الفصل الثاني

7 0 00

الفصل الثاني

.. كنا ثلاثة... أنا ، وهاني ، وأحلام.. وكان قدرنا أن نجتمع بعد التخرج في مستشفى ابن النفيس الذي كان يستقطب المتفوقين من الأطباء..

كنا يومها مندفعين متحمسين للمهنة التي أحببناها وآمنا بها ، وكنا نقبل على العمل بمتعة بالغة ، فنقوم بم يطلب منا ، وما لا يطلب ، ونُقْدم على أصعب الحالات ، لنصقل خبراتنا ، ونحقق ذواتنا ، ونثبت قدراتنا كأطباء متميزين..

وذات ليلة من ليالي الشتاء البارد ، كانت نوبتنا ـ نحن الثلاثة ـ في قسم الطوارئ ، وكان ليلة حافلة فلم نخلد إلى الراحة إلا في الساعة الخامسة صباحا ، فاتجهت أنا وهاني إلى غرفة الأطباء المقيمين ، وذهبت الدكتورة أحلام إلى غرفة الطبيبات المقيمات.

كنت في حالة إرهاق شديد ، فمنيت نفسي النفس بساعة من النوم أتخفف خلالها من التعب والإجهاد ، لأسمح بعدها لهاني بقسط مماثل ، لكن هاني ـ كعادته ـ وضعني أمام الأمر الواقع ، وأسرع فألقى بنفسه فوق السرير ، وراح في نومه غير عابئ بمحاولاتي لإثنائه.

وسمعت شخير هاني يتعالى ، فأدركت أنه لم يعد لي خيار ، وكان لابد أن أبقى مستيقظا ، استعداد لكل طارئ.

وغالبني النوم بقوة ، فهربت من النعاس إلى القراءة ، فلم تنجدني ، فلذت بالماء البارد ، وغسلت وجهي.

شعرت بشيء من النشاط ، لكن منظر هاني النائم بجواري ، كان يوهن عزيمتي ، ويحبط طل محاولاتي لمقاومة النعاس.

"ليس أفضل من قهوة العم درويش".

هكذا قلت في نفسي ، وأنا أفرك عينيَّ بشدة ، ثم حملت جهاو الإنذار الذي ينقل إلينا عادة نداءات الطوارئ ، ومضيت إلى العم درويش أنشد قهوته الساخنة اللذيذة.

وصلت إلى بداية الممر الذي يقوم في نهايته مقصف المستشفى المتواضع ، فلمحت الدكتورة أحلام وهي تجلس شارة ساهمة ، وقد نزلت مثلي لتدفن أرقها عند العم درويش نادل المقصف..

وارتحت لوجود أحلام ، لكني قررت بيني وبين نفسي ، ألا أترك ارتياحي يتمادى في الظهور ، لأكثر من سبب!..

ألقيت عليها تحية الصباح ، وقلت لها وأنا أرقب خيوط الفجر وهي تسلل من نافذة قريبة:

- لم أتوقع أن أجدك هنا ، لو كنت مكانك لخلدت إلى النوم بعد ليلة متعبة.

تساءلت في مرح:

- لماذا لم تنم إذا كنت متعبا إلى هذا الحد؟!

- أنام؟ وهل يترك هاني دورا لأحد؟

ابتسمت وقالت:

- علاقتك بهاني تثير دهشتي وإعجابي في آن واحد!

- لم أفهم!

- أنت وهاني نقيضان في الشخصية ، مختلفان تماما في الأفكار والطباع!

قلت لها منكرا:

- لا. لا. ليس إلى هذا الحد ، أنت تبالغين بعض الشيء.

علقت تدافع عن وجهة نظرها..

- قد أكون مبالغة ، لكنكما تبدوان لي هكذا..

- ومع هذا نثير إعجابك!..

- ما يثير إعجابي هو علاقة الود والصداقة التي تجمعكما ، فألمحها في أحاديثكما معا ، وفي دعابتكما الطريفة التي أستمتع بمتابعتها..

- نحن نجمان مضحكان إذن!!.

ضحكت وهي تشيح بيدها معتذرة ، ثم قالت:

- عفوا لم أقصد ، إنما أردت أن أقول إن علاقتكما من العلاقات اللطيفة التي أحبذها بين الأصدقاء..

قلت وأنا أقاوم التثاؤب الذي داهمني فجأة:

- أنا وهاني صديقان قديمان ، قضينا المرحلة الثانوية في مقعد واحد، ودخلنا كلية الطب معا ، وها نحن نعمل هنا معا ، جمعت بيننا الآمال والذكريات اللطيفة ، فتوطدت بيننا صحبة حميمة ، نحن مختلفان نعم لكن الود بيننا استطاع أن يطفو فوق كل خلاف..

وداهمني التثاؤب..

- لقد شغلنا الحديث ، ونسيت أن أطلب شيئا يساعدني على مقاومة النعاس.

والتفت إلى العم درويش:

-أبن قهوتك يا عم درويش؟ أدركني بفنجان من قهوتك السحرية اللذيذة..

أفاق العم درويش من كبوة قد ألمت به ، وهتف وهو ينهض في نشاط:

- تكرم عينك يا دكتور ، سوف أصنع لك فنجانا لن تنسى طعمه أبد الدهر.

ثم تابع بلهجته المرحة الغنية بالطيبة:

- قهوة عمك درويش ماركة عالمية لا تضاهى..

قالت أحلام وهي ترنو إلى العم درويش في ود:

- العم درويش فخور بقهوته!

وأردفت:

- هذا الرجل ، كم هو طيب ولطيف!

كانت أحلام تحب العم درويش كثيرا ، لم تكن وحدها تحبه ، كلنا كنا نحبه ونرتاح إليه.. حتى الدكتور مأمون صاحب المستشفى وجراح القلب المشهور ، كان كثيرا ما يهرب من أعبائه إلى مقصف العم درويش ، ليجلس معه ، يبثه همومه ومشاكله ، ويستمتع بأحاديثه اللطيفة التي تنساب إلى النفس في رفق ، وتمسح آلامها كالبلسم.

في شخصيته جانب مريح لطالما اختلفنا في تفسيره!.. البعض كاك يقول: بساطته ، آخرون كانوا يقولون: طيبته..

أحلام كانت تقول بأنه إنسان عاطفي يملك حسا مرهفا يستطيع من خلال تعابير وجهك ، ونظرات عينيك!..

هاني كان يقول مازحا: بأنه رجل يملك الحاسة العاشرة ويقصد الحاسة السادسة طبعا.

أما أنا فأعتقد أن الجانب المريح في شخصية العم درويش ، جانب مركب.. إنه مزيج من الطيبة والبساطة والصراحة الظرافة.. مزيج لطيف قد أضيف إليه ذكاء فطري حاد ، صقلته السنون ، وزادته تجاربها قدرة على فهم الناس والتقاط إحساساتهم الخفية ، ثمة شيء آخر كان يجعل العم درويش أشد إحساسا بالآخرين ، إنه المعاناة ، فالعم درويش يعاني من عدم الإنجاب ، تؤرقه الأبوة الجائعة إلى الأطفال ، كانوا يقولون: إن امرأته هي السبب ، وهكذا كانوا يقولون دائما عندما كان العقم يضرب أسرة ما!..

قالت أحلام فجأة بصوت كالهمس:

- ما رأيك بالعم درويش؟

- إنسان طيب.

- لو أنه أنجب ، لشعر أبناؤه بدفء وحنان لم يبذله أب لأبنائه!

- الحرمان يبعث في النفس رقة فريده.

صمتت مليا ثم قالت:

- هل أبوح لم بشيء؟

- تفضلي...

ترددت قليلا ، ثم قالت:

- أحيانا أتمنى لو كان العم درويش أبي!..

أدهشتني كلماتها ، وحرت في تفسيرها ، ووجدتني أسألها لأول مرة:

- أليس الوالد على.....

- بلى .. إنه حي يرزق..

- عذرا .. كلامك أوحى لي بالسؤال!..

ابتسمت في سخرية وقالت:

- لا يكفي للأب أن يكون أبا ، أن يكون على قيد الحياة!.

كلامها غامض وحزين ، أحسست أنها تمر بأزمة!.

- تبدين متعبة!.

- أبدا.

- بإمكانكِ أن تنامي إذا أردتِ.

- هل يضايقك وجودي؟

لسعني سؤالها ، أجبت كمن يدافع عن نفسه:

- أبدا.. أبدا.. كل ما في الأمر أني أريد راحتك.

- ليت النوم يريح ، لنمت ليل نهار.

- لستِ سعيدة فيما أرى!.

- أنت على حق.

- غريب!!.

- فيم الغرابة؟

- مبلغ علمي أنك تملكين أسباب السعادة.

- تقصد المال والثروة؟

- مثلا.

صمتت وأطرقت ، وزحفت الكآبة إلى عينيها. قالت في مرارة:

- عندما لا يملك الإنسان مالا ، يظن أن السعادة تكمن في المال والقصر والسيارة.. لكنه عندما يمتلك كل هذه الوسائل لا يجد السعادة فيها ، يشعر بالخيبة .. يشعر بالغربة .. يفقد ثقته بالحياة ، ولهذا ينتحر بعض الناس...

حديثها عن الانتحار لم يرحني! ساورني القلق .. لأول مرة أراها بهذه الكآبة ، وهذا الحزن!.. وأردت أن أخفف عنها ، لكني لم أعرف ماذا أقول؟!!..

وأقبل العم درويش بقهوته الشهية وهو يختال ، وما كاد يضعها أمامي حتى أطلق جهاز الإنذار إشارات متقطعة تدعونا للالتحاق بعيادات الطوارئ فهرعنا نلبي ، وكل غارق في أفكاره وأسراره!..