلاً لهذا 00! طويلاً جداً 000و 000أوه 00أيف لا أستطيع الانتظار أكثر من هذا !!))
همست : (( إذن 000لا تنتظر ! أرجوك كايل 0000لا تنتظر 000))
*********
عادت إلى وعيها ببطء شديد 0 وسكنت في حالة سبات ، وهي غير قادرة على الحركة أو التفكير 0 إلى جانبها تناهت إليها أنفاس كايل ، فأدارت رأسها نحوه لتراه مسترخياً 0
قال :
(( لعلك تتذكرين الآن ؟ ))
وفجأة رن صوته في نفسها حتى قطع مزاجها الحساس ، كما يقطع نصل السكين في الحرير 0
سألت هامسة :
(( ماذا تعني ؟ ))
وسمعت ضحكته المنخفضة :
(( أوه 00ايف 00حبيبة قلبي 00تعرفين تماماً ما أعني 00سألتك وطلبت منك أن تتذكري 00وتكسري الجدار الذي بنيته حول نفسك ، وتستيقظي من حالة ( الجمال النائم ) الذي كنت فيه منذ سنتين ))
(( تحاول أن تذكرني !1))
تصلبت ايف مصعوقة برعب ، وقد تدمر مزاجها المتكاسل تماماً 00وبات وجهها أصفر كوجه الأموات ، وأضرمت عيناها الزرقاوان بلون البانسيه الداكن ، كرباً 00وراحت تستعيد مجدداً كلمات كايل :
((00من يدري ؟ ربما سينجح هذا حين لم ينجح أي شيء آخر ))
تمسك الآلم بحنجرة ايف 000حتى كاد يخنقها فاضطرت إلى اخراج الكلمات بالقوة 0
(( كانت هذه تجربة !! هذا ما كان يشغل تفكيرك طوال الوقت 00بل لهذا جئت بي إلى هنا ؟!! إلى مكان لا يزعجنا فيه أحد ! كيف تمكنت من هذا ؟))
بدا القرف في صوتها 0 لكن كايل رد بلا مبالاة باردة :
(( كان هذا يستحق التجربة 000لا شيء غيره نجح ))
(( يستحق 000))
وخذلها صوتها 00فيما عيناها تحترقان بالدموع 00دونما رحمة ، أخمدت الدموع في مهدها وهي تصمم ألا تدع كايل يرى الجرح الرهيب 0
سألها كايل :
(( ماذا تفعلين ؟ !))
(( وماذا يبدو لك أنني أفعل ؟ أنا راحلة ، لا أطيق أن أبقى معك لحظة أطول ))
قال بسخرية :
(( حسن جداً 00نحن نبالغ في ردة فعلنا 00أليس كذلك؟ ))
فما كان منها إلا أن شدت أسنانها لتمنع رغبة متوحشة في ضربه 00
(( ايف 00لقد كنا معاً 000))
لكنها لم تستطع أن تتركه يكمل جملته بل ارتفع صوتها بحدة :
(( كنا معاً ؟ هذه تجربة بدم بارد 000))
(( حسناً جداً 00يبدو أنني أضعت جهودي سدى 00لم أنجح 00))
فجأة ابتسم بشكل صارم 00ولف عيناه لمعان مثير 00
(( لعلنا نحاول مرة أخرى ))
لم تستطع ايف أن تصدق قوله :
(( أبداً ))
أي نوع من الحيوانات هو ؟
(( لم تنجح 000لقد مررت بتجربة مهينة ، للاشيء !))
أكملت صائحة :
(( لكنها لن تتكرر ثانية !! أبداً 00هل تسمع ؟ ))
وأسرعت ايف إلى الباب ، ثم استدارت في اللحظة الأخيرة لترمي كلمات الوداع في وجهه البارد :
(( لكنني سأقول لك شيء 00سيد كايل جنسن 00إذا كان هذا النوع هو الزواج الذي كنته 00إذن لا يدهشني أنني تركتك !! ))
ومن دون أن تجرء على النظر إليه مرة أخرى ، ركضت تخرج من الغرفة وهي لا تفكر سوى بالخروج من الشقة ، لتختبئ في مكان مظلم حيث تستطيع أن تداوي جروحها بسلام0
*****
ودمتم سالمين**
عادت إلى وعيها ببطء شديد 0 وسكنت في حالة سبات ، وهي غير قادرة على الحركة أو التفكير 0 إلى جانبها تناهت إليها أنفاس كايل ، فأدارت رأسها نحوه لتراه مسترخياً 0
قال :
(( لعلك تتذكرين الآن ؟ ))
وفجأة رن صوته في نفسها حتى قطع مزاجها الحساس ، كما يقطع نصل السكين في الحرير 0
سألت هامسة :
(( ماذا تعني ؟ ))
وسمعت ضحكته المنخفضة :
(( أوه 00ايف 00حبيبة قلبي 00تعرفين تماماً ما أعني 00سألتك وطلبت منك أن تتذكري 00وتكسري الجدار الذي بنيته حول نفسك ، وتستيقظي من حالة ( الجمال النائم ) الذي كنت فيه منذ سنتين ))
(( تحاول أن تذكرني !1))
تصلبت ايف مصعوقة برعب ، وقد تدمر مزاجها المتكاسل تماماً 00وبات وجهها أصفر كوجه الأموات ، وأضرمت عيناها الزرقاوان بلون البانسيه الداكن ، كرباً 00وراحت تستعيد مجدداً كلمات كايل :
((00من يدري ؟ ربما سينجح هذا حين لم ينجح أي شيء آخر ))
تمسك الآلم بحنجرة ايف 000حتى كاد يخنقها فاضطرت إلى اخراج الكلمات بالقوة 0
(( كانت هذه تجربة !! هذا ما كان يشغل تفكيرك طوال الوقت 00بل لهذا جئت بي إلى هنا ؟!! إلى مكان لا يزعجنا فيه أحد ! كيف تمكنت من هذا ؟))
بدا القرف في صوتها 0 لكن كايل رد بلا مبالاة باردة :
(( كان هذا يستحق التجربة 000لا شيء غيره نجح ))
(( يستحق 000))
وخذلها صوتها 00فيما عيناها تحترقان بالدموع 00دونما رحمة ، أخمدت الدموع في مهدها وهي تصمم ألا تدع كايل يرى الجرح الرهيب 0
سألها كايل :
(( ماذا تفعلين ؟ !))
(( وماذا يبدو لك أنني أفعل ؟ أنا راحلة ، لا أطيق أن أبقى معك لحظة أطول ))
قال بسخرية :
(( حسن جداً 00نحن نبالغ في ردة فعلنا 00أليس كذلك؟ ))
فما كان منها إلا أن شدت أسنانها لتمنع رغبة متوحشة في ضربه 00
(( ايف 00لقد كنا معاً 000))
لكنها لم تستطع أن تتركه يكمل جملته بل ارتفع صوتها بحدة :
(( كنا معاً ؟ هذه تجربة بدم بارد 000))
(( حسناً جداً 00يبدو أنني أضعت جهودي سدى 00لم أنجح 00))
فجأة ابتسم بشكل صارم 00ولف عيناه لمعان مثير 00
(( لعلنا نحاول مرة أخرى ))
لم تستطع ايف أن تصدق قوله :
(( أبداً ))
أي نوع من الحيوانات هو ؟
(( لم تنجح 000لقد مررت بتجربة مهينة ، للاشيء !))
أكملت صائحة :
(( لكنها لن تتكرر ثانية !! أبداً 00هل تسمع ؟ ))
وأسرعت ايف إلى الباب ، ثم استدارت في اللحظة الأخيرة لترمي كلمات الوداع في وجهه البارد :
(( لكنني سأقول لك شيء 00سيد كايل جنسن 00إذا كان هذا النوع هو الزواج الذي كنته 00إذن لا يدهشني أنني تركتك !! ))
ومن دون أن تجرء على النظر إليه مرة أخرى ، ركضت تخرج من الغرفة وهي لا تفكر سوى بالخروج من الشقة ، لتختبئ في مكان مظلم حيث تستطيع أن تداوي جروحها بسلام0
*****
ودمتم سالمين**
>>8- لا اريد ان اتذكر
- نكاد ان نصل .
ايقظت كلمات كايل ايف من الغفوة التي غطت فيها , فاستقامت في مقعدها وهي تنظر الى الخارج نحو الريف بمزيج من الفضول والارتباك ....بعد برهة قصيرة من الزمن , ستلمح المنزل الذي هربت منه سنتين للمرة الاولى .
ترى , هل يشاركها كايل خوفها المفاجيء وهواجسها , والتوتر الذي يستبد بها ؟ لو فعل , فهو بالتاكيد لا يبدى شيئا .. كان جسمه الطويل مسترخيا في المقعد .وانتباهه منصب بحزم على الطريق امامه.
لكن , ربما كان يبالغ في التركيز على تلك الطريق الريفية الذي يسلكانها .... فهما لم يقابلا اي حركة سير حقيقية , منذ "نوريتش " حيث توقفا للغداء ... ولا سبب يدعو كايل ليتمسك بالمقود بشدة , حتى يكاد بياض اصابعه يفضح المشاعر التي لم يبديها .
سالت :"هل تشعر مثلي بالتوتر ؟"
قال معترفا :" انه موقف فريد من نوعه ".
كان صوته يلامس الضحك , فاحست ايف انه تفهمه , فالمشاعرذاتها تتملكها منذ خروجهما من لندن , في وقت مبكر من ذلك الصباح .
" اعرف ماذا تعني ... لقد ودعنا دايان وتيم والتوام ... وكاننا ذاهبان لقضاء شهرالعسل .. كل ما كان ينقص هو باقة الزهر , والاوراق الملونة و" اليونيون " ليتكمل الموقف .
واهتز صوت ايف في اخر كلماتها ... واستعادت شعور الهستيريا الذي هاجمها بينما غادرا منزل صديقتها.
حين اخبرت دايان انها ستاخذ فرصة اسبوع كي تقيم في المنزل في "نورفولك " ابتهجت الصديقة .
دخلت دايان غرفة ايف بينما هي ترتب حقيبتها , قبل وقت قصير من وصول كايل , وقالت :
- انا واثقة انك سمتضين اوقاتا ممتعة .. ومن يعلم ؟ قد يساعدك على استعادة الذكريات .
وهي لم توافق على المضي بهذه التجربة الا لهذا السبب بالذات , فلماذا اذن تشعر الان بالخوف البائس , و التردد الكبير لاقدامها بهذه الخطوة ؟
- اوه , يا الهي ..دي , هل افعل الصواب ؟
- ايفي حبي ... ما الامر ؟ انت لست خائفة من كايل بالتاكيد ؟
ليس من كايل نفسه , بل مما قد تكشفه عنه , ظهر ردها في اعماق افكارها لكنها عجزت عن ترجمته بالكلمات ... وفي النهاية لم تستطع سوى ان تهز راسها .
- لا .. ليس في الواقع .
وصرفت دايان النظر عن هذا القلق بقناعة حسدتها عليها ايف بعمق .
- بالطبع لا ... انت مجنونة بحبه .
ذهلت ايف بمجرد التفكير بان مشاعرها شفافة الى هذا الحد :"وهل يظهر علي ذلك ؟"
ماذا لو ادرك كايل ايضا مشاعرها نحوه ؟
ردت دايان :" هذا يظهر فقط لمن يعرفك مثلي , على اي حال صغيرتي لقد عشنا معا لسنتين ...واذا كان من امرى يعرفك , فهو انا بالتاكيد !"
لكن هذا لم يبعث في ايف الراحة الكاملة , لقد قضت مع كالي وقتا يزيد عما قضته مع عائلة بينيت هنا ..تابعت دايان بلهفة :" انت تحبينه .. اليس كذلك ؟"
- كما قلت ... انا مجنونه بحبه .
- ولماذا اذن تقفين مضطربة مترددة هنا ؟
ابقت دايان يدها طوال الوقت وراء ظهرها , ثم اخرجتها من مخبئها وقدمت لايف بحماسة لفافة جميلة .
- هذه هدية صغيرة مني ومن جيم حتى تمضى العطلة بنجاح . لا تفتحيها الا حين تكونا وحدكما ... اعتقد انها ستعجبكما معا ....
وضحكت ضحكة خفيفة , وهي تمازح ايف , وابتسامة خبيثة على فمها .
- ... بما ان القدر لطيف , ليقدم لك زوجا مثل كايل , فمن الافضل ان تستفيدي من الفرصة ! اعتبري الامر بداية شهر عسل ثاني .
لكن المضحك المبكي ان ايف لن تستطع التمتع بشهر عسل ثان , فيما هي لا تستطع ان تتذكر الاول فعلا .. حتى لو تزوجا للتو , فمن غير المحتمل ان تعلم عن كايل اكثر مما تعلمه الان .
- ها قد وصلنا .
استدركت ايف فجاءة وعادت الى الحاضر ,واذا
بها تلاحظ ان كايل قد انحرف عن الطريق , فيما هي مستغرقة في افكارها ودخل في طريق داخلية اوصلتهما الى منزل كبير انيق , جدرانه الحجرية صفراء الشاحبة تتوهج بدفء شمس بعد الظهر .
اذن , هنا امضت معظم الوقت مع كايل ... وارتج قلب ايف , فتسارعت نبضاته في غير راحة او استقرار . ثم نظرت حولها بحثا عن دليل ما , اي دليل يمكن ان تتعرف اليه .
كان منزلا جميلا ... له جو دافىء مرحب ....بدت معظم واجهته الانيقة الجورجية الطراز قد زينت بالعرائش المزهرة , والنوافذ العريضة النائية فوق الدرجات الحجرية , كانت تلك النوافذ تقود الى الباب الرئيسي , ولاحظت الى يسار المبنى بيتا زجاجيا ضخما , كان ليبدو رائعا وهو ملي بالنباتات , لكنه الان كئيب قليلا , وكأن احدا لم يعتن به من مدة .
هل اهمل كايل المكان بعد ان هجرته ؟ بالطبع , لا بد من انه انشغل بعمله في امريكا في اكثر الوقت , كما تذكرت انه قال لها ان اباه ولاه امر الشركة , كمدير اداري لها . وربما تحول الى كراهية المكان بعد رحيلها , على اي حال . لقد تركت الرسالة في غرفة ما في هذا المنزل , الرسالة التي طلبت منه الا يبحث عنها . توقعت ان تكون صورة هذا المنزل واضحة جدا في ذهنها ..ولكن وبخيبة امل موحشة , وجدت ان المنظر لم يرجع فيها اي صدى على الاطلاق .
صاحت بياس واحباط :"اوه .... لماذا لا اتذكر ؟"
تبخرت اللهفة التي بها خرجت من السيارة , بسرعة لتتركها اسيرة البرد والهزيمة .
- لم لا ... اوه !
صمتت بشهقة مصدومة وارتباك حين التقطت عيناها لوحة الاسم النحاسية المثبتة الى جانب الباب .
همست مرتجفة :
- منزل مونتاغوي ! مونتاغوي ... اذن لم يكن اسم العنبر ؟
- هذا ما يبدو .
كان كايل يراقبها عن كثب , وعيناه تلتقطان كل تغيير عابر على وجهها ... لطالما عرف ذلك اذن , لكنه تعمد ابقاءه سرا كي يكون لاسم المنزل التأثير الاكثر قوة .
- يبدو ان اسم مونتاغوي قد اصاب وترا ما في نفسي .
الانها كانت سعيدة هنا , ام لانها كرهت العيش في هذا المنزل , وارادت الابتعاد عن كايل ؟
وخشيت ايف ان تعترف , حتى لنفسها , كم صلت لئلا يكون الجواب الاخير .... ثم نظرت الى المنزل الجميل المبهج تحت اشعة الشمس .
قالت ببط :"يبدو مكانا وديا ... اتظنني كنت سعيدة هنا ؟ كايل ؟"
ولما لم يرد قالت :" كايل ؟"
- لست ادري .
بدا وكان كايل يجاهد ليعود الى الحاضر ليرد على سؤالها .. بماذا كان يفكر ؟ هل كانت افكاره ترتحل نحو الايام الماضية قبل سنتين , حين عاشا هنا معا ؟ لو انها تستطع ان تقرا افكاره , وتشاركه ذكرياته .
قال بصراحة"بدوت لي سعيدة ... باستثناء طبعا ......"
فجاءة قطع كلامه واستدار الى السيارة :" ساحضر حقيبتك !"
- كايل ......................
امسكت ايف بذراعه , ونظرت الى وجهه , لترى الخطوط العميقة في ملامحه , والظلال في اسفل عينيه , كانت اشعة الشمس البراقة تكشف انه لم ينم جيدا منذ اسابيع .... فاصيبت ايف بمزيج من الرعب والصدمة .
- باستنثاء ماذا ؟
- باستنثناء النهاية .
كان رده حادا , مصحوبا بحركة غاضبة خشنة من ذراعه .
- كما قلت لك .... كنا نمر بازمة صغيرة , ولم تكلميني لايام ... لم يكن هذا عجيبا , لا سيما بعد ان عرفت انك تخططين لتركي .
لماذا احست ان هذا لم يكن مقصده اصلا ؟ لكنها لم تجرو على السؤال ... فقد كان تعبير كايل غامضا في عينيها ... بدا وجهه وكانه منحوت من رخام صلب .... اما هي فاحست ان اي سؤال عفوي , يشابه القاء عود ثقاب في مجموعة من الالعاب النارية .
- اندخل ؟
كانت لهجته متوترة , تفتقد لسيطرته الناعمة التي اعتادتها , ودس المفتاح في القفل وكانه يتمنى لو انه سكين يطعن به عدوه اللدود .
- ربما تتعرفين الى ذكرى ما في الداخل .
ما ان اصبحا في الردهة المكسوة بالخشب المصقول , حتى الحقائب من دون اكتراث فوق البلاط الموشح . ثم فتح الباب الاقرب وهو يتجنب عينيها .
قال بخشونة :" هذه غرفة الجلوس "
ولم يعطها فرصة حتى تنظر الى الداخل بل تحرك مجددا :
- وهذه غرفة الطعام ... الباب من هنا يقود الى مستنب الزجاج .. والمطبخ من هناك .
بدا وكانه سمسار عقارات يجول في المنزل , الذي تفكر بشرائه ... لم يكن في من اشارة الى الزوج المرحب بعودتها الى البيت الذي تشاركه يوما .
- المكتبة ... غرفة استخدمات عامة ... لعنة الجحيم ايف ! لا يمكنني فعل هذا ؟
لم تستطع ايف ان تساله عم يتحدث , فمشاعرهاالفجة كانت تنبئها , وبوضوح زائد , ما يمر به , حتى ولو انه لا يماثل حجم عذابها هي ... واضح انه يجد في الامر برمته مشقة كبيرة , مثلها تماما .
قالت متردده :"لعله من الافضل لو تجولت لوحدي ".
بدا ان هذه الفكرة قد ضاعفت اضطربه , لا تدري لماذا :"لا ... ساخذ حقيبتك الى الطابق الاعلى !"
راقبته ايف وهو يصعد الى السلم , فشعرت فجاءة ببرد بائس ووحشة كبيرة ... فبعد ان ظنتته منزلا مرحبا دافئا , بدا لها الان وكانه يملك جوا مختلفا , مهددا باعثا للكابة والحزن .
-انتظني !.
ولحقت به راكضة , حى ادركته في فسحة سلم عريضة واكملت :"اية ....؟"
ثم , من مكان ما لا تعرف مصدره . ملاتها قناعة داخلية عميقة ...وقالت : هذه الغرفة ....
ودفعت الباب بينما كان كايل يراقبها بهدوء جامد , وما لبتث ان خطت بضع خطوات الى الامام .
كانت شمس بعد الظهر تسلل عبر النافذة العريضة لتنسكب على السجاد الذهبي الدافي بركة متوهجة , وتبعث في الستائر لونا متالقا كالعسل السائل , كانت طاولة الزينة الانيقة , والخزائن المجاورة بلون الماهوغوني المكثف الداكن , وكانها تماثل عيني كايل .... وبالرغم من التوتر الذي تملكها ... لم تستطع ايف ان تمنع ابتسامة ابتهاج صافية .
قالت بثقة تامة :"هذه كانت غرفتنا "
تفرس فيها كايل صامتا , وقد ضاقت عيناه البنيتان في تقييم واضح , وما لبثت ان سالها بهمس :"اهي الذاكرة ... ام مجرد تخمين محظوظ ؟
هزت راسها بارتباك , وقد اختفت كل سعادتها .
- لا اعرف ... اعتقد انها نوع من الغزيرة ... انا ...
وتلاشي صوتها مع حركة غير ارادية من عينيها حولتها الى السرير في وسط الغرفة . كان مغطى بقماش مطرز ثقيل , تتداخل فيه الالوان الذهبية الدافئة كما الستائر .... وبدا لها اكبر بكثير من السرير المزودج العادي , وفيما هي تنظر اليه , احست فجاءة بالحرارة الحارقة تغمرها , ثم ارتجفت بردا, وكانها تحت تأثير حمى قوية . لقد تشاركت مع كايل هذا السرير , وناما معا , ليلة بعد ليلة .
اتهجت عيناها القاتمتان كالبانسيه , الى وجه كايل المراقب , بدا لها فجاءة وكان بشرتها اضحت حساسة جدا , وتشابكت عيونهما في لحظة تفاهم معبرة شديدة الوقع .
لم تعرف ايف كم دامت هذه اللحظة المتوترة ... لكن , كايل كسر حبل الصمت اخيرا وهو يستدير بحدة يفتح باب الخزانة الاقرب .
- قد ترغبين في استخدام هذه الملابس فيما انت هنا .
حدقت ايف برعب .... الى مجموعة الملابس .... فساتين , تنانير , قمصان , سروايل جينز , كلها معلقة في الخزانة ..... لم تلمسها يد منذ سنوات , انها ملابسها , ما من شك في هذا , احست ان هذا يفوق قدرتها ..... فقد واجهها كايل بالدليل القاطع للمراة التي كانتها يوما .
بدات تقول :" لا انا ....."
لكنها لم تستطع ان تكمل , فارتجفت ساقاها ... واختنقت حنجرتها بالم , وما لبثت ان صرخت باندفاع لاخراج الكلمات :
- لا استطيع النوم هنا يا كايل ....!
التوى فم كايل بسخرية :"لا .... لا اعتقد انك تستطعين ... لا تقلقي لقد طلبت من مدبرة المنزل ان تحضر لك غرفة اخرى".
مرة اخرى تفحصتها عيناه القاتمتان ببط ء:
- في الواقع , انا لم انم هنا ... ليس منذ .........
ولم يكمل جملته ... لكنه لم يكن بحاجة الى ذلك , فقد تكهنت تماما الكلمات الناقصة .
تحرك نحو الباب :"على اي حال ... غرفتك من هنا ".
ثم تجاهل الباب الى يمين غرفة النوم التي غادراها للتو , ودفع بابا مقابلا ليكشف عن غرفة نوم مزينة بالوان ناعمة رقيقة من الازرق والزهري .
- ستنامين هنا ...
- وانت .
وكانما يوكد على افكارها , انتقل ليفتح بابا اخر عبر الممر , فظهرت غرفة ذات طابع رجالي اخضر قاتم وعاجي , ووضع حقيبته داخلها .
- هل هذا مناسب ؟
لماذا يسالها ؟.... واضح انه قرر كل ذلك سلفا ... واضح انه خطط جيدا ليضمن عدم تكرار ما حدث ليلة الاحد الماضية .. ترى اخاب املها ام انها مرتاحة ؟
لم تجد ايف الرد بسهولة... فهي تعرف الان انها تحب كايل .... تحبه وتريده بكل ما في وسع امراة ان تحب رجلا ... ومع انه كان يقف الى جانبها ببساطة , الا انها شعرت بجاذبية هذا الجسم الطويل القوي , والشعر اللماع الناعم الاسود , والعينين الغامضتين .
- وهذه الغرفة ماذا فيها؟.
امسكت مقبض الباب الفاصل بين الغرفتين ... ودهشت انه لا يفتح , وان بابه موصد .
- اوه , انها مخزن في الوقت الحاضر ... لم نضع فيها الاساس بعد .
لم يكن ينظر اليها ..... بل استدار ليلتقط حقيبتها .... مع ذلك , لم تكن لنبرة صوته الرنة المناسبة .
- ساضع اغراضك في غرفتك .... اهذا ممكن ؟انا واثق انك تريدين ترتيبها .
وفكرت ايف انه يحاول الهاءها بدقة وحذر , فيحول اهتمامها الى شي اخر متعمدا .... ترى , ماذا في الغرفة المقفلة ؟
من دون اي تحذير , وقع ما وقع بينما كان كايل يرفع حقيبتها فوق المفرش المزهر باللونين الازرق والزهري .... لم يكن هناك نفخ ابواق , ولا لمعان انوار , او دوار مثير للاضطراب ... بل سمعت نفسها تقول بكل بساطة :
- هذه الغرفة تبدو افضل حالا بكثير الان , اتذكر كم كانت مريعة حين انتقلنا الى هنا ... كانت مخططة بلون احمر قاتم , في وسطها سجادة حمراء قاتمة وسوداء ؟
ووقعت حقيبتها من يد كايل اليسرى فوق السجادة بصدمة مكتومة , فنظرت الى وجهه , فابصرته شاحبا بعينين سوادوين .
سالت مرتجفة :"انا ... هل هذا صحيح ....؟ هل كانت الغرفة كما وصفتها ؟"
هز كايل راسه بصمت ......... شل فيها مظهر كايل جنس الرقيق كل قدرة على الكلام . وتهاوت ساقاها حتى تهالكت على كرسي قريب .
- لا تنظر الي هكذا ....! لم اكن اعرف ماذا اقول افلتت الكلمات مني .
يا الهي اما زال يصدق انها تدعي فقدان الذاكرة . وانها تفوهت بكل ذلك من دون ان تعي ما تقول ؟
- كايل كلمني ؟
تنحنح بجهد ليجلي حنجرته , ورفع يده الى مؤخرة عنقه كانما يطرد توترا لا يحتمل . ثم سالها بصوت اجش :"هكذا فقط ؟ ما من ذكرى اخرى ؟"
حاولت ايف ان يائسة ان تبحث يائسة في الزوايا المظلمة من ذهنها علها تجد شيئا اي شي ثم هزت راسها يائسة :"
لا شي .. لكن هذا تقدم ملحوظ كايل . وكانه صدع في الجدار , يبدو اننا احسنا صعنا بالمجي الى هنا ... وربما كان الاخصائي مخطئا في تحذيرك من هذا ... لعله العلاج الذي احتاج اليه ... من يدري كيف اصبح نهاية الاسبوع ؟
لماذا يبدو مرتابا وغير مقتنع على هذا النحو , ام انه خائف مما قد تكشفه ؟ ايقعل ان يخاف مما هو مدفون في تلك الذاكرة الضائعة ؟ سرت قشعرية خوف باردة في جسم ايف , ودب فيها ارتعاش لم تستطع كبته .
انها بحاجة الى ان تشغل تفكيرها وتلهيه عن مثل هذه الافكار المضطربة ....فاستجمع كل قوتها ,ووقفت على قدميها, ثم مدت يديها الى حقيبتها , وهي تفتش عن المفاتيح .... وهي تحاول الا تظهر احساسها المضظرب بصمت الغريب الاسمر .
بالرغم من كل شي , ظل كايل بالنسبة اليها غريبا , لم تفلح الاسابيع السبعة التي امضايها معا , او الكلمات التي دسها في اذنها , او ذكرى غرفة النوم السابقة , في تغيير ما , فهي ما زالت تجهل الحقيقة ... ومازالت لا تعرف كيف كانت علاقتها هي وكايل في السابق , والاهم من كل هذا لا تملك ادنى فكرة عن مشاعره نحوها الان . احيانا , كانت تبدر عنه بعض التصرفات , في البداية على الاقل ... لكن ماذا حدث لذلك الحب ؟ اذ لا بد ان حادثة ما وقعت ... والا , فلماذا ارادت ان تتركه اصلا ؟
غشت الدموع الحارفة عينيها , وبدا ان مفتاح علق في قفل الحقيبة , حتى اضطرت الى اجباره على الدوران ... وما لبث عن انفتح بعنف ليفضح الكثير من حالتها النفسية المضطربة .
- من الافضل ان ارتب ثيابي كي لا تتجعد اكثر مما هي عليه الان .
لماذا لا يتكلم كايل ؟ كم من الوقت يستطع الوقوف هنا من دون التفوه بكلمة ؟ يبدو انه انطوى على نفسه . بعيدا عنها .... اوه ... اكان من الضروري ان تستعيد ذكرى ؟
تسمرت يد ايف على حقيبتها وهي تدرك بماذا تفكر , ففي خلال السنتين المصرمتنين , لطالما اقتنعت ان قلبها سيثلج فرحا لو استعادت تفصيلا صغيرا من حياتها السابقة , لا بل انها ستجن ابتهاجا .... وها قد حدث هذا الان .. لكن ما تشعر به هو خيبة الامل المريرة .
لعل هذا ليس كافيا !فما تذكرته ليس باهمية كبرى .... لم ينبها بما يهمها فعلا , بالعلاقة بينها وبين كايل ... ولان هذا بقى مدفونا بكل عناد . فقد انقادت الى ادراك مشؤوم , ان العلاقة بحد ذاتها هي المحنة التي تحدث عنها الاطباء ... وهي التي افقدتها ذاكرتها . فقد وقع خطب ما بينها وبين كايل , حتى رفضت ان تتذكره في لا وعيها على الاقل ...\
- ربما , مع الوقت , قد تظهر ذكرى اخرى ..ز
اجفلتها كلمات كايل الهادئة كانت لهجته باردة مؤلمة بغير حدود ..... وتكشف عن الكثير مما يكتمه .... اشياء يعرفها , ولا تعرفها .
- نحن مضطران الى الامل .
جهدت ليبدو صوتها طبيعيا , وتعمدت ان تصب اهتمامها على افراغ الحقائب , وهي تعض شفتها في كرب مفاجي لادراكها ان هذا ابعد ما تريده ..... انها تحتاج الى الوقت لتكون مع كايل .... لتعرفه تماما .... كما يفعل اي زوجين طبيعين , انها تريد ان تبني معه علاقة قوية يمكن ان تصممد ازاء اي سر في ماضيها , على امل ان المحنة حين تزول اخيرا , لن تفصلهما مرة اخرى كما فعلت في الماضي ... لقد ارادت ان تاتي الى هنا على امل احياء ذاكرتها باسرع وقت ممكن , لكنها الان تريد يائسة ان تؤخر تلك اللحظة قدر ما تستطيع .
غير ان الوقت في الدنيا لن يساعدها , فمهما تقربا من بعضهما الان , ومهما بنيا علاقة قوية .... فسيبقى الماضي موجودا دائما , ظلا اسود يلوح بشؤم على حياتهما , ويدمر املهما في بناء مستقبل .
مد كايل يده امام ايف ليلتقط اللفافة على قمة ملابسها :" ما هذه ؟"
- اوه .... هذه هدية من دايان , اعطتها لي قبل ان نغادر مباشرة .
- لم لا تفتحيها ؟
استغلت ايف تلك الفرصة لتلهي نفسها عن افكارها المقلقة , وفتحت جانبا من الهدية قبل ان تفكر .... وبينما اطبقت يدها على شي ناعم وحريري رقيق , استعادت قول دايان :" هدية لتمضي العطلة بنجاح " وتسمرت في مكانها .
سالها كايل :" ما هي ؟ ايف ....؟
عرفت ان لا بديل امامها الا ان تفتحها , فالرفض سيثير فضوله اكثر .وهكذا جذبت بقية اللفافة الورقية لتكشف عما في داخلها .... فنفضت طرفا حريريا بلون القهوة مزين بالدانتيل العاجي , لتبصر قميص نوم رائع .تصورت دايان مرة اخرى وهي تبتسم , واختنق خداها بلون قاتم حار .
قال كايل معلقا بجفاء :" يبدو ان دايان تملك افكار قاطعة عما سنفعله هنا ".
قالت بصوت متكسر يتعذر سماعه :" هذا ما يبدو ... انها تعقتد انه شهر عسل ثان ".
لكن كلماتها لم تلق الا صمت مفاجي , اخذ يرجع صدى كلامها في الجو .
- اه ... وهل هذا ما تريدينه يا ايف ؟
واطبقت يداه على كتفيها , وادرات لتواجهه , فيما شرائط الدانتيل الرقيقة لا تزال تتدلى من اصابعها وقد شلت فجاءة .
لم يكن صوته يفضح شيئا , ومع ذلك ققد دبت فيها وخزات اثارة وكانها الاف الصدمات الكهربائية الصغيرة تسرى صعودا ونزولا على ظهرها ... واكمل :" وهل خططت ايضا لشهر عسل ثان ؟"
كان صوته الخشن , يتملقها ويغويها ... واحست ايف انها قد تغرق فعلا في عمق عينه .واكمل :
- اهذا ما تفكرين فيه لهذا الاسبوع حبيبتي ؟
كان الصوت الناعم ذو اللكنة الامريكية ينسج حولها سحرا مغويا , فيخدرها , وينتزع روحها من جسدها .
- هل خاب املك حين ... تجنبا لصدمة عاطفية اخرى ...
وظلت السخرية المريرة صوته وهو يكرر ما قالته :"... حضرت غرفتي نوم منفصليتين ؟"
لامست شفتاه الدافئتان خدها , وطالت لحظات تقطع الانفاس , حتى انها تاوهت من دون وعي احتجاجا , حين ابتعدتا عنها , واحست ببرد الحرمان . فسمعت ضحكة كايل الخافتة ... ومن خلف اهدابها , احست براسه ينخفض نحوها مرة اخرى .
تمتم بخشونة على عنقها :" هل هذا ما تريدينه ايف ؟"
- اجل !
تصاعدت في داخلها مشاعر من الابتهاج الحار كالنار البيضاء فقبضت يداها على شعره الاسود .
اتسعت عيناها الان .... وراحتا تحدقان من دون تركيز , لم تضدق قوة هذه المشاعر او تدفقها ... واخذ كايل يرجعها الى الوراء نحو الفراش .
تمتم بخشونة :" لقد قلت انك ستسامين الطريقة الامنة .... وانك تريدين اخذ فرصتك لتتذكري .... وانك مستعدة للمخاطرة كي تواجعي الاشياء التي كانت هامة في الماضي ... حسن جدا ... هذا كان هاما ... والله يعرف ....." وفجاءة اخترقت فكرة صغيرة ذهن ايف عبر السديم الاحمر الذهبي الذي ملا راسها ..... بدت وكانها نصل سكين ثلج , جمد للحظة الخفقان المحموم لقلبها .... هل هذا ما تريده حقا ؟ هل هي , مستعدة للمخاطرة بعواقب هذا العمل كما قال ؟ لم تشك في انها تريد كايل ... وستكون في غاية الحماقة لو حاولت انكارهذه الاحاسيس المتلهفة ... انه كل ما تريده , جسديا عاطفيا ... ولم تكن تابه لو كان هذا مجرد محاولة اخرى لاختراق الحواجز التي في راسها ... انها تريد ان تعرف انه يحبها فهذا هو ما يحقق سعادتها ... لكن تبقى المخاطر
بحاجة الى معرفة الحقيقة في مرحلة ما ... لا بل الى مواجهة الظل الاسود الذي يلوح فوق حياتها .. لكن , اتسطيع مشاعرها الحساسة ان تتعامل مع الحقيقة لو فجرت الحواجز التي بنتها حولها , في ظل هذا الجو المشحون بالعاطفة ؟ ماذا لو انها , في اللحظة التي تمنح كايل حبها , اكتشفت بالضبط لماذا تركته له في الماضي ؟
- كايل .....
كان صوتها ضعيفا ومتهتزا , فلم يسمعه في البداية .... فجربت مرة اخرى :" كايل ؟
اجفلته رنة ما في صوتها , فرفع راسه بحدة لنظر اليها , وفي عينيه مزيج من القلق ونفاذ الصبر .
- ما الامر ؟ ايف ... ماذا هناك .؟ ماذا جرى ؟
- كايل ...
كان عليها ان تجبر نفسها على االكلام , في وقت لم ترغب فيه الا ان تضمه بين ذراعيها مطالبة بحبه بكل الحرارة القادر عليها .
- اهذا ... صواب
- صواب .
ابتعد عنها وهو يصدر صرخة ترجع صدى حركته , ورمى نفسه على السرير ليسير فوق السجادة نحو النافذة , ثم يتوقف في منتصف المسافة ... احنى راسه الاسود الشعر , فيما ظهره القوي متوتر ومتصلب رفضا ... صدمتها ردة فعله , لكنها لم تستطع الا ان تتنظر في صمت مرتجف , وهي تعض شفتها بارتباك عصبي ...
في تلك اللحظة استدار كايل اليها مجددا , وارتجفت كل اعصابها الحساسة ازاء نظرة في عينيه .
قال بخشونة :" صواب ؟ ايف .... لم اعرف احدا غيرك منذ ......"
وفيما هو يكمل الرد على السؤال الذي لم تطرحه , ادركت ايف انه رد كان يجب ان تفكر فيه لنفسها . لكنها , لحماقتها , لم يخطر ببالها .ز فكايل رجل قوي وملي بالصحة .. وكانت منفصلة عنه منذ سنتين .
- لم يكن هذا ما عنيت ... ولو انني اشكرك على ...ز
قاطعها بخشونة :" اذن ماذا ؟ ماذا ؟...
وفجاة ادرك ماذا تعني , فزال عنه الغضب الاسود , لكنه لم يخفف من التوتر في العضلات التي خطت خطوطا بيضاء حول عينيه وفمه .
- انت لا تستخدمين شيئا ...
- لا .
يا الهي .. كم هي ساذجة جدا , وبخت ايف نفسهاا, هل اضاعت كل تعقلها السليم كما اضاعت ذاكرتها ؟ لقد قال لها كايل انه يريد اولاد .. ولو ان هذا كان من الماضي .
- لكن ...ز
- وبالطبع لا تريدين ان تصبحي حامل .
تشابك صوته بصوتها , فسمرت المرارة السوداء في لهجته الاحتجاج على شفتيها .
- افهم هذا تماما .
ازاء توتر اييف , مرت اسارير وجهه بتغيير درامي اخر , وارتفعت يده لتغطي عينيه لحظة ... حين اخفضتها ثانية كان وجهه قد فقد كل لون ..
- اوه ... يا الهي .... طبعا لا تريدين ذلك .
للمرة الاولى , بدا انه يركز نظره جيدا على وجهها , فراى شحوبها والعينين العاتمتين بلون البانسيه وكانهما كدمتان فوق خديها , فاخذ يتمتم شاتما بعنف
- كايل ..ما الامر ؟
كانت ايف على وشك الخروج من السرير , وهي تحتاج ان تتقدم منه , ان تضمه , ان تفعل اي شي لتمسح تلك النظرة الكئيبة عن وجهه ... لكن , وفيما هي تتحرك , رفع يديه بايماءة خشنة , وهو يرفض اهتمامها ... رفض قراته في عينيه ...
وما لبثت ان رماها بكلمات متوحشة مرتجفة :" ايف ... ليس الان ! يا الهي العزيز .... لا استطيع ..."
ومن دون ان ينهي الجملة , رمى بنفسه الى خارج الغرفة , وكانه يريد ان يبتعد عنها قدرما يستطيع ...و باسرع وقت ممكن .
صرخت :" كايل !"
وكانت صرخة مرتجفة يائسة ... صرخة عرفت ايف انها لم تلق صدى , فهو لن يعود .. مهما نادته ....
بجهد يائس , قاومت رغبة طبيعية تدفعها الى اللحاق به ... لكنه , لن يرغب في رؤيتها , لاسيما في هذا المزاج ....
عنفت ايف نفسها بشراسة : اوه ... ايتها الحمقاء ... ايتها الحقماء ! وفكرت انها تصرفت بغباء كبير ... لكن الحقيقة انها وجدتها فرصة لتنفرد به , في ظل جو حميم غير متوتر في منزل اسرة بينيت , او حتى في شقته الحافلة بذكريات من الشجار السابق... ما لم تتوقعه قط ان تكون اللحظة قد حلت بسرعة كبيرة .
لكنها حلت فعلا .. وتعاملت مع الامور بشكل اخرق . لارتاحت اكثر لو انها عرفت مشاعر كايل حقا ... هل بقى الحب الذي اعترف به صراحة سالما خلال سنتين ؟
لماذا لم تساله ؟ حين ارتمى هذا السؤال في وجهها , دفعته عنها مرة اخرى , وهي تعرف انها لم تكن تملك الشجاعة الكافية لتقوم بعمل مباشر كهذا ... فعلى اي حال , كيف يمكن لكايل ان يرد عليها بصدق ؟ كيف يمكن لاي كان منهما ان يعرف الحقيقة الكاملة وظل ماضيهما يحوم حولهما من دون تفسير ؟ ومع انها كانت تحبه بعمق , ومع ان مجرد التفكير بفقدانه يشبه مواجهة الموت , الا انها لن تتمكن من الاعتراف بهذا الحب ابدا ... فمن يدري ؟ قد تعود ذاكراتها في يوم ما , وتعود مها وقائع تثبت ان هذا الحب كاذب .
لكن . هذا هو سبب وجودها هنا , وجمعت ما تبقى من شجاعتها المشتتة , ثم خرجت ببط من السرير , وهي تتحرك متالمة , وكانها تشعر بكدمات جسدية , عليها ان تستغل هذا الاسبوع بافضل ما يمكن , وبدات تفرغ حقيبتها , وكلها عزم على انعاش ذاكراتها النائمة .... فهي لا بد نائمة , ولن تستطيع ان تصدق انها ميتة , ذهبت الى الابد .... سوف تنجح .
ستطلب من كايل ان ياخذها الى كل الاماكن القديمة المفضلة لهما , حيث امضيا معظم اوقاتهما حين كان يعيشان هنا معا ... بالتاكيد , سيقوم ثقل الذكريات بفعلته حتى يتحطم الجدار بنيها وبين الماضي .
يجب ان تتذكر ... يجب ان تعثر على ماضيها ... والا . انتفى المستقبل الذي يجمعها بكايل .
اتمنى لكم قراءة ممتعة
الله يعطيكم العافية
ودمت في حفظ الله
9 – خذي الماس وأعطيني ...
كانت ايف مضطرة إلى ضخ الحماسة في سؤالها : " حسن جدا .. أين سنذهب اليوم ؟ "
كان اليوم يوم الخميس , وهما في نورفولك منذ خمسة أيام , قاما فيها بالتجول في زوايا المقاطعة , إضافة إلى أجزاء من
مقاطعة نورفولك المجاورة ... لكن ايف لم تلق التأثير الذي تأمله وتصلي من أجله .
لقد تمتعت تماما بكل الرحلات التي قامت بها مع كايل , واستنتجت أن المناظر التي استحوذت على إعجابها في الوقت الحاضر هي نفسها التي أعجبتها في الماضي .. ومع ذلك , فكلها جديد في نظرها ...
كان كايل يجلس قبالتها إلى مائدة الفطور , في كنزة رياضية فضفاضة وبنطلون جينز , فراح يتأوه بمبالغة وهو يدفن وجهه بين يديه بيأس ساخر .
صاح محتجا : " ألا تتعبين أبدا ؟ إننا نجول من دون توقف منذ يوم الأحد .. أو يوم السبت في الواقع , نظرا لأنك تصرين على الخروج منذ أفرغت حقيبتك ..."
- لكننا .. .لا نملك سوى أسبوع ! ويجب أن نزور كل الأمكنة .
ارتسمت الكآبة على وجه كايل :
- ايف .. حبيبة قلبي ... أعتقد أننا زرنا كل الأمكنة .. لو يستوفت , غريت يارموث , كما اكتشفنا ملاذ ثعلب الماء ...
ثم رد على ابتسامة ايف بأحسن منها , فيما استغرقت في التفكير :
- ... لقد تمتعت بهذا .. أليس كذلك ؟
أشرقت عينا ايف وهي تتذكر ساعات التي قضيناها في مراقبة لمخلوق , البراق العينين , الطويل الذنب , يلعب في البركة الواسعة :
- بل أحببته ! لكنني أحببت " الديبورة " كذلك ... و "بوري سانت ادموند " و " سومير ليتون " بشبكة متاهاتها .. عرفت ل
لاحقا أنك لو أردت الدخول إلى المتاهة ثم الخروج منها ,
فما عليك إلا البقاء إلى اليسار .. لكنني سأتذكر هذا دائما الآن ...
وما إن أبصرت التغيير في العينين العميقتين , والعبوس على وجهه حتى استدركت , وحاولت بسرعة أن تخفي غلطتها ..
- القرى في هذه المنطقة جميلة جدا .. ولقد أحببت كل الأكواخ الصغيرة المسقوفة بالقش .. لكن ...
دخل كايل بصراحة إلى صلب الموضوع : " لكنك لم تستعيدي ذاكرتك . "
- لا .
أزاحت ايف طبقها جانبا , وقد فقدت شهيتها للطعام , الذي كانت تلتهمه منذ لحظة .. كان يصعب عليها أن تنظر إلى عينيه المتفحصتين ...
ووعت بألم كل الكلمات الصامتة فيهما . ثم فكرت في الأيام التي أمضياها يستكشفان الريف , ويزوران الأماكن التي أكد لها كايل أنها تحبها , فنجحت في تجنب الموضوع الأكثر إثارة للخلاف , حول علاقتهما الجسدية الحميمية ...
كان يمضيان ساعات طويلة في الهواء الطلق , فيعودان إلى " مونتاغوي " منهكين لا يفكران سوى بوجبة الطعام ونوم
مبكر ... كل وحده . فمنذ نزلت ايف إلى الطابق الأسفل بعدما أفرغت حقيبتها يوم وصولهما , وجدت كايل يتصرف وكأن ما حدث في غرفة نومها لم يكن أصلا . ومن دون أن تسأله , أبقى كايل يديه بعيدتين عنها .. بعيدتين أكثر من اللزوم .. وأقنع نفسه بالقبل القصيرة , التي لا تتعدى القبلات الأخوية في مساء كل يوم . وأحست ايف بالإحباط لهذه المداعبات
الخالية من العاطفة , فكانت تخلد إلى الفراش كل أمسية وهي تقاوم الشوق القوي داخلها ...
قالت متوسلة , ليفهم كم يهمها الأمر :
- لا بد من وجود أمكنه أخرى .
قطب كايل وهو ينظر إلى قهوته , وكأنه قد يجد الرد في قعر الفنجان .
أخيرا قال : " شيرينغهام " .
سألت : " شيرينغهام ؟ أي إلى الشمال من هنا .. أليس كذلك ؟ على الساحل ؟ "
هز كايل رأسه : " إنها تقع غربي " كرومر " مباشرة , قرية ساحلية صغيرة "
- إلى شيرينغهام إذن !
وأجفلت ايف لرنة صوتها .. كان حماسيا من القلب , وواضح أن كايل اعتقد هذا كذلك .
- ايف .. هل فكرت بما قد يحدث لو ..
- لو أنني لم أتذكر فقط ؟
أوه ... أجل .. لقد خطر لها الأمر ثم دفعة الفكرة بعيدا مصحوبة بالخوف الذي جاء معها .. لن تستطيع تحمل لو فشلت رحلتهما إلى نورفولك , فشلا ذريعا .
قالت : " لقد فكرت بالأمر .. لكنني لن أستسلم إلى أن نجرب كل الإمكانيات .. لذا ... "
وبمقاومة , عاد صوتها إلى طبيعته ..
- اليوم سنزور شيرنغهام ... هيا أيها الكسول , انهض على قدميك وساعدني لأغسل الصحون , كي نخرج .
منذ تلك اللحظة , تقدمت إلى الأمام , مدفوعة بتصميم وثبات ... وهي تحاول أن تفكر بإيجابية . طوال اليوم الغائم , راحا
يستكشفان القرية , إضافة إلى القرية المجاورة الأكبر حجما " كرومر " ... لكن , طريف العودة إلى المنزل , كان مغايرا . فما إن وصلا منزل مونتاغوي , حتى أحست بتشاؤم يسري فيها مثل الغيم الأسود الذي بدأ يتجمع في الأفق .
انفجرت بينما تهالكت على الأريكة بتنهيدة تعيسة :
- لا شيء ... ! لا شيء أبدا ! ولا حتى لمحة واحدة من الذكرى ! ... كان من الأفضل لو بقينا في المنزل .. في الواقع , ما
- كان يجب أن نأتي إلى نورفولك , لأن هذا لم يولد في أي شيء جديد !
رد بهدوء : " هذه ليست نهاية العالم "
وكان رده بالنسبة لايف خاليا من أي عاطفة .
ردت بحدة : " بالنسبة لك ربما ! لكنه يعني لي الكثير لي "
ازداد مزاجها المنزعج تفاقما , لاسيما حين استعادت اللهجة المهتمة في صوت كايل ذلك الصباح حين حاول أن يحذرها أنها
قد لا تستعيد ذاكرتها مجددا .... وتصاعدت دموع المرارة إلى عينيها فيما أخذت تخفيها جاهدة .
- أعرف , لكن .. اسمعي , لقد تجاوزت الساعة السابعة . لم لا أحضر طعاما ؟
- لا أريد أن آكل شيئا ! لست جائعة !
كيف يمكن أن يفكر بمعدته فيما هي على وشك أن تخسر مستقبلها كله ؟
- لا أستطيع أن آكل شيئا .
- يجب أن تحاولي ...
- لا أريد ! كيف يمكن أن تكون على هذا الشكل ؟ أنت تتصرف وكأنك لا تهتم حقا ...
قال بصراحة : " أنا لا أهتم "
وصدمت .. لم تقو إلا على التحديق فيه غير مصدقة : " أنت .. ؟ "
- أنا لا أهتم لو لم تستعيدي ذاكرتك أبدا .. أو لو استعدتها فجأة خلال ثانيتين .. فأنا أحبك مهما حدث .
- ماذا ؟
لو كان قد أذهلها من قبل , فكلماته الأخيرة هذه دمرتها تماما .. فهل قال حقا ما خيل إليها أنه قاله أم أنها تتخيل الأشياء ؟
- أنت ... ؟ أنت .... ؟
التقى كايل بعينيها الزرقاوين المتسائلتين بهدوء عميق ... وما لبثت العيون أن تشابكت من دون أثر للتردد أو الشك .
- أحبك ايف .. لكنك بالتأكيد تعرفين هذا .
- أنا ... لكن ...
وتمنت ايف لو تستطيع ترجمة أفكارها في نوع من الشكل المفهوم .
- أعرف أنك أحببتني من قبل .. حين كنا معا .. لكن , منذ ذلك الوقت ..
هنا خذلها صوتها تماما , ثم رجفت حنجرتها وهي ترى وهج العاطفة على وجهه .
- يا إلهي ... ايف .. هل تظنين أنني توقفت عن حبك ؟
إذا كانت ترتاب بذلك , فلا مجال للشك الآن ... لقد كانت مخطئة ...
كانت مشاعرها مطبوعة بوضوح على قسماته القوية .
بدأت تتمتم : " كايل ... "
لكنها لم تستطع أن تستمر فقد خذلها صوتها مجددا .
- أوه ... اللعنة ..
تقدم ليجلس إلى جانبها وهو يمسك يدها , وقد أنبأتها قوة القبضة عن إحساسه : " لم أخطط أن أقدم على الأمر بهذه الطريقة ... "
مد يده الأخرى إلى جيبه : " هل تتذكرين أنني وعدتك في حفلة عيد ميلادك بهدية تفوق الزهور قيمة ؟ "
ظهرت على وجهه ابتسامة سريعة ساخرة وفاتنة دون حدود .
- على الأرجح تظنين أنني لا أفي بوعدي ... وأقسم أنني كنت أنوي أن أبر به ... لكنك كنت غاضبة بحيث أعدت التفكير ...
ولم يبد لي الوقت مناسبا ... لكن , حين وافقت على المجيء إلى هنا , فكرت ...
استجمع قوته بابتسامة صبيانية كان لها تأثير مدمر على ايف .
قال بلمسة ساخرة : " أنا ضائع .. ألقي اللوم على أعصابي .. ايف لقد سألتك هل تحبين ارتداء الألماس , لو منحتها لك ..."
أحست ايف وكأنها تتلقى عدة ضربات قوية على رأسها , فاستحال عليها أن تفكر بجلاء .. كانت بالكاد قد استعادت رباطة
جأشها بعد توتر كايل حتى أيقظ ذكر الألماس كل اهتمامها فاضطربت وجف فمها فجأة .
لا يمكن أن يعني .. هل يمكن ؟ ليس الآن .. ليس وهي على هذه الحالة من الارتباك الكامل ... بالكاد تعرف كيف تفكر , هذا عدا بماذا يفكر .
لكن كايل كان قد أخرج يده من جيبه , ثم مدها نحوها وهو يفتح أصابعه المطلوبة ويكشف عن علبة كحلية صغيرة . كانت تعرف أنها لا يمكن أن تحوي سوى على غرض واحد , إلا أنها لم تكن تملك فكرة هل تتشوق إليه أم تخشى من رؤيته .
- ايف .. حبيبتي .. هل تعودين إلي ؟ هل تضعين هذا الخاتم مجددا وتكونين زوجتي ... و ... ؟
- كايل .
وكان صوتها أجش متكسرا , هو كل ما قدرت عليه .. مرة أخرى خذلها صوتها وهي تتلفظ باسمه ولم تعد تعرف كيف تكمل .. شعرت وكأن المشاعر القوية التي تختزنها , تجمعت في عقدة واحدة قوية في حلقها حتى منعت أي كلام من الخروج .
- أوه .. أعرف أنه ليس الوقت المناسب .. فالوقت مبكر جدا , ومتأخر جدا , معا .. كان يجب أن أنتظر حتى تشعري بسعادة
أكبر داخليا .. أو أن أسألك مباشرة , ومنذ سبعة أسابيع .. لكن الحب ليس هكذا , الحب لا يعرف وقتا ... لا يجلس بنظام في زاوية ما بانتظار أن تحتاجي إليه .. إنه يقفز ويصدمك في الوجه , بينما لا تتوقعينه .
كانت ضحكته أشبه بابتسامته السابقة , مهتزة قليلا وفيها شيء من السخرية بالنفس .
لقد تقرر مصيري منذ ثلاث سنوات ونصف حين وقعت شقراء جميلة عن السلم المتحرك بين ذراعي مباشرة .
- أنت .. أحببتني ...
كانت ايف لا تزال تجد مشكلة في فرض النظام على أفكارها الحائرة .. وبدأ أن عقلها يتأرجح من إحساس إلى أخر.
- لقد ظننت أنني مجنون بحبك .. لكنني لم أكن أعرف نصف الحقيقة .. أما حين رحلت , فأدركت ما أشعر به حقا .. ولم أعد أعرف كيف أعيش من دونك ...
أنبأتها المشاعر الفجة في عينيه , كيف أحس حين اكتشف رحيلها , ووبخها ضميرها بوحشية لفكرة أنها مسئولة عن الألم الذي حفر جوانب قلبه .
- همست : " أنا .. آسفة "
وشد قبضته على يدها .
- لا بد أنك كنت تملكين أسبابك .. وكم أتمنى لو أعرف ذنبي .. لن يقودنا هذا الطريق إلى أي مكان ايف .. فالسنتان الماضيتان منذ تركتني كانتا أطول أوقات حياتي . وعرفت أنك لا تريدين مني أن أجدك .. لكنني لم أستطع التوقف عن البحث , لم أكن
أعرف أنني أبحث عن " ايف مونتاغوي " ولا عن " جانفياف بوكانن " ... لكنني ,. حين قرأت أول فصول كتابك , أحسست وكأنني ضربت بمطرقة , ظننتك تتعمدين إثارتي وتسخرين مما كان ..
قاطعته بلهفة : " لا يمكنني أن أفعل هذا ! "
وهز كايل رأسه متفهما : " أعرف .. لكن منذ ذلك الوقت , لم أعد أفكر بشكل صحيح .. فجئت أبحث عنك .. وكنت غاضبا .. مستعدا للقتل "
تمتمت : " كان يبدو عليك هذا "
وتذكرت العنف الذي كان بالكاد سيطر عليه , ,هالة الخطر التي أخافتها كثيرا .. المشكلة أن جزء من تلك الهالة ما زال موجودا .. لكن قوة حبها له كفيلة أن تمحو كل شيء .. لكنها لن تتمكن من محوها إلى الأبد إلا حين تعرف لما هجرته ..
أكمل كايل : " لكن , حين أغمي عليك .. ذعرت للطريقة التي تصرفت بها .. وعرفت أنني كنت أكذب على نفسي بالتظاهر
أنني أكرهك , وبموت حبي لك . كنت أعرف أنه لا زال موجودا , قوي أكثر من أي وقت مضى .. بل أقوى بكثير .. ثم قال لي جيم إنك فقدت ذاكرتك .. "
هز كايل رأسه الأسود في إيماءة كشفت كل الارتباك والكرب اللذين أحس بهما في تلك اللحظات .
- لم أعرف ما العمل .. لم أعرف هل فقدت ذاكرتك حقا , أم أنها مجرد طريقة تقولين فيها إنك لم تعودي تريديني .. لم أكن
أعرف هل كان السبب ذنب اقترفته , وإذا كان هذا هو الحال , هل أذهب وأتركك بسلام ؟ .. لم أعرف هذا أيضا , وحين اقترحت أن نتعامل مع الأحداث بروية , بد لي الأمر بمثابة طوق النجاة , وتمسكت به , ثم فيما بعد , ملكت الوقت لأفكر وأهدأ , فسعيت إلى نصيحة أخصائي , وأقسمت أن آخذ الأمور بروية شديدة وثابتة , وأن أمنحك كل الوقت الذي تحتاجين إليه.
مرة أخرى التوى فم كايل بابتسامة ساخرة :
- لكنني لم أتمكن من هذا تماما ... أحيانا كنت أضغط عليك بقوة ... وأتطلب منك أكثر مما تستطيعين أن تقدمي .. وكنت أحس إحساسا رهيبا فيما بعد .
لكنه لم يتصرف هكذا إلا مدفوعا بقوة مشاعره , وهاهي ايف تعرف هذا الآن .
قال كايل ساخرا : " وها أنا أضغط عليك مجددا .. أليس كذلك ؟ ها أنا ذا أطلب منك أن تعودي وتعيشي معي كزوجتي , حتى إنني لا أعرف مشاعرك نحوي "
- هذا أمر بسيط ... فأنا أحبك كثيرا كما تحبيني تماما ....
ستكون حمقاء لو حاولت الإنكار الآن , إنها تعرف أن هذا يظهر في توهج عينيها , واللون الدافئ على خديها , والابتسامة المشرقة التي لا يمكن أن تمنعها بأي شكل .
- وسأتخلى عن أي شيء في الدنيا لأقول نعم , أعود إليك .. فهذا ما أريده من كل قلبي . لكن أظن أنني بحاجة إلى مزيد من الوقت .
واغترفت في سرها أنها لا تحتاج إلى وقت لتتخذ قرارها , فهذا مقرر سلفا .. هذا إذا كان من قرار تتخذه حقا , حقا , فما إن أدركت كم تحبه , حتى أرادت أن تقضي بقية حياتها معه , ستفعل أي شيء ليبقيا معا إلى الأبد .
لكن الأمر ليس بسيطا إلى هذا الحد .
ليس من حقها أن تقبل طلب كايل .. ما من شيء يجبرها أن تكون زوجته .. في وقت لا تعرف لماذا تركته أصلا , أو كيف شعرت نحوه خلال الأسابيع القليلة التي سبقت هربها من المنزل .. وحتى تتلقى الرد , لن تستطع إلزام نفسها به .. ليس لأنها لا تثق بكايل , ب لأنها لا تستطيع الثقة بنفسها . لقد جرحته سابقا بقسوة , ولن تتحمل أن تجرحه مرة أخرى ,
فهي تحبه كثيرا , وتفضل أن تحرم نفسها من السعادة إلى جانبه , على أن تخاطر بعواقب تتأتي على عودة ذاكرتها.
لكن الأمر صعب جدا ! فجأة , انهمرت دموع المرارة التي كانت تهددها , وهذه المرة , لم تستطع أن تسيطر عليها .
قال كايل بصوت حاد وقلق : " أوه ... ايف! يا إلهي ... حبيبتي لا تبكي ! "
وضمها بين ذراعيه , وهو يسحقها على صدره القوي .
- أوه .. كايل ... لا يجدر بالأمر أن يكون هكذا ! لقد أعلن كلانا حبه للآخر .. أنت تريد عودتي , وأنا أريد العودة .. وعلى هذه اللحظات أن تكون الأروع . بل إحدى أسعد لحظات حياتنا .. لكن , بما أنني أجهل ذلك الجزء الضائع من
ماضي , فقد انقلب كل شيء إلى كابوس ...
هدأها كايل : "هس ... حبيبة قلبي "
كان صوته أجش حافلا بالمشاعر التي تماثل مشاعرها .. وأحست بيديه على شعرها , وهما تبعدان الخصل الذهبية عن وجهها .. وتلقت مداعبة ناعمة مواسية ..
لكن , بعد ثانية , وخلال طرفة عين , انقلبت هذه المواساة الرقيقة , إلى وق باهر .. كانت ايف مرهقة جدا , واستنزفت
عاطفتها , ولم تفكر حتى بأية كوابح .. لكن كايل كان هو من انتزع نفسه بعيدا بأنفاس خشنة , ثم رفع يده إلى شعره قبل أن يحيط خصرها بذراعيه ويشدها قريبا منه حتى سمعت ضربات قلبه المتسارعة وهو يكافح ليسيطر على نفسه .
قال وكأنه يقسم بعمق : " لو تزوجتني , فسأمنحك مستقبلا تنسين معه أن ليس لك ماضي "
وأحست ايف أن قلبها أخذ يخفق متثاقلا استجابة لرنة صوته ...
قالت وهي تتوسل بهمس : " كايل .. أخبرني عن نفسي .. أي حادثة سعيدة ..."
- صادفتنا الكثير من الأيام السعيدة .. صدقيني .. مثل المرة الأولى ...
قاطعته بحدة : " لا ! "
ما كانت تريد هذا .
- أخبرني .. أخبرني كيف كانت .. علاقتنا .
كانت لحظات الصمت استجابة كايل الفورية , بدا لها أنها تمتد إلى ما لا نهاية , فانتظرت وقد فرغ صبرها . كان إحساسها يزداد مع كل لحظة تمر .
وظنت أنه لن يرد عليها .. حينها , تنحنح بخشونة . وقال بصوت أجش :
- كنت رائعة .. وخجولة في البداية .. وبريئة . لكن مع ازدياد ثقتك بنفسك , أصبحت متفتحة .. ومعطاءة ..
طعنتها لهجته الحساسة في القلب مباشرة . أحست بما تشاركاه يوما , شعور لا تعرف الآن عنه شيئا .. لم تكن العاطفة
المشبوهة في شقة كايل تماثل الأمان المتوهج للحب حيث لا كوابح , ولا تردد . فالحب هو علاقة شخصين في اتحاد مكتمل . شعرت بذراع كايل تشد حولها , ودفء جسده القوي إلى جانبها , وأدركت أخيرا بما لا يدع مجالا للشك , أن القول لها ليس كافيا ... يجب أن تعرف .. وأن تعرف الآن .
بدأ كايل يقول : " أنت ... "
لكنها تلوت تحت ذراعه , ورفعت يدها لتضغط أصبعها على شفتيها وتسكته .
همست : " لا تقل المزيد يا كايل .. لا تقل لي حبيبتي .. بل أظهر لي !"
في هذه الليلة وحدها على الأقل , ستنسى الماضي وغموضه , ستنسى المستقبل ومخاطره المحتملة .. في هذه الليلة ستعيش لحاضرها , ولا شيء غيره .. هذا الحاضر هو كل ما تريده . *********
كانت ايف في الحديقة حين رن جرس الهاتف . تردد صداه داخل المنزل الفارغ فسارعت إلى الردهة لترفع السماعة : " آلو؟ " .
أرجوك ربي . ليكن المتصل كايل ! لم تستطع أن تصدق أن أربعا وعشرين ساعة مرت منذ غادر إلى لندن .. لقد اشتاقت إليه كثيرا , حتى أنها أحست أن عمرا بكامله مضى منذ الليلة الماضية .
- هل أستطيع أن أتكلم نع السيد جنسن أرجوك ؟
سرت في ايف موجة خيبة أمل وهي تسمع صوت امرأة في الطرف الآخر من الخط .. إنه ليس كايل , فهو مشغول جدا
ليتصل بها .. أو ربما يكمل عمله في لندن , أو لعله عائد الآن إلى نورفولك .
- أنا آسفة .. لكنه اضطر إلى السفر إلى لندن .. لأزمة تتعلق بعمله .
ولم تستطع أن تخفي رنة الأسى في صوتها , فاستعادت ذكرى الأمسية السابقة , حين قاطع وجبتهما المتأخرة اتصال
هاتفي مماثل , ليخترق الجو الدافئ السعيد .. كانت لا تزال تسمع الانزعاج في صوته , ونفاذ الصبر الذي يكاد لا يسيطر عليه .
قال بحدة : " لكن , ألا تستطيعين التعامل مع المسألة كاتي ؟ بالتأكيد ...؟ ... أوه أجل .. حسن جدا إذا كنت تظنين أنه بالغ الأهمية "
وما لبث أن ترك السماعة بصدمة قوية , واستدار إلى ايف : " أنا أسف جدا حبيبة قلبي ..."
لم يرغب في الذهاب فورا .. فاضطرت إلى حثه , تؤكد له أنها لا تمانع أبدا , بينما كانت تمانع , كثيرا .. فرسمت ابتسامة مزيفة وأخبرته أن يسافر فورا بدل الانتظار حتى الصباح كما قرر .
واندفعت تجادله : " بهذه الطريقة , ستكون في المكتب باكرا , وتنهي كل أعمالك ثم تعود إلي في المساء باكرا .. أما إذا ذهبت غدا , فلن تصل إلى هناك قبل منتصف النهار , وعلى الأرجح لن تتمكن من العودة إلى البيت قبل السبت على
الأقل"
ورفضت إظهار كربها , بينما كانت تدفعه نحو السيارة .
- سأعود في أسرع وقت ممكن .. حتى ولو اضطررت إلى القيادة ليلا .
وتوسلت إليه :" قد السيارة بحذر .. وعد إلى البيت سالما "
ألتمعت عيناه لتظهر كم عنت له كلمة " البيت " .. ثم وعدها بعمق: " سأفعل "
لكن جمود غريبا تولاه فجأة وهو ينظر بعمق إلى وجهها , حتى أصبحت نظرة قاتمة مفكرة .
- حين تعود , لدي كلام جدي أقوله لك .. علي أن أطلعك على بعض الأحداث .
لم تنتبه لجملته الأخيرة حقا .. ولم تدرك ايف إلا الآن هذا الإحساس بالخسارة , الذي راح يمزقها فيما سيارته تبتعد . ضحلت كل الأفكار الأخرى من رأسها , وعرفت بخوف وتوتر ماذا كان يعني .
- آلو ؟
عادت ايف إلى الحاضر بسرعة وأدركت أن المرأة على الخط الآخر عن الهاتف قد تمتمت بشيء آخر ..
- أنا آسفة .. فأنا لا أعرف موعد رجوعه .. اسمعي سيدة الدرسون .. أنا جين .. هل أستطيع أخذ رسالة ؟
- أوه .. هكذا إذن .. لم أكن أعرف .. حسن جدا ,أطلبي منه فقط أن يعلمني متى أبدأ العمل مجددا ؟ لقد قال لي أن آخذ
إجازة هذا الأسبوع , وأنه سيتصل بي حين يريدني أن أعود .
- حسن جدا .. سأقول له ... سأطلب منه الاتصال بك ما إن يصل إلى هنا .. الليلة ربما .
أعادت سماعة الهاتف إلى مكانها . وكانت تتجه إلى المطبخ حين هبطت عليه الحقيقة الكاملة , وكأنها النور الذي يعمي البصر , في غرفة شديدة الظلام .. فتسمرت في مكانها كالميتة في ذهول مصدوم .
قالت بصوت مرتفع : " سيدة الدرسون " وارتجف صوتها بالمشاعر :
" سيدة الدرسون "
لقد عرفت اسم المرأة , وعرفت صوتها ! عرفت أن المرأة التي كانت تكلمها هي المرأة التي تأتي لتنظيف المنزل وتعتني
به . ولقد تكلمت معها بصفتها " جين " لا " ايف " بل " جين " , الاسم الذي كانت تستخدمه قبل أن تلتقي كايل .. قبل أن تفقد ذاكرتها .
- أوه .. يا إلهي !
ارتمت ايف على كرسي قريب , إذا لم تقو ساقاها على دعمها . السيدة الدرسون .. جين ! لقد استعادت ذكرى أخرى .
لكن , كيف تتذكر عاملة التنظيف في وقت لا تذكر فيه أدنى التفاصيل عن كايل , هذا الرجل الذي عاشت معه في الماضي والذي تحبه الآن بكل جوارحها ؟ كيف يمكن لهذه الشخصية الثانوية من ماضيها أن تتغلغل إلى عقلها , بينما أهم إنسان
في حياتها لا يزال لغزا بالنسبة لها ؟
ألا أنها تقيم في " منزل مونتاغوي " لأكثر من أسبوع , بدأ الجدار بينها وبين ذكرياتها يضعف تدريجيا بحيث أصبح
للأسماء هويات , مثل السيدة الدرسون ؟ أيعقل أن هذا قد بدأ يتسرب عبر الشقوق بين حجارة الجدار ؟
لكن , في هذه الحالة لم تتذكر كايل ؟ فهو أكثر من تحب ويعني لها الكثير .
أم أن العكس هو الصحيح ؟ وفجأة , طالعها أسم إحدى الأخصائيات التي دأبت على القول أن فقدان الذاكرة لا ينتج عن سبب جسدي في العادة أبدا .. وإنما سبب عاطفي .. ومن المحتمل أن يكون نتيجة محنة ما , محنه لا يحتمل من يعانيها أن يتذكرها .
- لا !
أطلقت ايف صرخة , وهي تدور حول الغرفة بقلق . كانت مصعوقة , ومكروبه جدا , حتى عجزت عن البقاء من دون
حراك . إذا كانت لا تستطيع أن تتذكر كايل , فهذا يعني بالتأكيد أن المحنة التي ألمت بها , أيا كان سببها , تتعلق بالرجل الذي تحب .. وهي لطالما شكت في هذا الاحتمال . لكن تعرفها إلى السيدة الدرسون الآن بدأ وكأنه يؤكد نظريتها .. وما إن أدركت الأمر حتى أطبق على قلبها إحساس قاس , بارد كالثلج .
ما السر الذي يجب أن تكشفه عن الرجل الذي منحها قلبها ؟ هل ستدمر الحقيقة حبها الجديد , آمالها بالسعادة ؟ لقد وعدها كايل بمستقبل... لكن هل يمكنه أن يحافظ على وعده أن القدر سوف يخطو إلى الأمام , ويثبت أن آمالها مبنية على أساس واهن ؟ ومع دلالات التحذير عادت آخر كلمات كايل لتعذبها , وتتردد كالصدى مرات ومرات داخل رأسها حتى
يتضاعف إنذارها بالشر مع كل ترديد .. " حين أعود ... لدي حديث جدي .. علي أن أطلعك على بعض الأحداث "
ماذا يريد كايل أن يقول لها بالضبط ؟ اجتاح جسمها إحساس رهيب من الخوف , ليحيل الدم في عروقها إلى جليد.. أسرار
يجب أن تعرفها بعد ؟ ما هو المدفون في ماضيها ؟
في هذه اللحظة , شعرت بقدرة أقل على التعامل مع هذا كله , فعادت إليها ذكرى الحلم الذي راودها في الليلة السابقة ,
ليلاحقها مجددا . كان كابوسا لاحقها خلال الأيام الأولى لسكنها مع دايان وجيم .. وكم من ليال استيقظت فيها من جراء
هذا الكابوس متعرقه ومرتجفة .
في الحلم , كانت وحيدة , في ممر مظلم طويل , لا تسمع إلا نحيب يائس يقطع نياط القلوب .. ولم تكن قادرة على تحمل هذا الصوت المعذب.
كانت تبح بذعر لتجد مصدره , تفتح باب بعد باب , لتجد كل غرفة فارغة دائما , وراح ذلك النحيب الرهيب يتردد في أذنيها طيلة الوقت .
لكن حلم ليلة أمس . كان مختلفا قليلا .. وللمرة الأولى , تعرفت إلى المنزل في الحلم . كان منزل مونتاغوي .. اعتقدت أن هذا أمر طبيعي , لاسيما بعد أن أمضت أسبوعا عاطفيا متأزما هنا , لكن الصدمة المرعبة هو إدراكها أن الإنسان الذي كان يبكي , لم يكن , إلا هي بنفسها .
ولم تبرز ايف من الظلال السوداء التي ملأت أفكارها , إلا بعد أن أمسكت أصابعها مقبض الباب البارد , واكتشفت , دون وعي , أن حركتها قد أوصلتها إلى الطابق العلوي . فسارت كالعمياء , من دون إحساس بالاتجاهات , إلى خارج غرفتها
في مواجهة الباب المقابل .
لكن , لماذا هذه الغرفة بالذات ؟ حاولت أن تفتح الباب , بدون جدوى . ثم تذكرت أن الغرفة مجرد مستودع , لم تؤثث بعد , كما قال كايل .
لكن في المنزل غرف عديدة أخرى لم تؤثث كذلك , ومفتوحة تماما .
أخذت ايف ترتجف بوعي فجائي بارد , وقلبها يخفق بإثارة مخيفة وهي تدرك أن هذه البقعة بالذات هي التي راودتها في حلمها , حيث تصغي إلى ذلك النحيب الرحيب الذي يقطع القلوب .. في مكان ما من الزوايا الخفية في ذهنها , مكان معتم . أدركت أن في الغرفة سر بالغ الأهمية .. أرادت أن تدخلها بأي طريقة .. يجب أن ترى ما هو وراء هذا الباب الموصد..
دخلت غرفة كابل وهي بالكاد تعي ما تفعل وعيناها تبحثان بذعر في كل مكان .
همست لنفسها : أرجوك , أرجوك .... أرجوك ربي ! أرجو ألا يكون كايل قد أخذ المفتاح معه !
استقرت خيبة الأمل فيها وهي تدرك أنها لا ترى شيئا وأن المفاتيح ليست موجودة .. لكنها لن تتراجع الآن ... فلا بد من أنها موجودة في مكان ما ! وبحركات مرتجفة , أخذت تفتح الأدراج عشوائيا , وهي ترمي الملابس من دون اهتمام ,
وتتركها كبعثرة أينما كان .. لكن , مرة أخرى كان بحثها غير مجد .. وأخيرا لم يبق أمامها سوى الخزنة ...
ترى , ماذا كان يرتدي بالأمس ؟ بيدين مرتجفتين فتشت , من دون أن تعرف ما تبحث عنه .. سترة جينز .. هذه السترة ! وما إن هزتها حتى سمعت صوت معدن خفيف في جيبها , فانحبست أنفاسها في حلقها .
يا إلهي .. أرجوك فلتكن هي .. أرجوك !
وعضت على أسنانها على شفتها السفلى بقوة .. وانتزعت السترة من التعليقه وراحت تبحث في جيوبها .. وما لبثت أن أفلتت منها تنهيدة ارتياح بينما كانت أصابعها تطبق فوق مجموعة المفاتيح الباردة الصلبة ..
بدت له الرحلة قصيرة من غرفة النوم إلى الباب المقفل , وكأنها بطيئة بطيئة . كانت قدماها تجرانها بألم , غير أنها
وصلت في النهاية .. وهنا , عانت من جديد لتبقي يدها ثابتة وهي تدس المفتاح الأول في القفل .
وترقرقت في عينيها دموع ملتهبة لإدراكها أن المفتاح غير مناسب ..
و غشي بصرها وهي تتعثر في محاولات فاشلة .
- أوه .. هيا ... هيا !
صدح صوت المفتاح الأخير وهو يدور في القفل , حتى خرق صمت المنزل . وللحظات طويلة مضطربة , نظرت ايف إلى قفل الباب قبل أن تجمع أعصابها , وتدير المفتاح مرة أخرى ثم تدفع الباب إلى الأمام .
لم تكن الغرفة غرفة مستودع .. واجتاحها الدوار وهي تقف مسمرة في الباب .. وواضح أنها مؤثثة مثلها مثل الغرف الأخرى
.. تأملت ورق الجدران برسومات للغيوم والبالونات الطائرة , كان الأثاث صغير الحجم حديثا جدا . أما السجاد ذات اللون الأزرق فكانت تتوهج في شمس بعد الظهر المبكر , فيما النور يتسلل من النافذة لينسكب على خزانة البطانيات حين ترتفع
الألعاب زاهية لم تلمس بعد .. أما في وسط الغرفة ..
وفجأة دوى في رأسها طنين ألف نحلة غاضبة , فتقدمت إلى الداخل ببضع خطوات مترددة مرتجفة .. وامتدت يداها أمامها
وكأنها تسعى إلى شيء يدعمها .. ثم اقتربت من مهد صغير من خشب الصنوبر , فتصاعدت آهة , بل صرخة عويل وكأنها أنين حيوان يعاني ألما شديدا .. وبمزيج من الصدمة والرهبة , أدركت أن الصرخة خرجت من فمها , تماما كما في الحلم .
أوصلتها بضعة خطوات إضافية إلى السرير الصفير , فتمسكت يداها بأطرافه بقوة حتى هددت بتحطيم الخشب . ثم أبصرت التعاليق المتحركة المبهجة التي تتدلى من السقف .. واللحاف الرائع الألوان ...
وفجأة , ظهر الرباط المفقود .. وطالعها جسم صغير نائم برضى , وقد لفه الدفء , وشعر أسود ناعم يرتاح على الملاءة الزرقاء الشاحبة , ورموش طويلة فوق خدين زهريين.
في تلك اللحظة .. تهاوى الجدار داخل رأسها وولى إلى الأبد , ليطلق من وراءه سيلا من الذكريات راحت تتدفق إلى تفكيرها دونما هوادة , فتدمرها , وتمطر ذهنها بقوة الإعصار , إلى أن أطلقت صرخت يأس , ووقعت على الأرض .. فيما يد الظلام تحيط بها .....
**************
تحياتي
10 - تهاوى الجدار
"ايف .... ايف ... حبيبتي ...!!!""
في البداية لم تعرف مطلقاً هل الصوت نداء حقيقي ام انه مجرد صدى في رأسها ,
لكنها احست ان ذراعين جبارتين تحملانها و تضمانها الى صدر قوي .
لم تكن تعرف هل فقدت الوعي ام ان التفكير والاحساس قد هجراها ..
لكنها كانت غارقة في طوفان من الذكريات التي اكتسحتها دون رحمة ,
وكل ما تعيه هو خفقات قلب كايل في أذنها وصوته يهدهدها بلطف ... فتهالكت على صدره بتنهيده وهي لا تستطيع ان تقاوم عاصفة الذكريات ..
وهاجمتها الصور ... فأبصرت المناظر السعيدة من ايامها الاولى مع كايل وقد اصبح وجهه الآن اكثر قوة في رأسها وكأنه لم يختف عنها يوماً ...
وعاشت مجدداً ذكرى لقائهما يوم تعانقا للمرة الاولى ,
اضافة الى السعادة في حفل زفافهما وانتقالهما الى نورفولك ..
واخيراً تذكرت الوقت الذي عاشت فيه هنا مع كايل في هذا المنزل الرائع وفرحهما الغامر حين اكتشفت انها حامل , وقمة السعادة التي عرفتها وهي تعيش مع طفلهما الذي ينمو في داخلها ...
لكنها , تلقائياً عرفت كذلك لماذا محى عقلها كل ذلك الماضي ولماذ خبأ عنها الرعب الذي هربت منه ..
وراحت تبكي بصوت مرتفع :
" اوه ... بن .... بن ! طفلي الصغير ! ."
" هس .... حبيبتي !".
كان صوت كايل حافلاً بعذاب يماثل عذابها . واشتدت ذراعاه حولها :
" يا الهي .. لم اكن اريدك ان تكتشفي الامر بهذه الطريقة !
كنت سأخبركِ كل شئ هذه الليلة ... اردتكِ ان تعرفي بلطف .. لا كالمرة السابقة ."
وعرفت ايف ماذا يعني ,
وتجلت "المرة السابقة " بشكل معذب ...
فاستعادت الذكرى المتوحشة يوم استيقظت متأخرة ذات صباح بارد لتدرك بدهشة ان طفلها البالغ من العمر عشرة اسابيع لم يزعجها كعادته او يطالب بالطعام بإلحاح صاخب ..
وعاشت مرة أخرى تجربة الرحلة المرعبة من غرفتها الى غرفة الطفل ,وهي تفكر انه نام طوال الليل للمرة الاولى ...
ثم توقفت عند الباب ورأت رأيه الصغير الأسود الشعر يستلقي فوق ملاءة زرقاء شاحبة .. فيما بقية جسمه مخبأ تحت اللحاف البراق الألوان ...
" هيا ايها الكسول .. انه وقت الطعام ."
وتقدمت الى الامام وهي تمد يديها لترفعه .. وهي تشعر ان في الامر سر ,
جسده بارد بشكل غير طبيعي ووجهه الصغير ازرق ,
وهنا ,, ادركت ما يجري ,
فتأوهت مرة أخرى :
" اوه ... بن .. بن !! ."
واحست بنفسها تتأرجح بين ذراعي كايل المواسيتين ...
اما ما تلا هذا فضباب معذب ... تذكرت صدمة كايل وذعره , ومحاولاته العقيمة في انعاش الطفل ,, الطبيب , الشرطة , واخيراً تلك الكلمات الرهيبة ,, الكريهة و المروعة ,,
رغم كل التعاطف الذي ظهر فيها ..
" موت سريري .. ما من طريقة للمعرفة ..ما كان يمكنكما ان تفعلا شيئاً ."
ثم , فيما بعد النصيحة المستحيلة ...
" حاولا مجدداً ...."
كيف يمكنها ان تحلم بالمحاولة مجدداً وقلبها مات مع بن.. وهو مدفون معه في ذلك القبر الصغير ؟؟
" طفلي ." !!
" اعرف حبي .. اعرف .... "
تأثرت كلماته بنبرته المرتجفة فبدت غير مفهومة تقريباً , و رغم ذلك خترقت ضباب الألم الذي ملأ رأس ايف ..
فأعادها من الماضي الة الحاضر بارتجاج عنيف , فرفعت اليه رأسها وهي لم تزل بين ذراعيه , نظرت الى وجهه للمرة الاولى لتطالعها خطوط الدمع اللامعة على خديه :
" اووه .. يا الهي ..!!"
ترافقت شهقتها مع انفاس كئيبة مؤلمة , فها هي اخيراً , لا تتذكر فحسب ,
بل تتعامل مع الاحداث الماضية من منظورها الصحيح ,
لا مغشاة بألمها هي ,
رفعت يداً , وهي غير قادرة على اخفاء ارتجافها لتلمس خده بلطف , وتجذب العينين القاتمتين الى عينيها الزرقاوين المليئتين بالأسى ,
ثم صححت كلامها بنعومة :
" طفلنا !!."
ورأت رأسه يتراجع الى الخلف اعترافاً بأهمية كلماتها ..
حاول ان يتكلم .. فابتلع ريقه و تحركت شفتاه ,,
لكن الصوت لم يتشكل ,
ومع ذلك افهمها الصمت المؤلم معاناته تماماً ..
" اوه ... كايل ... انا آسفة ,,, آسفة جداً !."
هز رأسه الاسود الشعر بقوة ..
" لقد كنتِ تعانين الماً عظيماً .. "
خرجت الكلمات من حنجرة جافة أجشة .. وبلغ ترددها حداً طعن قلب ايف مباشرة ..
قالت بلطف :
" وانت كذلك ,, لكن بؤسي اعماني عن رؤية ذلك ...
كنت عملياً وكفؤاً .. بارداً كما ظننت ..."
وخذلها صوتها وهي تتذكر كيف ظنت ان كايل لا يشعر بالحزن لخسارة طفلهما كما شعرت هي ,,
وبينما انقلبت هي الى اسوأ .. تحوّل هو الى الامور العملية ,, فنظم الجنازة , ودفن نفسه فس العمل ..
لقد اعماها حزنها عن رؤية الألم الذي يخفيه وراء مظهره الهادئ ....
هدوء كان مجرد قناع فرضه لمصلحتها , بينما كان يتمزق إرباً طيلة الوقت من غير ان يتمكن من إظهار حزنه كما فعلت .
اما هي فظنت انه لا يعير الحادثة اهتماماً ...
" كان علىّ ان ادرك انك تحبه ايضاً .. وانك تعاني بقدر ما اعانيه ... لكنني لم استطع ان افكر بجلاء ,, بل لم استطع التفكير اطلاقاً ."
" اعرف ... فكرت انني لو تركتكِ لحزنكِ فسوف تتخلصين في النهاية من هذا الحزن ."
هكذا راح يدعمها بهدوء , يتصرف كما يجب , يحمل كل المسؤولية عنها , ليتركها اسيرة لألمها .
ولم تدرك الا الان في هذه المرحلة الجديدة من علاقتهما انه قد اتخذ الخطوات العملية التي تساعدها ,
وحاول التخفيف من الضغط اليومي عنها قدر ما يستطيع ومنحها الوقت الذي تريده ...
لكنها اساءت تفسير اعماله
و ظنت انه يحاول السيطرة على حياتها ...
همست ايف :
" انا لم اشكرك حتى ."
وخشيت فجأة من ان تلتقي بعينيه لءلا تتذكر انها لم تترك له مهمة القيام بكل شئ فحسب , بل انها تركته , لتضيف المزيد من الالم الى المه ..
في الماضي شبهت حالتها كمن ينظر الى مرآة من دون ان يرى سوى نفسه ,
لا لسبب الا لانها الوحيدة التي ينظر الى المرآة ...
اخيراً , تحطمت تلك المرآة .
عندها فقط رأت انها كانت تعكس ما فيها , طوال الوقت كانت خائفة من ان تثق بكايل ...
خائفة مما قد تكتشفه عنه ,
خائفة من ذنبه الذي دمر علاقتهما ,
بينما في الواقع رأت الصورة رأساً على عقب .
واغفلت عن الحقيقة التي تقول انها هي المسؤولة عن ذلك الضرر .
سالت , هرباً من ضمير المعذب :
" لماذا لم تقل لي شيئاً ؟."
" لم أجرؤ .. اعتقدت انه خطير جداً .. لقد اوضح لى الاخصائي انه من المخاطرة ان اصدمك بالذكريات ... وان التحدث اليك عن الطفل ... طفل لا تتذكرينه , قد يكون فوق احتملك ."
وبالطبع لم يشك احد غير كايل انه لها ولد ,, حتى الاطباء اهتموا بحالتها العقلية اكثر من حالتها الجسدية , وفي وقت كان من الواضح منذ البداية انها لم تعان اذى جسدياً .. بل مجرد محنة عاطفية حجبت كل الذكريات حتى اسمها .
" ايف "
وصمت كايل ثم اخذ نفساً عميقاً متحشرجاً . اجفلت ايف وهي بين ذراعيه .. وقد عرفت غريزياً ما هو قادم , فاضطربت اعصابها بشدة وهي تدرك ان الرد لن يكون سهلاً ....
" حبيبتي ... هل كانت المشكلة تتلخص في بن .... وبرودتي فقط ؟
لماذا رحلتِ ؟؟ لماذا ......"
ولم يكمل السؤال ... فقد خذله صوته ,
لكن ايف لم تحتج الى النهاية .....
فعلى اي حال لقد ظلت في " منزل مونتاغوي " لأكثر من شهر بعد موت بن ....
بضعف امتدت يداها الى كايل , فقبض عليهما بأصابعه الدافئة القوية وهو يشجعها على المتابعة :
" حين مات بن ,, لمت نفسي , ظننت انني اقترفت ذنباً ما ..
او انني لم اقم بواجبي.... وانني لو فعلت لما حدث .......
وترددت ... كانت تسعى جاهدة الى السيطرة على اعصابها ,
لكن بدون جدوى ,, وتشابكت اصابع كايل مع اصابعها بينما اندست يده اليسرى لترفع رأسها ,
فالتقت عيناها بعينيه الابنوسيتين العميقتين المتفحصتين ...
تمتم :
" خذي الامور ببساطة يا حبيبتي ... استطيع النتظار . امامنا وقت طويل ."
ما ان سمعت كلماته حتى غمر كيانها احساس مذهل من السلام والثقة ... سوف ينتظر .... ما عليها الا ان تقول له ذها , و سيكون كل شئ على ما يرام ,
تحولت فجأة الى القناعة التامة بأنه سيكون الى جانبها مهما حدث ...
" ثم حين ابتعدت عني .... احسست .. ان ..... ان .............
ومن صوت كايل توقعت ما كان على وشك ان يقوله ...
ما كان عليها ان تتابع ...
لكنها مضطرة الى الكلام اراحة لضميرها ...
" انك تلمني كذلك ..
" اوه ... ايف . حبيبتي ... ابداً ...
لكنني لم اتمكن من الكلام معكِ .. لم اكن اعرف كيف اتواصل معكِ
لقد قال الاخاصائي انك ستتوصلين الى تخطي المصاعب وحدكِ .. وهكذا انتظرت ...."
ولقد انتظر .... وبصبر لا حدود له ,
راح يتعامل مع حزنه في الوقت عينه .
اما هي , فكانت منغلقة في بؤسها , فلم تستطع ان تتلمس الحب الذي أظهره لها عبر حساسيته المتسامحة , واخفائه لحزنه ,
بل كان دائماً موجوداً اذا احتاجت اليه ...
وكشف عن قوة وتفهم فسرته هي على انه عدم اكتراث قاسي القلب ..
قالت :
" كنت مقتنعة ان موت بن كان ذنبي .... ثم شعرت انني خذلتك كذلك , حين تركت هذا يحدث ...."
حين لم تتمكن من المتابعة صرخ كايل :
" او ايف .... حبي ! ."
وضمها بين ذراعيه مجدداً , وهو يقبل الدموع التي تسللت الى خديها ........
واكمل :
" موت بن لم يكن ذنب ا حد ."
ارتجف صوت ايف وهي تطافح لتسيطر على نفسها :
" اعرف ....اعرف ...... لكنني في ذلك الوقت كنت ابحث عن اعذار ....... عن شئ افسر فيه الرعب الرهيب العشوائي الذي قتل طفلاً في الاسبوع العاشر من عمره ,
واصبحت مقتنعة انك لن تحبني بعد الان ,
وانني لن اسبب لك سوى المزيد من المعاناة .........
واحسست ان كل ما استطيعه هو الرحيل .......
والامل انك ستكون سعيداً مع غيري ........ وربما ترزق بطفل آخر ..............
لذا ......... لم اهتم بتوضيب حاجياتي .
بل اخذت فقط ما كنت ارتديه .... حتى انني تركت حقيبة يدي لان المال فيها مالك ........."
" لكن ايف ... حبي ...... كان من المستحيل ان اكون سعيداً مع سواكِ
كانت السنتان الاخيرتان جحيماً من دونكِ ... ولو كنت اعرف حقيقة مشاعركِ لقلتُ لكِ هذا يومها .............. وما كنت تركتكِ ترحلين .... لكنت ربطتكِ بسلاسل من ذهب ......
ظهرت عبر دموعها ابتسامة ضعيفة للمبالغة في كلام كايل , ورفعت يدها تلامس خده بلطف .
" وانا ما امكنني ان اكون سعيدة من دونك . وكما تعرف , كان والداي باردين لا يعرفان معنى العاطفة .....
حين التقيت بك , تغيرت حياتي تماماً ,
من دونك , لم يكن لحياتي معنى ... وهذا ما ادركته في ذلك المقهى في العشر من أيّار ... يوم ميلادي ...........
قاطعها بلطف :
" انه الذكرى السنوية ليوم تأكدت فيه من حملك . ولا عجب ان يكون ذهنكِ المسكين المكدوم قد احترق وقرر انه اكتفى ....... واتمنى لو كنت اعرف مشاعرك فقط , كي استطيع ان اساعدكِ ..........."
" لكنك كنت تظن انه سيساعدني ... لقد توليت كل الامور العملية التي لا استطيع التعامل معها ..
كان يجب ان نكون فيه متقاربين , ابعدنا حزننا عن التواصل .... يا الهي ... ايف .......................... لو منحتني فرصة اخرى ........
وضعت ايف يدها على شفتيه تسكته :
" كايل ... حبيبي .. ما هذا القول ؟
الا تعرف ان هذا ما اريده اكثر من اي شئ في الدنيا ؟ و انا يجب ان نكون معاً ؟ "
احست بشفتيه تطبعان قبلة حارة على اصابعها .. فخفت وتيرة الالم الذي سببته وفاة بن , ذلك الطفل الذي احباه معاً و فقداه معاً ...
" انت من عليه ان يمنحني فرصة اخرى .... على اية حال ,
انا التي تركتك ,, لكن في اعماق قلبي كنت اعرف انني لن استطيع العيش من دونك .
وعرفت هذا مجدداً هذه المرة ,
ربما لهذا كنت اخاف منك في لا وعيي .
وهذا ما حدث في الماضي ففرصتي الوحيدة مستقبل سعيد معك .
الا انني كنت ابعد عن السعادة لانني اجهل لماذا تركتك قبلا ...
لهذا لم اقل لك كم اتمنى ان اعود واعيش كزوجة لك مجدداً .."
تراجع رأس كايل الى الوراء بحدة وسأل :
" وهل اردتِ هذا حقاً ؟".
" طبعا حبيبي ...
اردت ان اقضي بقية جياتي معك واحاول ان اشفي الجرح الذي حدث , على اساس الوعد بما هو قادم ..."
رأت النور المتوهج في عينيه ينعكس في قلبها نوراً أكثر تألقاُ . وعرفت انهما سينسيان كل مشاكلهما ويخلقان معاً مستقبلاً زاهراً ...
قالت تمازحه :
" اذن ..... هيا ..... اين تلك السلاسل الذهبية التي تهددني بها ؟".
اكد لها كايل وهو يضمها بين ذراعيه مجدداً :
" لا احتاج اليها ....
فقوة حبي تربطكِ بي ...
تمسك بكِ ولا تفلتكِ ابداً .............
******************
" قوة حبي تربطكِ بي .... تمسك بكِ ولا تفلتكِ ابداً ....."
عادت تلك الكلمات الى ذهن ايف فيما هي مستلقية على كرسي الاستراحة في الشمس تراقب كايل وهو يسير نحوها فوق المرجة الخضراء ...
كانت الكلمات ما تزال واضحة وكأنه قالها في الامس .
وها هو يقولها في هذا الصباح بالذات , و هو يعطيها هديتها السنوية ..
أضاءت وجهها ابتسامة سعادة صافية وهي تتحسس السلاسل الذهبية الخمس حول عنقها . واحدة عن كل سنة من زواجهما منذ التقيا من جديد .
" والآن , لماذا ارتسمت هذه الابتسامة التي تشبه ابتسامة القطة و قد اكلت الجبن على وجهكِ .... عجباً ؟ "
وغاص كايل على العشب بجانبها مكملاً :
" الا تظنين ان الوقت قد حان لتطلعيني على سرك ؟
نحن الآباء بحاجة الى تحذير مسبق , وعرفين هذا ,
كما انه علينا ان نخبر باتريك ..... متى ؟ ".
لم يتوسع كايل في سؤاله ,
وعرفت ايف انه ليس مضطراً , فمن المستحيل ان تخفي سراً عن هذا الزوج الشديد الملاحظة ...
قالت بنعومة :
" في شهر كانون الثاني ... ومن الممكن ان يتصادف مع عيد ميلاد بن ."
كانت قد ا صبحت قادرة على التلفظ باسم ابنها الميت الآن بأقل حزن ...
سيبقى له دائماً مكان مميز في قلبيهما ....
لكن الزمن قام بشفاء أسوأ الآلام , وهما الآن يملكان الكثير مما يشكران عليه ..
قال كايل ممازحاً :
" انه الوقت المناسب ... ستحقق هذه القصة أفضل المبيعات ."
قالت محتجة :
" يا مراقب الارقاء ! لماذا اثقلت على نفسي يوماً بجعلك ناشري , اضافة الى زوجي ؟."
قال بخبث :
" هذا لانكِ تحبينني .. ولا تنسي ,, لولا قصتكِ الاولى لما وجدتكِ ثانية ."
وكيف لها ان تنسى هذا أبد الدهر ؟
لو لم تكتب اول كتاب وترسله الى مؤسسة جنسن للنشر لما عرفت أبداً السعادة التي تملا الآن كل لحظة من حياتها ,
لقد شهد الكتاب الاول بعد ان عدلت فيه الاحداث الشخصية نجاحاً مذهلاً , اطلقها في عالم مهنة جديدة
" كيف تظن ان بات سيتعامل مع فكرة اخ او اخت جديدة ؟
اتجهت عينا كايل الى ابنه القوي البنية وهو يلعب مع جرو اقتناه حديثاً , تحت مراقبة مربية مخلصة .
كان اسمر كأبيه , لكن له عيني ايف الزرقاوين ...
لقد ادخل باتريك الفرح الكبير الى حياتيهما منذ ولادته قبل ثلاث سنوات ...
من الطبيعي ان ايف عاشت الاشهر الثلاثة الاولى في خوف دائم من تكرار تاريخ بن ,
لكن لفرحها الشديد , عاش الطفل الصغير و تطور ليصبح صغيراً قوي البنية .
" سيطير ابتهاجاً ... مثلي انا .. "
تنبأت ايف باحساس كايل وقد شعرت بالدفئ في صوته , والتوهج في عينيه و الرقة في يديه ...
قال:
" لم اكن اتمنى هدية عيد زواج افضل من هذه ... ولا زوجة افضل .... في الواقع ............؟.
وكانت تنهيدته تعبر عن رضى عميق :
" ........... لا يمكن ان اتمنى حياة افضل ."
ولا كان هي باستطاعتها ان تتمنى الافضل ...
وفكرت ايف بهذا في سرها بينما كانت شفتا زوجها تهبطان على شفتيها بقبلة حارة ,
احست معها ان دمها بدأ يغلي بتأثير لا دخل له بدفئ الشمس .
تمتم كايل :
" اعتقد ان الوقت قد حان لنرحل الى المنزل ...
على اية حال تحتاج السيدات الحملات الى الراحة ."
لكنها عرفت من رنة صوته ان تلك اراحة لم تكن تجول في فكره ..
احتجت ايف ضاحكة :
" كايل !! وماذا سيظن ابننا باتريك ؟".
للحظة اتجهت عينا كايل الى ابنه ,
ثم عاتا الى وجهها المتورد , وما لبث ان تمتم بصوت اجش :
" سأقول لكِ ماذا يظن ....
سيظن ان والده يحب والدته كثيراً ....
وسيكون على حق تمــــــــــــــــاماً ".
تمـــــــــــــــــــــــــت