-3-

7 0 00

-3-

اجتاز عامر بصحبة الشيخ وسالم طريقاً متعرجة بين الرمال بعدما خرج من المدينة التي بدت وكأنها في وادٍ عميق تغطيها صخور كبيرة متداخلة.. جعلت الضوء لا ينفذ إليها كثيراً..

كانت مدينة عجيبة كأنها محفورة في الصخر، ضمن الصحراء مترامية الأطراف.. مشى عامر مع صاحبيه حتى وصلوا إلى كثبان رملية أشبه بالأهرامات تنتشر على مساحات واسعة.. أشار سالم لأحد تلك الكثبان.

- إنه المكان الذي عثرتُ فيه عليك يا أخ عامر..

- أيمكن أن أراه جيداً؟

- بالطبع.. كُنتَ مدفوناً بالرمال هنا، عَدا رأسِكَ وجُزءٌ من صَدركَ.

- أيمكن أن تساعدني في إزالة الرمال من هذه البقعة؟

- لماذا؟ هل تبحث عن شيء هنا؟

- عن سيارتي لابدَّ وأنها مدفونة هنا.. فيها كل ما املك تقريباً..

- سيارتُك؟ وما هي هذه السيارة؟ كيف هو شكلها؟

- ألا تعرف السيارة.. ألم تر واحدة من قبل؟

- للأسف لا.. ولا أعرف حتى شكلها.. لماذا تستخدِمُها.. ما فائدةُ استخدامِها؟

- إنها وسيلة نقل نستخدمها في الذهاب والإياب بين المدن والمناطق..

- آه فهي لابدّ وأنها ماتت وشبعت موتاً، فهذه الرمال تميت أي حيوانٍ يُطمرُ فيها..

- ليست حيواناً.. إنها كتلة من المعدن.

- تتحرّك؟ تتحرك وحدها؟ كيف؟ هل تعمل بالسحر؟ أم أنك تسخر منا بهذا المزاح الذي يبدو غير منطقي.. كأنه سخرية فعلاً.

- معاذ الله أن أسخر منكم.. ساعدني في رفع الرمال من هنا، وسترى أنني محق، وأن السيارة ليسَت حيواناً.

- لا بأس، ولكن إزاحة الرمال يلزمها صبرٌ ودأب.. وربما احتجنا لبعض الرجال.

- أرجو مساعدتك يا سالم بأي شكل.. كما قلت لك، كل ما أملك هو في تلك السيارة.

- لو ذكرتَ لي شيئاً عن تلك السيارة كُنتُ أحضرتُ بَعض الشبان لمساعدتنا.

- لم أفهم أنَ المكان يمكن أن يكون مَدفناً لسيارتي.

قال الشيخ حمدان:

- على كل حال يمكنكما البدء بالعمل، يا سالم.. وسأذهب لإحضار بعض الشبان الآخرين لمساعدتكما.

- لا بأس يا عماه.

كان عامر يبدو قلقاً شارداً سأله سالم:

- تبدو متعباً يا عامر؟

- رغم تعبي.. يجب أن أعثر على سيارتي.. إنها هامة جداً بالنسبة لي..

- إن شاء الله تعثر عليها.. يجب أن نُزيل كل هذه الرمال هيا..

بدأ يعملان ويزيلان الرمال بأصابعهما تمنى عامر لو كانت لديهما الأدوات المناسبة لارتاحا من استخدام أيديهما ولكن لا بأس، ليس لديهما سوى هذه الأصابع في الوقت الحاضر..

واستمر الشابان في محاولتهما إزالة الرمال من الكثيب وأتى الشيخ حمدان مع بعض الرجال لمساعدتهما..

واستغرق العمل طويلاً، ولكن لم يُعثْر على السيارة في نهاية المطاف..

شعر عامر باليأس ونظر حوله إلى الكثبان الأخرى، يفكّر فيها.. ترى أي من هذه الكثبان يبتلع سيارته.. وكأنما شعر الشيخ حمدان بأسى عامر، وهو يحدّق في الكثبان.. فهَمس إليه ملاطفاً:

- لا تقلق يا بني.. قد نعثر على ذلك الشيء المختفي في كثيب آخر.. وبالتأكيد أحد تلك الكثبان الثلاثة القريبة.. فلا يمكن أن تقذف بعيداً عنها كل هذه المسافة.. إذا كانت مدفونة في أحد الكثبان البعيدة .

- معك حق.

- ماذا سنفعل الآن يا شيخ حمدان؟

- هل تستطيعون البدء بإزالة الرمال من ذلك الكثيب الصغير؟

- لماذا؟ أتعتقد أن الشيء المختفي هو في أحد هذه الكثبان؟

- نعم.. وأرجو منكم مساعدتي..

- لا بأس، سنساعدك يا كبيرنا.. هيا يا رجال لنبدأ إبعاد الرمال عن ذلك الكثيب.

قال عامر: - سأساعدكم أيضاً.. هيا اقتربوا منه ولنُزِل عنه الرمال بسرعة.

- هل يمكن أن تساعدكم هذه المجرفة؟

- بالطبع.. أعطِها لهم.

كان عامر منفعلاً وهو يبعد الرمال بيديه.

- أرجو أن أعثر على تلك السيارة يا عماه.

- إن شاء الله يا بني..

سمعت أصوات وقع معدن على معدن كانت المجرفة تصطدم بشيء.. إنه معدن بالتأكيد..

((يا إلهي قد تكون سيارتي انتبهوا جيداً وأنتم تحفرون، لا تستخدموا المجرفة بقوة قد ينكسر زجاج السيارة.. أو تتحطم بعض أجزائها))

قال حمدان: - بلطف يا رجال بلطف..

- حسناً يا شيخُ حمدان..

عثر الرجال على قطعة معدنية ضخمة، عرف فيها عامر جزءاً من سكة حديدية محطمة.. وشعر بخيبة الأمل.. ولكنه تساءل عن سبب وجود تلك القطعة المعدنية الكبيرة في ذلك الكثيب..

واستمر الرجال يزيلون رمال الكثيب دون جدوى.. فلم يكن هناك شيء وعرف عامر أن تعب الرجال قد وصل إلى مرحلة تلزمه بإيقافهم عن متابعة العمل.

- شكراً لكم يا رجال.. سنستريح اليوم ونعاود العمل فيما بعد..

ثم همس عامر في أذن الشيخ حمدان:

((الأفضل أن نتمم العمل غداً.. قلت لي أن الاحتمال الأكبر أن يكون ذلك الشيء المفقود بين هذه الكثبان.. وقد أزلنا اثنين منها ويبقى اثنان آخران فقط..))

قال سالم:

- يمكننا متابعة العمل يا شيخ حمدان، لمَ نتعب كثيراً بعد.

- لا يا بني، يكفينا اليوم.. يمكننا العودة إلى المدينة.

- خذ المجرفة واحتفظ بها يا سالم.

- لا بأس.. سنستخدمها في الجولة التالية.

قال عامر هازّاً رأسه: - شكراً لكم.. أتعبتكم كثيراً.

أجاب حمدان: - لا بأس يا بني أنت ضيفنا..