2
تقدَّمَت سيارة بيضاء عبر الطريق الترابي المتجه نحو القرية. انخفضت سرعتها وتوقفت قرب أول منزل يصادفها. في هذه اللحظة، طفقت الشمس الشاحبة بالاختفاء وراء الجبال غربا. انقطع المطر عن السقوط منذ أيام وارتفعت حرارة الجوّ قليلا. السيارة من نوع 404 بيجو، قديمة وبداخلها رجلان وامرأتان ملحفتان بلحاف أبيض. أدار السائق وجهه إلى الخلف نجو المرأتين وقال مبتسما.
توقّفت الأشغال بهذه القرية منذ شهور... المنازل غير مكتملة البناء وهي خالية... لا تخافوا شيئا... ستغرب الشمس بعد لحظات و...
أنزلت المرأة الجالسة خلفه مباشرة لحافها عن رأسها إلى حدّ كتفيها، وهزّت شعرها الكثيف بخفة لتحرّره من طوقه وتعرض جمالها أمام الرجلين، زيادة في الإغراء، زيادة في الدفع، وقالت بصوت ودود خافت، ولكن النبرة تخون الخوف والقلق اللذين يعصران صدرها:
لو ندخل وسط هذه المساكن الخالية أحسَن...
أطلق السائق ضَحكة بصَوت مرتفع، في محاولة منه لتلطيف وتهدئة الجوّ، ثمّ، وبدون كلمة، أشعل المحرك، ضغط بإحدى رجليه على الواصل ثم بأخرى على دوّاسة التسارع وانطلقت السيارة بهدوء فوق أكوام الإسمنت الجاف وقطع الأجر المهشم. اهتزت الأجْساد الأربَعة داخل السيارة وبعد قليل توقفت ثانية وسط حيطان نصف مخرّبة. همّ السائق بفتح الباب، لكن صوت المرأة الودود شلّه عن الحركة.
اطلع بهم يا سي العربي...
اعتدل السائق في جلسته ثم استدار كلية ونطق بنوع من الحيرة المفتعلة:
- تأتي معي إلى هذا الخلاء ولا تثقين بي؟
- هذه المهنة المُمَحنّة علّمتنا الحذَر حتى من الملائكة نفسها. عمَلوها معنا أولاد الحرام. أهانونا، أشبعونا شتائم، بل وضربونا، وتركونا في البراري بلا حتى دينار واحد كي نستقل حافلة أو نأخذ تاكسي. نعرف بأنكم ناس ملاح، ولستم من هذه الطينة الخامْجة، ولكن بما أنكم ستدفعون، فما هو الفرق، الآن أم بعد... ادفعوا فورا لكي تطمئن قلوبنا وتكون الجلسة رائقة مثلما تشتهي النفوس والأجساد...
أدخَل السائق يده اليمنى في جيبه بحثا عن الدراهم ولكن صديقه أوقفه بحركة يد خفيفة قائلا.
-خلِّيها عليّ هذه المرة.
ثم أخرَج محفظة من الجيب الداخلي لجاكتته، فتحها، انتقى ورقتَين نقديتَين من الحجم الكبير، وناولهما للمرأة التي ابتسَمت بمكر، مصوِّبة بصرها إلى صديقتها الصامتة. نزل السائق من السيارة ومسح المكان حول السيارة بنظرة فاحصة، لانتقاء زاوية مواتية للجلوس. فتح الصندوق الخلفي للسيارة، أخرج غطاء رماديا قديما، وضعه تحت إبطه، ثمّ تناول كيسا متوسط الحجم به مأكولات وزجاجات نبيذ. ما إن استدار، قاصدا مكان الجلوس، حتى رأى رجلا قادما وسط الطريق الترابي من داخل القرية، مرتفقا عصاه في حركة خفيفة متوترة. وقف متسمرا في مكانه، مدركاً قصد الرجل الغريب المتجه نحوهم. كان المختار منشغلا برعي بقرته على حافة الدروب الملتوية حيث يمكن العثور على الحشيش في بداية هذا الموسم الشتائي حينما سمع هدير محرك السيارة وهي منعطفة نحو القرية. انتابه قلق للوهلة الأولى إذ تبادر إلى ذهنه مجيء بعض المسؤولين لتهديده بالطرد وتبخّر هذا الشعور حينما حدّق مليا إلى داخل السيارة ولاحظ اللحاف الأبيض ثم نظر إلى الشمس المائلة نحو المغيب وفكر "عاهرة مع رجل أو رجلين بدون شك، حسبوا هذا المكان فارغا وأرادوا أن يشيخوا بعض الوقت".
لم يبال بوجودهم في البداية بل عاد إلى بقرته المنهمكة في قضم جذور الحشيش، ولكنه بقي مضطرب البال ومشرد الذهن. "قد تكون "المْرا" سمعت هدير المحرك وعلمت بقدوم السيارة وكذلك الأولاد، وسيتساءلون...، وربما بعثت بحميد يستكشف هوية القادمين، ويتفرج على أشياء لا تليق بعمره، وبكل سذاجة سيَروي لأختيه الكبيرتين واقع المشهد الغريب. لا يمكن لمثل هذا الفسق أن يدخل داري وأنا حيّ..."
لحظتها، ترك المُختار البقرة في مكانها، أمسك عصاه جيدا مستعدا لمواجهة الخطر. فأسرع خطاه باتجاه مكان اختفاء السيارة، وهو يجتهد لكظم اضطرابه وانفعاله، واعدا نفسه بعدم استعمال القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس. تقدّم نحو الزائرين، سلم ثم توقف على بعد عدّة خطوات وقال بهدوء:
هذه القرية ليست مهجورة مثلما تتصورون... تسكن فيها عائلة محترمة، بزوجة وأولاد...
سكَت برهة من الزمان، يحملق في وجه السائق الذي لم يتحرك من مكانه وراء السيارة. حطّ الغِطاء والكيس فوق الصندوق الخلفي وتقدّم نحو صديقه متسائلا عن ردّ الفعل الملائم في مثل هذه الحالات. ما إن وصل إلى مستوى مكانه داخل السيارة، حتى سمع صوت المرأة يتوسل:
يا العربي، لا داعي لخلق مشاكل... هيا بنا إلى مكان آخر... أرض الله واسعة، لا نريد مناوشات مع السكان... تكفينا مصائب رجال الدرك الذين يلاحقوننا طمعا في فروجنا بالمجان.
ضغطَت بيدها على كتف الرجل الجالس وأضافت بصوت مضطرب:
أنت عاقل... قل لصاحبك يركب ويذهب بنا إلى مكان آخر.
فتح الباب، نزل وتقدم نحو الرجل المعمّم الذي يحرك عصاه بعصبية لافتة للنظر، تابع المختار حركات الرجل المتقدم ببطء، مستعدا للدفاع عن نفسه ولكن الرجل توقف قربه مبتسما، مدّا يده للمصافحة قائلا:
اسْمَح لنا يا أخي، لم نكن نعرف بأنّ وسط هذا الخراب سكان. وإلا لما دخلنا إليها أصلا.
تصافح الرجلان وافترقا بنفس سرعة اللقاء. أعاد السائق الغطاء وكيس المأكولات والنبيذ إلى الصندوق الخلفي واندسّ في مكانه زافرا لاعنا في صوت هامس. ارتفع هدير المحرك وانطلقت السيارة متمايلة فوق أكوام الإسمنت الجاف والآجر المكسر والحفرات المملوءة بالوحل وبرك المياه المتعكّرة. تطايرت بعض اللطخات إلى جانبي الطريق والتصق الوحل بجوانب قاعدة السيارة البيضاء التي انعطفت وراء البيوت واختفت عن أعين المختار الذي تنفس الصعداء. لقد مرّت المواجهة بسلام، ولم يكن بحاجة إلى استخدام عصاه لحماية إقليمه الجديد.
همّ بمغادرة المكان والالتحاق ببقرته، إذ بابنه الكبير، حميد، يقف إلى يمينه متسائلا:
-ماذا يُريدون يا أبي؟
احتار المختار في الجواب الملائم والمقنع. أيكون الطفل قد شاهد وسمع كل شيء. هل ينفع معه الكذب؟ رغم ذلك ردّ الأب بامتعاض:
-ضلّوا طريقهم... يريدون الذهاب إلى مرابط سيدي زكري.
حدّق الطفل في وجه أبيه مستفسرا، يريد مزيدا من التوضيحات، أو يسأل عن توقف السيارة أكثر من اللازم، لكنه عدل عن الفكرة وركض متجها نحو الدار.
عاد الأب إلى بقرته وأطلق حبلها وأمسكه بقبضته، وهو يتابع خطواتها وهي تتشمّم الحشيش المبلل، في حين كانت السيارة تدلف وسط الطريق المعبد وتنطلق بسرعة نحو الغرب باحثة عن مكان خال من المزعجين.