١

5 0 00

١

لم يكن عربي الدم، وإن حَسِبَه كذلك كلُّ من رآه أو استمع إليه، فقد كان له لسان وبيان، وكان فيه أريحيَّة ونخوة، وحفاظ على العهد، وتحرُّج في الدين، وعصبية للعرب.

وكان أبوه «طولون» من عمال السلطان لعهد الخليفة المتوكل، فلما مات أبوه فوض إليه الخليفة ما كان بيد أبيه من أعمال السلطان، وقد كان أمر الدولة كله يومئذ إلى الموالي١ من الترك والعجم، ولم يكونوا جميعًا من الترك أو من العجم، وإنما كذلك كان يصفهم أهل «سامرَّا»٢ لذلك العهد، وبرغم أن «أحمد بن طولون» كان واحدًا من هؤلاء الموالي، فقد كان شديد الازدراء عليهم٣ يستصغر عقولهم وآدابهم، ويذكر أنهم قد تسنَّموا من المراتب ما لا يستحقون. على أن أحمد بن طولون إن لم يكن عربيًّا فقد كانت البداوة طبعًا تحدَّر إليه من أسلافه الأولين، أهل «طُغُزْغُز»، وهم قوم يسكنون أرضًا واسعة على حدود الصين، يعيشون بها في خيام من الشَّعر أو من الأَدم٤ كما يعيش أعراب البادية، فإذا لم يكن أحمد بن طولون عربي النسب، فقد كان عربي الفطرة والدين. وقُتِلَ المتوكل على سريره بأيدي مواليه من الترك والعجم، وتولى بعده ولده المنتصر، فلم يستتم على سريره بضعة أشهر ثم هلك، وبويع بالخلافة من بعده ابن عمه المستعين …

وبلغ الموالي مبلغهم من الطغيان والعَسْف، واجتمعت لهم أسباب السلطة، حتى لا يكاد الخليفة يملك معهم مخرجًا ولا مدخلًا، ولزم قصره في بغداد يتربص بنفسه كَيْدَ الموالي، ويتربصون به!

وضاقت نفس أحمد مما يشهد من غدر الترك وسوء أثرهم في الدولة، فآثر الاعتكاف والوَحْدَة، وإنه يومئذ لَشَابٌّ في الثلاثين، تَبْسِم لمثله الآمال، وتتفتَّح لعينيه زهرة الدنيا.

وقال لصاحبه: «إلى كم نقيم يا أخي على هذا الإثم مع هؤلاء الموالي، لا يطئون موطئًا إلا كُتِب علينا الخطأ والإثم؟ … والصواب أن نتركهم وما اجتمعوا عليه من الضلال والغواية، ونسأل الوزير أن يكتب بأرزاقنا إلى الثَّغْرِ٥ نقيم به في ثواب دائم وجهاد متصل!» قال صاحبه، وعلى شفتيه ابتسامة العتب والدهشة: «كأنك يا أحمد قد أيست من التصرف في شيء من أعمال السلطان، وإن كنتُ لأرجو لك، وإنك لأهل للولاية!»

قال ابن طولون: «خلِّ عنك يا أخي حديث السلطان والولاية، إن أمر الدولة يكاد يبلغ آخره من سوء ما يصنع هؤلاء الترك والعجم، وإن أمر الخليفة ليوشك معهم أن ينتهي إلى مثل ما انتهى إليه أمر عمه المتوكل٦ وماذا بعد ذلك إلا انهيار الدولة، فإن رأيت فإننا نخرج إلى طَرَسُوسَ٧ غازيينِ مجاهدينِ في سبيل الله، حتى تنجلي هذه الغمرة، أو يكون أمر من الأمر!» •••

وأنِسَتْ نفس أحمد بن طولون في طرسوس وزال استيحاشه، واشتهرت له وقائع في جهاد العدو تناقلها الركبان في الفلوات، حتى بلغت سامرَّا حاضرةَ الخلافة، فذاع صيته وأكبر الناس همته وعزمه.

وعاد من طرسوس وله ذكر ومكانة، ودارت الأيام دورتها، وإذا الخليفة المستعين مخلوع قد خلعه الموالي وأقاموا على العرش ابن عمه المعتز، ونفي المستعين إلى واسط٨ ودُعِيَ أحمد بن طولون إلى صحبته؛ ليكون عينًا٩ عليه وحارسًا له، وعرف ابن طولون للخليفة المخلوع قدره فأحسن عشرته وآنس وحدته، ووفاه حقه من التجِلَّة والكرامة، وترك له أن يغدو ويروح حيث شاء! وأراد الموالي أن يخلُصَ لهم الأمر فأجمعوا على قتل المستعين حتى لا تنازعه نفسه إلى العرش.

وكتبت أم المعتز إلى أحمد بن طولون بواسط: «إذا قرأت كتابي فجئني برأس المستعين، وقد قلَّدْتُكَ١٠ واسط.» وقال ابن طولون لنفسه وقد جاءه الكتاب: «بِئْسَتِ الإمارةُ تقلِّدُنِيهَا امرأة ثمنًا لمقتل خليفة له في عنقي بيعة.»

وتمرَّد على الأمر وتأبَّى على الإمارة.

وتسامع الناس في سامرَّا وبغداد بما كان من أمره ذاك في واسط، وبما كان من أمره قبل ذلك في طرَسوس، فأكبروا خُلُقه ودينه، وبلغ محلًّا من نفس الترك والعرب جميعًا …