1

7 0 00

1

في السهل مترامي الأبعاد، تنتَصِب القرية كشبح ببرود الإسمنت المبلل من المطر المتهاطل منذ الصباح. من بعيد، لا يمكن للمار أنْ يميّزها عن المدن الأثرية القديمة، الآتية من ظلمات الزمن، لتشهد على صراع الإنسان ضد الطبيعة منذ الأزل، ولكن من يقترب من جدرانها، يدرك حداثتها ويكتشف قرية لم يكتمل بناؤها بعد وأهملت. فبقيت البيوت بدون سقوف. طليَت الحيطان بالإسمنت فقط واحتفظت باللون الداكن، الذي يوحي بالكآبة والدمار والفجيعة. فطفقت تتآكل تحت تزايد الأمطار وأزيز الرياح. تتكوَّن القرية من مائة مسكن تحيط مساحة واسعة خُصِّصت للمسجد والبريد وبعض المحلات التجارية والثقافية، ولكن شيئا من هذا لم ينجز بل بقيت المساحة فارغة بخنادقها المملوءة بالماء والوحل وبعض بقايا الإسمنت والآجر وأطراف الحديد المتناثرة هنا وهناك. تعْصِف رياح خفيفة، تصل مُسرعة عبر السهل ثم تصطدم بالجدران بعنف وصخب، تدلف مصفرة بين الأزقة الضيقة كأنها تعلن دهشتها من هذا الخلاء والصمت المرعب والخراب، ثم تنطلق بسرعتها العادية حينما تجتاز هذه الأشباح الساكنة. من الوهلة الأولى، تبدو هذه الديار فارغة لا تسكنها إلا القطط والكلاب، وحينما يقترب المار أو يحدق النظر جيدا، يشاهد دخانا يتصاعد مُتلَولبا من إحدى البيوت في أقصى شمال القرية، لنار مضرمة أشعلها الساكن المتخفي بحثا عن الحرارة وسط هذا الصقيع والبرد الشديد وانعدام الحرارة الإنسانية.

احتل رَجُل غرفة وسط هذه الديار المتناثرة، ليأوي زوجته وأولاده الستة وبقرتهم. وضع على السقف المكشوف غطاءً خفيفا بلَّلته المياه ولم يعد يقي أحدا من الرذاذ المتساقط. تبعثرت أمتعتهم في زاوية مظلمة، بينما تكوّر الجميع حول النار أمام الباب المكشوف أيضاً، تعْبُره الريحُ عاصفة لتخرج من النافذة مصفرة مزمجرة. وقفت البقرة النحلية في زاوية ثانية، تلتَهم الحشيش الأخضر المكوّم أمامها. تنبَّه الرجل المُعمَّم إلى تناقُص العلف، فانتصَب بحركة خفيفة، ألقى نظرة إلى البهيمة المتصارعة مع بقايا العيدان المتناثرة على التراب، أدار رأسه نحو الباب وبدون كلمة، تخطى النار الملتهبة وقذف بنفسه خارج الباب. عاد بعد لحظات وفي يده رزمة من الحشيش المبلل فوضَعه أمام الحيوان الأليف الذي رفع رأسه وحرّك ذيله، فربَت الرجل الأربعيني على ظهره بحنان متمتماً بكلمات مُطمئنة، ثم جلس على قطعة آجرّ مهشمة، ماداً يديه المبللتَين فوق النار. كان المختار طويل القامة، ضامر الوجه، لا تظهر منه إلا العينان اللامعتان البرّاقتان، والشارب الأسود الطويل المنحدر نحو الذقن، يتقوّس قليلا تحت الفمّ.