الفصل الرابع

5 0 00

الفصل الرابع

القُبَّرَةُ

للشاعر الإنجليزي «بيرسي بيش شيلي»

وُلد هذا العبقري عام ١٧٩٢ ومات غريقًا في ليجهورن بإيطاليا عام ١٨٢٢، وإن الثلاثين عامًا التي عاشها لتتضاءل أمام نضجه الفني وإنتاجه الغزير الحافل بأسمى النماذج الشعرية في قصائده الرائعة.

ويعد بحق الشاعر الفرد الذي يتقدم وحده الشعراءَ نوابغ الأعمار في جميع الأجيال حتى اليوم.

ويتفرد شعره بهذه الموسيقى المرحة الطلقة الصافية التي تُوصَفُ بالقيثارة التي أيقظت أعذب الأنغام في قلب الحياة والتي انتزعت الرقة والحلاوة من جفاء الزمن وقساوته، ولكن المدرسة الحديثة تعتبره أعظم الشعراء المتصوِّفة في الإنجليزية بعد وليم بليك.

وقصائده الثلاث في السحابة، والرياح الغربية، والقُبَّرَةِ، من أشهر الغنائيات في عالم الشعر.

ولما كانت القصيدة الأخيرة من أحفلها بصور الخيال والجمال التي لا مشبه لها، فقد آثرتُ نقلها إلى العربية غير مجترئ على معاني الشاعر وأفكاره وسياقه الشعري بشيء من الحذف، بل مضيفًا ما يقتضيه إظهار المضمر من المعنى وتبسيط المركب من الخيال مراعيًا في التعبير عن الأصل الإنجليزي ما توحي به مقتضيات البيان الشعري العربي، وجامعًا ما أمكن بين الاثنين.

يا أيها الرُّوحُ يهفو حوله الفرحُتحيَّةً أَيُّهذا الصادحُ المرحُمن أمة الطير هذا اللحنُ ما سَمِعتْبمثله الأرضُ، لا روضٌ ولا صَدَحُأنت الذي من سماءِ الروح منهُلُهخمرٌ إلهيةٌ لم تَحْوِهَا قَدَحُيفيضُ قلبُك ألحانًا يُسلسلهافَنٌّ طليقٌ من الوجدان منسرحُ!وعاليًا، عاليًا، لا زلتَ منطلقًاعن الثرى، تَصِلُ الآفاقَ آمادامثل السحابة من نارٍ مُسَعَّرة،والبرقِ مؤتلقًا، والنجم وقَّادايهفو جناحاك في أعماق زرقتهاوأنت تضرب في الآفاق مرتاداتشدو فتمعِنُ في أجوازها صُعُدًافإن عَلَوْتَ بها أمعنتَ إنشاداومائجٍ ذَهبي النُّور قد غرقتْفي ذَوْبِه الشمسُ عَبْرَ العالم الثانيتُوَهِّجُ السحَب البيضاءَ حمرتُهفتستحيل عليها ذات ألوانأشعةٌ ذات أمواجٍ غَدَوْتَ بهاتطفو وترسبُ في لُجيِّها القانيكأنما أنت جذلانًا تراوحناروحٌ من الطِّرَب العلوي نورانيتذوبُ حولك إمَّا طِرْتَ في أفقِغلالةُ الأرجوان الشاحب الساجيكنجمة في سماء الليل خافقةتذوبُ في فَلَقٍ للصبح وهَّاجيا من تُطرِّبني ألحانُ غبطتهوما رأيت له طيفًا بمعراجألاَّ أراكَ فإني سامعٌ نغمًايهفو إلي بإطراب وإبهاجوصاعدًا في مضاءِ السهم أرسلهقوسٌ من الكوكب الفضي منزعُهينأى فيخبو رويدًا وهْجُ شعلتِهحتى يُلاشي كأنَّ الفجرَ يتبعهوترسل العينَ ترعاه هنا وهناوما يبينُ لنا من أين مطلعه!حتى إذا عزَّنا المرأى وأجهدنادلَّ الشعور على أنْ ذاك موضعه!!هذي السماءُ بموسيقاكَ مائجةٌوالأرضُ يغمرها من صوتكَ الطربُوصفحة الليل أصفى ما يكون سوىغمامة خلَّفَتها وحدها السحبُوقد بدا القمرُ الوضَّاحُ يُمطرهاأرسالَ ضوءٍ على الآفاق تنسكبُيرمي السمواتِ سيلٌ من أشعتهاتكاد تسبحُ في طوفانه الشهبُمن أنت! يا من يجوب الليل منفردًاولم تقعْ لي عليه بعدُ عينانِ؟أي الخليقة قل لي هل أنت تشبهُهوأيها منك في أوصافه داني؟وهذه السُّحبُ أصباغًا مشكلةًفي رائع من فريد اللون فتَّانلا ينزل الغيثُ منها مثلما نزلتْشتَّى أغانيك في سحري ألحان!كشاعرٍ في سماء الفكر مختبئٍدلَّ الوجودَ عليه لحنُه العاليألحان أغنية أمسى يرتلهاكمرسلٍ من نشيد الخلد سيَّالأسَلْنَ بالعالم السالي خوالجُهحتى استحال شجونًا قلبُه الخاليبَعثنَ من ألمٍ فيهِ ومن أملٍما لم يكنْ منه في يوم على بالكأنَّ حوريةً في ظلِّ شاهقةمن البروجِ تقضِّي العيش في خُلسِلم يُغمض النومُ عينيها ولا خمدَتْنيرانُ قلب لها في فحمة الغلسِباتتْ تلطِّف آلامًا تساورهافي عزلة بنشيدٍ ساحرِ الجرستطوفُ ألحانُ موسيقاهُ مخدعهاكأنهُ الحبُّ في إيقاعه السَّلسِكأنّ بين الرُّبا التَفَّتْ خمائلُهافراشة من سبيكِ التبر جَلواءُيا حسنَ أجنحةٍ منها مذهبةقد رقَّشتها من الأسحارِ أنداءُتُرِي السماءَ صفاءً فهي إنْ خطرتْفللسماءِ بهذا اللون إغراءُتجلو الأزاهرَ والأعشابَ طلعتُهاإذا بدتْ ولها فيهن إخفاءُكزهرة الحقلِ في غيناء سرحتهالم يملأ النورُ منْ أجفانها حدَقاحتى إذا لفحتها الريحُ هاجرةًزكتْ وأربتْ على أملودها ورقَاوأرَّجَ الحقلَ من أنفاسها عبقٌيشوقُ كلَّ جناحٍ نحوها خفقاتهفو إليها من الأنسامِ أجنحةٌمنْ كلِّ مُنطلقٍ من عطرِها سرقاووقعُ لحنك في الأسحار أرخم منوقع الندى فوق أعشاب البساتينقد نقط الزَّهَرَ المنضورَ سلسلُهوجاد بالطلِّ أفوافَ الرياحينيا منْ علا صوته في الأفق منسجمًاتصحو الأزاهرُ في أفنانها الغينِكلُّ البدائع مهما افتنَّ مبدعُهالم تعْدُ لحنَك في صوغٍ وتلحينقل لي أمن ملكوت الروح منطلقٌأم طائرٌ أنت في الآفاق هيمانُ؟أي الخواطر من حسن ومن بهجيشيعها منك في الأرواح وجدانُ؟لم تشرئبَّ قلوبٌ من أضالعهالغير صوتك أو تنصبُّ آذانُحديثُ حبٍّ وخمرٍ بات يسكبُهمن جانب الله أنغام وألحانُ!!من أين تلك الأغاني أنت ترسلها؟من أي مطَّرِد الينبوع منسجم؟من أي ثائرة الأمواج زاخرةٍ؟وأي تلك المروج العذبة النسمِ؟من أي ضاحِيةِ الآفاق صاحيةٍ؟أي السهولة والأغوار والقممِ؟وأي حبِّ أليفِ منك أو وطنٍ؟وأي جهلٍ لما نلقاه من ألمِ؟وفي منامك والآفاقُ حالمةٌوفي انتباهك والظلماءُ إصغاءُلا بُدَّ من نبأٍ للموت تعرفُهوفي فؤادك عنه اليوم أشياءُلَأنت أعمق فكرًا في حقائقهبما نراه ونحن اليوم أحياءُأو لا! فكيف انسجام اللحن مضطردًايُجريه من رائق البللور لألاءُ؟!إنّا نفكر في ماضٍ بلا أثَرٍومُقبلٍ من حياةٍ كلها غيبُومستحيلٍ نرجِّي برقَ ديمتهوكلُّ ما نرتجيه منه محتلبُوكم لنا ضحكاتٌ غيرُ صادقةما لم يشبْ صفوها التبريح والوصَبُوإنَّ أشهى الأغاني في مسامعناما سالَ وهو حزينُ اللحن مكتئبُ!هبنا على رغم هذا ليس يجمعنابالحقد أو كبرياء النفس أوهاقُفلا القلوبُ لدى البأساءِ جازعةٌولا بهنَّ إذا روَّعن إشفاقُوأننا قد درجنا في خليقتنابلا دموعٍ تذرِّيهنَّ آماقُفكيف كنا إذن نلقاكَ في فرحٍ!أويغمر الروحَ لحنٌ منك رقراقُ؟!يا أعذبَ الطير موسيقى وأروعهامن كلِّ رائق أنغام وألحانِويا أعزَّ لنا من كلِّ ما جمعتنفائسُ الكتب من دُرِّي تبيانِيا ما أحقَّ اقتدارًا منكَ قدرتُهبشاعر لبقِ التصوير فنَّانِأنت المبرَّأُ في حبٍّ وعاطفةيا من تعاليتَ عن أرضٍ وإنسانٍأما تُعلمني مما يفيضُ بهغناؤكَ العذبُ تطرابًا وتحنانا!ذاكَ الجنونُ الذي يُهدي توافقهإلي من صَدحات الخلدِ ألحانًا!ألستَ تُلهمني وحيًا يفيض بهفمي، فأملأُ قلبَ الكون إيمانا!أشدو فيُلقي إلي الكونُ مِسمعُهيصغي إلي كما أُصغي لك الآنا! الفصل الخامس

الشَّاعرُ وكتابه

للشاعرة الأمريكية «إدنا ڤنسْنتْ مِلاي»

إلى الوراء أيها الموت، إلى وجرك أيها المتلوِّن الختَّال، إني أسترقُ أنفاسي من جذور هذا النبات، أَنشِبْ براثنك ما شئت، واستثر كل ما فيك من قوة، فستجهد كثيرًا، وستضيق بضجرك ليالي طويلة، وستطمر كثيرًا من العظام قبل أن تسحق عظمةً واحدةً من هيكلي الرقيق.

ومتى يدركني الموت؟ ومتى يحل بي الفناء؟

أعندما يشيع الذبول في هذا الجسد، ويلفُّ نبات الأرض هذا الرأس بضفائره الصُّفر؟ أعندما يقف العشاق يعجبون مني ويتساءلون عني، مَنْ أكون؟ أنا ذلك الراقد تحت أطباق الثرى محتجبًا عن ضوء القمر؟

أهذا فنائي الأبدي أيها الموت؟ أعندما يقف هذا القلب عن خفقانه فلا يردد شهيقًا ولا يُصَعِّدُ زفيرًا؟

أبهذه النهاية المهينة تلاشى روحي أيها الموت؟

آه … عندما يذوب ثلج الشتاء، أيها الأصدقاء، ويساقط ذوبُهُ الرغام والهشيم فلا تبكو علي، ولا تندبوني يا رفاقي.

ليس في شيء من هذا معنى من معاني فناني … بل تحققوا موتي الخالد، في تلك الساعة التي لا يجد كتابي قارئًا له … ساعة تتلقفه الأرض ويطويه الخمول ويحجبه النسيان، فلا يضمُّهُ صدر، ولا ترتفع له صيحةُ مُعجَبٍ بالشيء الذي لم يُروَ بعد، هذا الذي تنطوي عليه صحائفه.

وعندما تُرِثُّ كثرة العرض نسخةً من أكداسه، فلا تجدُ من عَرَضِ الناس شاريًا بعد طول انتظار، ينقدها الثمن البخس، ويأخذها صفقة غبن.

وعندما تُلقى أكوامًا مهملة مركومة في طريقٍ قذر، تلطخُه العجلات العابرة بالوَحْل والدنس.

أيها المعجب … قف قليلًا وانظر خلال غبار القرون، وتناول هذا الكتاب ثم قلِّبْ صفحاته المهلهلة بيدٍ رفيقة؛ اقرأني ولا تكلني للموت!

تَقَصَّ هذه الرسائل الذَّابلة، والمس المناعة في هذا الغلاف الحزين، تجدني ملء قلبك وسمعك، فقد كنتُ يومًا ذات هذا الكتاب!

عندما تحول هذه الشرايين أليافًا في جسم الأرض، فانظر إلى هذين المحجرين الغائرين، تحت هذا الحَبِّ النامي المستوفز لعودة الربيع، وهو يخترقهما بجذوره المنطلقة انطلاق النيازك المنقضَّة، واشهد هذه العروق الوردية، وهي تهوي إلى قرارة هذا الأصيص الأسود (يعني جمجمته) ثم تنفتل لتصوب صعدًا كأنَّما تتنسم المطر!

أيها الصبية … أيتها الصبايا، إذا استلقيتم تحت هذا السياج، وأخذتم بأسباب النجوى، فاذكروني ولا تكلوني للفناء؛ أيها الشبان، أيتها الشابات، أنتم أيها المتخطرون في الغابات محدِّقين إلى طَلْع الغار الوردي، مستغرقين في البكاء والعتاب، امزجوني بعهودكم ووعودكم.

لا تتركوني للموت! أيها المزارعون الرائحون تحت الغيم الرقيق، وتحت الشمس المتلألئة، واذكروني عندما تهيئون حصادكم، وتجمعون الحبَّ من ذوائب الشجرات اليابسة، وعندما يلوِّح لفحُ الظهيرة القائظة ثمر الفِرصاد فيستحيل جَنًى شهيًّا.

وأنتم أيها الرعاة المتطلعون من أعالي التلال، حيث المروجُ الخضرُ وسنانة تحلم بجلجلة الأجراس، مُرِنَّةً في أعناق القطيع الأمعط.

وأنتم أيها الملاحون! أيها الصارخون في صخب العاصفة، أيها الصيادون التائهون في صقيع الشتاء وفي بُهر الجليد الأشهب.

اذكروني ولا تكلوني للموت!!

أيها الرجال! يا من يشتهون الرقاد، ويا من يشترون باليقظة لحظات من المرح، إذا ما مرَّت بكم أغنية قديمة، ذات روعة وصفاء، فاذكروني، إنها صادرة مني.

أيتها النساء المكدودات، أيتها المتلمسات شيئًا من الراحة إلى أن يغلي القِدْرُ، انتزعنَ مني بعض السلوى وخذنَ مني مسراتكنَّ؛ وأنتنَّ أيتها الباكيات في أعماقهنَّ حتى لا يكدِّرن بالبكاء نوم الرجال، امزجنني ببكائكنَّ.

أيها الأطفال، أيها السارقون من ضحكات العجائز، لتركعوا عند جِزع مُنَقَّط بالندى، أو تحت طنفٍ تَزويه الأشجار العارية، لتتندروا بأحاديث القداسة والحب، وأقاصيص الأبطال واللصوص، وأساطير المَرَدة! اذكروني ولا تكلوني للموت.

إن الشمس التي تضيء في الليل، والجبال الراسية على هذه الأودية، تحملني إلى النور حيث أُراوحكم وأُغاديكم من هذه الشرفة كهذه الطيور المرفرفة عليها.

وأنت أيها اللحاد!! امضِ في عملك، اغمرني بوابلٍ من حصبك، ثم ثَنِّ بهذا المعول، فستنفرط عقود كثير من الأزهار، وسيصدأ كثير من الأكاليل وضفائر الذهب، وسأمضي أنا في غنائي بينما تطمر أنت هذه الأكوام صلصالًا سافيًا في الأرض.