-4-
وضع ملاحظاته على منهاج الدورة. وطلب زيادة كمية الذخيرة المخصصّة. وخاصة للرمي الغريزي. وإطالة مسافة الدوريات حتى خمسين كيلو متراً، ولفقرة تطعيم المعركة في نهاية المعسكر.. خطّط لقفزة ثقة فوق بحيرة المزيريب من ارتفاع عشرين متراً، ومن متن حوامة، وأن يخصّص ساعتين من مساء كل يوم لتعليم العبرية.
وافقت القيادة على ذلك، وبعد ثلاثة أيام، انطلق بعربته الجيب إلى معسكره في منطقة بصر الحرير.
عندما اجتمع بالمدربين، والذي كان من بينهم نائبه الملازم أول جهاد الذي طلبه بالاسم من القيادة.. تكلّم متوغلاً في أدق التفاصيل، وهو يقطع بساطور تجاربهم كل العوائق التي تحول دون الوصول إلى الهدف المنشود.
خِيَم المعسكر البعيدة عن الطريق العام مسافة ثلاثة كيلو مترات والمموّهة بالطين، والشِباك. منصوبة فوق حفر إسمنتية بعمق يفوق المترين.. بينما جُهِّزت برّاكتان كبيرتان، خصصتا واحدة للمطعم والثانية، قاعة للدروس النظرية.
وقد بدا في الفسحة الشمالية، والملاصقة لغابة من أشجار البلوط والزعرور، وتوزعت في أطرافها أشجار التين، والبطم. حقل الحواجز يقف مهيباً، شامخاً، بل ومخيفاً في عدد من أجهزته. قريباً منه استدارت حلبة القتال القريب، لامعة برمالها الناعمة، الصفراء.
تفقد الخيم، والأسرّة الحديدية، وصهاريج المياه، والمطعم، وقاعة الدراسة وحرص على الدخول إلى الغابة.. حتى خرج منها إلى صخور اللجاة. مفكّرته سوّدتها الملاحظات، والجُمَلُ القصيرة الهامة.. حدّد خطة الدفاع عن المعسكر، ورأى أن الساتر الترابي المحيط به، يقدِّم فائدة جيدة.
كانت الأوامر، والتعليمات الواردة إليه، معنونة دوماً بالترويسة التاليه:
إلى قائد معسكر تدريب المجندين الأغرار.
لم يعد أي أمر يعنيه.. محا من ذاكرته أي شيء يمكن أن يأخذه بعيداً عن قطعة الأرض هذه.. في داخله كل أمر يتحرك باتجاه واحد ومحدّد.. لا يتجاوز حدود مهمته.
يومان من الانتظار الممل لـه، ولضباطه، ولضباط صفه.. تمايلت بعدهما على المحور الترابي، غير المستوي، ثلاث شاحنات قادمة معلنة عن ذلك بزوابع من الغُبار المتطاير من تحت إطاراتها، وهي تحمل في جوفها تسعين متدرِّباً.. بدؤوا عند وصولها، وتوقفها في ساحة المعسكر بالقفز منها بنشاط باد.. في ذلك الصباح الذي رفع رايات شمس أوائل الصيف الحارة. كل واحد منهم يحمل كيسه الكتاني، المزدحم بمهماته العسكرية.
تفقد الضباط أغراض القادمين.. صودرت منهم وسائل الترفيه حتى الكتب، والمجلات.. قال أحد الضباط معلّقاً: -لا وقت لديكم ستغفون كالقتلى.
خصَص اليوم الأول لتوزيعهم على الخيم.. قُسَموا إلى جماعات.. كان الحشد قوميّاً.. سوريون، فلسطينيون، عراقيون، أردنيون، جزائريون ليبيون، يمنيون، ويتبعون منظمات فدائية مختلفة.
خُصِصَت للفتيات الخمس عشرة.. خيمتان، وبرنامج خاص في بعض المواد.
لم يخرج قائد الدورة من خيمته في ذلك اليوم.. فانشغاله بتوزيع ساعات التدريب، ومواده، وتوزيع المدربين.. منعه حتى من تناول طعامه، حتى أصبح كل شيء جاهزاً، وعندما خرج لاستنشاق مزيدٍ من الهواء.. كانت النجوم تتلألأ في السماء.
ما حصل في اليوم التالي لم يكن صدفة إن اللقاء الذي تمَّ على أرض المعسكر.. لم يكن كذلك أبداً. فلو حلّلنا تسلسل الأحداث، والوقائع بشكل علمي، ومنطقي، لخرجنا بأن الأمر كان وارداً بنسبة مئوية عالية أعني بذلك لقاء قائد الدورة بالفدائي وفا. أما أن يلتقي بأخته ليلى.. ذلك هو الأمر الذي لم يخطر بباله أبداً..!!
كان الحدث مدهشاً لـه ولها.. لمعت العيون، وارتسمت على وجهيهما أمارات الاستغراب. أسرع بإخفاء تعابير وجهه، وهو يقوم بتفقد أرتال المتدربين، ويتعرف على أسمائهم، ووجوههم. قال لنفسه: هنا لا يعرف النقيب أمجد أحداً.. إنهم جميعاً في منزلة واحدة.
ابتدأ التدريب متدرجاً في الصعوبة، والقسوة.. الأسبوع الأول لاختبار القدرات على التحمل، والصبر. في نهايته انسحب أربعة شبان، وفتاتان.
هاتفه قائد اللواء. سمعه يقول له: -يا أمجد.. حتى ولو انسحب النصف.. نريد الصفوة منهم.
***
وجوه مغبرّة، مندّاة بعرق الجري، والقفز، والوثوب. تصرخُ تصمتُ، ترقبُ، تُنفِّذ، تصعدُ جدرانا عمودية، تدلت منها حبال كتانية وسلالم معدنية، شاهقة، تتوهج في عين الشمس، تلسع الأيادي الصاعدة إلى القمة، أو النازلة منها. عيون تبرق باحثة عن خطوة أمان، في لجج الخطر الكامن عند كل حاجز. وفي قعر كل حفرة ملأتها الأسلاك الشائكة. الليل زمن معطوب، متشلخ بانفجارات القنابل الصوتية وأزيز الرصاص الذي أصبح بوقا للنفير، ودعوة تستفزُّ الأجساد المنهكة، والعيون الغافية الحالمة بالراحة!.
عينا ليلى.. تبحثان عنه، ترمقه، تتحداه، في صولاته، وأوامره المتشامخة، المعتدّة بالقيادة، والخبرة، لتثبت له أن هذا الصبيب اليومي الخشن، القاسي، من التدريب.. لم يفتّ من صلابتها. بل زادها تماسكاً وقوة، وأعطى جسدها ليونة، ورشاقة، تحسدها عليها فتيات نوادي الرشاقة، وراقصات الباليه المحترفات.
مضت عشرة أيام.. ازدادت حركات القتال القريب كثافة، وتعقيداً وكذلك دروس الهندسة العسكرية، وخاصة الألغام، والطبوغرافيا وقراءة الخريطة العسكرية، واستخدام الأجهزة اللاسلكية، وفن الشيفرة وتعلم اللغة العبرية.
اقتصرت الدورة بعد الانسحابات على ستين شاباً، وعشر فتيات. بدت لياقتهم البدنية قادرة على احتمال الشوط حتى النهاية.
***
ضحك العجوز الذي شابه جبل الشيخ بعمامته، ولحيته الكثّة البيضاء.. ساخراً، وقال للجنرال دايان.. الذي فاجأه بأخذ يده، وتقبيلها أمام الجمع المتواجد في ساحة بلدة مجدل شمس، في صبيحة منتصف تموز من عام 1967م. –أتعلم بماذا أحسست يا جنرال دايان؟!
-بماذا يا شيخنا؟
-كأنما لدغتني أفعى!!
ذهل القائد الصهيوني، الذي تمتم بغضب: -لدغتك أفعى إذاً؟! ثم تابع رافعاً صوته:-لو كان الوقت مناسباً.. لأرغمتكَ على الاعتذار راكعاً.
ردّ الشيخ، مشيراً بعكازه: -أترى تلك التلة.. اسمها عين التينة.. هناك، وفي ذلك السهل من حولها، جرت معركة هائلة ضد الفرنجة المحتلين. ولقد رحلوا من هنا، ومن فلسطين، ومن كل بلاد الشام.. ولم نركع، وكذلك جرى للتتار.. وهنا، وهناك، وفي بقاع عديدة من حولك.. جرت ملاحم مع الترك، والفرنسيين، وذهبوا مدحورين، ولم نركع.. إنك مجنون أيها الجنرال.. اذهب لشأنك.. ودعني جالساً في شمسي.
لاحقت قهقهات عدد من الشبان، والصبية سمع القائد الإسرائيلي الذي أدار ظهره، وتابع سيره متجهماً، للاجتماع بوجهاء المنطقة المحتلة، المتواجدين في مخفر الشرطة الفارغ.. بناء على أوامر قوّات الاحتلال. صوت دايان يجعجع في الحاضرين.. إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.. دليلي على ذلك.. أننا سنقيم للفلسطينيين في الضفة الغربية حكماً ذاتياً، وسنعمل على أن تقوم في كل طائفة دولة وأنتم في طليعة ذلك.. وسأضعكم بين خيارين.. إما أن تقبلوا بذلك، وهذا لمصلحتكم، أو نرحلّكم إلى سوريا.. عندها سوف نهدم قراكم ونقيم عليها مستعمرات لنا.
وقف أحد الحاضرين، وقال: -حسناً إذا أقمتم دولة لنا، فكيف سنحمي حدودنا، ولا سلاح معنا؟!
ردّ الجنرال الإسرائيلي بصلف: -طبعاً سيكون عندها قوّات شرطة لحماية الأمن.. أما الأمن الخارجي فسيقع على عاتق الدولة الإسرائيلية وهي التي ستحميكم من أعدائكم.
نهض رجل من آخر القاعة متسائلاً: -ومن هم أعداؤنا؟!.
التفت الجنرال إليه، وكأنه يستغرب السؤال: -العرب طبعاً!! وضحك الحاضرون.
وقف شيخ في الأربعين من عمره.. بدا حليق الرأس، من تحت طاقيته البيضاء.. شارباه يملآن نصف وجهه، وقال: -وما حدود هذه الدولة العتيدة..؟!!
-ستضم أقاربكم في سوريا.. امتداداً إلى جبل الشيخ.. إلى جبل الشوف إلى البحر.. هل هذا يكفي.؟
ردّ أحدهم ساخراً: -يكفي وزيادة.. إنه كرم منكم..!!
-حسناً.. سأتحدث إلى عدد من قادتكم في التفاصيل.. آه تذكرت.. من المستحسن أن تمحوا اسم سورية من أذهانكم، والآن انتهى الاجتماع.
فوجئ الجنرال الصهيوني لحظة خروجه من باب المخفر بحشود من الرجال، والنساء، والأطفال وما إن شاهدوه، حتى انطلقت حناجرهم بهتاف مدوي.. مجدل شمس ثوري ثوريّ الجولان عربي سوري وصفعت عينيه الأعلام السورية الخافقة فوق الأشجار.
اتفق وجهاء منطقة مجدل شمس على مهادنة الصهاينة، وانتظار ما سوف تأتي به الأيام.
***
قال أبو كنج.. لعقيد الموساد: -سنحتاج رجلاً قادراً على القيام بالاتصالات مع الزعماء في لبنان، وجبل العرب.. إنني أعرف شخصية ذكيّة، ومناسبة.. محامٍ معروف مقيم في لبنان، ولا نستطيع أن نلتقيه هنا، أو هناك.
-نلتقيه في مكان آخر.. إيطاليا مثلاً.
عدّل الفدائي نضال جلسته في خيمة النقيب أمجد، وتابع قائلاً وهو ينظر إلى ساعته: -أعتقد أنني أطلت عليك، ووقتك لا يسمح بذلك.
-أكمل.. أنا من طلب سماع قصّة اعتقال والدك لدى العدو الصهيوني.
تابع نضال قصته، وهو يزفر متألماً: -أتعلم يا سيدي أن قلبي، وكلماتي تضج بالحسرة، والغضب، لأن كُتَّابنا، وإعلامنا يغفلون، بل يهملون أولئك الرجال الذين بمواقفهم، وصلابتهم، وتضحياتهم، غيّروا مسارات، ومفاصل خطيرة، لو نجحت لتمزّقت أوطاننا إلى أكثر من سايكس-بيكو جديدة. لقد عمل العدو جاهداً، وما يزال، وراهن، وما يزال مع العديد من المتآمرين، الذين تحت عباءة ليلهم، يَنْصُبُ العدوُّ شراكه القاتلة.
***
في شهقة الفجر عند روما الغافية على الواقع الصاخب لليل مضى.. حطَّت طائرة (الميدل إيست) على أحد مدارج مطارها الدولي. ترجّل منها المحامي كمال.. مشى مسرعاً إلى أقرب تاكسي نقلته إلى عنوان (البنسيون) المدوّن في ذاكرته. تمدد على سريره، وهو يتساءل عن معنى الإصرار الذي وصل إلى حد الرجاء من صديقه الحميم أبو كنج كي يأتي إلى العاصمة الإيطالية، ولأمر خطير جداً!! تبادل الرجلان تحية اللقاء.. قال المحامي باندفاع غاضب: -يا رجل (جبتني على قفاي، كما يقول إخواننا المصريون، وهل الأمر بيستاهل هذه السرعة..؟!!)
-إن الإسرائيليين يريدون فصلنا عن قومنا العرب.. إنهم يعملون على صنع فزّاعة تحمي حدودهم، وتكرّس أمنهم، أهم ما في الأمر أن نتعاون سوياً كي نكتشف الخطة من عقيد الموساد، ومن ثم تقوم أنت بإبلاغ القادة في سورية، ولبنان، وجمال عبد الناصر في مصر كي يعملوا على إفشال هذه المؤامرة.
-حسناً.. يجب أن نماشي أفكاره، وإيهامه بأننا معه، حتى نصل إلى ذلك.
-هل ترى الآن أن الأمر "بيستاهل" قدومك..؟!
في أحد البارات الإيطالية.. قدّما له مزيداً من الكرم، وتلألأت على الطاولة زجاجتان من أفخر الخمور المعتقة.
دار الحديث متشعباً.. تخللته بعض النكات. قال المحامي مستفزّاً عقيد الموساد: -لا يأخذنك الغرور أيها الكولونيل بقدراتكم العسكرية.. العرب أمة هائلة القوى، والموارد، وهم لم يحاربوا في أيامكم الستة.
ضرب الطاولة بيده غاضباً، وبصوت عالٍ قال: -حتى لو حاربوا.. جيش إسرائيل لا يقهر!!
قال أبو كنج معلّقاً، وقد أَحسَّ بأن الخمرة قد تعتعت الرجل: حسناً أيُّها الكولونيل.. والآن ما هي خطتكم لإقامة دولتنا.. حتى نناقش مدى جدّيتها، وقدرتها على التطبيق على أرض الواقع؟ ونكون قادرين على الحركة في النور.. لأن أيادينا هي التي ستكون في النار، وليس أنتم.. لا نريد هدر الوقت، وتلك الحسناء تنتظر دعوتنا لها إلى الطاولة. أجاب عقيد الموساد: -كل شيء في وقته.. لا أستطيع قول المزيد.. إنه أمر سريّ جداً!
قال المحامي كمال محاولاً إثارته: -أخي أبو كنج، دعنا منه، إنني متأكد من عدم معرفته لأي شيء.. يبدو لي أنه ضابط موساد من الدرجة الثانية لي مشاغلي الجمّة في بيروت، لذلك قرَّرتُ السفر الآن، على أول رحلة مغادرة إلى لبنان.
نهض العقيد مترنحاً، ثائراً، وقال: -هذه إهانة لا اقبلها.! إنني أعرف الخطة بأدق تفاصيلها.
قال أبو كنج مُعقِّباً: -إذاً.. قلها يا رجل، وخلِّصنا!!
أجلساه.. فكر قليلاً، ثم قال مقرِّباً رأسه منهما: -اسمعا.. سيقوم الجيش الإسرائيلي خلال شهر بالهجوم باتجاه حوران، وصولاً إلى جبل العرب، وبعد ذلك يقوم حشد من المتعاملين معنا بالتصدي له ننسحب نحن، وعندها تعلنون دولتكم.. وستكون الولايات المتحدة من أوائل الدول المعترفة بكم.
غمر الفرح الرجلين، وشربا نخب انتصارهما.
في اليوم التالي عاد المحامي كمال.. إلى لبنان، وتم إبلاغ القيادات العربية الثلاث بالمؤامرة، وقامت على إثر ذلك الجبهة الشرقية، وعلمت القيادة الإسرائيلية أن مخططها كُشِف.
في صبيحة يوم بيروتيّ جميل.. أدار المحامي كمال..، مفتاح التشغيل في سيارته، وهو يبادل الابتسام، وتحية الوداع زوجته، وأطفاله ولكنه كان الوداع الأخير.. تطاير، ومركبته في فضاء الشارع أشلاء مدّماة.. لقد فعلت أصابع (الموساد) فعلها الإجرامي المتفجّر!!
وهكذا أيّها الرفيق النقيب أمجد ألقى هذان الرجلان قفازيهما في وجه إسرائيل، وأثبت أبناء الجبال ولآلاف المرات عمق تجذرهم العربي وأنهم مدججون بالقلوب الأبية، الصادقة، والأيادي البيضاء المفرودة كالسحب الداجنة بالنضال البطولي، المتسربل بالدماء، وبالمضافات المرحّبة، المعطرة بعبق البن، الهادرة بالحداء المدوي فوق الصهيل المطارد من جبال اليمن، وسفوح نجد حتى (بواتييه) مشرعين السيوف الدمشقية، واليمانية الموطدة للعدل، والحق، والمساواة. صمت الفدائيّ نضال قليلاً، ثم قال:
-أترى كم أخذنا الوقت من أجل طلب إجازة قصيرة، كي أبعث بهذه الرسالة، وعن طريق الصليب الأحمر إلى ولدي أبو كنج المعتقل في أحد السجون الإسرائيلية، ومنذ ذلك التاريخ، وهذه الفرصة لا تسنح لي إلا كل ثلاثة أشهر.
***
اخترق معهم الغابة المتضوّعة على حرف الصخور. دخل اللجاة وهم يتقافزون حولـه، وخلفه، كقطيع فهود رشيقة. أصبح الجري عبيراً يتفوّح في الصدور، وأقدامهم المتواثبة ترشم على المسرح الصلد.. دفق الشباب وعنفوان دمه. يتقدمون في حلق الوعر. يستكشفون سرّه الخالد، ويستشعرون نبضه الجليل، الوقور، ويتنشقون رائحته المعطّرة بالزعتر، والرشاد، والشيح.
كانت ليلى غزالة رشيقة، ترقص ضاحكة، صارخة، واثبة فوق الصخور، وخصلات من شعرها المعقوص، تتناثر مجنونة، متطايرة فوق جبينها الذي لوحته الشمس، وهي تحاول جاهدة كي تبقى قربه متألقة، كالياسمينة.
لقد أدهشتها قيادته المحنكة، الحازمة، المنطقية، وكذلك مرحه الذي يقلب التعب الشديد، والشدّ العصبي، والنفسي.. إلى اندفاع، وحيوية ومتابعة، فامتلك قلوب مرؤوسيه، وحبهم له.
استمعت إليه بإعجاب، وشغف، شاركتها فيه جميع الفتيات اللواتي في المعسكر. كان يحاضر فيهم بتحليل علمي، ولهجة محببة، وصوت واثق عن أهم المفاصل التاريخية التي حصلت على أرض الأمة العربية.
استطاعت من خلاله أن تكوّن فكرة أشمل، وأدقّ عن الحركة الصهيونية وجمعياتها، ومنظماتها السريّة، التي عاثت، وتعيث فساداً في العالم، وعن اختلاق تاريخها المزوّر على أرض فلسطين.
ومن محاضرة ألقاها بعنوان (كيف كتب الصهاينة تاريخهم) دوّنت في دفترها ملخصاً عن الأفكار الرئيسية التي طرحها.. إن إسرائيل بحاجة دائمة، مُلِحَّة إلى اصطناع تاريخ لها، وهكذا عمد مؤرخوها وحاخاماتها تسجيل روايات، وادعاءات تستهدف ربط تاريخهم بدول قامت لهم على أرض فلسطين، وبالعودة إلى مؤرخين عديدين، ومنهم المؤرخة (كينون) التي تقول: -لا يزيد عمر مملكة إسرائيل على أرض كنعان عن ثمانين عاماً، وهي الفترة الوحيدة التي أصبحوا فيها قوة سياسية.
لقد أضفوا على تخرّصاتهم مسحة دينية، وصوفية، ولو اتبع اليهود غير ذلك لوصفوا بالتعصب الديني، والرجعية، أو التشبث بخيالات بالية، وكان ذلك من دهاء دهاقنتهم.
وقررت ليلى أن تكتب في هذا الموضوع باللغة الإنكليزية، وتعمل على نشره بالصحف البريطانية. تكلم قائد الدورة عن الفظائع والمجازر التي ارتكبتها المنظمات الصهيونية بحق العزّل من أبناء شعب فلسطين، وعن مؤامرة بريطانيا، والغرب، وتواطؤ الحكّام العرب الذي ساعد اليهود في إقامة دولتهم، وتهجير شعب فلسطين.. تكلم عن إيمانه المطلق بأن الحق لن يعود إلى أصحابه إلاَّ بالكفاح، وعدم اليأس مهما طال الزمن.
استمعت إليه وهو يشرح، ويحاور. روحها تطوّقه، وقلبها يحضنه وعيناها تزغردان في عينيه.. لقد أحبته.
تقدم منه نائبه، وقد تصبّب جسده عرقاً: -لم يتبق إلا عشر دقائق على موعد إفطار الدورة!
-أتمنى أن أبقى هنا.. يا جهاد حتى ليوم كامل.. لا أرغب بالعودة.. الوعر يقول لي ابقَ.!
ضحك الملازم جهاد، وأجاب: -أمكث وحدك.. الشباب جاعوا سنحتاج إلى ربع ساعة للوصول، حتى لو طرنا..!