4
أسرع الخطى مرتفقا بهراوته الغليظة وسط الغبار المتطاير، تحت الحرارة المنثالة على رأسه المعممّة بعمامة برتقالية متسخة، متهدلة على كتفه الأيسر. عيناه هائمتان في كل ما يحيط به من أشياء ساكنة ومتحركة، لا تكاد تركن تجاه نقطة محددة، بل يحدق في كل الأشياء وفي اللاشيء في لحظة واحدة، ينظر خلفه تارة إلى الوراء، بعيدا، ثم يتوقف فجأة كأنه ينتظر إنسانا يلحق به أو يسترق السمع إلى صوت آتٍ من الأجواء المحيطة. انتهَج دربا ملتويا ليجد نفسه بعد لحظات منتصبا أمام القرية الخربة، بلونها الداكن. رفع هراوته، لمسها بيده اليُسرى، ثم حطّها على الأرض وجلس القرفصاء، يلهث من احتداد الحرارة في هذا الهجير. يلبس ملابس مرقعة قديمة وكثيرة العدد، برغم الجوّ الحار. يمشي حافي القدمين. تحسَّس لحيته الكثيفة الشعر، المتسخة، نهَض وطفق يجري نحو القرية ممسكا بهراوته من الوسط، لافظا كلمات وعبارات بصوت مرتفع مسموع.
وصل إلى مدخل البنايات المطلية بالإسمنت الداكن، وقف مُحدّقا في حافة الحائط الخارجي، اتّكأ على عصاه الغليظة قليلا، ثم استأنف المشي السريع بين الحيطان وسط الآجر والإسمنت وقطع الحديد المبعثرة فوق التراب، على قارعة الأزقة. وَصَل الساحة التي تتوسط القرية، وقف وسطها وبدأ يسطِّر بعصاه خطوطا متقاطعة على التراب، ملتفتا يمنة ويسرة، مشيرا بيده الفارغة تجاه المنازل المحيطة حوله، فتكلم بصوت مسموع كأنه يشرح مشروعا لمستمعين ينصتون له بأدب واحترام.
استمعوا أيها التائهون ! استمعوا إلى سيّدكم الجليل، الشيخ عابد الغبريني ! سيُبعد عنكم المصائب وينجيكم من فضائح الأيام الآتية... سيشقّ لكم الدرب الآمن للوصول إلى ذروة سيدي امْحمد المغيث... هناك، على رأس الجبل، وسط الغيوم... مقام لا تطأ أرضه المباركة إلا قدما الشيخ الغبريني ومن سار على دربه، وعمل بنصائحه النيرة وأطاع له الطاعة الكاملة. هذه القرية ومن فيها، بشر وحيوانات، بل وحتى الحشرات، ستنطلق يوم الجمعة بعد صلاة الفجر مباشرة، عاملة بنصائح سيّدكم. ستنطلق دفعة واحدة، لتتخلّص من الشياطين والحمّى المسمومة لبعض عباد الله القاطنين فوق هذه البراري. سيرحل الجميع... الأزقة، الأحجار، الحيطان، الغبار، الذباب، نعم حتى الذباب... حذارِ من المتخلِّفين ! وبعد ذلك نشعلها نارا لاهبة كنار جهنم...حذارِ من المشكّكين !
أدار جسمه كلية إلى الوراء، حدق في الأفق نحو قرص الشمس ثم انطلق يسرع الخطى منسحبا من القرية، تفككت عمامته وتهدلت على كتفيه، وبقي رأسه الكثيف الشعر عاريا ثم سقطت وراءه على التراب، لكنه لم يبال أو لم يتفطن إلى سقوطها، فأكمل مشيه السريع مرتفقا بهراوته الغليظة.
في تلك اللحظة، وثب طفل، كان يجلس في طرف الساحة، مسندا ظهره إلى الحائط الإسمنتي، من مكانه واتّجه نحو العمامة المطروحة أرضا. كان الطفل يتابع حركات الشيخ الغبريني ويستمع إلى هذيانه، يحاول استيعاب مَعنى تلك العبارات، متخيّلا كيف يمكن لهذه القرية أن ترحل وهل يرحل معها هو وأهله؟ وهل يأخذون البقرة معهم أم يتركونها ؟ ماذا ستأكل؟ من سيجلب لها الحشيش؟
في قدمي الطفل صَندلة مطاطية سوداء اللون. يرتدي سروالا بنيا مع تريكو أصفر اللون. ما أن رأى الرجل الملتحي قادما عبر المنحدر البعيد حتى أسرع واتخذ له مكانا مقابلا ليتفرج على الحركات البهلوانية ويستمع إلى الصوت الجهوري الغريب. منذ مدة وهذا الشيخ الملتحي يتردد على القرية، يقضي فيها بعض الوقت، ثم ينصرف مسرعا نحو الجهة المعاكسة التي وصل منها. في البداية هاله المنظر الرث ووجه الرجل الشيطاني، فكان يسترق النظر من ثقب وسط حائط مدمر خوفا من اقتراب هذا الكائن الخاص الذي يتميز بتصرفاته عن بقية الرجال الذين يعرفهم. ثم استأنس الموقف وأصبح يجلس على التراب ويتابع الحركات الغامضة.
اقترب منه مرارا ولما لم يجد اهتماما من طرف الشيخ، يئس واكتفى بالنظر.
ما أنْ لمَح سقوط العمامة، حتى وثب الطفل من مكانه وفي عينيه ومض الانتصار. اقترب من مكان العمامة، تصلب كثبها، انحنى لرفعها لكنه تردد قليلا ورفع رأسه يحدق في شبح الرجل الهارب بين الحيطان، فأعاد النظر إلى العمامة، أطال البصر المريب على قطعة القماش البلية المغبرة، ثم رفعها بحركة يد خفيفة وانطلق يركض بأعلى سرعة لاحقا بالشبح الذي كاد يخرج نهائيا من القرية. فكّر في مناداته. كيف سيناديه؟ لا يعرف اسمه. يا الشيخ ! ياجدّو ! يا سي محمّد !شلّت الحيرة لسانه. ركض بأسرع ما يمكن، تجاوز الهارب ببضعة أمتار وتوقف مُجرجرا رجليه على التراب واستدار كلية نحو الشيخ ومدّ له العمامة مبتسما.
واصل الشيخ الغبريني دبيبه كما لو أنّ لا أحد اعترض طريقة. استأنف الطفل ركضَه من جديد، تجاوزَه، ووقف ملوّحا بالعمامة، وهو يصيح: "هاذ العمامة اتّاعَك..." أخيرا توقف الشيخ، حدّق مليا في الطفل، ثم أشار إليه بيده أنْ اقتَرِب. بلا تردّد، خطى الطفل خطوتين، ومدّ له العمامة وعلى شفتيه ابتسامة توجس وحذر. أدخل الشيخ يده الفارغة في جيب معطفه الطويل وبدأ يبحث عن شيء ما يكافئ به الطفل. أطال البحث واختفت اليد كاملة ثم الذراع وأغرقت بين الجيوب المتعددة والمتشعبة المعلقة بالملابس الكثيرة التي يحملها فوق جسمه المنهك، والطفل واجم يتابع حركة اليد ويترقب خروجها من لحظة إلى أخرى، متخيلا ما يمكن أن يفاجئه به هذا الشيخ غريب الأطوار. بعد مدّة أخرج قطعة حديد ملونة ومنحها للطفل الذي تلقفها منه بسرعة محركا إياها بين أنامله. أخذ الشيخ العمامة، لفها حول رأسه تاركا نصفها يتهدل على كتفه الأيسر. حدق مرة ثانية في وجه الطفل وقال له بصوت أجش:
استعد يوم الجمعة صباحا للسفر معنا... أنت وحدك أسمَح لك بالذهاب معنا. سنكون في المقدمة، أنا وأنتَ، أنا أعرف الطريق جيدا نحو مرابط سيدي المغيث... لا تنس... سأجدك مستعدا...
سكت الشيخ الملتحي عن الكلام وانطلق يمشي بسرعة تاركا وراءه الطفل فاتحا فاه، ينظر تارة إلى القطعة الحديدية الملوَّنة، المستطيلة الشكل، وتارة إلى ظهر الشبح المبتعد بسرعة. بقي واقفا لمدة يفكر في صحة الوعد وفي قيمة القطعة الحديدية. راودته أسئلة كثيرة لم يجد لها جوابا. بعد مدة، هزّ رأسه مبتسما ابتسامة ساخرة وقفل راجعا إلى البيت، مقررا مع نفسه استشارة أبيه حول سرّ هذا الشيخ ولماذا يختلف عن الرجال الذين يعرفهم؟ ركض بين الأزقة الفارغة رافسا بصندله قطع الإسمنت المجمد والآجر المهشم والأحجار الصغيرة متفاوتة الأحجام، محدثا وراءه الغبار الكثيف الصاعد في نفثات لولبية. دلف إلى الساحة الفارغة، توقف مليا ثم التقط قضيبا قصيرا وراح يقلد حركات الشيخ، مخططا على التراب رسومات متداخلة متشابكة، لا تلمِّح إلى شيء واضح المعالم. كانت حركات الطفل سريعة جدا رغم الحرارة المختنقة والجوّ الملوّث بالغبار المتصاعد حينما يرفع القضيب بعد انتهائه من رسم الخط أو الدائرة أو أي شكل آخر.
جَمدَت يدُه فجأةً عن الحركة وتسمَّر يستمع إلى صخب محرك آتٍ من وراء جدران القرية. توقفت اليد المُمسكة بالقضيب الذي ما زال طرفه الثاني على التراب راسما ربع دائرة، يقطعها خط طويل. انتبه مليا ثم مَحا كل الخطوط المرسومة فوق التراب، رافسا إياها بقدميه. ألقى القضيب بعيدا قرب الحائط وانطلق مهرولا نحو جهة الصوت. انعطَف عبر آخر منزل يتملص ملتصقا بالحائط كي يرى كل شيء ولا يراه أحد. أمامه عبر الطريق الترابي المتجه نحو القرية، تتدحرج سيارتان ببطء ملحوظ. الأولى سوداء من نوع 504، بداخلها أربعة رجال. والثانية من نوع الأندروفر بألوان داكنة وهي السيارة الرسمية للدرك الوطني. اتّجَهت السيارتان مباشرة نحو المنزل المحجوز من طرف عائلة مختار، منتهجة الزقاق الرئيسي الفاتح في الساحة الرئيسية. أسرع الطفل ليخبر أباه ولكنه وجده واقفا في طرف الساحة الشمالي ينتظر وصول الزوار. نظر الطفل إلى وجه أبيه الحائر وبادره متسائلا.
-ماذا يريدون يا أبي؟
لم يجبه الأب بل أمسكه من كتفه وأشار إليه بالسكوت وعدم التدخل. نزل ثلاثة رجال من السيارة السوداء وتوجهوا نحوه بهدوء. يلبس واحدهم بذلة زرقاء وربطة عنق بنفس اللون وله شارب كثيف يصل إلى أسفل الذقن بينما يلبس الاثنان بذلات صيفية رمادية اللون. بادرهم المختار بتحية ترحيب وابتسامة قلقة. أدرك أنهم مسؤولون من البلدية، نظرا لهيئتهم ولمرافقة رجال الدرك لهم. ولكن صاحب البذلة الزرقاء قاطعه بصوت استفزازي يريد من خلاله إظهار سلطته الجبارة.
أنت هو السبع الذي يسكن هذه القرية متحديا كل القوانين. ألا تعرف بأنّ في هذه البلاد سلطة وقانوناً يحتكم الناس إليهما...
لم يندهش المُختار من هذه الغطرسة. كان ينتظر هذه اللحظة منذ وضَع قدميه وسط البيوت الخربة التي لا تصلح إلا للذباب والكلاب المسعورة والفئران والجرذان. لم ينتظر طويلا بل أجاب مباشرة بصوت صلب لا يتخلله أيّ ارتعاش.
أعرف بأنني في إطار غير شرعي، لكنني لم أجد مغارة أسكن فيها. وصلت من الهضاب البعيدة من جبال الونشريس، وجَدت هذه الحيطان فارغة، فسكنتها، انتظر الفرج من الله تعالى.
سكت يستشف الردّ من الوجوه المحملقة في سحنته الرثة وجسمه النحيل. كانت الأجسام الثلاثة المقابلة ممتلئة ومكتنزة ببطون منتفخة إذا قورنت بسحنة المختار التي لم تحافظ إلا على العمود الفقري بعظامه المتماسكة.
هكذا بكل سهولة، تجد قرية في إطار البناء وتحتل بيتا بطريقة غير شرعية بحجة أنك لم تجد سكنا. وقبل ذلك، أين كنت تسكن؟ لماذا لم تبق في منطقتك؟ تريدون كلكم الهجرة إلى المدن !
فرنسا هي التي طردت الجزائريين إلى الجبال. الآن، بعد الاستقلال، من المفروض أن نعود إلى المدن، ولا نبقى هناك مع الذئاب...
تأمّل رئيس البلدية وجه المختار مليا، وفكّر في الجواب اللائق. إنه على حق، هل سيبقى الجزائريون يقطنون الجبال بعد عشر سنوات من الاستقلال؟ ولمن تبني القرية الاشتراكية؟ تدخّل الرجل الثاني المرافق لرئيس البلدية:
اسمَع يا سي محمّد ! لا نريد المزايدة معك في الكلام. أنتَ تحتل سكنا بطريقة غير شرعية، وعليك أن تغادر القرية في أقرب وقت. بعد أيام قليلة، ستستأنف الأشغال لإتمام بناء هذه القرية الاشتراكية. لذلك نعطيك مهلة أسبوع لترحَل وإلا...
سكت ولم يفصح عن نوع التهديد. قال المختار:
وعائلتي، الزوجة، الأولاد الصغار... أين سنبيت؟
هذه مشكلتك. عُد إلى حيث كنت تسكن.
وأشار بيده نحو الجبال المجاورة، ثم واصل قوله بصوت منخفض هذه المرة:
أرض الله واسعة... كل الناس تسكن في الجبال، فلماذا أنت بالضبط تصر على السكن هنا؟ ابْنِ "براكة" وسط هذه الجبال وانتظر حتى تحل الأزمة. لا يمكن للدولة أن تُسكِن الجميع في يوم واحد.
استمع المختار بامتعاض، يفكر في كيفية الانتقال وإلى أين؟ يعرف بأن الحديث معهم لا ينفع بل لا يجلب له إلا المصائب لأنهم أصحاب قوة ونفوذ. معهم رجال الدرك، تكفي كلمة منهم ليجد نفسه في السجن، وعائلته في العراء. مع ذلك، لم يستسلم، فواصل الحديث معهم، يريد إطلاعهم على وضعيته الخاصة:
-أنا لست من هذه الجبال ولا أعرف أحدا هنا. كنت أرعى الغنم عند الحاج عبد الله ولما باع كلّ أغنامه، أصبَحنا بلا عمل وبلا سكن. بحثت عن العمل فلم أجد... بحثت عن السكن، فلم أجد... منذ صغري وأنا أرعى غنم الحاج عبد الله. لا أعرف شيئا عن الحرف الأخرى. لما باع أغنامه في الأسواق، رحنا عنده نستفسر عن مصيرنا فقال لنا. اسألوا حكومتكم، هي التي أرادت ذلك... تسرق المواشي من المسلمين، تتحدى المشيئة الإلهية ولا تتحرج في التأكيد على إسلامها، اذهبوا إليها لعلها تستخدمكم في مصانع الخمر وأدوات الزنى وملابس قوم العريانين... وبقيت أتسكع بدون مأوى لمدة سنة كاملة. سألت الناس عن المناطق التي يمكن للإنسان مثلي أن يعيش فيها، فقيل لي بأن الشمال يوفر للمعدومين أمثالي عملا وسكنا، كما يمكن للأولاد الالتحاق بالمدرسة... ولكنني لم أعثر على شيء.
سكت منكسا رأسه، يحاول استرجاع أيام الوجع والعري والتنقل الدائم حتى يئس وكاد يفقد أحلامه الرفيق والأنيس الوحيد في حالات الفقر المدقع. تكلم صاحب البذلة الزرقاء برفق هذه المرة محاولا تهدئة الجوّ المتوتر بين الطرفين.
-لا تيأس... سنجد لك عملا في هذه القرية. أما السكن فيجب عليك أن تدير أمرك، يمكن أن نمنحك قليلا من القصب لتبني منزلا محترما وسط هذه الروابي مثل غيرك من الناس. أنا رئيس البلدية الجديد، مرّ على مكتبي بالبلدية غدا أو بعد غد، سأعطيك رخصة للعمل وللبناء.
استعدّ الرجال الثلاثة للدخول داخل السيارة، تاركين المختار واقفا في مكانه يحدق في الزوّار وفي السيارتين ويحلم بالوعد الجديد. ارتفع صوت المحرك وتدحرجت السيارة السوداء قليلا، راجعة إلى الخلف، وقبل أن يبتعد الموكب، أخرج الدركي رأسه عبر الزجاج وقال مهددا:
يجب عليك مغادرة هذه القرية قبل أسبوع. لا نريد ملاقاتك هنا في المرة المقبلة وإلا حبسناك بدون رحمة لكي تعرف ما معنى القانون...
تلاشى تهديد الدركي وسط هدير المحرك المرتفع مع انطلاق السيارتين في اهتزاز كبير فوق الأحجار وأكوام التراب والإسمنت.
سنرحل يوم الجمعة مع الشيخ الغبريني، ولا ننتظرهم ليأخذونا إلى السجن.
التفت المختار نحو صوت ابنه وراءه وقال بصوت مرتفع:
- ألم أقل لك مرارا بأن لا تستمع إلى هراء ذاك المهبول. إنه مريض لا يعرف ماذا يقول.
- ولكن هو الذي قال لي بأنني سأرحل معه يوم الجمعة صباحا قبل طلوع الفجر.
لم يترك المختار ابنه يكمل حديثه بل أوقفه مزمجرا.
قلت لك بأنّه مريض لا يعي ما يقول. اذهَب إلى الدار لتنام قليلا وترتاح من الحرارة والغبار.
أمسكه من يده وتوجها معا إلى الدار حيث كانت الأم واقفة تنتظر بفارغ الصبر أخبار الحادث المفاجئ.
تسمّرت الزوجة في زاوية، حاملة بين ذراعيها طفلا رضيعا، فطمأنها المختار قائلا:
إنه رئيس البلدية، يطلب منا مغادرة هذه الحيطان. وعدني بعمل وبقليل من القصب. سأذهب غدا لأقابله في مقر البلدية.
ارتفع صوت غليظ في الخارج يعكّر السكوت والهدوء المحدّق بالقرية.
استمعوا إلى الشيخ عابد العظيم يبلِّغ لكم الحقيقة... لا يعرف هؤلاء إلا الكذب والنفاق. لا ترحلوا معهم بل سترحلون معي كلكم. سنغادر هذه الأمكنة العفنة ونلتحق بذرًى طاهرة خصبة. إنّهم مثل الأفعى، تلدغ ثم تمشي وراء الجنازة منتحبة. من قتل هذه القرية؟ من دمّرها؟ من لسعها وامتص دماءها؟
ثم تلاشى الصوت الجهوري متبخرا مع الحرارة والغبار. همّ الولد بالخروج ولكن منعه الأب وأرغمه على التزام ركن الغرفة وعدم التحرّك. اختفى الشيخ عابد الغبريني بين الأزقة الضيقة قبل أنْ يظهر بعيدا، صاعدا الدرب الملتوي المؤدي إلى رابية مرتفعة وهو يرتفق بهراوته الغليظة. من جديد عاد الهدوء يخيّم على القرية، تحت وهج الشمس وأشعتها المنثالة على الحيطان والتراب والغبار.
****