3

6 0 00

3

استيقظ الجيلالي ولد البرهوش باكرا هذا الصباح، قبل طلوع الشمس بكثير، تاركا أمه وأخته نائمتين. وقف وسط الظلام الداكن متلمسا طريقه نحو الباب، فلما وجده، فتحه بحذر ثم أغلقه مباشرة خوفاً من انسياب الضوء إلى الداخل. في الساحة بحث بنظره عن دلو الماء، بعينين نصف مغمضتين، يجد صعوبة في فتحهما على اتساعهما. سكب الماء على يده اليمنى من الدلو وغسل وجهه لعله يستيقظ قليلا. ثم دخل البيت، تناول معطفه وقطعة من خبز المطلوع وانحدر من الرابية مصوبا نحو السهل البعيد الذي لا يلمح منه شيئا في غبش الصباح. السماء ليست صافية تماما، تتخللها غيوم تؤخر انسحاب الظلام والبرد.

الجيلالي شاب في العشرين من عمره، يسعى اليوم للبحث عن العمل في القرية الجديدة التي شرعوا في بنائها منذ أيام. لا يتقن أية حرفة، ولكن ساعديه قويان، عمل كثيرا في المزارع الفلاحية منذ طرد من المدرسة لكبر سنه. القرية كبيرة وتحتاج إلى شغيلة كثيرة، ولا يشك في استخدامه اليوم بالضبط. ولا يدوم هذا العمل شهرا أو شهرين مثلما اعتاد في السنوات الماضية كما يمكنه اكتساب حرفة تساعده على الاستقرار في العمل. في قرارة نفسه، مقت العمل المؤقت والانتظار الدائم في مواسم نضج الخضر والفواكه. شهر في قطف العنب وثانٍ في جني البرتقال وثالث في حمل صناديق الطماطم والفلفل والخيار.

فهو مُضْطَر إلى البحث الدائم عن شغل جديد. وكَم مِن أصباح بكّر إلى مزارع عدّة، دون جدوى في العثور على عمل ولو ليوم واحد فقط. فيقضي بقية نهاره متسكعا في شوارع المدينة، يحملق في واجهات المحلات والمارة، منتظرا نهاية الظهيرة كي يستقل آخر حافلة للعودة إلى دَشْرَته هناك في أعالي الجبال.

أسرع الخطى، حريصاً على الوصول قبل انطلاق الأشغال. الدروب ملتوية، المنحدرات وعرة المسلك، نسيم الريح الصباحية الباردة تصفعه وترغمه على إدخال رقبته داخل ياقة سرته ويديه داخل الجيوب السروالية، فيبدو منكمشا، مطأطئ الرأس. المسافة بعيدة ولكن عزيمته قوية. إنّ فرص العمل في المنطقة نادرة، ولا تتوفر دائما بهذه الكثافة.

رفع رأسه قليلا وصوّب بصره إلى مرتفع رابية مقابلة لعله يرى صديقه بوعلام. اتّفقا بالأمس على الذهاب سَويا إلى هذه الورشة التي لم تنطلق إلا منذ حوالي أسبوع فقط. عند الاقتراب من المنزل المحاط بأشجار اللوز والتين، همّ الجيلالي بالإعلان عن قدومه بصفير قويّ مثلما تعوّد أن يفعل. أوقف حركة أصابعه قبل حتى أن تصل إلى مستوى فمّه، لأنه رأى بوعلام مُسندا كتفه إلى جذع شجرة خرّوب الوحيدة المنتصبة في منبسط أسفل التجمع السكاني. فلوّح بيده اليمنى عالية. يبدو أنّ صديقه قد لمح مقدمه منذ فترة وهو ينتظر وصوله، ليلتحق به إلى الدرب الوطئ المنحدر باتجاه السهل المترامي الأبعاد، القابع هناك في الأسفل تحت الضباب الصباحي.

صباح الخير يا الجيلالي... أنا في انتظارك مُنذ نصف ساعة. قلِقْت، خِفت أن تكون قد غرقت في نوم عميق ولم تتمكّن من الاستيقاظ، فتضيع منّا فرصة الشغل.

كيف أنام يا خويا بوعلام وأنا بلا عمل منذ أزيد من شهر ! أتظن بأنهم سيشغِّلوننا؟

لم يتوقف الجيلالي عن السير ولم يغيّر من إيقاع خطواته المتسارعة. مدّ يَده مصافحا، أعادها إلى جيب سرواله. قال بوعلام مبتسما، مزهوا، وفي لياقة بدنية جيدة:

حسب ما وصلتني من أخبار، الورشة كبيرة وبحاجة إلى عدد كبير من العمال. سيبنون قرية بكاملها، قرية اشتراكية، هكذا تسمّى.

كان بذهن الجيلالي كلام متشعب يريد الإفصاح عنه، وتساؤلات محيرة يريد طرحها على صديقه، ولكن البرد والنعاس منعاه من التفوه بأية كلمة. فسارا جنبا إلى جنب صامتَين عبر الروابي والأودية والدروب الصاعدة الهابطة. وصلا إلى الورشة والشمس تطل باحتشام في الأفق المغيّم. من بعيد، تراءت لهما وسط السهل بعض البيوت الخشبية الخاصة بحفظ العتاد وإيواء العمال الآتين من بعيد. صَمت هادئ يسود المكان. تجمَّع رهط من الرجال أمام شجرة دلب في محاذاة الطريق. كان بعضهم واقفا، والبعض الآخر مقرفصا، بل ومنهم من كان جالسا برغم بلل الأرضية بالندى الصباحي. الجميع ينتظر في صمت. هم أيضا جاءوا وفي عيونهم لهفة الشغل. خفّف الصديقان من إيقاع دبيبهما. نظر الجيلالي بالتناوب، إلى الرهط هناك، ثمّ إلى صديقه، وقال:

الدنيا كلها تلهث وراء الخُبْزة... أخاف أنْ نكون قَد وَصَلنا متأخرين.

اقتربا من الشجرة ببطء، حيَّ بوعلام الحاضرين بــ"صباح الخير عليكم" بصوت مسموع، فجاءته همهمات وهمسات وتحيات واضحة المعالم. ثمّ خيّم الصمت من جديد. انتقى الصديقان مكانا قريبا من الشجرة، ووقفا يتفرسان الأجساد والوجوه لعلهما يعثران على شخص يعرفونه. بعد لحظات، وقف رجل قصير القامة ومدوّر الوجه، كان جالسا هناك في الساقية المقابلة بالضفة الأخرى من الطريق، وتقدّم باتجاه بوعلام. "أهلا بإبراهيم... راك هنا..." تعانق الرجلان بحرارة. يبدو أنهما صديقان وتربط بينهما موّدة قوية. مباشرة، سأله بوعلام عن الورشة وإمكانية التشغيل بها.

لم يستخدموا أحَدا منذ ثلاثة أيام. جئت أوّل أمس، وقال لنا رئيس العمال: عودوا في بداية الأسبوع المقبل. وها نحن في بدايته. ربّي يتمّمها بخير.

سكت الرجل وهو ينظر بعيدا، إلى الأفق، كما لو أنه يستنجد بالسماء. الوجوه السمراء التي لفحتها الشمس، المكسوّة بالغبار وبقايا عرق الأيام القائظة، متوترة وعلى محياها علامات الحيرة والتوجس من الخيبة المحتملة.

تكوّمت الأجساد اتّقاء النسمة الصباحية الباردة. أما العقول والأبصار، فشَاردة، تائهة، تسبَح بعيدا، في المدى الممتد على طول البصر، تلاحق بقايا صور الأحلام المنكسرة، هاربة من ثقل الهموم المتراكمة، واحتياجات الحياة الجديدة الزاحفة والتي لا مفر من توفيرها.

قبل سنوات قليلة فقط، كان الحطب والفحم يُستعملان للطهي والتدفئة. ولا يتساءل ربّ الأسرة، ولا زوجته ولا أية امرأة من العائلة، عن البديل باعتباره الوسيلة الطبيعية المثلى. ولكن قارورات الغاز الطبيعي ومواقدها غزَت البيوت الريفية بعد أن كانت حكرا على المدن وبعض القرى الكبيرة. فأضحَت كل عائلة تعمل المستحيل كي توفّر هذه الوسيلة الحديثة التي تقلّل من الأتعاب اليومية، للرجل –جلب الحطب- وللمرأة –أوساخ الدخان وصعوبات إضرام النار في الأيام الماطرة. الفلاحة في هذه الأراضي الجبلية القاحلة لا تعيل صاحبها ولا تمكنه من اقتناء كل هذه المتطلبات المستحدثة فيضطر سكانها الفقراء إلى النزول نحو السهول للعمل في الورشات الصناعية والمزارع الفلاحية. كما أنّ الحراسة اشتدّت في السنوات الأخيرة حول الغابات لمنع قطع الأشجار وصناعة الفحم، حفاظا على نموها وعدم اندثارها.

ومَن سيتمكن من دفع الضريبة في حالة القبض عليه بحمار مكدَّس بالحطب؟ ظهرت في السوق مدافئ غازية رخيصة الثمن وعلى كل شخص أنّ يترقب نزولها على المحلات الحكومية –أسواق الفلاح- أو يوصي من أجلها أحد معارفه، من المحظوظين الذين يشتغلون في شركة وطنية تملك محلا تجاريا خاصا بعمالها.

بعد قليل، طفق العمال يصلون إلى الورشة، فرادا وجماعات، ويدخلون مباشرة إلى البيوت الخشبية لاستخراج العتاد قبل البدء في العمل. وصل بعضهم على دراجات قديمة وأسندوها إلى البيوت الخشبية، بينما وصل الآخرون راجلين وفي يد كل واحد منهم قفة تحتوي على الأكل. التفّت مجموعة من الرجال حول نار موقدة بفتات الخشب غير المستعمل للبناء. ويتجه نحوها كل من يصل للتخفيف من شدّة البرد الذي يصيب خاصة الوجه واليدين، فيبعث لهيب النار حرارة وحركة في الأجساد، وتحمَرّ الخدود الجافة الملتحية، بتلك الحمرة الداكنة. أنظار المنتظرين خارج الورشة مصوّبة نحو اللهيب الأصفر وهم يسترقون السمع إلى طقطقات الألواح الخشبية تحت وهج النار لعلهم يجلبون بواسطتها الحرارة التي تمنحهم قوة الانتظار في هذا الصقيع الصباحي.

****

لماذا ينتابني هذا الشعور بالخوف وأنا قادم على فعل عظيم. كل الضيوف يمرحون ويأكلون إلا أنا. تصل أصواتهم إلى هذه الغرفة المظلمة وصخبهم في لعب الكرطة والدومينو يذكرني بليالي رمضان في مقهى عمي البشير، هذا المقهى الذي يبنى بالقصب وعيدان الدَفلة قبل أيام من قدوم شهر الصوم، ويخصص للسهرات ولعب القمار حتى الصبح. يجف الوادي في فصل الصيف وهو أحسن مكان لبناء المقهى الذي يختلف إليه معظم سكان الدَشرة. قليل من القصب وقضبان الدفلة ويوم من العمل الجماعي ونحن صنعنا مأوى رائعا لقضاء سهرات رمضان. أحرقوه في شهر الصوم الفائت انتقاما للمغلوبين في لعب القمار.

في تلك الليلة، رافقني الحظ والتقطت كل القطع والأوراق النقدية المطروحة فوق الحصيرة. توتر الجوّ وظهر التحدي واضحا في عيون الخاسرين. تحسست عصاي بجانبي... من يعرف؟ في مثل هذه المواقف يتخذ الإنسان حذره من الضربات الغادرة. وصل الفجر وصاح بعض الكبار بالتوقف، لأن القمار في النهار أثناء الصوم حرام. لم يستمع إليهم الخاسرون بل اتضح ردّ الفعل عنيفا (اسكت ربّك... القمار حرام في الليل والنهار... أيّ... جري الكرطة يا موح.) تواصل اللعب دورتين وجمَعتُ كل المال الذي يملكه منافسي الوحيد المتبقي. رفع رأسه وحدق في الوجوه المتحلقة حولنا وطلب من يسلفه بعض الدنانير، فرفضوا مصرّين على توقف اللعب. نهض وهو يتلفظ بشتائم غليظة، فأمسك عصاه متحديا يريد المبارزة. قفزت إلى الوراء، ملوّحا بعصاي، مستعدا للمواجهة. لكن شبان الدشرة تدخلوا وأبعدوني عن المقهى. افترقنا صاعدين نحو الديار وصوت الخاسر يصل إلينا متحديا (تنقصكم الرجولة... عطايّين... مخصيّين... يلعن دين ربكم...) ما إن ابتعدنا قليلا حتى سمعنا صخبا وهرجا ومرجا وصيحات تتعالى، أدَرنا وجوهنا وإذا بنار تفور في قاع الوادي، تلتهم القصب وقضبان الدفلة. أسرَعنا مُهَرْولين في الدرب الوعر المُثَعْبن، ولكن النار كانت أسرع من الجميع، فحولت الكوخ إلى رماد، ولم تنجُ الحصائر وبعض أواني القهوة والشاي. أشعل الخاسر النار وهرب عبر الوادي في غبش الصبح. (جرِّي الكرطة يا الجيلالي... جرِّي...) انتبهت إلى أصدقائي داخل الغرفة المضاءة بشمعتين وحدقت في وجوههم وصوت المسجلة يغمر الجو نشوة (اِيجي نْهارك آ الحلّوفة... اِيجي نْهارك... أنعَضّك واندَغْدغك). وضَعت الكرطة على الحصيرة وأشعرتهم بتوقفي عن اللعب. لا تخَف يا الجيلالي ! الرجال لا يخافون... كلها دقيقة وتفرجها... من تكون هي حتى تقلقك؟ أنت تعرف النساء، إذا امتنعت فاستعمل القوة، اربطها إذا اقتضى الأمر... أربطها... هل هي كلبة مسعورة؟ ما ذنبها المسكينة؟ رأيتها آخر مرة وهي صغيرة ترعى الماعز. لم أفكر يومها أنني سأتزوّجها. كانت تبدو صغيرة ويقولون الآن كَبرت وصارت امرأة مكتملة ونهودها حبات رمّان، ناضجة، قابلة للقطف. سنَرى ما صحة قولهم هذه الليلة... ولكن لماذا أنا قلق؟ هل أخاف منها؟ وكل هؤلاء الذين ينتَظرون القَميص المخثر بدم بكارتها! يَجب أنْ أكون فحلا وإلا لما استطعت الخروج وملاقاة أصدقائي.