(2)

6 0 00

(2)

ـ كيف الحال أحلام؟

ـ لا بأس.. الحمد الله وأنت؟

ـ لا بأس.. لا بأس جاءت أمي صباح اليوم قالت إن خالي يدعونا جميعاً لزيارتهم..

ـ لكن أنا لا أستطيع ذلك..

ـ إن أمي مصرة على السفر.. إنها تخشى أن ينال الصغار أذى..

ـ هي محقة في ذلك.. لكن.. أنا والصغار ستة.. والسفر بالنسبة لي صعب.. صعب جداً..

ـ أنا في الواقع لا أريد الذهاب.. لكنها مصرة.. سنذهب لبضعة أيام.. لعل العدوان يتوقف.. فالوضع هناك، كما يقول خالي، أكثر هدوءاً.. إنها منطقة صغيرة.. قد تكون بعيدة عن ذاكرة المعتدين..

ـ لا.. لا أظن.. ليس هنالك من موقع واحد بعيد عن مخططاتهم.. وأنا لا أستطيع أن أترك أبا الأولاد وحده هنا.. ولا تنسي أننا ستة وأخشى أن نضايق بيت خالي، أو أن يسبب الأطفال ما يزعجهم..

ـ لا أظن ذلك.. فبيتهم واسع.. ومن المؤكد أن يمضي الصغار مع أولاد خالي النهار كله في البستان.. أنا شخصياً، كما قلت لك، لم أكن أرغب في الذهاب.. لكن بصراحة.. وضع سعد يقلقني.. إنه يتمزق رعباً أثناء الغارات على بغداد..

ـ هذه حال الأطفال كلهم..

تذكرت سميرة ما جرى في الليلة قبل الماضية.. حين شرعت الطائرات بإلقاء حممها.. هب سعد من نومه.. راح يرتجف من رأسه حتى أخمص قدميه.. تيبس الدم في عروقه وبدا وجهه كقشرة ليمونة جف ماؤها.. وراح يصرخ ويبكي بصورة هستيرية.. ضمته سميرة إلى صدرها.. كان قلبه يدق كطبل أجوف.. ومع كل دقة يهتز رأسه بعنف.. وصدره يعلو ويهبط كمنفاخ حداد.. حتى ظنت سميرة إنه سينفجر.. وهناء.. تصبح هي الأخرى على حال من الخوف والجزع. بحيث أن الدم في عروقها يتحول إلى سائل بلا لون.. تبكي وتصرخ وهي تندفع نحو أحضان أمها:

((ماما.. أنا لا أريد أن أموت.. لا أريد سعداً أن يموت ولا أنت)).

كانت أحلام تصغي بألم ظاهر.. وتهز رأسها بين حين وحين وكأنها تريد أن تعبر عن رفضها لما كان يجري.. لتقول:

ـ أولادي أنا يصبحون على الحال ذاتها حين نضطر للبقاء في البيت وعدم الذهاب إلى الملجأ..

قالت سميرة:

ـ أسمعي أحلام.. إن خالي سيفرح بالتأكيد لو ذهبنا جميعاً خاصة ونحن لم نلتق به منذ زمن طويل..

ـ لكن.. كيف أترك صلاح وحده هنا؟

ـ إن صلاح لن يكون وحده.. قال لي مرة أنه سيكون في مستشفى الرشيد.. ثم إننا سنبقى هناك بضعة أيام.. وأنت يمكنك أن تعودي متى ما شئت لو وجدت إن الوضع غير مريح بالنسبة لك..

مرت لحظات دون أن تقول أحلام شيئاً.. ثم قالت:

ـ حسناً.. سأناقش الأمر مع صلاح حين يعود ظهراً.. وأخبرك..

عادت سميرة إلى البيت وراحت تهيئ، على مضض، بعض ما تحتاجه، هي والأطفال من ملابس وحاجيات.. أعدت حقيبتين صغيرتين من حقائب السفر.. واحدة تضم ملابسها واحتياجاتها.. ووضعت في الثانية ملابس هناء وسعد وما يحتاجان إليه.. في الليل وضعت الحقيبتين في صندوق السيارة لكي لا تشغل نفسها عند الصباح اللاحق بأي شيء غير الفطور.. لكنها خرجت قبل ذلك، مصطحبة الطفلين معها، لشراء كمية كافية من الوقود.. في السوق السوداء.. إلا أنها برغم كل استعداداتها تلك.. كانت تتمنى، أن لا يوافق صلاح، زوج أحلام، على السفر إلى بعقوبة.. لكن أمنياتها خابت حين سمعت منبه سيارة صلاح.. خرجت مسرعة.. ووجهت حديثها إلى صلاح بعد أن تبادلت التحية..

ـ كنت أتمنى أن لا توافق أنت على السفر.. ليشجعني ذلك على البقاء

في بغداد..

ـ لكن أمك، كما علمت من أحلام، مُصرة على السفر..

ـ هذا صحيح.. إلا أنني ما أزال حائرة بين نارين.. البقاء هنا أو مرافقة أمي.. مع إنني أعددت كل شيء..

انضمت أحلام لحديثهما:

ـ أنا أيضاً لم أكن أريد السفر، كما تعلمين.. لكن صلاح أقنعني..

قال صلاح موجهاً الحديث لأحلام:

ـ أنني سأكون أكثر اطمئناناً لو سافرتم.. أما أنا فسأقضي معظم الوقت.. بل كله.. في المستشفى.. وسأظل قلقاً لو بقيت وحدك والأطفال هنا.

ـ لنذهب إذن.. ونجرب الوضع هناك.. ونرى كيف تسير الأمور..

قالت سميرة:

ـ حسناً.. سأذهب أنا وأمي والصغار بسيارتي.. وإن أراد أحد من أطفاله الانضمام إلينا، فليأت..

ـ وأنا سأوصل أحلام والصغار ثم أعود إلى بغداد.. سأترك السيارة معكم وأعود بسيارة أجرة لألتحق بوحدتي.. وكل ما أتمناه ألا يسقطوا علينا قذائفهم ونحن في الطريق..

علقت سميرة:

ـ لكني لا أظن أنك تستطيع العثور على سيارة أجرة.. عد بسيارتك صلاح.. وإذا ما قررت أحلام العودة إلى بغداد.. سأعيدها أنا.. ثم أرجع

إلى بعقوبة..

ـ لا.. لا.. إن هناك بعض سيارات الأجرة التي تعمل نهاراً.. أبو طارق أخبرني بذلك.. سأعود بواحدة منها..

دعنا نذهب إلى البستان...

كسبحة ألفية انتظمت خرزها، خرزة لصق خرزة، امتدت مع امتداد الشارع المنساب أمامها، صفوفٌ طويلة متراصة، لا ترى لها نهاية، من سيارات.. حافلات.. لوريات.. عربات يجر كل منها حصان واحد بانت عظامه من تحت الجلد.. وكل ما تيسر من وسائط نقل بدائية خشنة المظهر.. وقد اكتظت بحملها من الأطفال.. النساء الغارقات في سواد كلي.. والشيوخ وقد تكوموا أكداساً فوق أكداس، وهي تحاول أن تشق طريقها بجهد، وسط غيمة من غبار تُصَعِدُه السيارات التي تنحرف عن نهر الشارع.. لائذةً بالأرض الترابية المنبسطة على جانبي الطريق.. مستعجلةً الخلاص من بغداد ومن حمم النيران المنهمرة عليها من السموات والبحار البعيدة.. ودوي الانفجارات المرعبة.. أملاً في بلوغ ما ظنوه فراديس آمنة تحت سماء الله.. لم تكن غير سراب..

ببطء وصعوبة بالغة، كانت سميرة تحاول، في يوم الحشر ذاك، أن تتعقب سيارة صلاح وأحلام.. باتجاه بعقوبة.. وبرغم ذلك الزحام المرهق، والحرارة الخانقة المنبعثة من أبخرة السيارات ودخانها.. الذي يطبق على الصدر.. أنتابها شعور خفي أن حالة الرعب وما يرافقها من أحاسيس تمزق القلب خوفاً مما قد تأتي به اللحظات الآتية من انفجارات تزلزل الأرض بما عليها.. بدأت تتلاشى من قلوب هناء وسعد وسلام، بكر أحلام، الذي انضم إليهم.. كان الإحساس ذاته قد ملأ قلوب الصغار، سنار.. داليا.. مية.. ورشا، آخر العنقود.. والدتها أيضاً كانت تشعر بنوع من الارتياح وبامتنان ذاتي لأنها استطاعت أن تقنع سميرة وأحلام بالذهاب إلى بيت الخال.. فيما راح الصغار يمازحون بعضهم وهم على المقعد الخلفي في السيارة.. ويتبادلون نكات طفولية ساذجة.. تطلق من أعماقهم ضحكاً لـه رنين أجراس فضية..

استقبلهم الخال وزوجته وداد بحفاوة بالغة..

وما إن توقفت السيارتان حتى اندفع الصغار نحو البستان..

وراحوا يتراكضون بين الأشجار والنخيل ويتقافزون فوق السواقي قبل أن يعودوا إلى بيت الخال عند الظهر..

ـ لقد تأخرتم كثيراً.. خشيت ألا تأتوا.. قال الخال..

ـ كيف؟ قالت أم سميرة.. وأضافت:

ـ إن بغداد قد خلت من ساكنيها.. لم يبق فيها غير بضع عوائل والجيش والمدافعون عنها.. لكنه الزحام!! شيء لا يتصوره العقل!! حتى إنني لم أكن أتصور أننا سنصل إلى هنا في مثل هذا الوقت..

ـ حقاً خالي.. كنا نقطع مسافة متر واحد.. ونتوقف عشر دقائق أو أكثر..

كان صلاح قد غسل وجهه ويديه ليزيل ما علق من غبار الطريق.. وقف إلى جانب الخال، يتطلع إلى البستان والخضرة المنبسطة.. وقد لاحت الأشجار وهي مثقلة بثمار لم يحن بعد موعد قطافها.. التفت إلى أحلام وقال:

ـ سأعود الآن إلى بغداد قبل أن تغيب الشمس..

ـ صلاح.. ابق معنا الليلة.. واذهب صباح الغد..

قال الخال ثم استدرك:

ـ اسمع صلاح.. سأصطحبك أنا غداً صباحاً إلى بغداد.. وأعود بعد ذلك.. إن هذا أفضل من أن تذهب الآن.. لا أظن أنك ستحصل على سيارة أجرة الآن.. إذ إنها تتوقف عن السفر منذ ما بعد الظهر.. بل اعتقد أنها قد توقفت الآن..

ـ أجل.. أجل هذا أفضل.. في القليل أنني سأعرف، بعد أن يعود خالي، أنك قد وصلت بسلام..

قالت أحلام وكررت:

ـ ابق الليلة معنا.. وغداً صباحاً.. توكل على الله أنت وخالي.. ولترافقكما السلامة..

كانت وداد تنصت إلى ما يدور.. وتهز رأسها موافقة.. بين الحين والحين.. والمآسي التي تجرها الحروب وما تثيره من مصاعب وتعقيدات في حياة الإنسان ماثلة في ذهنها إذ قالت:

ـ لا أدري ما الذي يريدونه منا؟ ما الذي فعلناه لهم؟ نحن نعيش في بلدنا على بعد آلاف الأميال عن بلدهم.. فماذا يريدون منا؟

ـ نحن لم نفعل شيئاً للأمريكيين.. قال الخال.. إن هدفهم المعلن لم يكن غير كذبة.. أما الهدف الحقيقي فهو ما قاله شوارتزكوف، قائد القوات الأمريكية بصريح العبارة:

((جئنا كي نصحح خطأ ونعطي هذه الثروة لمن يستحقونها))

ـ عجيب! هكذا.. بكل بساطة وبدون حياء.. أو حتى مجاملة لأصدقائهم.. علقت وداد مستغربة..

ـ هكذا.. بكل بساطة..

ردد الخال مكرراً.. وأضاف:

ـ وبدون خجل أو مجاملة.. وبطبيعة الحال من أجل أمن العدو..

ـ أمن أجل هذا انضم العرب إليهم وسفحوا دمنا بدلاً من أن يصلحوا ذات البين؟... شيء لا يصدق! لا يصدق أبداً..

تدخلت سميرة موجهة الحديثة إلى الخال:

ـ أتدري يا خالي.. قبل أيام قرأت مقالاً لميشيل جوبير، وزير خارجية فرنسا الأسبق، يفصح فيه عما يدور في رؤوسهم لنهب ثرواتنا.. إنه يحدد أهدافهم بسيطرة:

((دولية على البترول، ابتداء بالإنتاج والأسعار وتقسيم أرباح هذا الاستغلال بين بلدان الشرق الأوسط)).

ـ هكذا إذن.. يوزعون أرباح نفطنا بين بلدان الشرق الأوسط،..

((الشرق الأوسط))! لا البلدان العربية.. مثلاً..

علقت وداد وتساءلت:

ـ ولكن.. هل يقبلون هم أن نتقاسم وإياهم ثروات بلداهم؟

ـ لا.. بالتأكيد.. ثم إن البلدان العربية ليست هي المقصودة بتوزيع الأرباح.. ردت أحلام.. فعلق الخال:

ـ أكيد.. المقصود هو هم وحلفاؤهم الاستراتيجيون.. أينما كانوا.. في الغرب البعيد أو في وطننا العربي.. ليس هذا فقط.. فهم يريدون منا أن نلبس ما يصنعون.. ونأكل ما يزرعون.. ونستخدم في بيوتنا ما ينتجون.. ونتنقل من مكان آخر في ما يبدعون.. ونظل نحن رؤوساً خاوية.. وكروشاً منتفخة!!

ـ أتعلم خالي.. قبل فترة قرأت عن أبشع عملية غسل دماغ.. شيء خطير جداً ومضحك جداً..

كان الجميع يتطلعون إلى سميرة في انتظار ذلك الشيء الخطير جداً.. والمضحك جداً..

ـ كان ذلك في كتاب لكاتب اسمه.. اسمه.. لحظة:

وأخرجت من حقيبتها مجموعة من الأوراق:

ـ اسمه ديفيد كاما.. وعنوان الكتاب: ((الصراع.. لماذا وإلى متى)) حيث يناقش الكاتب استراتيجية إسرائيل تجاه الوطن العربي..

وأغرب ما في هذا الكتاب من المضحكات المبكيات.. إن الكاتب يعتبرنا نحن العرب غرباء في أوطاننا!!

كلسعة أفعى أو صعقة تيار كهربائي كان وقع ذلك الكلام المجنون..

إذ صاح الجميع بصوت واحد..

ـ نحن العرب غرباء في أوطاننا؟!!

ـ وهم.. هم أليسوا غرباء في أرض فلسطين؟!

تساءلت أحلام باستغراب وهي تتطلع في سميرة التي قالت:

ـ ليس هذا كل شيء.. اسمعوا.. اسمعوا ما يقوله هذا الديفيد:

((إن هناك وطناً واحداً للعرب عائداً لهم وليسوا غرباء فيه، ألا وهو الجزيرة العربية، أما بقية البلدان العربية التي يقيمون عليها الآن فليسوا سوى محتلين لها مسيطرين عليها ويقيمون إمبراطورية مغتصبة))!!

أنبرت أم سميرة مستهجنة:

ـ أية صفاقة هذه؟! نحن غرباء في أوطاننا.. وهم السكان الأصليون..

ألا يشعرون بشيء من الخجل وهم يكذبون.. ألا يتذكرون وصية الرب:

((لا تسرقوا ولا تكذبوا ولا تغدروا أحدكم بصاحبه..)) ألم يقل الرب ذلك؟

ـ بلى..

قالت سميرة..

ـ لكن ذلك ينطبق حصراً على القبيلة.. أما من كان خارج القبيلة.. الغرباء.. فهذا لا ينطبق عليهم.. وليت الأمر يقف عند الكذب.. فهناك ما هو أدهى وأعظم..

ـ أعظم من هذا؟!

أنبرت أحلام مستهجنة..

ـ أجل.. إنهم يطالبوننا بالرحيل عن أوطاننا!!

ـ لا شك في أن هذا الكاتب مخبول..

علقت وداد... فيما قالت أحلام..

ـ عجيب أمر هؤلاء.. إنهم لا يكتفون باغتصاب أرض فلسطين.. وطرد أبناء شعبها من قراهم وبلدانهم وبيوتهم.. وإنما يملكون الجرأة...

قاطعتها سميرة:

ـ أجل يا أحلام.. إنهم يملكون الجرأة ليطالبونا..

وتوقفت سميرة.. ثم قالت:

ـ سأقرأ لكم هذا السيل من الجنون:

((إن الوطن العربي يقوم على أساس احتلال العرب لأراضي الكثير من الشعوب التي قهرت وأجبرت على الذوبان ضمن العرب.. ويجب أن نطالب الأمة العربية بالعودة للعيش في المنطقة كشعب من بين غيره من الشعوب.. لا كحاكمة على بقية الشعوب، وعليها أن تتوقف عن غطرستها وتتنازل عن حقوقها السياسية الزائدة.. إذا كانت تريد العيش هنا في المستقبل بطمأنينة وسلام))!!

ـ أي هراء هذا؟!

علق الخال..

ـ خالي.. إن هذا الكاتب لا يتوقف عند هذا الحد من الهراء والتزوير التاريخي.. والتهديد.. وإنما ينتقل إلى الدور الذي على إسرائيل أن تلعبه في إثارة المشاكل بالعزف على وتر الأديان والطائفية والقوميات..

ـ ليس المهم ما يقوله هذا الكاتب أو غيره.. المهم أن يقرأ القادة العرب هذا وغيره مما يقوله هؤلاء.. لعلهم يصحون في يوم من الأيام.. ليقفوا بوجه ما يدبر للعرب في الخفاء وفي العلن.. دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم ومستقبلهم.. وإذا كانوا غير قادرين على ذلك.. فليتنحوا عن كراسيهم المقدسة.. ويدعوا أمور الحكم لغيرهم ممن يريد ويستطيع أن يدافع عن شعبه ومصلحة وطنه..

كانت سميرة وأمها وأحلام.. ووداد وكذلك.. يهززن رؤوسهن موافقات على ما قاله الخال الذي أضاف:

ـ دعونا الآن من هذا الهراء الذي يزيد الغم غماً.. لكن دعوني أقول لكم شيئاً أجمل.. ما رأيكم أن نقوم غداً.. بل بعد غد.. بجولة في البستان ونتناول الغداء هناك؟

هب الصغار مصفقين:

ـ أجل.. خالو.. دعنا نذهب إلى البستان.. دعنا نذهب إلى البستان...

الواقعة...

ثلاثة أيام مضت.. كانوا سعداء جميعاً.. هدوءٌ وخضرةُ بستانٍ زمردية.. النخيل وأفياؤها المتماوجة.. تلوح من بينها شموس برتقالية صغيرة ترش الفرح ابتسامات على الوجوه، وهي تتأرجح كلما مستها نسمة تحمل معها رائحة البرتقال والنارنج وزهر الرمان والليمون.. ورائحة عشب ندية.. كان ذلك كله يشيع في أعماقهم هدوءاً وإحساساً بالأمان برغم الأسى الذي لا يفارق أرواحهم.. وبغداد تنهمر عليها القذائف كالمطر...

وكان صباح.. وكان مساء.. وذهب الجميع إلى أسِرَّتهم.. لم يمض وقت طويل حتى بان فيض من سلام روحي يطوف على وجوه الصغار وهم نيام معلناً موت الخوف في القلوب.. لكن.. ولكن هذه، كعهدها على الدوام، تجد منابت لها على تخوم الفردوس.. إذ لم تكد عقارب الساعة تؤشر الثانية بعد منتصف الليلة الرابعة.. حتى كان الزلزال العظيم.. كل شيء من حولهم راح يتفجر براكين هائجة تلقى بحممها في الجهات الأربعة.. الأرض ترتج.. الجدران تتفطر.. الزجاج يتكسر متطايراً ليتساقط على الأسِرَّة.. على المقاعد.. على الأرض.. على الرؤوس فيدميها.. باعثاً في الجو هسهسة كصليل السيوف.. دوي مروع يهز المدينة.. والسماء تشتعل بصواريخ تجر وراءها ذيولاً من نار.. الطائرات تمطر حمولتها من القنابل ومتفجرات لم ير البشر.. في كل حروبهم.. مثيلاً لها.. كان مشهداً حياً من مشاهد حرب النجوم..

غبار.. رماد.. سخام.. حصى.. مزق نايلون.. عيدان.. أشواك.. خرق بالية.. نفايات بلاستيكية.. وكل ما تنأى به الطبيعة عن الصعود من سافل القيعان.. تصاعد في الجو ومع عصف الانفجارات.. انطفأت الأضواء.. وحلَّت الظلمةُ على الأرض.. سواد كلي لف المدينة.. خلا ما يشع في العلا... وما تبعثه على الأرض الحرائق.. وعم الخراب كل ما كان يصنع الحياة في المدينة.. البيوت.. المدارس.. المستشفيات.. المساجد.. المعامل وورش الحدادين.. محطات الطاقة والماء.. البساتين والحدائق.. حرائق.. حرائق في كل زوايا المدينة..

قفز الصغار رعباً من أسِرَّتهم.. علا بكاؤهم وصراخهم.. وهم يتدافعون في الظلام بحثاً عن أحضان تحميهم.. ومع شعاع شمس الصباح الأول.. توقف الزلزال.. بقايا ترسبات خوف ارتسمت على الوجوه الشاحبة.. وكانت أم سميرة أكثرهم وجوماً.. فهي التي جاءت بهم إلى المحرقة.. يشاركها الخال ذلك الإحساس المر بالذنب..

بعد أن أشرقت الشمس، خرج الخال ليتفقد البستان.. هاله ما رأى.. لم يبق من الطرف البعيد منه، غير أكوام من الرماد تتوهج من خلاله جذوع النخيل وأشجار البرتقال والنارنج والليمون.. وأشجار الرمان.. ألسِنة لهب تتصاعد نافرةً من بين الرماد.. والفلاحون يحاولون إخمادها.. وفي مواضع متفرقة ترقد جذوع نخل بتيجانها السعقية.. وأشجار اسْوَدَّت أغصانُها وغدا ما تحمله من ثمارٍ،.. كانت تبعث المسرة في النفوس الحزينة.. فحماً ورماداً.. وانتشرت في الجو رائحة شواء لحم طيور محترقة وخراف.. تناثرت أشلاء هنا وهناك.. فيما كانت أعمدة الدخان تتصاعد نحو السماء..

في البيت.. نهضت وداد لتهيئ الشاي وتعد الفطور.. تبعتها سميرة لتساعدها.. أما أحلام.. فكانت قد قررت أن تعود إلى بغداد..

ـ ولكن..

قالت وداد:

ـ ستكونين هناك وحدك.. حقاً إن الوضع هنا ليس أفضل مما هو هناك، على ما يبدو، لكن هنا.. سنكون جميعاً سوية.. وكل واحد منا يشد أزر الآخر..

ـ صحيح.. ولكن ليلة أمس، احترق نصف البستان.. من يدرينا أن النصف الثاني.. وربما البيت معه سيحترق ونحن فيه نيام.. عليه ألا يحترق الليلة أو أية ليلة قادمة؟! إنني أحمل على عاتقي خمسة أرواح صغيرة.. هي أمانة في عنقي.. عليّ أن أحافظ عليهم.. وفي بغداد أستطيع أن أفعل ذلك.. هناك.. آخذهم إلى الملجأ.. كما كنت أفعل كل ليلة لم يكن صلاح فيها معنا.. وكنا نجد الأمان في الملجأ.. أما هنا فما الذي أستطيع فعله لأحافظ عليهم؟

مرت لحظات.. سادها صمت وَجِل.. وحيرة أوصدت كل منافذ الأمل.. انتقلت سميرة بعينيها في الوجوه.. واستقرت على وجه أمها التي انضمت إليهم، يحدوها أمل أن تجد في حكمة السنين التي عاشتها ما يلهمها ويقود خطاها نحو الطريق الصحيح.. التفتت إلى أحلام.. ثم قالت:

ـ اسمعي أحلام.. لا أحد يدري ما الذي سيحصل هنا أو في بغداد..

وكادت تقول ((أو في الملجأ) لكنها أمسكت عن ذلك.. فهي تعلم أن الملاجئ، في كل بقاع الأرض، محمية بقوانين دولية.. وإنما قالت:

ـ إن كل واحد منا هو الذي يتحمل مسؤولية قراره.. نحن لا نستطيع أن نرغمك على البقاء هنا أو العودة إلى بغداد.. فالمرء لا يدري ما الذي سيحل به.. هنا أو في أي مكان آخر.. في هذه الظروف اللعينة.. بعد أيام.. بعد ساعات.. أو حتى بعد لحظات.. أما نحن فأُمي تفضل البقاء هنا مع خالي.. وسأظل أنا معها إذ لا أستطيع أن أتركها وحدها.. ربما سنبقى بضعة أيام أُخَرْ نعود بعدها إلى بغداد.. ولكن أتمنى لو تركت رشا معنا.. عسى الله أن ينجينا جميعاً من شرورهم..

ـ لكني لا أستطيع الافتراق عن رشا حتى لحظة واحدة..

ـ ثقي يا أحلام.. إنني سأرعاها واهتم بها أكثر مما تهتمين بها أنت..

قالت سميرة.. وثمة إحساس مبهم لا تستطيع أن تدركه كوامنه أو بواعثه يثير في نفسها رغبة ملحاحاً في استبقاء رشا.. بل وحتى العائلة كلها..

ـ أنا واثقة من ذلك سميرة.. لكن صدقيني أن الملجأ أكثر أمناً من بعقوبة.. ورشا.. أنت لا تتصورين مدى السعادة والفرح اللذين تشعر بهما في الملجأ.. فالصغار الذين يأتون مع أمهاتهم يداعبونها حتى تنام..

كانت سميرة تنصت وثمة إحساس بالاقتناع باد على محياها يخالطه قلق مراوغ فيما راحت أحلام تتحدث عن الأجواء التي تغمر ذلك المكان الأمين بعيداً عن صواريخ كروز وتوماهوك.

ـ تصوري سميرة.. إننا جميعاً نشعر كأننا عائلة واحدة..

ـ أكيد.. فهذا شعور طبيعي في مثل الحالة التي نحن فيها.. إن الإحساس بالخطر يشد الجميع إلى بعضهم بلا استثناء دفعاً لما قد يأتي به..

ـ صحيح.. فهناك المئات من الناس في الملجأ.. لكن المرء لا يشعر أنهم غرباء معظمهم يرى بعضهم البعض للمرة الأولى.. فإذا شكا أحد من صداع مثلاً هرع الآخرين ليقدموا لـه حبة باراسيتمول أو أسبرين.. وإن أصاب أحد ما مغص أو أي ألم ترين الجميع يندفعون لتقديم أية مساعدة ممكنة لكي يخفف عنه الألم..

ـ حقاً إنها مشاعر رائعة.. علقت وداد.. وأضافت.. وهي ليست وليدة الظروف الحالية وإنما هي متأصلة فينا نحن الشرقيين.. لكنها تتأكد في مثل هذه الظروف.

ـ أكيد.. تصوري أن هذا الحشد الهائل من الناس وقد تفرقوا في مجموعات.. منهم من يلعب الدومينو.. ومنهم من يلعب النرد.. وآخرون الشطرنج.. أو الورق.. والمشجعون لهذا الفريق أو ذاك يملؤن الدنيا صخباً وتصفيقاً وكأن الدنيا سلام ما بعد سلام... ولا حرب كونية هناك تشعل النيران من حولنا وتزرع الموت في زوايا المدينة...

ـ ولكن.. كيف تتدبرون أمر الطعام؟ سألت وداد:

ـ حين يحل وقت العشاء ترين الجميع يشتركون في تناول أصناف الطعام الذي تجلبه العوائل معها.. والحلويات.. والكرزات.. إنه ليس ملجأ.. بل يمكنك أن تقولي مهرجان.. أو احتفالية..

قالت سميرة:

ـ حقاً هذا ما أخبرتني به أم أروى إذا التقيتها قبل أيام في المخزن الوحيد الذي يفتح في الحي مدة ساعتين قبل الظهر.. كانت تحاول الحصول على بعض الخضر لإعداد طبق تأخذه إلى الملجأ.. كما قالت.. ودعتني للذهاب تلك الليلة إلى الملجأ.. لكني اعتذرت إذ كان علي أن أنجز بحثاً وكنت بحاجة لبعض المراجع في مكتبتي..

ـ آه صحيح.. نسيت أن أخبرك أن أروى قد خُطبت وفي الملجأ نفسه!

ـ في الملجأ؟! جميل..

قالت سميرة مندهشة.. وأضافت:

ـ ولمن؟

ـ لابن خالة صلاح.. كان يوصل أمه وشقيقتيه.. ورأى أروى.. وكانت تلك القصة الخالدة.. قصة آدم وحواء.. نظرة.. فابتسامة..

والتقطت سميرة رأس الحكاية وأكملت:

ـ فكلام.. فموعد.. فلقاء..

ـ وقد احتفلنا في الملجأ بخطبتهما..

ـ ربما كان ذلك في الليلة التي دعتني فيها أم أروى.. أتمنى لهما حظاً سعيداً..

ـ وقبل أسبوع احتفلنا في الملجأ أيضاً.. بعيد ميلاد رشا الأول.. كانت ليلة من أبدع الليالي.. لقد أعددت كيكة العديد منذ الصباح.. وكان الأطفال يغنون ويرقصون على إيقاع أشرطة غنائية أحضرتها أم أروى مع مسجل صغير.. كان مكانك خالياً.. أنت والصغار..

ـ وقد غضب سعد وهناء لأنني لم اصطحبهما إلى الملجأ تلك الليلة للاحتفال بهذه المناسبة.. تصوري أحلام.. إنهما يتذكران أيام ميلاد كل أصدقائهما.. وبالطبع أعياد ميلاد قبيلتك.. أطال الله في أعمارهم.. جميعاً..

ـ أسمعي سميرة.. أنا أقترح أن تأتي أنت والصغيرين.. وأمي كذلك.. إلى الملجأ بدلاً من البقاء هنا.. ويا حبذا لو رافقنا خالي.. وأسرته..

ـ أوه.. خالي.. إنه يُصر أن نقضي بضعة أيام أُخَرْ.. معهم.. ربما لن يتكرر ما حدث الليلة الفائتة.. وهنا.. وعلى الرغم مما حدث.. فإنني أشعر أننا لم نكن وحدنا أثناء الغارة.. إن روح الجماعة توحي لي بشيء من الاطمئنان.. حتى وإن كنت لا أستبعد أن يسقط البيت على رؤوسنا ونحن في أسرتنا نيام.. إنه فقد الإحساس بحِمى الجماعة..

ـ كما تشائين..

ـ على كل حال.. سنبقى هنا بضعة أيام نعود بعدها إلى بغداد.. وقد ننضم إليكم في الملجأ.. بعد أن أنهي بحثي.. لكنني أكرر رجائي أَن تبقى رشا معنا.. إن هناء وسعد يحبانها كما لو كانت معبودة صغيرة.. وهما لا يكادان يتركانها لحظة واحدة..

ـ لا بأس.. دعي رشا معي الآن.. وإن فكرتِ في المستقبل بالعودة إلى بيت الخال بعد رجوعك إلى بغداد.. يمكنك أن تأخذي الصغار كلهم.. وليس رشا فقط..

ـ حسناً.. لك ما تريدين.. ولكن متى ستعودين إلى بغداد؟

ـ اليوم.. سأغير ملابس الصغار.. وأعيد ترتيب الحقائب ثم نسافر..

خرجت الأم عن صمتها وقالت:

ـ أبقي معنا حتى الظهر.. وبعد أن نتناول الغداء يمكنك أن تعودي.

كان الأطفال يراقبون بصمت.. ولكن حين طلبت الجدة من أحلام أن تبقى حتى الظهر، كان ذلك أشبه بحافز ليطلق ما كان كامناً في قلوبهم الصغيرة من أمنيات..

ـ أجل.. أجل.. لنبق حتى الظهر..

التفتت أحلام إليهم.. ارتسمت على وجهها ابتسامة شفيفة تفيض حناناً وهي تطوف ببصرها في وجوه الأطفال الواحد بعد الآخر.. حتى إنهم ظنوا أنها قد وافقت.. التهبت وجوههم فرحاً.. وصدرت عنهم همهمة التُقِطَت منها كلمة شاردة: ((وافقت.. وافقت)) ولكن كيف يغيب الماء في أرض عطشى.. سرعان ما خبت الفرحة في قلوبهم إذ التفتت أحلام إلى أمها لتقول:

ـ لا يا أمي.. أفضل أن نبدأ الرحلة الآن.. أقصد بعد قليل..

ومالت برأسها نحو الأطفال كأنها توجه الكلام إليهم..

ـ أخشى أن يبدؤوا غاراتهم من جديد..

ـ والليلة الآتية.. أتقضونها وحدكم؟ إن صلاح سيكون، كما قال، في المستشفى.

ـ لا لن تكون وحدنا.. سآخذ الصغار ونذهب إلى الملجأ..

وعلى غير إرادتها، تسللت من صدر الأم آهة مفعمة بشجنٍ تجمد في أعماقها لطول ما غفا بين ضلوعها.. ثم قالت:

ـ الأمر لله.. رافقتك السلامة..

قالت ذلك وثمة إحساس خفي بالشعور بالذنب كان يمزق قلبها..

لكن ذلك الشعور سرعان ما كان يغالبه إحساس بشيء من الرضا دون أن تدرك ما الذي كان يبعث تلك الأحاسيس المتضاربة.. أكان إحساسها بالذنب ناجماً لتركها بغداد التي عاشت فيها العمر كله.. وقذائف الموت تنهمر عليها كالمطر؟ ولكن ما الذي كان بمقدورها أن تفعله؟ لا شيء.. لا شيء أبداً.. أكان لأنها كانت السبب وراء ما شهدته أحلام الليلة الفائتة وهي التي اعتادت أن تجد الأمان في الملجأ؟ لا تدري.. ثم.. أكانت الليالي الهادئة الثلاث ولقاؤها بأخيها بعد فراق طويل مصدر إحساسها بالرضا؟ ربما.. وبرغم كل تلك الفوضى المتصارعة التي تعصف برأسها.. بين الذنب وبين الرضا، ثم إحساس مبهم كان يثير في نفسها خوفاً خفياً قد تأتي به الأيام الآتية...

سرحت سميرة بنظرها عبر النافذة بين قمم النخيل التي نجت من الحريق.. ارتعاشات وريقات السعف تلونها إشعاعات شمس الصباح بلون ذهبي.. ثمار أشجار البرتقال والليمون والنارنج المتبقية وهي تتراقص في ظلالها..

أزاحت ما كانت تحس به من هموم على قلبها.. سافرت بعينيها من نخلة لنخلة.. وأمنية واحدة تطوف في ذهنها...

ليت أحلام تظل وصغارها معنا..

وقفت سميرة وأمها.. والخال ووداد.. عند بوابة البستان..

وهم يلوحون بأيديهم مودعين أحلام وصغارها.. فيما راح سعد وهناء وأولاد الخال يركضون وراء السيارة وهم يلوحون لسلام.. وسنار.. ومية وداليا.. الذين تكوموا في المعقد الخلفي.. ملوحين بأيديهم من وراء زجاج النافذة الخلفية.. والابتسامات تضفي على وجوههم ألقاً ينافس ألق شمس الصباح..

بعد أن اختفت سيارة أحلام في منعطفات الطريق.. عاد الصغار وقد اشتعلت خدودهم ورداً جورياً..

وكان فجر العامرية..

صباح اليوم اللاحق انتشر انتشار النار في الهشيم نبأ هز العراق من أقصاه إلى أقصاه..

((لقد قصفوا ملجأ العامرية))

لم تصدق سميرة ولا أمها ولا الخال ولا وداد.. ذلك النبأ المُروِّع..

كيف يقصف ملجأ لا يضم غير المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ... إن القوانين الدولية تحرم مثل هذا العمل الهمجي.. لكن فلسفة العدوان تقول مثلما تسقط الصواريخ على البيوت لتدمرها وتقتل من فيها.. أو على بيوت الشعر في البوادي.. يمكن أن تسقط على الملاجئ..

راحت أم سميرة تنحب وتكرر الدعاء.. رحمتك يا رب.. أرجو ألا تكون أحلام وصغارها قد ذهبوا الليلة الماضية إلى الملجأ.. أرجو أن يكون صلاح قد قضى الليلة الفائتة في البيت.. يا رب.. لا منجد لي غيرك.. فيما بدأت سميرة، والقلق يعصر فؤادها، تساعد هناء وسعد في تغيير ملابسهما.. وتعيد حقيبتي حاجياتها وحاجيات الطفلين.. وكذلك حقيبة والدتها إلى صندوق السيارة على عجل.. استقلوا السيارة جميعاً.. استقل الخال ووداد سيارتهما واتجهوا إلى بغداد.. والدموع لا تتوقف لحظة واحدة عن الانهمار من عيني الأم طيلة الطريق.. ودعاء صامت يرتفع إلى السماء.. يا رب رحمتك.. يا رب أنت المستعان.. ولا معين غيرك..

دمعة آسية كانت تلوب في عيني سميرة يلوح من خلالها ويخبو أمل يائس.. لعل أحلام لم تذهب إلى الملجأ.. لكنها قالت إنها ستذهب والصغار.. ربما عاد صلاح إلى البيت.. وهو حين يكون في البيت لا تذهب أحلام إلى الملجأ.. ولكن.. كيف يستطيع العودة إلى البيت في هذه الظروف وهو طبيب عسكري عليه أن يكون في المستشفى كل الأوقات؟! علَّ أحلام وصغارها قد نجوا من المحرقة.. وتنبعث في ذهنها عبارة قالتها:

((لا يمكنك أن تقولي.. ملجأ.. بل مهرجان أو احتفالية))

تُرى.. ما الذي حل بهم.. داليا.. مية.. سلام.. وحبة العين رشا التي لم تكد تجتاز عتبة السنة الأولى.. ماذا بشأنها.. ما الذي حصل لها.. كانت تحبو نحوي مجتازة كل ما يقف في طريقها.. تناغي كحمامة.. كأنها تريد أن تقول شيئاً.. تتشبث بي.. بأذيال ملابسي.. تحتضن ساقيَّ وهي ترفع رأسها إليَّ.. ((ألا ترفعيني)) وحين أحملها.. تلصق خدها بخدي.. تمد سبابتها الصغيرة في عيني.. في فمي.. في أنفي.. أبعد سبابته الصغيرة عن وجهي.. فتبتسم.. إيه يا رشا.. أين أنت الآن؟!

كانت أطيافهم تروح وتجيء أمام ناظريها وهي تقود السيارة بأسرع ما تستطيع مستعجلةً الوصول إلى بغداد.. أكان ذلك نداء القدر الذي لا رادَّ له.. هل أتجاوز حدود الأمل لو تمنيت على الله أن ينجيهم هم وجميع من كان في الملجأ؟ كيف؟ أأطلب المستحيل.. يا رب.. أنت قادر على كل شيء.. ارفق

بنا وبهم..

حين وصلت بغداد اتجهت فوراً نحو ملجأ العامرية.. كتل متراصة من دخانٍ أسود كثيف حجبت عين الشمس، كانت تتدحرج متصاعدةً، تنطلق من بين ثناياها السنة لهب تسابق الريح وهي تتلوى في الجو كالأفاعي.. دفقات من حرارة حارقة كانت تلسع وجوه الحشد المستمر بعيداً عن الملجأ والجزع يتدفق من العيون.. انخلع قلب سميرة.. ترى أين هم الآن في هذه المحرقة.. أذابوا كلهم؟! احترقوا؟! وفي لحظات الرعب تلك، ماذا قالت أرواحهم؟ كيف جابهوا الحرائق والنيران وعصف الصواريخ والموت؟! أماتوا كلهم مرة واحدة؟ يا لعذابهم.. ويا هول ما جرى.. لكن لِمَ استعجل الأمور؟ ربما لم تذهب أحلام.. ولم تأخذ الأحبة الصغار.. سأذهب إلى بيتها.. قد تكون هناك.. استدارات.. وإذا بها وجهاً لوجه أمام صلاح.. وابن خالته، خطيب أروى، ووالد أروى.. والرعب يندلق من عيونهم.. فهمت كل شيء.. إذن.. أحلام وصغارها.. أروى.. وأم أروى.. وأهل صلاح.. كلهم كانوا هنا.. في العامرية..

وراحت تنوح بصمت وتلطم رأسها بكفيها والدموع تتدفق من عينيها.. وجرح عميق ينز في قلبها دماً.. قبل أيام قلائل.. احتفلوا بعيدها الأول.. ماذا حل بك يا رشا.. حبيبة قلبي..

انكمش الجلد.. تشقق وتمزق.. ذاب اللحم.. ذابت العظام واستحالت رشا بخاراً تاه وسط العصف والنار والدخان والدم.. لم يبق منها شيء.. من جسمها الطري.. لا أشلاء.. لا أيدي.. لا سيقان.. رشا الحبيبة صارت بخاراً..

أواه يا رشا.. كيف أحتمل جسمك الغض كل هذا الهول؟! وأحلام؟

أحلام؟ انفصل الرأس عن الجسد بنصل شظيةٍ من فولاذ. لفته غيمة من دخان أسود متكثف تلتمع من خلاله نصال نار وشرار.. ارتطم الرأس بجدار الملجأ قبل أن يستحيل صورةً شبحية متفحمة انطبعت على الجدار تحف به ظلالٌ سوداء.. ربما هي وجوه داليا.. مية.. سنار.. وسلام.. والموت يطل من عيونهم الحزينة المرتسمة على الجدار.. أجساد ذائبة امتزجت بصهير الفولاذ وذوب الأكف والأيدي والرؤوس.. بالجثث المقطعة.. بالدم.. بالقيح.. بالحياة التي أزهقت في كل زاوية.. في كل منعطف وممر.. كلهم.. كلهم صاروا بخاراً.. هلاماً أو دخاناً تصاعد نحو سماء خرساء..

وسنار؟ قيثارتي الجميلة.. سنار التي كانت تتباهى باسمها الغريب.. ورفيقاتها وصديقاتها في المدرسة كن يسألنها:

ـ معنى سنار؟ أهي كلمة عربية؟

ـ لا أدري.. يوماً سألت أمي: ماما.. ما معنى اسمي.. سكتت متحيرة.. ثم قالت: لا أدري.. أبوك اختار اسمك.. قال إن لـه رنيناً موسيقياً.. كنغم ينساب من قيثارة سومرية..

حكت لي سنار يوماً هذه الحكاية وهي تكاد تموت ضحكاً.. حتى إنني ضحكت لضحكتها المنسابة من قيثارة سومرية.. والتي تشبه العدوى.. فحين تضحك سنار.. يضحك كل من كان بالقرب منها دون أن يعرف سبباً لضحكتها الحلوة التي تنساب كساقية رقراقة من فضة وذهب..

ـ خالتي.. أنا سنارة!

تساءلت وقد أخذني العجب:

ـ صنارة؟! كيف؟!

قالت:

ـ أجل.. أنا سنارة...

ـ قولي لكيف صرت صنارة؟!

ـ صديقتي رُلى قالت إنها تعرف ما معنى سنار. فقلت لها، أنا وصديقاتي، كيف عرفت؟ قالت:

ـ سألت أمي ما معنى سنار؟ بهتت أمي ثم ضحكت وقالت: إنه على وزن منار أو فنار.. ربما كان ((سنارة)) فحذفوا تاءها المربوطة، وصارت ((سنار)) هذا كل شيء.. ولكن لِمَ لم يسموها منار مثلاً أو فنار؟ قلت لا أدري.. إنها سنار...

أين أنت الآن يا سنار.. أهلاماً صرت أم بخاراً.. أم غباراً...

وفي فجر العامرية.. كانت حكايات.. وحكايات.. وترانيمُ صمتٍ تفيض بها الدموع.. حزينةً كانت عصافيرُ فجرٍ لم يأت لـه صباح.. ملتاعةً بلابل العامرية.. وفراشات تبكي زهوراً تسربلت برمادٍ يشع بدل العطر موتاً وفناء.. وعلى أنينٍ سرى في الأرض كمداً.. أفاق الشجر أسيان تهفهف أوراقه شجناً شجياً.. وفي ذلك الفجر.. فجر العامرية لم تشرق الشمس أبداً.. أبداً.. أبداً..

زرافات.. زرافات... تعد ألفاً ومئات خمساً قد تزيد أو تنقص قليلاً.. جاءوا قبل أن تذوب الشمس عند أفق العامرية.. تُردِدُ الشوارع همس حكاياتهم.. رنين ضحكاتهم.. وحكاياتِ حب تزهر خفاقةً بين الضلوع.. وتحمل منهم أثار أقدامٍ تسارع الخطو نحو العامرية.. هرباً من الموت نحو الفناء.. حاملين معهم من المأكل والشراب ما يصل بهم مطلع شمس يوم آتٍ.. وفي الدروب التي ساروا عليها.. ترك الصغار أصداء ضحكاتهم الغضة.. وحكاياتٍ بريئة عن قلائد من زمرد و ياقوت وبلور وزجاج ملون.. وخواتم تناغي أصابعهم الطرية.. وعن أساور وكراتٍ ولعبٍ وشرائطَ شعر خضر وزرق وبيض وحمر.. وقراصاتٍ من نرجس وياسمين تتلألأ في شعورهن كما النجوم في ليلة دهماء غاب عنها القمر... وأعيادِ ميلاد ستأتي بأفراحٍ وهدايا وأحلامٍ تزوغ عاماً بعد عام في زوايا السنين الآتيات...

في ذلك المساء... دخلوا أفواجاً أفواجاً.. بطن الحوت.. وانغلقت الأبواب.. وتناثرت الكلمات والحروف.. والبسمات تطوف على الوجوه.. وحكايات عن الماضي السعيد.. وعن الغد الذي ظنوه آتٍ بأحلى الأمنيات.. وجاء الليل ومضى.. إلا من وقيدٍ يشعل النار في ليل بغداد ناثراً الموت بلا قيود.. بلا حساب.. بلا حدود.. وقبل الفجر.. قبل أن تزقزق العصافير.. وقبل أن تشدو البلابل.. جاء نذير الموت ممتطياً صهوة صاروخٍ يحمل على متنه احتضارات جنون التكنولوجية...

وفي فجر العامرية.. قامت القيامة في بطن الحوت.. ارتجت الأرض.. وانشقت السموات.. وانطبقت الأبواب فما عاد هناك من يقدر على فتحها من الإنس أو الجن أو الملائكة الأبرار.. ليسيح الموت كما يشاء والنار كما تشاء.. واللهب كما يشاء..

سدف من دخان أسود تتدحرج صعوداً نحو السماء.. زئير وعصف مدو.. وحقد ونفط وصهير فولاذ يجرف بذوبه الدافق أشلاء ممزقة ورؤوساً تفحمت لا أحد يعرف أي جسد كان يحملها.. أكفاً مهشمة.. بقايا أجساد مقطعة استحالت ذوباً اختلط بنجيع الدم المراق في العامرية.. ثمة أيد استطاعت، في ذلك الجحيم.. أن تصل الأبواب..

وراحت تدق الأبواب.. تدق الأبواب.. دون مجيب.. حتى أخرسها موت جميل حمل على نصاله مباهياً:

بشائر صمت الأبدية...

ولم يبق في العامرية غير بيوتٍ خلت من ساكنيها وأخرى يطوف في حناياها أنين وآهات تنز أسىً في ذلك العماء.. وعيون تسح دماً وذكريات تأبى الرحيل وهي تلملم العذاب والأسى في ذلك الفجر الحزين.. فجر العامرية الذي لم تشرق الشمس في سمائه أبداً.. أبداً...

***

الكتاب الثاني..

الظلمة الأولى..

حديقة الصَوَّان..

شرائط برتقالية وأخرى ذهبية تضرجت حوافيها بلمسات أرجوانية وما كان بلون الورد.. خفقت في السماء منحدرة نحو خط الأفق الغربي حتى اختفت في العمق السماوي بعد أن تحولت إلى ألوان منها ما كان باهتاً ومنها ما كان كابياً يستثير في النفس جروح الزمان.. تابعت سميرة مغيب الشمس بقلب اختزن من الذكريات ما يأبى التواري في غياهب النسيان.. ساحت بعينيها بعيداً عبر النافذة.. أشجار الحديقة تتلاشى غائبةً في العتمة الآتية.. وفي المدى تسافر النخيل حتى لم يعد يُرى منها غير أشباح تتحدى الظلام.. وتنبعث من أعماقها آهة مخضلة بشجنٍ استقطرته الأيام في فؤادها منذ ذلك الليل الضبابي.. وتنثال في ذاكرتها ـ كنثيث مطر خريفي ـ صورٌ مما جرى في تلك الليلة الظلماء.. وكأنه قد حدث للتو..

كتبت سميرة..

((من ذكريات الزمن الجارح))

كنا في حينه في لندن لزيارة ابنة أختي الكبرى التي توفاها الله قبل بضع سنوات.. كانت إقبال، وكان هذا اسمها، وزوجها مازن، يقيمان هناك منذ ما قبل العدوان الثلاثيني، للإعداد لشهادة الدكتوراه.. هي في الفيزياء الذرية، وهو في جراحة الأطفال.. في أمسية أحد الأيام، وكانت الشمس تسرع الرحيل فيما وراء الأفق، عادت إقبال ومازن من عملهما، مبكرين.. كان ذلك بعد بضعة أشهر من توقف الحرب العدوانية، ضد الوطن..

ويتكسر النَفَسُ في صدرها كمن يغص بجرعة ماء مر..

ـ ماذا حدث؟

تساءلت مستغربة:

ـ اليوم عدتما مبكرين على غير عادتكما.. ما الأمر.. أرجو أن لا تكون هناك مشكلة..

ـ لا يا خالتي.. لا مشكلة هناك..

ـ الحمد لله.. ماذا إذن؟

ـ لقد أخبرني أحد زملائي من ايرلندا أنه شاهد إعلاناً تلفزيونياً يعلن أن فيلماً سيعرض مساء هذا اليوم.. يتضمن تقريراً عن العراق.. وقد اتصلت بإقبال كي تنهي عملها بصورة مبكرة لنعود في الوقت المناسب كي نشاهد الفيلم..

وتدخلت إقبال:

ـ أجل يا خالتي.. فنحن مشتاقان جداً.. جداً للعراق.. لقد قضينا سنوات كأنها دهور ونحن بعيدين عن العراق.. إنها حقاً دهور ونحن نرمح تحت ضباب لندن الذي لا يبدو أنه سينقشع في يوم من الأيام..

ـ وفي أية ساعة سيعرض الفيلم؟

ـ لا أدري إذ إنني سألت زميلي الايرلندي عن موعد العرض.. قال إنه لم ينتبه لذلك..

في الساعة التاسعة بدأ عرض الفيلم الذي صوره أحد مصوري إحدى قنوات التلفزيون البريطاني.. كنا جميعاً نجلس أمام الشاشة بعد أن تناولنا وجبة عشاء سريعة كي لا تفوتنا مشاهدة الفيلم.. كان سعد يتزاحم مع هناء ضاحكاً لينال أفضل موقع أمام الشاشة.. كنا نضحك منهما جميعاً.. لم يكن هو في حينه قد تخطى عتبة الربيع التاسع.. مازحته هناء قائلة:

ـ هَيْ سعد.. قم من هنا.. أنا أختك الكبرى وعليك أن تطيع أوامري.. قم يا لله.. يا لله.. اجلس هناك..

وأشارت إلى كرسي آخر..

ـ ولماذا؟

ـ لأني أريد أن أجلس هنا.. على هذا الكرسي..

ـ اسمعي هناء.. أنا أخوك الأصغر.. وعليك أنت تعطيني المكان الأفضل.. قال ضاحكاً وأضاف:

ـ أنا سأجلس على هذا الكرسي.. وأنت أجلس هنا..

وأشار إلى الأرض..

ـ حسناً.. قالت هناء وجلست فعلاً على الأرض..

وبدأ عرض الفيلم بمشاهد من العراق.. خلناه فيلماً سياحياً.. فمصور الفيلم على ما يبدو، قد استفاد من بعض الأفلام السياحية والآثار الملتقطة في العراق.. فاستهل بها فيلمه.. بدت الجبال الشماء في شمال الوطن منتصبة بأبهة وشموخ.. وعيون الماء والشلالات تتدفق منها..

ـ الله.. ما أجمل هذه الشلالات.. حين نعود للعراق لابد أن نزور الشمال.. قالت إقبال..

ـ أكيد.. وافقها مازن.. إنني لم أر في حياتي ما هو أجمل من شلالات بيخال.. انظري إلى هذه الشجرة.. كيف تتحدى الشلال وتقف منتصبة في قلبه غير مبالية بدفق المياه..

وتسرح الكاميرا في بساتين اللوز والبلوط والجوز.. ثم ينتقل في المصايف.. وفي عودة سريعة لعيون الماء والشلالات، تأخذنا بنقلةٍ متناغمة إلى مياه الأهوار الجنوبية حيث تمرق المشاحيف وتحلق أسراب الطيور وهي تتصايح مستجيرة بآلهة سومر قبل أن يأتي المساء.. وفي لقطة بارعة، تبزغ من أعماق الأفق بيوت القصب يحف بها آتياً من الزمن الذي كان.. همس الآلهة:

((يا كوخ! يا كوخ القصب!...

اسمع يا كوخ القصب...

أيها الرجل ((الشروباكي)) يا ابن ((أوبار ـ توتو))

قَوِض البيت وابنِ لك فلكاً

تَخَلَ عن مالك وانشد النجاة

واحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة))

ويمرق الزمان مخلفاً وراءه جنة عدن عند ملتقى النهرين.. مردداً أصداء حكايات وحكايات تستذكر أوائل الأشياء التي أبدعها الأجداد.. حتى توقفت الكاميرا في بغداد..

كنا فرحين جميعاً ونحن نشاهد شوارع بغداد الجميلة وبيوتها ومبانيها التي قال عنها المخرج الفرنسي مارتن ميسونيه، إنها تستحق توقيع لوركوربوزيه ((Le Corbusie)). كان الناس يتجولون آمنين في أسواق بغداد.. وكان سعد يطير فرحاً حين يميز بعض المواقع.. يهب من كرسيه.. يلوح بيديه.. ويشير بسبابته:

ـ هذا شارع الرشيد.. هذا بيت جدتي القديم في الأعظمية.. وهذا فندق الرشيد.. أنا أتذكره جيداً..

ووجه الحديث لإقبال:

ـ لقد أخذتنا ماما.. أنا وهناء لتناول الغداء يوماً في هذا الفندق.. جائزةً لهناء بمناسبة نجاحها..

والتفَتَ إليَّ متسائلاً:

ـ أليس كذلك.. ماما؟

ـ أجل.. أجل.. وأنا أتذكر أنك رفضت أن تأكل السمك..

ـ لماذا؟ سألت إقبال مداعبة.. ألا تحب السمك؟

ـ قال إنها حيوانات مسكينة تسبح في النهر..

ضحكنا جميعاً.. لكن هناك علقت..

ـ أتعلمين خالة إقبال ماذا أكل؟

ـ ماذا؟

ـ رز وبطاطا مقلية.. لأن الرز والبطاطا المقلية لا يسبحان في النهر...

قالت هناء ذلك وقد غرقت في الضحك.. وضحكنا نحن أيضاً... كان سعد آنذاك يقفز من مقعده.. فيدوس قدم هناء غير عامد.. لتبدأ هي بالصراخ.. يصفق ويضحك انبهاراً وهو يسمي تلك المواقع.. وكنا نشاركه فرحته الصغيرة، فتنطلق من صدورنا ضحكات عفوية حين تختلط عليه الأمور فلا يعرف شيئاً مما يرى.. فيخلط الحابل بالنابل.. وفي تصوره أنه قد اكتشف قارة جديدة.. لكن سعادته لم تكتمل.. إذ توقف العرض فجأة وأطل مُعِدُ الفيلم ليعلن:

((كان هذا الجزء الأول من الفيلم.. كان يصور حياة مضت.. وسنشاهد وإياكم الجزء الثاني.. وبالمناسبة.. أنصح الأمهات ألا يسمحن للأطفال بمشاهدة هذا الجزء...))

التفتُ إلى سعد:

ـ هيا.. سعد.. إلى الفراش..

ـ ماما.. أنا لست طفلاً.. أنت تقولين لي دوماً أن أكون رجلاً.. أنسيت؟

ـ وأنا ما أزال أقول ذلك.. أريدك أن تكون رجلاً حقاً..

ـ وكنت تقولين.. لا رجل في البيت غيرك.. أنت رجل البيت.. أنسيت؟

ـ لا.. لم أنس.. لكن ذلك شيء.. وما نحن فيه الآن شيء.. أما سمعت مقدم الفيلم يطلب إلى الأمهات ألا يسمحن بمشاهدة هذا الجزء من الفيلم؟

غداً.. حين تكبر.. تستطيع أن تشاهد كل ما تريد.. والآن.. هيا.. هيا.. إلى الفراش..

ـ ماما.. أرجوك دعيني أرى جزءاً صغيراً من الفيلم.. فأنا مشتاق لبغداد.. ((ماما.. الله يخليج)).. وبعدها اذهب إلى الفراش أعدك..

ـ حسناً.. دقيقتان.. فقط.. اتفقنا؟

قالت ذلك وهي تشير بيسراها إلى الرقم اثنين بسبابتها والإصبع الوسطى..

ـ اتفقنا..

لون رمادي كابٍ غطى الشاشة.. ألسنة لهب تبرق كسيوف لامعة بين آن وآن.. رحنا نتطلع في وجوه بعضنا.. ونحن في انتظار ما سيفسر عنه ذلك السواد الكلي والبروق النارية.. حين انطلقت متداخلة مع بعضها أصوات مبهمة وصرخات مكبوتة.. منفلتة من أعماق السنين:

((بغداد يجب أن تدمر!))

ما أشبه الليلة بالبارحة!! حين انطلقت صيحة مجنونة ترددت أصداؤها قرابة نصف قرن من الزمان في أرجاء الإمبراطورية الرومانية:

((قرطاجة يجب أن تدمر!))

حين سقطت قرطاجة تحت حوافر الخيول الرومانية.. لتنطلق الآن في النزع الأخير من القرن العشرين.. في الوول ستريت:

((بغداد يجب أن تدمر!))

لا مكاناً حسب.. وإنما بكل أناسها.. بماضيها وحاضرها.. بحضاراتها وثقافتها.. بكل أيامها المشرقة.. بعشتارها وبكلكامش.. بآشور بانيبال وسرجونها..بأنبيائها وأوليائها.. بآثارها ومزاراتها.. بمنصورها وهارون رشيدها.. ومأمونها.. بأحمد الفراهيدي بالمتنبي بالجواهري وبدر شاكر سيابها.. بجواد سليم وفائق حسن.. وإذن.. فإن زمان بغداد لابد أن يتوقف.. أن يموت ويتجمد في عصر الظلمة الأولى.. عصر.. كان أهل العراق قد تخطوه في بدايات الزمن الأول.. ليرسموا للإنسان في كل مكان.. مساراً يشع نوراً.. حرفاً.. عدلاً.. وحباً.. ويصنعوا للبشر كلهم عصوراً لها تواريخ ذات معنى..

ومن وسط ذلك الهيجان انبثق آتياً من بعيد رقم مشوق يسفر عن ذاته حيناً ويغيب وسط الغبار حيناً.. ولم تمر غير لحظات قصار حتى اندفعت من أعماق الشاشة متجهة نحونا، نحن المشاهدين، جحافل حملتها رياح السهوب الآسيوية.. وبانت بغداد وسط ذلك الطوفان تتصاعد لهباً وتتطاير حجارة.. والناس يتراكضون بحثاً عن ملاذٍ يصون لهم أرواحهم دون جدوى.. إذ راحوا يتساقطون تحت سنابك الخيول البربرية.. رؤوس تتدحرج.. سيقان.. أذرع.. أجساد مقطعة الأوصال تتطاير.. جدران تتهاوى.. كتب ومخطوطات صارت مزقاً ووقوداً لنيران تأكل كل شيء.. ومن بعيد يتلوى دجلة وقد صار ماؤه دماً.. وتنقل لنا لقطة مباغتة خيطاً نارياً متوهجاً يقترب آتياً من الأفق البعيد تبيناه سرباً من صواريخ تجر ذيولاً من نار لتتعانق والسيوف البربرية.. وفي لحظة العناق تلك يتفجر الهول من جديد.. ترتجف الأرض وتنفطر السماوات.. أبنية تتفجر بحجارتها وإسمنتها وفولاذها المذاب.. البيوت.. المدارس.. المستشفيات.. الجسور.. تتهاوى.. وتتطاير أجساد النساء والأطفال والشيوخ أشلاءً ممزقة.. وفي خضم ذلك الاضطراب العظيم ينطلق صوت المعلق:

((كانت تلك.. مشاهد من فوضى الزمان الأول.. ديناصورات تصارع بشراً أرادوا لهذا الكون أن يكون أحلى.. ليؤول كل شيء إلى عماء الظلمة الأولى.. أثمة فارق بين ما كان في سالف الأيام.. وما جرى الآن في عصر التكنولوجيا؟ أترك الجواب للمشاهدين...)).

وجوم كلي لفنا جميعاً.. اختلستُ النظر إلى سعد.. كان تمثالاً صغيراً نسيه الزمان.. والحزن ينهمر من عينيه اللتين كانتا قبل قليل تنفجران ألقاً.. ظل ساكناً حيث كان وقد مات الفرح في أعماقه.. وتهدلت زاويتا فمه.. توجهت نحوه.. وقفت ما بينه وبين التلفزيون:

ـ سعد.. لقد انتهت الدقيقتان.. والوقت تأخر كثيراً.. كان يجب أن تكون في فراشك قبل ما يقارب الساعة والنصف.. غداً يوم عطلة وقد اتفقنا أنا وإقبال وعمك مازن أن نزور حدائق الزهور.. هيا يا سعد.. إلى الفراش..

ـ ماما.. ((الله يخليج.. بس أشوف هؤلاء الأطفال))..

ـ لا يا سعد.. لقد وعدتني.. أنسيت؟ ثم علينا أن ننهض غداً مبكرين..

ـ ماما.. ((بس ها اللقطة))..

ـ ولكن..

وقاطعها:

ـ ماما.. "والله بس هالمشهد".. وأذهب إلى الفراش..

كنت أخشى على قلبه الصغير من مزيد من الألم..

ـ لا يا حبيبي.. أنا أيضاً سآوي إلى فراشي.. هيا.. هيا..

مددتُ يدي إليه.. أمسكت بيده.. أحسست رعشة خفيفة تسري في يده.. ساعدته على النهوض.. واتجهنا إلى حيث ننام.. توقَفَ فجأة وبقوة جعلتني أنا أيضاً أتوقف للحظة.. التَفَتَ إلى التلفزيون.. التَفْتُ أنا أيضاً بصورة لا إرادية.. ويا هول ما رأيت.. كان ما عرض على درجة من الرعب والرهبة ما جعلني أنسى سعداً وأنسى حدائق الزهور.. وأنسى النوم مبكراً.. وفي اللحظة عينها تكثف الزمان كله.. ماضياً وحاضراً في فيضٍ من تداعياتٍ ما كان غافياً من حكايات الزمن القديم التي كانت جدتي ترويها لنا ونحن صغار مضطجعين على أسرتنا وهي تحاول أن تستعجل، بتلك الحكايات، النوم أن يتوسد أجفاننا.. وفي ضبابية تلاحم الأزمنة بين ما كان وما يكون.. وبين مصدقةٍ ومكذبةٍ لرعب ما أرى، خُيلَ لي أني سمعت صوت جدتي آتياً من أعماق ما كان...

((وكان يا ما كان في سالف العصر والأوان.. فتىً في المدينة ينافس الورود حسناً.. كان يلعب بقوس من الخشب.. يقذفه في الهواء فيرتد إليه.. وفي مرة من المرات، سقط القوس في حديقة قصر السلطان.. تسلق الفتى السور وقفز في الحديقة ليستعيد قوسه الخشبي.. فرأته الأميرة ابنة السلطان.. وما إن رأته حتى خفق قلبها الصغير في صدرها الظمآن، وأولعت بحسنه وجماله الفتان.. اقتربت منه وقدمت لـه زهرة من زهور الأقحوان.. قال الفتى: ((الله.. ما أجمل هذه الوردة وفوح عطرها الريحان..)) قالت لـه الأميرة وكان اسمها شذا الرمان: ((ما أسمك أيها الفتى؟)).. قال الفتى: ((قمر الزمان)) فقالت الأميرة: ((أتحبني يا قمر الزمان؟)).. قال الفتى: ((ومن لا يحب ابنة السلطان؟)) فقالت الأميرة: ((اذهب إلى حديقة الصَوَّان.. واقطف لي منها زهرة قرنفلٍ مصنوعةً من ياقوتٍ ومرجان.. فإن فعلت تأتي وتطلبني من أبي السلطان.. لنعيش في قصر هو الجنة أيها الفتى الفنان.. ونأتي بصبايا وصبيان.. ونعيش في رغد وأمان..

وفي ممرات حديقة الصَوَّان رأى الفتى قمر الزمان ما آثار في قلبه الرعب والأحزان.. رأى حيوانات غريبة الأشكال والألوان.. تنود برؤوسها وتحرك الآذان.. رأى غزلاناً لها رأسان وأربعة أذناب.. وست سيقان.. رأى أرانب بسبع أرجل وكلاباً من حجر بعين واحدة وأربع آذان.. وطيوراً بلا أجنحة وضفادع تنق بلا أفواه.. رأى صقوراً تنفش الريش لتفترش عصفوراً صغيراً وحمامة تختبئ بين الأغصان..

خاف قمر الزمان.. تراجع إلى الوراء.. يبحث عن طريق يقوده إلى بر الأمان.. فرأى على يمينه ما كان أشد هولاً وما يزرع الرعب في قلوب الفرسان.. رأى أجساداً بشرية استرقت حتى غدت صوراً شبحية التصقت على الجدران.. وقف حيران لا يدري أين يكون طريق العودة إلى شذا الرمان.. ساح بعينيه في أرجاء حديقة الصَوَّان فوقع بصره على زهرة القرنفل المصنوعة من الياقوت والمرجان.. تذكر الأميرة وقال في نفسه لابد أن آخذ زهرة القرنفل والياقوت والمرجان.. هدية لأميرة قلبي الولهان...

وأفاقت أم سعد من غيبتها.. راحت تجوس الشاشة بعينيها لتتبين إن كان ما تراه الآن، حقيقة أم أنه فيلم خرافي يصور مشاهد من غابات حجرية مسحورة.. أو أنه فيلم من أفلام الرعب الأمريكية.. دراكيولا.. أو فارنكشتاين.. مثلاً.. لكن ما كان يعرض الآن في التلفزيون لم يكن مشاهد من حديقة حجرية مسحورة.. ولا من أفلام الرعب الخيالية.. وإنما فيلم مرعب عن طفولة حقيقية.. طفولة من أرض كلكامش الذي تحدى مياه الموت ليحصل على نبتة الخلود.. فثمة طفل وليد لـه ما يشبه رأسين مشوهين.. وآخر بلا يدين.. وثالث بلا ساقين.. وطفل بلا عينين وآخر بلا أذنين.. وسادس بلا كفين.. وثمة طفل لم يكن يمتلك ذراعين وإنما نبتت لـه كفان عند الكتفين.. وسادس.. وسابع.. وعاشر!!

يا إلهي! أي هول هذا الذي أرى؟! أيمكن أن يفعل بالإنسان الذي أراد لـه الله أن يكون في أحسن تقويم.. كل هذا الشر.. كل هذه البشاعة؟! وكل هذا يحدث في بلادنا.. لأطفالنا.. لماذا؟ لماذا؟!

شعرت كما لو أن أمعائي تكاد.. تندلق من بين شفتي.. ضغطت على بطني وأغمضت عيني لأحول دون انهمار دمعة لائبة.. وقد تسلل إلى رأسي رسم من رسوم بيكاسو.. رسم يصعب على الإنسان نسيانه متى رآه:

وجه يبدو في أعلاه مكتمل الاستدارة أو قريباً من ذلك.. ويظهر في الوقت عينه وكأنه رسم جانبي ((بروفيل)) في القسم الأسفل.. ترتسم على عينيه وشفتيه المنفرجتين عن أسنان شائهة ومنخريه اللذين يشبهان منخري فرس أعياه السباق، أحاسيس رعب حقيقي تعمقه الخطوط الصاعدة والنازلة.. والمنحرفة التي تُحَوَّل الوجه إلى مجموعة من أخاديد ومنعرجات يجللها خوف مبهم.. ينتقل إلى المشاهد بلا مقدمات.. بلا أسباب...

لقد رأى بيكاسو، على ما يبدو، وبقية فناني أوائل القرن، بعين النبوءة، المصير الذي سيؤول إليه الإنسان في زمن آت.. حدث ذلك في وقت اتجه فيه الفنانون إلى تشويه الشكل البشري.. ليستحيل في نهاية المطاف.. إلى ما يسمى أو ما يفترض أنه إنسان.. ليصار أخيراً إلى نفي إنسانية الإنسان.. فيغدو شيئاً من الأشياء.. وعلى المشاهد.. أن يعمل فكره ويستفز كل ما يملك من ملكات ادراكية.. وعقلية.. ليستخرج إنساناً.. مما يرى!!

قال مقدم الفيلم معلقاً قبل أن يواصل عرض اللقطة الأخيرة:

((مثل هذه المشاهد كنا نسمع عنها في حكايات الطفولة الخرافية.. كانت تلك.. حقاً.. حكايات مخيفة من صنع ساحراتٍ يمتطين المقشات ليحلقن عالياً بين الغيوم.. بعد أن يتممن سحرهن الأسود.. لكننا الآن.. صرنا نشهد بعيوننا ما هو أشد هولاً وبشاعة ورعباً.. في مكان كان يسمى ميزوبوتامية.. حيث تقوم.. عند ملتقى النهرين.. جنة عدن.. التي شربت من خمرتها كل شعوب الأرض.. ما يحدث الآن.. ليس بسحر ساحر.. أو بفعل الطبيعة.. وإنما بفعل أناس يقال إنهم عقلاء..))

وجاءت اللقطة الأخيرة:

طفل ما تزال رائحة الحليب تفوح من بين شفتيه.. كان قد بلغ من الهزال درجة يستطيع الناظر أن يعد عظام صدره.. كان شعره قد تساقط.. كان يتطلع في وجه أمه بعينين تمطران حزناً وقد أطفأ الوجع بريقهما.. وبدا وجهه كقشرة ليمونةٍ نضب ماؤها.. وصدره يعلو ويهبط كأن عاصفة هوجاء تعصف بذلك الصدر النحيل.. كانت الدموع تجري على خدي أمه وهي تربت على كتفه تريد وقف العاصفة.. كان يتوسل إليها، بعينيه الغائمتين أن تفعل شيئاً يخلصه من العذاب.. وما كانت هي بقادرةٍ أن تفعل شيئاً.. وما كان بوسع العلم أو الطب أن يفعل شيئاً.. وحانت اللحظة الرهيبة.. مال رأس الطفل نحو صدر أمه.. تصورت أنه كان يريد قطرة حليب جف عنها صدرها..لكن ظنوني ما كانت أبعد منها عن الحقيقة.. بدأت العاصفة تهدأ.. رويداً.. رويداً.. وأغمض الطفل عينيه في نومة أبدية..

في تلك اللحظة عينها انغرست شوكة سوداء في كبدي.. ولم أكن أدري أن شعوري ذاك قد انتاب قلب سعد.. التفتُ إليه دون تفكير.. كانت الدموع، كسيل دافق، تسيل على خديه.. كان يجاهد كي لا يشعر أحد منا ببكائه.. وحين التقت عيناي بعينه راح ينحب كأم ثكلى.. كذلك النحيب حين شهد ما جرى في العامرية.. ولم يستطع أن يكتم مشاعره أكثر من ذلك.. إذ انفجر:

ـ لماذا فعلوا هذا بنا؟ لماذا قتلوا سلاماً ودالياً.. مية وسنار.. رشا وخالتي أحلام والست أروى.. لماذا قتلوهم؟

حاولت أن أعيد السلام إلى قلبه.. مسَّدت شعره.. مسحت دموعه.. ربت على كتفه.. ثم مددت يدي لأمسك بيده.. كانت باردة كالثلج.. وثمة رعشة يهتز بها جسده كله.. لكنه استجاب لي دون كلام هذه المرة.. قدته إلى فراشه الذي كان في الغرفة نفسها التي أنام فيها أنا.. حاولت، ونحن في الطريق إلى غرفتنا، أن أطمئنه وأطيب خاطره وأخفف من معاناته..

طيلة تلك الأيام لم أستطع النوم.. كنت أحس أن سعداً لم ينم بصورة طبيعية.. كان طوال الليل يتقلب في فراشه.. بل إنه بعد ساعة ونصف أو ساعتين هب مذعوراً وراح يصرخ:

ـ لا.. لا تفعلوا هذا..

قفزت من فراشي واحتضنته.. ضممته إلى صدري.. قبلت رأسه.. كان صدره يعلو ويهبط.. وخفقان قلبه يهز كل كيانه..

ـ سعد حبيبي.. لا تخف.. تعال نم بقربي في سريري.. هيا.. هيا.. قم معي وقدته نحو فراشي.. وما إن رقد حتى قال لي:

ـ ماما.. رأيتهم بعيني..

ـ رأيت من؟

ـ الجنود.. كانت وجوههم حمراً.. كانوا يشحذون سكاكينهم.. وكان الطفل وحده.. الطفل الذي رأيناه في التلفزيون.. كان يقف أمامهم وهو يرتجف.. كان يبكي ويتلفت من حوله..

ـ ربما كان يبحث عمن يحميه..

ـ ربما.. كان يبكي ويتوسل إليهم.. ((لا تذبحوني.. أنا لم أفعل شيئاً.. أنا بريء.. بريء..)) وأفقت من نومي..

ـ حسناً.. نم الآن.. ولا تفكر بشيء.. فغداً علينا أن نستيقظ مبكرين..

ـ قلت ذلك وفي أذني ترن عبارة وردت في بيان أصدرته قيادة شوارتزكوف لتبرير الدمار الذي أصاب الحياة المدنية في العراق:

((إن التدمير لم يلحق بأبرياء.. فالشعب العراقي كله ليس بريئاً.))!!

تظاهرت بالنوم.. لكني في الحقيقة لم أستطع النوم أبداً.. كنت الليل كله أفكر بالحلم الذي رآه سعد. وبالطفل الذي فارق الحياة أمام عدسة الكاميرا.. والحزن الذي في عينيه يسكن أعماق قلبي.. وبأطفال العراق المشوهين.. ما الذي فعلوه بهؤلاء الأبرياء وهم بعد أجنة في أرحام أمهاتهم؟!

وثمة أسئلة تدق في رأسي كمطرقة حداد.. تبحث عن أجوبة لها:

ما الذي يحصل للخلايا البشرية حين تنفجر قذائف اليورانيوم المنضب ليحدث ذلك التشوه الرهيب الذي رأيناه على شاشة التلفزيون؟ ماذا يحدث في أرحام النساء ليلدن كائنات مرعبة أراد الله لها أن تكون في أحسن تقويم؟ ومن أعطاهم الحق ليفعلوا ذلك..

لابد أن أعرف.. سأبحث.. ولابد أن أصل إلى الحقيقة.. حقيقة ما يحدث داخل الجسم البشري عند ذلك الانفجار.. حتى لو استغرق ذلك البحث

العمر كله..

وسأنشر ما أتوصل إليه بكل الوسائل.. وفي كل مكان تحت سماء الله...

صبيحة اليوم اللاحق.. وإذ كنا نتناول الفطور.. بادرني سعد:

ـ ماما أتعلمين؟

ـ لا.. لا أعلم..

ضحك هو.. وضحكت إقبال وهناء ومازن..

ـ حسناً.. ماذا تريد أن تقول؟

ـ لقد قررت أن أصبح طبيباً حين أكبر.. لأعالج الطفل الذي شاهدته أمس في التلفزيون.

بدا لي أنه لم يدرك أن ذلك الطفل فارق الحياة.. قلت له..

ـ رائع.. ولكن عليك أن تهتم بدروسك، بعد أن نعود لبغداد، كي تحصل على درجات عالية تؤهلك لدخول كلية الطب..

ـ سأفعل.. صدقي ماما.. سأفعل.. وسآتي إلى هنا لأدرس الطب مثل عمو مازن..

ـ رائع.. لكن لنسأل الله أن يشفي كل الأطفال الذين أصيبوا بتلك الأمراض اللعينة..

قلت ذلك وأنا كنت أعلم أن لا شفاء لمن سقط صريعاً.. أطفال اليورانيوم المنضب الذين لحقوا أو سيلحقون بأطفال العامرية.. سلام.. داليا.. مية.. سنار.. ورشا ذات العيون الزرق..

وانبعث في مكامنه ذلك السؤال الأبدي الصامت الذي يأبى على النسيان:

لِمَ حدث ما حدث؟ كنا قد سافرنا إلى بعقوبة سوية.. ما الذي جعل أحلام تُصر على العودة إلى بغداد؟ أهو القدر أم نداء الموت؟ لو كانت بقيت معنا يوماً واحداً فقط.. ليلة واحدة فقط.. أما كانت هي والصغار معنا الآن؟!

أ أنت سومرية؟!

تصفحت صحف الصباح آملةً أن تعثر فيها على تقرير.. خبر.. إشارة عابرة.. أي شيء يمكن أن يفتح أمامها كوة صغيرة تلقي بصيصاً من الضوء على ما تريد معرفته.. أو أن يقدم لها أجوبة مقنعة لما كان يدور في رأسها من أسئلة صعبة:

ما هو اليورانيوم المنضب؟ وهذه الكلمة ((المنضب)) ماذا تعني؟ لم اتُخِذت وصفاً لتلك المادة المشعة؟ أيعني ذلك أن هذا المعدن لم يعد يملك خصائصه المميتة؟ أفقد خاصيته الإشعاعية؟ كيف يمارس فعله حين تنفلق قذيفة تحمل شحنة من اليورانيوم المنضب؟

لم تجد شيئاً مما كانت تبحث عنه.. تطلعت عبر النافذة.. شمس غريبة على أجواء لندن كانت تلوح، على استحياء، من وراء الأفق.. مبددة الضباب.. مروج خضر يانعة امتدت أمام ناظريها تخترقها شوارع اصطفت على جوانبها أشجار داكنة الخضرة باسقة.. رائحة عشب ندي حملتها إليها نسمة رخية.. وبرغم القلق الساكن في أعماقها، كان يمكن لعشبةٍ سيفية دقيقة.. أن تبعث في قلبها إحساساً برضا لم تألفه من قبل.. استكانت لرائحة العشب.. شمت عطره تريد الإمساك بتلك اللحظة المنفلتة من الزمان.. أغمضت عينيها علّ ذلك الغياب عن دنياها.. ينقلها إلى عالم من العوالم التي تشتاق إليها الأرواح المعذبة.. لكن.. متى كان للرضا.. للفرح.. مهما كان بسيطاً بساطة خيط من عشب أخضر أن يدوم.. وذهنها وروحها محاصران بتلك المشاهد المأساوية..

كان المشهد في تلك الضاحية يتناقص كلياً مع مركز المدينة وزحامها وضوضائها وأناسها الذين لا يسيرون، مثل بقية البشر في الشوارع، وإنما يكادون يركضون في سيرهم كأن غولاً منفلتاً من إسار غابة مسحورة يحاول الإمساك بهم..

عادت لصحفها.. قلَّبتها من جديد.. بدا الأمر في غاية الغرابة أن لا تجد حتى مجرد إشارة عابرة للهول الذي رأته الليلة الماضية.. صحف صامتة.. تُرى ما هي مهمة الصحافة إن كانت تغفل ذكر ما يحدث؟ لابد أن يكون القصد إبقاء عقول الناس فارغة كفؤاد أم موسى إزاء.. ما يجري.. أو ربما كان الحال كذلك لأن لا مشاكل لديهم.. مثل حالنا نحن الغرقى في مشاكل لا يحلها حلاَّل.. ومصائب لا يعدها عدَّاد.. بيد أن هذا لا يبرر ذلك الصمت.. ألم يكونوا هم من بين من سبب لنا كل تلك المشاكل.. وجر علينا كل تلك المصائب.. ما كان منها.. وما هو آت. أم أن ذلك الصمت إنما هو إعلان صامت عن موت الإنسانية؟! لكن ذلك الصمت لن يثنيها عما تريد معرفته.. وإذا كانت الصحف تلوذ بالصمت إزاء قضايا كبرى.. لعلها تجد في الكتب ما تريد.. إذن عليها أن تزور مكتبة فوليز ((Foleys)) التي اعتادت أن تبتاع منها ما هي بحاجة إليه من الكتب.. أثناء زياراتها للندن.. وكلها أمل أن يكون بمقدور المسز آدمز التي تشرف على أحد أجنحة تلك المكتبة.. أن تساعدها في الحصول على ما تريد..

بدت السيدة آدمز في أول زيارة لسميرة للمكتبة على شيء من الغرابة... فهي لم تكن تشبه الإنكليز تماماً.. لا جيل المسنين المحافظ، ولا الجيل المتمرد الذي تلاه.. وكان ذاك مما أثار فضولها واستغرابها في الآن نفسه..

كانت سميرة آنذاك تبحث عن كتاب يتناول قضية الاستنساخ البشري.. وما كان يدور حولها في الوسط الثقافي من مناقشات.. والموقف الديني والأخلاقي.. وهل يمكن أن يسمح هذان المجالان بذلك؟ سؤال واحد كان يدور في ذهنها.. كيف يريدون أن يستنسخوا البشر من جهة، وهم يدمرون البشر من جهة أخرى؟ لجأت إلى السيدة آدمز كي ترشدها إلى حيث تجد كتاباً حول هذه القضية.

بدا لسميرة وكأن طيف ابتسامة لاح على محيا المسز آدمز التي بادرتها بسؤال لم يخطر ببالها:

ـ أ أنت سومرية؟

استغربت سميرة لهذا السؤال المفاجئ والغريب.. فما من أحد يتصور أن السومريين موجودون الآن في غير كتب التاريخ أو الآثار.. تُرى.. ما الذي يجري في رأس هذه السيدة.. وفي أي عصر تعيش.. وما الذي تعرفه عن السومريين.. ربما كانت تتصور أن هؤلاء القوم ما زالوا يعيشون على سطح الأرض.. ابتسمت وقالت بتردد:

ـ أ.. أجل.. ولكن ليس تماماً.. فأنا عربية.. وقد أكون من أحفاد أحفاد سومر.. ولكن.. كيف خطر لك أن تسألي سؤالاً كهذا؟.

ـ قد لا تصدقين.. أنا أشم رائحة سومر على بعد كيلو مترات..

قالت ذلك مبتسمة وأضافت:

ـ فيك ملامح سومرية..

مرة أخرى كان ذلك السؤال يدور بإلحاح في رأس سميرة..

ما الذي تعرفه هذه السيدة الإنكليزية عن السومريين.. ابتسامة شفيفة كخيط من شعاع تخطى الزمان آتياً من عهد سومر، لاحت على وجه سميرة.. قالت:

ـ ولكن.. كيف يحدث ذلك؟

ـ لقد قضيت فترة من حياتي في العراق برفقة زوجي.. كان يحاضر في كلية الطب في بغداد.. في موضوع الطب الذري..

ـ حقاً؟ قالت سميرة بصيغة سؤال..

ـ أجل.. أجل.. وقد قمنا بزيارة بابل.. كنا نأمل أن نشاهد بقايا برجها الشهير.. للأسف.. لم نجد شيئاً من ذلك..

ـ وهل زرتما الجنوب حيث عاش السومريون؟

ـ أجل.. وقد أعجبنا بأولئك القوم الذين يسمون أنفسهم ((ذوي الرؤوس السود)) ولم نكن نستطيع أن نتصور كيف كان بمقدورهم، في ذلك الزمان الموغل في أغوار التاريخ، أن يبدعوا ما أبدعوا من ابتكارات رائدة في تاريخ الجنس البشري..

ـ يبدو لي أنهم كانوا على قدر غير اعتيادي من الذكاء..

ـ أنا أوافقك على هذا.. وهم شعب حيوي ومجدد.. والشيء المثير للدهشة أن ثقافتهم وأفكارهم ومبتكراتهم، انتشرت في المنطقة كلها..

ـ حقاً.. إنهم شعب عجيب.. ومن أطرف ما قرأت أنهم قاموا مرة بإرسال الآلهة عشتار إلى مصر لتشفي الفرعون من آلام في أسنانه..

ضحكت كلتاهما.. ثم قالت السيدة آدمز:

ـ إن أكثر ما أثار انبهاري شيء يتعلق بعقدة أوديب..

تساءلت سميرة مستغربة:

ـ ولكن.. ما علاقة عقدة أدويب بالسومريين.

ـ آه.. إنها علاقة وثيقة.. فقد اكتشفت أن أسطورة أوديب الإغريقية تماثل أسطورة عراقية قديمة.. وقد دخلت أنا وزوجي في نقاشات طويلة مع أصدقائنا المختصين بالأساطير الإغريقية الذين لم يكونوا يتصورون أن الفكر الأسطوري في أرض ما بين النهرين، سبق الفكر الإغريقي في إبداع أسطورة مماثلة..

لم تكن سميرة تعرف شيئاً عن هذه الأسطورة السومرية.. ضاق ما بين أجفانها.. وبدا عليها أنها غرقت في تفكير عميق في هذه المسألة.. فيما راحت السيدة آدمز تدرج مجموعة جديدة من الكتب الواردة إلى المكتبة، في الأماكن المخصصة لها، بعد أن استأذنت الزائرة العراقية التي راحت تتطلع في صفوف الكتب العلمية.. قالت سميرة بعد أن عادت السيدة آدمز إليها:

ـ إنني لم اكن أعلم شيئاً عن هذه الأسطورة السومرية.. مع أنني أهتم كثيراً بتاريخ وأساطير وادي الرافدين..

ـ ولكن هذه حقيقة..

وفتحت السيدة آدمز جراراً في مكتبها.. واستخرجت منه ملفاً لتقول:

ـ إنني أحتفظ بهذا الملف في مكتبي واصطحبه معي عندما أعود إلى البيت لأسجل فيه ما يمر بي من حقائق جديدة، أو ما يخطر ببالي من استنتاجات..

ـ وعم يدور كتابك هذا؟

ـ أساطير ما بين النهرين ومقارنتها بأساطير الإغريق وأساطير

العهد القديم..

ـ جميل.. جميل جداً...

ـ لقد شرعت بكتابته منذ بضعة شهور.. وآمل أن ينشر قريباً..

ـ أرجو ذلك..

ـ أتعلمين.. من الأساطير التي أثارت استغرابي أسطورة تتعلق بالإله ((أماكيندو)) ((Amakindu)).. فقد قتل هذا أباه ((خاين)) ((Hain)) وتزوج أمه الآلهة الأرض.. واستحوذ على السلطة.. ويتكرر الحدث ذاته مع الإله ((لخار)) ((Lahar)) الذي قتل أباه أما كيندو، وتزوج أمه الآلهة البحر...

جفلت سميرة عند سماعها ما روته السيدة آدمز.. قالت:

ـ لكن هذه أسطورة بابلية وليست سومرية..

ـ تقولين بابلية؟!

ـ أجل.. إنها بابلية.. وهي تتعلق بأنساب الآلهة.. ويعود زمن تدوينها إلى القرن السادس قبل الميلاد..

ـ أشكرك جداً لتصحيح هذه المعلومة.. على أي حال أنها لا تغير شيئاً من حقيقة أنها سبقت الأسطورة الإغريقية..

توقفت عن الكلام إذ قصدها شاب إنكليزي يبحث عن كتاب معين عن المعادن الثقيلة الشديدة السمية.. أحضرت لـه ما يريد.. ثم عادت إلى سميرة لتقول ضاحكة:

ـ بمناسبة الحديث عن الأساطير.. إن زوجي حين عمل في العراق، ابتدع أسطورته الخاصة!

ابتسمت سميرة اندهاشاً.. وقالت:

ـ كيف؟ إن زمن الأساطير قد مضى..

ـ أوه لا.. كل الأزمان لها أساطيرها الخاصة..

ـ حسناً.. قالت سميرة وعلى وجهها ظل ابتسامة.. سيسرني أن أسمع أسطورة السيد آدمز..

ـ كان زوجي يمازح طلبته ويقول لهم ((إن الجنس البشري كله)) لـه ((آدم)) استغربت سميرة.. وقبل أن تتساءل كيف يكون ذلك، بادرتها السيدة آدمز:

ـ لاحظي.. أن اسمه ليس ((آدم)) وإنما ((آدمز)). واسمه هذا يوحي بكونه أكثر من ((آدم)) واحد.. أترين؟

وضحكت كلتاهما.. ألقت سميرة نظرة عاجلة على الكتب.. اختارت كتابين.. أحدهما عن الاستنساخ البشري.. ودعت السيدة آدمز.. ومضت.

منذ تلك الزيارة الأولى، كانت سميرة تلجأ إلى السيدة آدمز كلما وجدت صعوبة في العثور على ما تريد.. راحت السيدة آدمز تراجع قائمة الكتب العلمية علَّها تجد ما تبحث عنه سميرة.. رفعت رأسها وقالت:

ـ يؤسفني أن لا أجد ما تريدين.. هناك عدد من الكتب عن اليورانيوم، واليورانيوم المنضب.. لكن لا شيء عن علاقة هذا الأخير بالجينات والأورام السرطانية..

ـ غريب.. هذا شيء غريب حقاً.. أن لا يحظى موضوع خطير كهذا باهتمام الباحثين..

ـ لا تنسي أنه موضوع ما يزال جديداً.. إلا أني أعتقد أن لدى زوجي شيئاً من هذا القبيل.. فهو بحكم اختصاصه يهتم بهذه القضية..

ـ حقاً؟

ـ أجل.. وقد زار العراق قبل مدة ضمن وفد دولي للتحري عن آثار اليورانيوم المنضب.. وحينما زار البصرة، عثر على شظية غريبة الشكل.. كانت صغيرة جداً لكنها ثقيلة جداً.. وقد جلبها معه وأجرى عليها فحوصات مختبرية كشفت عن كونها قطعة مشعة شديدة السمية..

ـ أ أستطيع الإطلاع على النتائج التي توصل إليها؟

ـ أظن أن لا مانع عنده.. فقد تجمع لديه عدد من التقارير والكشوفات عن هذا المعدن.. أنا واثقة أنه سيكون مسروراً ليقدم لك نسخاً من تلك التقارير.. إذ إنه قطع على نفسه عهداً أن ينشر كل ما يتوصل إليه ليكون العالم على علم بأخطار هذا المعدن الذي أصيب بسببه بمتاعب صحية ما يزال يعاني منها، بعد أن جلب تلك القطعة المشعة..

ـ هذا شيء مؤسف حقاً..

ـ سأحدثه في الأمر..

ـ شكراً مسز آدمز..

ـ إن كان لديك وقت.. مري بي بعد غد...

ـ سأفعل...

عيون الذئاب

قلَّبت سميرة التقارير التي زودتها بها السيدة آدمز.. قرأت عناوين ما كان معنوناً منها.. أو تابعت السطور الأولى من أخرى.. أعادت ترتيبها من جديد بالشكل الذي يلائمها.. اختارت واحداً لفتت سطوره الأولى انتباهها..

كان الأمر.. وهي تتوغل بإصرار وسط تلك الغابة الشائكة المنفلتة من جغرافية الكوكب الأرضي.. ومن تاريخ الزمان.. أشبه بفيلم تقتحم صوره الذاكرة بعنف سهم مسموم يخترق القلب..

كعيون ذئابٍ تلتمع في سواد ليلةٍ دهماء.. كانت تخفق مع خفقات شمس الضحى وقد تناثرت على الأرض..

وقفوا من حولها وقد تقطعت أنفاسهم انبهاراً.. يتطلعون إليها بعيون اشتعل الفضول فيها بريقاً سرياً لا يعرفه من لا علم لـه بأسباب فضول الصبيان والأطفال.. التمَّوا حولها.. اقتربوا منها رويداً.. رويداً.. صبيان سمر البشرة.. شعورهم سوداء لامعة.. لعلهم ورثوها عن ذوي الرؤوس السود، تتوهج مع التماعات الشمس.. جباههم تنز عرقاً.. وخدودهم ورود قرنفل تلتهب ناراً.. وابتسامات فرح خفي تطوف دهشة واستبشاراً على وجوههم..

رفع أحدهم واحدة منها.. اختار واحدة صغيرة.. حاول أن يزورها براحة كفه.. قال مبهوراً:

ـ إنها ثقيلة.. لا تتحرك.. انظروا!!

التقط ثان واحدة أخرى:

ـ حقاً.. إنها ثقيلة.. وهي صغيرة. لم أرَ بحياتي مثيلاً لها!

صاح ثالث التمعت عيناه انبهاراً:

ـ إنها مرامي كرة جميلة.. أفضل من تلك الحجارة.

وركل بقدمه اليمنى حجارة مشوهة تزخر بنتوءات متباينة وحفر متفاوتة العمق.. كانت تشكل دوماً مرمى كرة قدم في لعبهم اليومي إذ يريدون أن يطفئوا عطشهم لهذه اللعبة التي يسري حبها في قلوبهم مسرى الدم في العروق.. صاح رابع ملوحاً بيديه.. تشي وقفته وحركة يديه.. ومحياه.. بملامح قيادة مبكرة:

ـ هيا نلعب:

وللتو انقسموا فريقين.. نصبوا شباكهم: قطعة من ذلك المعدن الأسود الثقيل عند كل جانب من ساحة صغيرة غشيها التراب منسياً منذ قرون وقرون.. تنتهي عندها ثلاثة أزقة ضيقة.. تنهض على جوانبها بيوت هرمة أتعبها الزمان..

كان كل فريق على ثقة لا تتزحزح بثبات وسلامة شباك مرماه.. فذاك المعدن اللماع ثقيل جداً.. وإن كان صغيراً جداً..

وقف الفريقان وسط الساحة المترتبة ينتظرون تسمية الفريق الذي يبدأ اللعبة.. رمى الصبي الذي كانت تلوح على محياه ملامح القيادة المبكرة.. بقطعة نقود معدنية قديمة تعود لزمان مضى يسميه الناس ((زمن الخير)).. في الهواء.. سقطت أرضاً.. انحنت الرؤوس السود تستجلي من الفائز بالضربة الأولى..

واندفع الصبية كالسهام.. يتراكضون في الساحة المتربة وهم يتقاذفون أو يركلون ما اعتبروه كرة حقيقية.. وإن لم تكن هذه غير قطعة مستطيلة نوعاً.. صغيرة الحجم نسبياً من المعدن ذاته تكورت حواشيها حتى بدت أشبه بكرة البيزبول الأميركية..

قوانين اللعبة.. التي وضعها الصبيان أنفسهم كانت تتميز بقدر كبير من الحرية والمطاطية.. خلا شرطين أساسيين.. أولهما: تحريك شبكة الخصم من موضعها.. أو مسَّها بما يقوم مقام كرة حقيقية.. وثانيهما: أن لا تمس الكرة رأس لاعب من اللاعبين.. وإذا ما حدث ذلك.. فإن الفاعل يخرج من اللعب فوراً.. بلا نقاش.. بلا أعذار.. بلا تبريرات... والقوانين تلك لم تكن تشترط وجودة كرة واحدة.. وإنما تسمح بوجود أكثر من كرة واحدة.. بقدر ما هو متوفر من تلك القطع المعدنية التي يفضل أن تكون ملساء ومكورة الجوانب.. اثنتان.. ثلاث.. أو حتى أربع.. ولا تشترط القوانين تلك عدداً معيناً من اللاعبين.. وإنما يبقى العدد مفتوحاً.. كل من يريد الاشتراك في اللعب من أبناء الحي.. يمكنه الانضمام لهذا الفريق أو ذاك.. وليس ثمة عمر محدد.. كل الصبيان.. كل الأطفال.. وكل من يريد لـه الحق في المشاركة في اللعب.. وهذه اللعبة تتسم بما يميزها عن لعبة كرة القدم الحقيقية.. فالقوانين لم تكن تشترط قذف الكرة نحو مرمى الخصم بركلها بالأقدام حصراً.. وعدم مسَّها بالأيدي.. وهو ما يستثنى منه حامي الهدف.. وإنما تسمح برميها باليد كذلك.

وهكذا...

ما إن تمس الكرة البيزبولية الشكل شباك الخصم أو تحركها من موضعها.. حتى ترتفع صيحات الفريق الذي سجل أحد لاعبيه الهدف.. يندفعون نحوه.. يتلقفونه بالأحضان.. أو يتكومون عليه وقد ارتموا على الأرض المتربة جميعاً.. يتمرغون عليها كقطط متصارعة.. وترتفع صيحات جمهور الأطفال الذين يشجعون هذا الفريق أو ذاك.. وقد اصطفوا على حواشي الساحة الصغيرة.. يصفقون.. ويلوحون بأيديهم الغضة في الهواء.. فخراً واعتزازاً بفريقهم.. وسط سحابة تزداد.. مع مرور الدقائق.. كثافةً من غبارٍ تصعِّده أقدام اللاعبين...

تطير الكرة.. في الهواء.. تُركل بالأقدام.. أو تُلاحقها يد صياد ماهر يحسن التقاط ما يطير في الهواء.. قبل أن تسقط أرضاً.. يقذف بها نحو مرمى الخصم.. أو يلقي بها أرضاً من جديد ليسددها بركلة قوية نحو المرمى.. فإن أسعفه الحظ وسجل هدفاً ـ ولم يكن هذا بالأمر اليسير كما قد يتصور البعض ـ فالكرة ثقيلة.. تلقفه أعضاء فريقه بالأحضان والقبل.. حملوه على أكتافهم ورؤوسهم.. وصيحاتهم تشق عنان السماء مختلطة بصيحات جمهور المشجعين وهتافاتهم.. وسط ضجيج الغبار الذي يتصاعد نحو الأعالي.. موجة بعد موجة...

بغتة.. يصل الساحة الصغيرة المتربة الدكتور آدمز.. وفريق عمل علمي.. جاءوا العراق لإجراء بحوث علمية وتسجيل درجة الإشعاع والتلوث البيئي والجوي.. في تلك المنطقة..

وكأن صاعقة نزلت على أم رأس الدكتور آدمز.. حين شاهد ما كان يجري وسط تلك الغيمة المتلبدة من الغبار الذي يلف الساحة كلها.. اندفع وسط الساحة غير آبهٍ بالغبار.. رفع يديه.. وارتفع صوته مزمجراً:

ـ أيها الصبيان.. اتركوا هذه الشظايا.. إنها سامة.. اتركوها فوراً.. إنها سامة.. سامة.. اتركوها!!

توقف الصبيان عن اللعب.. وقد بهتوا.. لبثوا كذلك لحظة وهم يتطلعون بوجه الرجل الأشقر الغريب.. فجأة.. ألقى من كان يمسك بشظيةٍ من الشظايا بما كان في يده أرضاً.. تراجعوا مبتعدين.. إلى الوراء.. خوفاً من أن تصيبهم بسمومها.. هرع بعضهم إلى بيوتهم.. اختفى قسم من جمهور الأطفال المشجعين.. في الأزقة الثلاثة.. وبقي آخرون يقفون بعيداً مشدوهين.. وهم يركزون نظراتهم على عيون السيد آدمز الزرق.. انكمشوا على أنفسهم.. وسرعان ما انطلق من بقي من اللاعبين، كأن منخاساً مسَّ خواصرهم، نحو بيوتهم مسرعين يلاحقهم من بقي من الأطفال المشجعين.. ظناً منهم أنهم سيكونون بمنجاة من فعل الكرات المعدنية وسمومها.. والغبار الملوث...

لم تكد تمضِ سوى أيام قلائل.. حتى علا نوح النائحات ولطم الصدور.. في بيوت الحي.. والعيون تذرف الدمع دماً.. إذ راح اللاعبون وجمهور الأطفال المشجعين.. يتساقطون الواحد بعد الآخر.. كأوراق شجرة جف في عروقها نسغ الحياة.. في مهب ريح خريفية...

هامش (1)

سبب الوفاة:

لوكيميا حادة.. خلايا سرطانية سريعة النمو.. سريعة الانتشار!!

لكن فصول المأساة لم تكتمل.. ولم تصل الواقعة ذروتها بعد.. فثمة مواليد جدد.. صاروا.. مع إطلالة العقد الأخيرة من القرن.. يجيئون إلى هذه الدنيا بعيون لا ترى.. وألسِنةٍ لا تنطق.. أو أنهم استحالوا.. في أرحام أمهاتهم.. مسوخاً مخيفة تزرع الرهبة والهلع في القلوب.. وهو شيء لم تر النساء مثيلاً لـه منذ سالف العصر والأوان.. منذ زمان سومر.. وأيام آشور وبابل..

وتستعيذ الألسن من الشياطين.. يخيم الوجوم على وجوه الأمهات والآباء وهم يرون فرحةً انتظروا تسعة اشهر أن تأتيهم ببشارةِ خير.. تجيئهم برزيةٍ، الموت أكرم منها.. فلا يدرون أين يولون وجوههم وقد علاها سواد كظيم من عار يلحقه بهم من يقول:

إنه زرع الجن.. أو من يقول بل هو الشيطان الرجيم.. أو أن من استولدهم ارتكب معصية لا يغفرها الله.. وأن ما حل بهم كان جزاء وفاقاً..

وتنطلق من بين شفاه عجائز الحي:

تُفْ.. تُفْ.. تُفْ.. تُفْ..

يلقين بها في فتحات صدور أثوابهن.. وهن يهرعن إلى بيوتهن مخافة أن يمسَّهن الجن بما مسَّ المواليد..

جيل.. جاء إلى الدنيا لكي يموت!

***

الكتاب الثالث..

خمرة بابل..

كارولين في ميزوبوتامية..

كارولين كان اسمها.. شابة مقبلة على الحياة بكل ما فيها من مباهج واندهاشات عصر التكنولوجيا.. وانتصارات موعودة في العهد الإمبراطوري الآتي.. انتابتها في لحظة وعي توقف بها العمر.. ما أورثها مشاعر يلونها الخجل.. وربما ما هو أكبر من الخجل..العار!! فلا أحد من عائلتها ينتمي إلى الجيش.. كيف لها ولعائلتها إذن.. أن تدافع عن وطنها وتحمي أمنه القومي.. وهو المعرض دوماً.. للخطر.. كما يعلن الساسة.. ليلاً ونهاراً.. وكما تقول الصحف والمجلات ومحطات التلفزيون.. وتصاعدت حُمى حماسها للوطن المهدد.. ليس من طريقٍ أمامها للتخلص من مشاعرها تلك.. سوى الانضمام إلى الجيش..

تلقت كارولين تدريباً في التمريض لتُنَسَب إلى وحدة عسكرية تعنى بالمدمنين على تناول الكحول.. وتعمل في مجال الصحة العقلية..

أحبت كارولين عملها الجديد حد العشق.. ولأول مرة في حياتها تشعر برضا عن النفس عميق.. وزادها سعادة أنها كانت تُنسَب للعمل في الوحدات العسكرية العاملة خارج الوطن.. جنوب أفريقيا.. كوريا.. اليابان.. ألمانيا.. كانت تلك.. فرص العمر.. تتيح لها أن ترى بلداناً تتمنى السفر إليها.. ومر سبعة عشر عاماً وهي تقدم العافية والفرح لجنود الوطن الذين يولدون، على أيديها.. من جديد..

في يوم من الأيام.. أُبلِغَت أن وحدتها ستذهب إلى منطقة الخليج.. كانت سعادتها تفوق كل وصف أو تصور.. حين أعلمت أن منطقة الخليج تلك.. هي مكان قريب من ميزوبوتامية!! لقد قرأت في دروس التاريخ.. في عهد التلمذة.. وفي الكتاب المقدس.. الكثير عن تلك الأرض المليئة بالرؤى وبالأساطير في تلك العوالم التي لا تُرى إلاَّ في الأحلام.. ومنذ ذلك الزمن البعيد.. توارى ما قرأته في غياهب النسيان.. وهاهو الحلم يبعث الآن من جديد.. وهاهي تقف على عتبة أسطورية من حياتها..

شيء سري مسحور سَرى في أعماقها كموجة ماء رقراقة تسافر بها نسمة رهيفة فتغيض في رمال جفت عطشاً.. تراءى لها أن السموات قد انفتحت لها.. كما انفتحت بوجه يسوع:

((فرأى روحَ الله نازلاً مثل حمامةٍ وآتياً عليه...

وصوت من السماوات قائلاً...))

أبشري بالمسرة الآتية... فميزوبوتاميه هذه هي نفسها أرض أور الكلدانيين!! أور الكلدانيين.. التي وطئتها أقدام الأب المقدس ((أبراهام)) الذي كان اسمه ((أبرام)).. وراحت تتلو بخشوع:

((وأخذ تارَحُ أبرامَ ابنه ولوطاً بن هاران ابن ابنهِ وسارايَ كنته امرأة أبرام ابنه. فخرجوا معاً من أورِ الكلدانيينَ..)).

صلت كارولين.. رسمت الصليب على صدرها.. بين الرأس والقلب.. غير مصدقةٍ أنها سترى ما قرأت عنه في الكتاب المقدس.. أغمضت عينيها.. أخذتها النشوة بعيداً عن العالم الأرضي.. تصورت في عين خيالها الطوفانَ يجرفُ كل ما صنعه الرب.. من بشر وشجر وطير.. بسبب ((الشر الذي عمله بنو آدم)).. ورأت سفينة نوح تسري مسراها على وجه العمر ميممةً شطر جنة عدن.. التي هي ميزوبوتامية.. وأرض بابل.. بابل التي كانت عليها عيون كل شعوب الأرض التي شربت خمرتها بكأس من ذهب.. هكذا قال الرب:

((بابلُ كأسُ ذهبٍ بيدِ الربِ تُسكِرُ كلَّ الأرض.

من خمرِها شربت الشعوبُ من أجلِ ذلك جُنَّتِ الشعوبُ)).

لِمَ لا تُجنُ الشعوبُ وهي ترى ((برجها الذي رأسه بالسماء)).

وراح الحلم يكبر.. يتبرعم في صدرها في انتظار الأيام التي ستأتي بمسرةٍ دانية وفرحٍ بشرت به أسفار موسى..

في قاطع داخل الحدود العراقية.. قضت كارولين خمسة عشر يوماً.. مشاعر غامرة بالمسرة والفرح تملأ عليها كل حواسها.. وهي تشهد شمساً ذهبية تتوهج لهباً برتقالية كثمرة من ثمار جنة عدن، معلقةً في السماء في صباحات الصحراء المترامية مع امتداد البصر.. ذرات رمل تتلألأ بلوراً وماساً وهي تتماوج مع هبات نسيم الصبح.. مسافرةً مع الريح تحكي حكايات قوم أرادوا أن يبنوا لأنفسهم مدينة وبرجاً رأسه بالسماء.. لكي لا ينساهم الزمان.. لكن الرب بلبل ألسنتهم ليمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه فيفكوا عن بنيان المدينة وبرجهم الذي رأسه في السماء.. ويبدو المنظر أشد سحراً عند الغروب.. تفاحة مضرجة تذوب نازلة وراء الأفق البلوري، وأمواجٌ بنفسجية.. حمراء.. وردية.. وفضية تسبح في العلا فتنقل الناظر إلى عوالم ما رأت مثلها عين إنسان..

كادت تطير فرحاً وهي ترى آليات العدو هامدةً في الصحراء.. مبعثرة بلا حياة.. لقد انتصرنا.. وهاهي:

((أسوارَ بابلَ العريضةَ تُدَّمرُ تدميراً وأبوابُها الشامخةُ تُحرَق بالنار...)).

هكذا قال الرب.. ومن أعماق الزمان.. يصبح إرمياً مبشراً أبناء الرب:

((سقطت بابلُ بغتةً وتحطمت ولولوا عليها.. هأنذا عليكَ أيها الجبلُ المُهلَكُ يقول الربُ المهلكُ كلَّ الأرضِ فأمدُّ يدي عليك وأدحرجكَ عن الصخور واجعلُكَ جبلاً مُحْرقاً فلا يأخذون منك حجراً لزاويةٍ ولا حجراً لأسسٍ بل تكونُ خراباً إلى الأبد يقول الربُ)).

وينفجر صدرها غبطةً.. فقد أسهمت، هي كذلك، في صنع هذا النصر العظيم..وآن لها أن تشرب من خمرة بابل.. بكأس من ذهب...

((ولن أولول عليها لأنها سقطت)).. إنها مشيئة الرب.. الرب الذي التفت إليها وكتب على لوح القدر.. أن تأتي لأرض بابل وتسمع:

((صوتُ صُراخٍ من بابلَ وانحطامٌ عظيمٌ من أرضِ الكلدانيينَ)).

وترى بأم عينها الأرض المباركة التي سار عليها الأب المقدس ((أبراهام))!

وراحت تتمتم.. شكراً لك أبانا الذي في السموات.. فحلمنا الإمبراطوري آت..

المجد لله في العلا... وعلى الأرض السلام...

ثمة أمر غريب شد انتباهها وهي تحلق في فراديس الانتصار.. دبابات.. عربات مصفحة.. ودروع منصهرة تماماً.. إنه مشهد لم تر مثيلاً لـه من قبل حتى في الأفلام التي شاهدتها عن الحرب العالمية الثانية.. هالها ذلك.. فهي تعلم، وكما تخبرها معلوماتها العسكرية، أن أية دبابة أو درع يصاب بقذيفة أو صاروخ، ينفجر ليتناثر شظايا هنا وهناك.. لكن هذه الدروع والدبابات منصهرة تماماً.. والمشهد كله يثير الريبة وألف سؤال.. هذه الكتل من الحديد كيف ذابت؟! أي قدر من الحرارة ينبغي أن يكون هناك ليحيلها ذوب حديد؟!

أشياء غريبة أخرى كانت تحس بها كارولين.. أو تطوف في تلك الصحراء المسحورة.. شيء معلق في الجو تحس به لكنها لا تراه.. سخام أسود يتساقط على الجلد.. والرمال تنبعث لمعاناً فضي اللون غير طبيعي.. هاهي ترى مشهداً حقيقياً من الأساطير العتيقة التي ترويها الجدات ذوات الشعور الثلجية لأحفادهن الصغار.. الغابات المسحورة.. المدن الحجرية.. الرمال الفضية.. وثمة شيء غامض لا تدري ما هو معلق بسكون في الفضاء كغيمة شفافة لا ترى.. لا بداية لها ولا نهاية.. يلتصق بالجلد.. بالوجوه.. بالعيون.. بالشفاه.. بالملابس.. بالحقائب.. وبساطيل الجنود.. مشهد لم تألفه العين من قبل.. ينفث في القلب إحساساً خفياً بخوف يشوبه مزيج من الغموض والفضول...

راحت تتمشى بين الدروع والدبابات بوجل.. تتطلع فيها عن بعد وعن كثب.. تبتعد عنها وتقترب.. تلمستها بتوجس.. توقفت قرب واحدة منها.. تلمستها بأطراف أصابعها.. والحيرة تطوف برأسها.. وفي لحظة فضول عاصف.. تسلقتها.. دارت فوقها.. لا شيء هناك يبوح بالسر الكبير.. ستوثق هذا المشهد المسحور.. لعل ذلك يكشف، في يوم آت، ما استعصى عليها فهمه الآن.. وراحت تلتقط الصور.. فوق الدبابة.. في حجرتها.. بالقرب منها.. في هذا الجانب وذاك.. من هذه الزاوية وتلك.. ولم تكتف بهذا.. ستأخذ معها حفنة من الرمال الفضية المتوهجة.. ستريها لزوجها ولابنها حين تعود لأرض الوطن.. وستأخذ أشياء أخرى من سقط ما تناثر على الرمال المقدسة.. التي سار عليها الأب المقدس.. إبراهيم..

مضى أسبوعان وكارولين تعمل وتنتقل في ما أسماه العهد القديم أور الكلدانيين.. وما إن عادت إلى الوطن حتى بدأت تشعر بأعراض غريبة.. لم تكن قادرة على السيطرة على أمعائها ولا على مثانتها.. كانت حالتها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.. لم تعد تشعر برجليها ولا بوجهها.. فقدت حاسة اللمس.. وبلغت من الضعف درجة لم تعد تستطيع معها حمل أي شيء.. وبين حين وآخر كانت تنتابها حالة من النسيان.. أو فقدان الذاكرة المؤقت المتناوب.. كانت تنسى القيام بواجباتها الوظيفية والبيتية.. تنسى الذهاب إلى مدرسة ابنها لاصطحابه إلى البيت.. ومن أغرب ما حل بها وما كان يثير في أعماقها مخاوف لا حدود لها.. أن أحذيتها لم تناسب مقاس قدميها.. وكان عليها أن تبتاع، بين مدة وأخرى، أحذية جديدة أكبر مقاساً.. إن قدميها أخذتا تزدادان حجماً بشكل غير اعتيادي.. كفاها كذلك.. صارا ينموان بشكل مفزع.. وعظامها بدأت تزداد حجماً.. واستمر التدهور في صحتها.. الأشياء التي تحيط بها.. الأشخاص.. الأشجار.. الأبنية.. العمارات.. كل شيء من حولها كان يبدو مشوشاً.. ولم تعد تشعر أنها هي الشخص ذاته الذي كانته في كل سني حياتها التي عاشتها.. ولا الشخص الذي كانت عليه في الصحراء المقدسة..

خوف مرعب سكن كل خلية من خلايا عقلها وقلبها وجسدها.. أن تصحو في يوم من الأيام.. وقد استحالت دودةً كبيرة.. كتلك التي آل إليها غريغوري ساما المسكين، بطل ((المسخ)) الكافكوي.. دون أن يخوض حرباً.. لتجد نفسها وقد نبتت لها أرجل جديدة تتأرجح في الهواء دون أن تكون قادرة على أن تنقلب على جنبها./..

بكت كارولين.. دفق من الدموع سال على خديها.. وبدأت سلسلة لا نهاية لها من الفحوص والتحاليل.. ((كانت النتائج جيدة.. لا شيء هناك يبعث على القلق..)) هذا ما قالوه لها!!

وارتسم أمام عينيها سؤال حزين.. كيف؟ كيف تنمو قدماها.. وكفاها وتكبر عظامها.. ولا تستطيع السيطرة على أمعائها ومثانتها... وتنسى ابنها في المدرسة.. والأشياء تبدو مشوشة أمام عينيها.. وتأتي النتائج المختبرية والفحوص الطبية.. لتقول لها.. إنها سليمة ولا شيء هناك يبعث على القلق؟!

وبدأت سلسلة جديدة من الفحوص والتحاليل في مؤسسات صحية مدنية.. وجاءت النتائج لتقول إنها تحمل في جسدها جزئيات من يورانيوم منضب!

صدمة عنيفة هزتها حتى النخاع.. من أين جاءها اليورانيوم المنضب؟! وعادت بذاكرتها المتعبة إلى الوراء بقدر ما تسمح لها بالتذكر.. لقد خدمت في جنوب إفريقيا.. كوريا.. اليابان.. ألمانيا.. تكساس.. وفي كل تلك الأماكن لم تصب بأي مرض من الأمراض.. كانت تمارس عملها بفرح وحماس كلي.. وتزرع الأمل والعافية في النفوس المريضة.. فمن أين جاءها المرض.. ميزوبوتامية؟! وكأن الصدمة أعادت شيئاً من الحياة إلى ذاكرتها المعطوبة.. تذكرت حفنة الرمال الفضية.. في البدء.. ظنت أنها كذلك لأنها رمال مقدسة استمدت قدسيتها من قدسية الأب المقدس ((أبراهام)).. أخذت حفنة الرمال تلك وما التقطه مما تناثر في الصحراء.. إلى المختبر.. وجاءت النتيجة المروِّعة: كانت مشبعة بالغبار المشع الذي لا يرى.. ولم يكن ذلك الوهج الفضي الباهر الذي يخطف الأبصار.. سوى الإشعاع المنبعث من ذلك الغبار الرذاذي المشع.. إذن.. هو العراق.. جنة عدن!

ومضت كارولين في رحلة العذاب مع الإشعاع المميت.. بدأت تبحث عن تأثيراته.. حضرت ندوات.. ناقشت.. قدمت ما لديها من معلومات وتقارير لكل من يعنى بهذه القضية.. وكأن كل الذي أصابها لم يكن كافياً.. اتهمت بالخيانة.. متاعب.. فخاخ.. عقبات في كل خطوة تخطوها.. في منتصف ليلة من الليالي.. هبت من نومها على ضوء برتقالي ساطع يضيء غرفة نومها.. هرعت إلى النافذة لترى أن حريقاً هائلاً قد اندفع في سيارتها.. واحترق كل ما كان فيها.. واستحال رماداً عشرون نسخة من تقرير طبي يشرح حالتها.. الدليل الوحيد الذي يؤكد وجود المعدن المشع في جسدها.. وتستمر دوامة الرعب الهيتشكوكي.. يرن جرس الهاتف بين آن وآن ليخبرها متحدث مجهول:

ـ احذري.. إنهم يراقبونك..

ـ من هم ((هم))؟؟

لا جواب.. ولا صوت.. سوى صرير يثقب الأذن..

ـ لا تسيري في الطريق الفلاني.. انتبهي لنفسك!!

واكتملت دائرة المصائب.. إذ أحيلت إلى التقاعد لعجزها عن مواصلة العمل.. وترك زوجها عمله ليدير شؤون البيت ويعنى بابنهما.. وراحت.. مثل نسوة العراق في زمن الحصار ـ تلك الوسيلة الحضارية الرائعة للقتل ـ تبيع حاجياتها وأثاث منزلها لتتمكن، هي وعائلتها الصغيرة، من العيش..

زارت كارولين العراق ثلاث مرات.. حضرت ندوات.. زارت مستشفى للأطفال.. الأورام تأكل خلايا أجسادهم، حضرت خلية.. شعورهم تتساقط.. عيون البعض منهم لم تعد ترى شيئاً من الدنيا.. أشباح تسير بتؤدة.. دقيقة إثر دقيقة.. نحو لحظة الصمت الأبدي.. حدثت نفسها: ((نحن جئنا من بلادنا.. عبرنا البحار والمحيطات.. والصحارى.. قطعنا آلاف الأميال لنحارب أناساً لم تطأ أقدامهم أرضنا.. ولم نر لهم ظلاً على تراب وطننا.. ربما كان ما أصابنا قصاص الرب لما جنينا.. أو لأننا نسينا كلام يسوع الذي قال:

((... من لَطَمَكَ على خدِكَ الأيمن فحَّول لـه الآخَرَ أيضاً، ومن أراد أن يُخاصِمَكَ ويأخذَ ثوبَكَ فاترك لـه الرداءَ أيضاً.. سمعتم أنه قيل تُحِبُّ قريبَكَ وتُبغِضُ عدوكَ. وأما أنا فأقولُ لكم أحبوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكُم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم)).

وهؤلاء القوم لم يلطمونا على خدودنا.. لا اليمين ولا اليسار.. ولم يطلبوا ما نلبس.. ولم يسيئوا إلينا.. فَلِمَ فعلنا بهم ما فعلنا.. وهؤلاء الأطفال.. لماذا؟ أي ذنب جنوه؟ وفي بلادنا ولد أطفال ممسوخون.. لا يعرفون حتى اسم بابل ولم يكونوا في بابل.. لكن آباءهم كانوا.. وعادوا إلى الوطن بعد أن دمروا أسوارها وشربوا من خمرتها.. ولم يكونوا يعرفون أن الإشعاع يتوهج في دمائهم وفي ملابسهم.. وفي حقائبهم ليورثوا ثماره المرة لأطفالهم الأبرياء.. ويدفعوا هم كذلك حيواتهم ثمناً..

دمعة أسيانة انحدرت على خدها وهي تسائل نفسها:

أحقاً أن ما حققناه كان نصراً.. وقد حل بنا ما نحن عاجزون عن دفعه عن أنفسنا وعن أطفالنا؟! أما كان من الأجدى بنا أن نصدق ما قاله رب الجنود:

((لا تُغشّكُم أنبياؤكُمُ الذين في وسطِكُم وعرَّافُوكُم ولا تسمعوا لأحلامِكُمُ التي تَتَحَلَّمونَها. لأنهم إنما يتنبَّئون لكم بأسمي بالكَذِبِ)).

نحن نستحق ما حَلَّ بنا لأننا لم نصدق الرب.. لكننا صدقنا أنبياءنا الذين زفوا إلينا بشارة النصر! النصر؟ وعلى من؟ على شعب لا يعرف أن يصنع مسماراً.. وقتلنا من أطفالهم أضعاف ما قتلنا من جنودهم!!

ألقت سميرة التقرير جانباً.. حزن جارح كان يسري.. مسار الدم.. في عروقها.. تطلعت عبر النافذة.. مروج خضر مفعمة بالحياة.. بنور الشمس.. بالهواء ترتعش بألوان قوس قزح بين الأرض والسماء.. بزهور تتفتح.. تبعث بأريجها كل صباح.. تقول لابن آدم: لِمَ لا تستمتع بجمال الكون.. بالورود.. بالطبيعة.. بالشمس وبالقمر.. بالنجوم والمطر.. لَمَ تقتل الآخرين.. الكون كله.. بأرضه وسمائه وما بينهما.. ملك لك.. يتسع لكل البشر لِمَ لا تدع الآخر يعيش بسلام.. كم ستعيش على الأرض لترتكب كل هذه الحماقات.. وفسحة الحياة بين ظلمة الرحم وظلمة القبر.. لا تكفي لتنهل ما في الطبيعة من حسن وبهاء..

لم تكن سميرة تبحث عن أجوبة لأسئلتها تلك.. ولم تكن بحاجة لذلك.. فأسباب مآسي البشرية كلها.. معروفة.. لكن عمق المأساة كان يستثير تلك الأسئلة.. مرة بعد مرة.. وإلى الأبد...

***

الكتاب الرابع..

التحولات..

المسوخ..