-3-

6 0 00

-3-

-كيف تكتب..من أين تأتي بهذه القصص؟.

قالت لي سلوى،وضحكت،بانت أسنانها البيض كصفٍ من تماثيل ثلجية والتي أظهرت بعدها وهي تداري فتحة فمها بوضع اصابعها فوق شفتيها،مثل صفّي طائر النورس، يحلقان فوق مياه شفافة.لم أفكر أول الآمر بكيفية الرد عليها،إذ كان سؤالها مجرد مشاكسة وأنا أوضح لها بطريقة جاذبة أنني كاتب قصة، لأستدرج عواطفها أكثر وأن الأديب يحتاج الى إمرأة تعرف ما تفعله على الفراش،كانت هذه هي البداية التي أغرقتها في المتاهة،إذ طلبت منها أن تسرد لي حكايتها..في البدء كنت خائفاً أو متردداً، فليس من السهولة أن تقبل المرأة أن تكون حياتها عرضة لكلمات الأوراق، إذ ربما تعتقد إن ما أقدم عليه سيجعلها على كل لسان..لكنني طمأنتها وأنا أرفع أصابعها عن شفتيها لكي أرى اللسان الصغير..أن القصة التي سأكتبها عنها لن أذكر فيها اسمها..وليس لها علاقة بماضيها..أهلها وطفولتها..فقط حياتها معي ومع زوجها ولم تفهم سلوى ما عنيته حتى وهي تندس بين ذراعي، في المشهد اليومي، وكأنها تتمتع بلحظات شيطانية أو أنها تريد لشياطينها أن تخرج الآن بعد صبر أم لعشر سنوات..كانت ذات عذوبة، ترمي آلام روحها،تطلق سراح الأعنة لخجلها الأنثوي وكأنها استأمنت لفعلتها معي،فاستسلمت تمام لطلباتي..وشعرت أن بإمكاني أن أطلب منها ما أشاء بلا تردد وسوف تنفذ ما أريده بلا تأخير،خاصة وأنا اشرح لها حقيقة اهتمامي الإضافي بحكايتها..من أنها ضحية لحصار مثلما كانت ضحية الحرب. رأيت دموعها تسقط من السماء لتنبت أطلالاً لمدن تقاذفها القصف وأطاح بعذوبة الرجال لإعلان بطولة لن يراها الله.شعرت أن كلماتي اندست عميقاً في جراحاتها..كأن مئات الحسرات المكبوتة قد نضجت الآن. أو في تلك اللحظة التي تحدثت إليها، حتى إنها ابتعدت قليلاً عن ذراعي ولَمّت ثوبها المرفوع..كان يتدلى منها نبات الرازقي والبنفسج في جنائن مصقولة،وراحت تراقب حالها بمنظار صغير فوجدت دمعتين في عينيها، كأنها تقول لي:لقد سقطت في حبائلك ولم أكن أفكر في يوم ما أن أكون هكذا بين أحضان رجل آخر غير زوجي. ولأني لم أعرف قصتها بعد، فقد استطعت أن أكشف لها، أنها ضحية من ضحايا الظروف والحروب التي ابعدت الأزواج عن وزوجاتهم وانغماسهم في زمن الحصار وراء الكسب على حساب البيت. أطلقت آهةً، وكانت سلوى تعرف أن الحياة متقلّبة ومليئة بالمآسي،لكن من السهل عليها أن تفلت من كلماتي المواسية..بل وجدتها مثل طفلة صغيرة سرقوا دميتها في ليلة ظلماء.

أخرجت سيكارتي ووجدتني خالي الكلمات،إذ كنت منتظراً أن تبدأ حكايتها معي،لكن صوت طرقات الباب أفزعتنا،بل أرعبنا.كنا شبه عاريين وليس من السهل عليها وعليّ أن نُخفي آثارناـفيما إذا كان زوجها هو الطارق.وفي لحظة ارتباك،كانت متلعثمة لا تعرف كيف ترتدي ملابسها وتلمّ ما تناثر من قشور البرتقال وآثار أعقاب السكائر، قالت وقد أمسكت أعصابها، وكانت لم تخبرني من قبل ماذا يعمل زوجها.

لم يحن بعد وقت مجيئه.

كنت أستعجل ارتداء بنطالي وجوربي وأحكم أزرار قميصي،وعيناي تزوغان بحثا عن مخبأ لا يراني فيه أحد حتى الصباح.

زوجي لديه مفتاح.

وسريعاً صعدت السلم،حاملا معي منفضة السكائر وتقدمت بارتعاش إلى الباب.

من؟

أنا ناهض..صديق....

سمعت الصوت،نزلت سريعا أريد إفراغ الخوف في وجه ناهض. وبسرعة أدخلته البيت وبدأت بشتمه وتأنيبه.كان بارد الأعصاب..ينظر إلى سلوى من زاوية عينه..كأنه يتفحصها:

أتيت لإخبارك عن....

كان يتلعثم بالكلمات بينما ابتعدت سلوى إلى الداخل.

ذات مرة طلب مني أن يذهب إلى سلوى بدلا عني..لأنه لم ير جسد امرأة وراح يتوسل بي..أخبرني أنه قضى عمره في الأحلام يقضي معظم وقته في الحمام،يقرب وجوه النساء المشهورات إلى مخيلته،نهرته ساعتها.

كان يريد أن يدخل إلى البيت.وما عساني يا محسن أن أفعل وقد دخل ووجدته يتقدم ليجعل نفسه ضيفاً ثانياً،وفي عينيه تحدٍ واضح لأن يحصل على مبتغاه. كيف السبيل لإخبار سلوى التي انزوت داخل الغرفة ربما تبكي أو تفكر.ربما قالت مع نفسها إنها الآن أصبحت مفضوحة وأن هذا الشاب إن تمنعت سيشكوها إلى زوجها وربما هو عرفها وعرف أهلها وسيبتزها.

كان ناهض قلقاً، متوجساً وهاجسه أن يجد سلوى طوع أمره بعد أن أسقطها في شركه. كان مجرد التفكير بطرده يعني أنني سأكون على لسان الأصدقاء.غمزت لسلوى من خلل الباب أن تبقى هادئة،شعرت بنظراتها أنها تتهمني بالتآمر عليها.

لماذا أتيت وكيف عرفت العنوان،هل هذه فعلة من صديق؟.

على مهلك..على مهلك..يا صديقي.

وهل أبقيت صبراً..تريدني أن أكون مساعدا لك في تلبية حاجتك الجنسية؟.

إسألها..

ماذا تريد أن إسألها.؟

مرة واحدة..ولن تراني مرة أخرى.

أخرجت علية سكائري لا ألوي على فعل شيء.مسلوبا صرت،أفكر بسلوى إن كانت قد ستهب جسدها إلى ناهض من أجل إرضاء نزعته وخوفًا من فعلته..غافلي ودخل عليها الغرفة..سمعت صراخها:

تعال واخرج هذا المعتوه من بيتي.

كانت تبكي صورتها وهي ترتعد ، لن تزول لسنوات طويلة، حين يخلو لي الوضع للمراقبة..كان قلبها يتفطر، متعرّفة على قسوة الزمن من خلال مظهر ناهض وهو يقف عند رأسها، يتوسل أن تدعه ينام معها هذه الليلة فقط وسيعطيها ما تشاء من النقود.حاولت أن أسحب ناهض من الغرفة إلى باب البيت،مبيناً ضجري من سوء تقديره، لكن الذي أدهشني حقا،إنني وجدتها بشكل آخر. حتى أنها نسيت أن تعترف لي أنها أساءت فهمي وأنا أبين لها أن ليس لي علاقة بما حصل وأنه كان يراقبني ليعرف العنوان..قلت لها طبعا:لا بد أن أكون قد تحدثت معه عن إمرأة أحبها ,أقضي الليل معها..لكن كلماتها كانت تنم عن مجرد انزعاج جعلتني أفكر كثيرا معك..أحقاً أنها لم تسلّم نفسها لرجل قبلي..أو لرجل آخر غيري..هل العلّة في زوجها الذي لا أعرف عنه شيئاً.لكن سؤالاً شبّ في رأسي.ماذا لو تركتها،أتبحث عن رجلٍ آخر؟.

ألم تقل لي أنني ضحية الحرب والحصار..أنك لا تفهم شيئاً،أنا لست إمرأة داعرة أرجوك إفهم هذا!!.

وراحت تبكي،تابعت جديتها في البكاء فوجدتها صادقة.كان ضوء المصباح الفلورنسي يشي بتطلعات تعابيرها الحقيقية وقد بدت مثل إمرأة عجوز ببشرة بنية،صبغت ذلك البياض الهياج وقد فقدت تماسكها تماماً وكانت أول ردة فعلها،بعد أن تأكدت من خروج ناهض،أن عينيها أضحت مفتوحتين للكلمات,لكنها أخرست وبدأت تضرب على صدري بكلتا يديها.فتركتها تفرع حزنها لأمنحها قوة. وفي اللحظة الوحيدة التي شعرت بأنها تأثرت بهذا الموقف وإنها اقتنعت تماما بجهلي بنوايا ناهض.رأيت أول الظلال البيضاء ترتسم حول عينيها، لتنفرش أكثر على اللون البني، ليضحي البياض ضوءها الجديد وتبقى بقايا ظلال بنية فاقعة على وجنتيها.وإذ أحست بتعب الضرب على صدري، انفرش شعرها خلف ظهري وجانبي الأيمن.فأيقنت تماما أنها امرأة فاقدة لحنان زوجها وأنها تمضي قدما في العبث معي،لمجرد إحساسها بخسارة كبيرة..وهذا ما رسّخ لدي اعتقاداً جديداً، جعلني أمسد على شعرها، وأنطق بكلمات الحب الريانة، وقبل أن أغلق بوابة الحزن. قلت لها:

لا عليك يا حبيبتي..لن يعود مرة أخرى..ولن أجعله يفتح فمه بكلمة واحدة.

سارعت إلى تقبيل رقبتي. وأخبرتني بشيء من كشف الأسرار. أنها كانت تحب زوجها لكن حبه تبخر تماماً من قلبها الساخن،ولم يعد له وجود.

لم أكن أعرف زوجها بعد ولم يتسنَّ لي سؤالها.كمن أخطأ لأن أبقى أطول مدة معها، وكان تصوري إنها وحيدة.وقد جاءت معرفتي هذه مبنية على الصورة المعلقة.إذ إنها تعطي عنواناً وتشي بمكانته.لذلك قلت ل:أنها تمضي تتقلب على الفراش حتى أضناها الأرق واستسلمت في النهاية لذبذبات جسدها، بعد أن فقدت خيوط الألفة مع من تحب، فأضربت عن تعير جسدها لشهرٍ كامل مكتفية بنثر العطر في ليالٍ سبع من إجازات سنوات الحرب.لكنني فهمت منها أن زواجها دام أكثر من إثنتي عشرة سنة وأن عشْراً منها كانت سنوات عجافاً. إذ تذكرت أول ليلة أمضيتها معها،وكأن جسدها لم تمسسْه يد رجل يعرف قيمة أنوثتها أو أنه تجاهلها تماماً فأصابها التصحر.

كانت عيناي مثبتتان على وجهه،رأيته وسيماً بل جميلاً، مربوع الكتفين، له وجه دائري وحاجبا امرأةٍ قرويةٍ وعينان واسعتان ومنكبان عريضان..مزهواً بشاربه الأسود الكثيف.اقتربت أكثر من الصورة،كانت ابتسامته الصغيرة، تدل على حيويته وأنه إنسان يعمل بإتقان وتعابير وجهه تعطي دلالة على أنه رجل صبور ومحب.

ملأت قدحين زجاجيين وناولتها الماء، ووضعت طرف القدح على شفتي السفلى، أنظر إلى وجهها كأني أسبر مياسم كلماتها لأحللّ ما سمعته منها وما رأيته في الصورة من علامات، تدل على أن الرجل الجميل لا يمكن لإمرأة أن تغفله، بقدر ما تكون متعلقة به.

أيعقل..أنكِ لم تحبّي زوجك؟.

لم تكمل بعد كأس الماء، أحست سلوى كمن امتهنت فامتلأت صمتاً..وسارعت إلى أخذ السيكارة من يدي وكنت أنتظر جوابها،ولا أغالي إذا قلت أن الجواب كان سيريحني.أي جواب،لأن لحظة الصدق كانت بادية عليها وقد امتحنتها أكثر من مرة طوال الليالي السابقات،أنها صادقة معي.لم تزل مطرقة الرأس، وقد انتفض جمالها بأن عاد البياض ليكون ظلالاً.

ما بالك الليلة؟هل تستغل حبي..لماذا تسال؟.

مجرد فضول.

هذه قصة طويلة.

ولكنني أريد الجواب.

وبعصبية خفيفة قالت:

نعم أحبه..ما زلت أحبه..ولكن تنقصني أشياء ودليلها ..... أنك معي على فراشه.

انقطع التيار الكهربائي. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل،أخذ ضوء الفانوس المهيّأ منذ بداية الليل يتأرجح على الجدران.أخفت وجهها بعيداً وخرجت عن مألوفها.سارعت إلى احتضاني كأنها ترمي ضجرها بين ذراعي أو إنها تهرب من أسئلتي..وقد شجعتها على ذلك الحماس الذي دبّ في جسدي وهي تختار اللحظة المناسبة لأن نكون معا على ضوء الفانوس، مما حدا بي لأن أنجرف تماما خلف ارتعاشتي وأغلق الباب على أسئلتي.

لكنك يا محسن تعرف أنني لابد أن أسال وكنت تنتظر الأجوبة لتواكب عملية الكتابة التي فكرنا فيها معاً..إذ قلت لك: أن وراء هذه المرأة حكاية..فقلت لي: إذن فكر بالكتابة عنها. وحين اندمجنا معاً في تحليل الخطوات قلت لي: إربط النتائج بما حصل بل أكدت أنت أن هذه المرأة ضحية وأن الموضوع يستحق الكتابة .فليس بالضرورة أن تكون الحرب انتصارات عسكرية أو خسائر عسكرية أو ما تفعله الحروب والجيوش وبشاعة القتل والقصف بل أن هناك خسارات أكبر سببها الحرب وربما تكون سلوى واحدة من نتائج هذه الخسارات..قلت لي: أنك يجب ان تكتب بحيادية تامة وأن تمازج بين ما وقع عليك وما تسمعه من سلوى ليكون الناتج كتابة واقعية.إذن كان لزاماً عليّ أن أواصل أسئلتي، ومعرفة التفاصيل الدقيقة لتكون الكتابة أكثر قربا من الواقعية..لأن كل ما كتبناه معاً، كان واقعيا بعين التخيل..فالمخيلة تعين الواقع لأن يبرز من الرأس إلى القلم..عندها أسكب أفكاري بطريقة الحروف..أتذكر القصة التي كتبتها عن سوق الهموم.كانت قصة متخيلة، لكنها واقعية تماما..إلا في رسم السوق..إذ كان متخيلاً، وصارت حديث الأصدقاء بعد نشرها وفازت بجائزة مسابقة أدبية..إذن كيف لا أسأل هذا الواقع الذي أمامي..بينما تريدني سلوى أن أبقى صامتاً..أن أقضي الليل بهمس الحب والإرتواء.أعرفها، إمرأة لا تكلّ من الفحيح بين ذراعي، كأن الماء قد مرّ الآن على جفافها، ولذلك تحاول أن تعطي جسدها كل ما ضاع منها في دروب الإنتظار.

كانت قد تحولت إلى قطة شرسة..طلبت مني بحب، أن نكفّ عن الكلام، لذلك فضلت البقاء صامتاً لحل معضلة الإجابات رغم أنني لم أعد قادراً على الصمت دون توجيه سؤال..وودعت نفسي بعد أن اكتشفت نقطة الضعف لديها..أن الأسئلة يجب أن تكون في النهاية بعد أن ننهي ما جئت من أجله.

أخذت جانب السرير ورحت أدخن لأريح عضلاتي..تاركاً إيّاها تتمرغ مثل قطة هدأت شراستها على نعومة الفراش..همست في أذنها:

متى يأتي زوجك؟.

وكأنها لن تسمع .وضعت أصابعها أسفل بطني،سرت قشعريرة في داخلي، لها جاذبية خاصة، حتى أنني قلت في نفسي:أن هذه المرأة جعلتني أشعر بفتوتي وشبابي إذ لم أكن أملك ما يهمني لأن أفتح بيتاً مثلاً وأكون زوجاً لأمرأة قد أصادفها في يوم ما.

أعدت سؤالي عليها بصيغة أخرى،كأني أسأل عن موعد أجازته.لأن هذا سيبعدني عنها طوال مدة الإجازة..نظرت إلى عيني،وهمست كأنها تقذف بالكلمات عنونة وقالت بلهجة حزينة:

-إنه في العمل.

أبعدت يدها عني..هوى جوابها كجدارٍ هتك أساسه، فما بين الصورة وبين الجواب فرق في المعرفة..فألَمّت بي حمى ودوار منتظم كأن ( دزينة) من الدبابير أخذت تتبع مسراها للوصول إلى الرأس،وامتلأ بيت الفضول بحركة مريبة.تخيلته سيدخل الآن مريضاً أو حان موعد إجازته.صورة تلك التي تخيلتها وكأنه شك بتصرفاتها وجاء إلي أنا ليعاقبني.رأت سلوى قلقي واستغرابي..فهمست هذه المرة بغنج مصطنع:

لن يأتي إلأ بعد الفجر..هذا هو عمله.

تذكرت حقا لماذا كل هذا الوسواس الذي عشش بي..إنها كانت تطلب مني مغادرة المنزل قبل الفجر بنصف ساعة..كنت أتصور أن هذا الموعد مناسب حتى لا يراني أحد من الجيران خارجاً من بيتها..ولم أناقشها الأمر، بل كنت سعيداً جداً وأنا أقضي الليل بلا تفكير سوى أن أمتع نفسي وأمتعها.

لقد أخبرتني جزءاً من قصتها بلا ترتيب حتى لكأني أنسى التفاصيل او بحاجة لى ترتيبها.قالت: ثلاث سنوات وهو على هذا المنوال.فحفظت خطواته وطريقة فتحه للباب ودخوله البيت لينام في أي مكان يشاء دون أن يوقظها ولا يستيقظ إلا بعد أذان الظهر..يصلي ويأكل غداءه ليعود إلى النوم، حتى موعد قدوم سيارة العمل التي تقله..ها هو تتبين لي ملامحه.. فهو الآن في مهنة أخرى خارج تلك الصورة التي رأيته فيها .سألتها وكأني ألمُّ بكل شيء،إنْ كان يدري لذلك هرب إلى عملٍ ليلي.انتفضت،تحركت في وسط الغرفة بينما كنت مشغولاً بتفسير ما أراه وما أسمعه.

قلت لك أنك أول رجلٍ يضع أصابعه على جسدي.

لم أقتنع بعد.لابد من معرفة الأسباب.

أنه يعمل مساءً لم يعد كما كان عسكرياً.

قالت لي ذلك.. فقلت:

بينما ترك المساء لك يا سلوى.

رمت نفسها على الفراش، وراحت تبكي.أسمع صوت بكائها يأتيني جارحاً كأنينٍ مكبوتٍ، منذ دهور.. وصارت تحمل وجهاً شبحياً يتمايل مع الريح، فتصفر به وتقتحم فتحات صبرها فاضطرت إلى لملمة أجزائها، وفيما هي تختبئ في عتمة ضوء الفانون..في زاوية السرير.لم أكن أنا اأفهم شيئاً وعدت أهز رأسي، متمنياً لو انصرفت الآن فربما في ليلة مستقبلية وأنا على السرير.سأجده بقامته المديدة وبوجهه الذي لم أجد مثله في المدينة وقد تحول إلى ذئبٍ شاهراً مسدسه ليرديني قتيلاً.وسأكون مقتولاً في بيت لا أعرفه، بينما الحرب لم تستطع النيل من أصبعٍ من أصابعي.لم يكن هذا ما أثر فيّ فقط، بل قدرتها عل استغفال الزمن وعدم التكهن بمجيء زوجها في أية لحظة.

عاد النور إلى المصباح الفلورنسي الأبيض،اكشفت أنها كانت ثقيلة، تخفي وجهها عن جوٍ متربٍ، منتشر في أسئلتي، فتقوقعت في داخلها، بانتظار أن أكفّ لساني..قلت لها:كفّي عن البكاء وأخبرتها،أنني بدأت أخاف أن يقتحم زوجها الباب.أمسكتني من ذراعي بينما كانت الدموع سائلة على خديها:

أنك لا تخاف من زوجي لأنني الأجدر بالخوف.ولكنني أعرف أنك تسأل لتكتب..حسن سأجيبك.