الفصل الخامس

5 0 00

الفصل الخامس

-إنذار !إنذار! هيا فليستيقظ الجميع!

فتحت "بيب" عينيها مذهولة من هذه الجلبة ثم اعتدلت على سريرها .

كان "سوير" يقف بجوارها مطبلا على إناء للطهو.

سألته وهي لاتزال نصف مستيقظة:

- ماذا تفعل هنا؟

رد وهو يجلس على طرف السرير:

- اقوم بإيقاظك، لقد نمت نوما ثقيلا ليلة أمس وقمنا أنا و"نان" بوضعك في سريرك ، فلم يكن يبقى سوى ساعات قليلة على بزوغ النهار، ففضلت أن امكث هنا، ووضعتني في غرفة الأصدقاء.

صاحت "بيب":

- وضعتماني أنت و"نان" في سريري؟

- في الواقع انا الذي حملتك وهي التي قامت بالباقي. وعرضت عليها مساعدتي في ذلك لكن قلبها كان من حجر ، ربما ظنت أن لدي أفكارا سيئة، ولذلك قامت بطردي فورا من الغرفة.

ردت "بيب" مبتسمة:

- إن هذا ليس غريبا.

ضحكا معا بصوت منخفض بعد أن ادركا بسرعة تواطؤهما.

هز "سوير" رجليها وقال:

- استيقظي، أيها الجمال النائم. لدينا الكثير لعمله والوقت قد تأخر. بالمناسبة ، ماذا تريدين لوجبة الإفطار؟

شرائح خبز محمص على طريقة"سوير" . ماقولك؟

- شرائح خبز محمص على طريقة "سوير"؟

- إنه تخصصي. سوف تكون على المائدة عندما تنزلين لتناول وجبتك .

- لكن اين "نان"؟

- أعطيتها إجازة لمدة يوم. قالت: إنها ستستغل ذلك للذهاب لزيارة أختها، هيا انهظي!

- لا استطيع مادمت واقفا هنا.

تساءل متظاهرا بأنه متعجب من الأمر:

- ولم ذلك؟

- إنني عارية.

قام "سوير" بتكشير وجهه وقال يمرر نظره خلف الفتاة:

- لقد لاحظت ذلك.

التفتت فرأت المرآة الموضوعة خلفها وقد كشفت ظهرها وجزء من قميص نومها . فاحمر وجهها فورا.

- عاد ليقول لها وهو يربت على كتفها:

- كنت اود أن اخبرك أنني معجب بقميص نومك الصغير هذا إنني أجده مثيرا جدا.

أحست "بيب" بقشعريرة تسري خلال جسدها الذي لايزال متثاقلا . كانت تتعجب من هذه الصداقه الحميمة التي كانت تقوم بينهما بصورة طبيعية . لم تكن معتادة على مثل هذا النوع من الحوار وخاصة عندما يتم في غرفتها الخاصة.

ردت في النهاية بصوت به شدة:

- وأنا أظن أنه عليك أن تذهب لتحضير إفطارك الشهير على طريقة "سوير".

وضع إصبعه أسفل ذقنها وقبلها بهدوء على شفتيها.

- "بيب" أرجو ألا تكوني خائفة مني. أليس كذلك؟

ردت بصوت ضعيف:

- على الإطلاق، مالذي يجعلك تقول هذا؟

- لأنك هذا الصباح تبدين عصبية مثل الثور الذي تم إزعاجه أثناء تناوله الطعام . ولكنني أود أن أخبرك فورا، لا داعي للقلق فلن أذهب ابعد من الحدود التي تسمحين لي بها ، ولأي سبب من الأسباب وجدت أنني أخذت حريتي أكثر مما ينبغي ماعليك إلا ان تأمريني بالتوقف وسوف أتوقف فورا.

ردت قائلة:

- هذا جيد، إذن توقف للحظة واخرج من غرفتي،لأنني أريد أن ارتدي ثيابي وحدي.

قال وهو يضرب على فخذيه بشدة:

- حسنا ! أظن أن اللعبة التي اخترعتها مافتئت أن تنقلب ضدي بالرغم من أني كنت متأكدا من وضع قواعدها لصالحي.

ضحكت "بيب" ودعكت عينيها وهي تقول:

-إن التلميذ تفوق على استاذه ، لست أدري من من الفلاسفة الآسيويين قال هذا؟

رد "سوير" وهو يبتسم بخبث:

- اعتقد أن الوقت قد حان لأقوم ببيع موسوعتي العالمية.

- ولم تفعل ذلك؟

اتجه ثانية إلى سرير الفتاة وقبلها على انفها:

- لأنني وجدت توا واحدة اخرى بالإضافه إلى أنها تملك ساقين رائعتين حقا. بالزبد أم بدونه؟

ظهر على وجهها علامة عدم الفهم الكامل .

قال موضحا:

- شرائح الخبز المحمر.

- بالزبد.

- سوف أذهب لإعدادها .

اتجه نحو الباب ثم التفت مرة أخرى نحو "بيب" وقال:

- بالمناسبة، ارتدي شورت اليوم. ثم خرج وهو يصفر.

مرت ثلاث ساعات على وصولهما إلى حديقة التسلية في "هيوستن"

عندما اقتربا في النهاية من البناء المعدني الضخم المسمى "جحيم تكساس" والذي يعد اضخم لعبة مرتفعات روسية في كل ولاية. كان عدد كبير من الناس يذهبون ويجيئون من حولهم وهم يتنقلون من لعبة إلى اخرى ضاحكين وكان بعضهم يأكل غزل البنات.

صاح "سوير" وهو يشير الى لعبة المرتفعات الروسية قائلا:

- والآن امتحان قوة التحمل! هل تظنين أنك قادرة على ذلك؟

سألته "بيب" وفي صوتها ونظرتها شيء من القلق:

- أتظن أنها ليست خطرة؟

- طبعا، وإلا لما سمحت للأطفال بالذهاب إليها.

- اتسمح لهم بالذهاب إلى هذا الشيء؟ هل أنت مجنون؟

رد وهو يبتسم:

- لا. هل تتراجعين؟

ردت بشجاعة:

- بالتأكيد لا. فلست خائفة.

- إذن هيا بنا بسرعة.

- هل قمت بذلك من قبل؟

- عشرات المرات.

- حسنا. أرجو فقط ألاتبقى النقانق التي تناولتها جاثمة في معدتي.

أمسك بيدها وقادها نحو بوابة الدخول ودخلا معا. وكلما اقتربا من الموعد المرتقب زاد ضغط أصابع الفتاة على يد "هايس" . كانت"بيب" قد استمتعت بجميع الألعاب السابقة حتى الآن ، رافعة شعار التحدي ضد "سوير" . ولكنه كان يرى أن الفتاة تسير نحو العربة الصغيرة كأنها محكوم عليه بالإعدام يساق إلى حبل المشنقة

قال في نفسه:"إنها خائفة ولكنها شجاعة"

وقال مقترحا بصوت منخفض:

-آخر فرصة للتراجع.

ردت وهي تربط حزام الأمان بكل شجاعة:

- لايوجد لدي أي نية في تغيير رأيي.

كان وجهها هو الدليل الوحيد على خوفها ، وذلك بأن أصبح لونه أبيض من الرعب . وبمجرد وصول العربة إلة أول انحدار شديد، التصقت "بيب" بـ"سوير" وتشبثت بملابسه وكأنها طوق للنجاة واستمرت العربة في الدوران والصعود والنزول وعبثا حاول "سوير" أن يهدىء من روعها بواسطة كلماته، لأنها كانت تضيع وسط صرخات الركاب الآخرين. عندما وصلا إلى نهاية الدور كانت "بيب" شاحبة وكان نظرها معلقا في الفضاء .

قال لها الشاب منبها:

- "بيب" ! هل أنت بخير؟

ردت وهي تهز رأسها:

- لا. أظن أن النقانق معترضة على ذلك. يجب أن أذهب إلى دورة المياه حالا.

ساعدها للوصول بسرعة . قال وهو يحدث نفسه منتظرا إياها في الخارج:

"أيها الأحمق التعيس . كان لابد أن تعلم أنها لم تفعل ذلك إلا للرد على تحديك الغبي لها! كم كنت غبيا بهذه الطريقة لتتركها تصعد وهي في هذه الحالة؟"

كانت الفترة التي قضتها بالداخل كأنها دهر بالنسبة له وكان ذلك يزيد من إحساسه بالذنب، كان يود أن يضرب رأسه في الحائط. وعندما رآها تخرج قال لها:

-إنني جد متأسف . لاأستحق سوى ركلة على مؤخرتي لأنني قمت باستدراجك لهذا الشيء الخطير.

قالت له وهي تطمئنه:

- لا عليك. ليس الأمر بهذا السوء . ليس عندي أي نية لركلك.

قال لهامصرا ومديرا لها ظهره:

- بل عليك فعل ذلك ، هيا ! إنني أستحقه.

- "سوير" . أرجوك أن تكف عن هذا، لن اركلك أبدا،ثم إن الناس ينظرون إلينا وهذا يحرجني.

ألقى "هايس" نظرة حولهما ورأى بالفعل أن بعض الأشخاص ينظرون إليهما بسخرية . ثم قال:

- هذا معناه أنك عفوت عني؟

- ليس علي أن أسامحك على شيء، بل كان يجب أن أنتظر حتى تتم عملية الهضم لأقوم بذلك، هذا كل مافي الأمر. وسأكون مستعدة للعودة ثانية بعد لحظات إذا رغبت في ذلك، كل ما احتاجه الآن هو زجاجة "كوكاكولا" لأنسى هذا الحادث

سألها بستغراب:

- هل تودين أن تعودي إلى هناك؟

- بالتأكيد! فأنا لست من النوع الذي يستسلم بسهولة. على كل حال لقد استمتعت بذلك حتى اول الصعود،لا. إنني أبالغ قليلا، فلنقل تقريبا ولكن عندما وصلنا إلى الدوران بدأت الأمور تسوء عندي .

تمتم وهو يقترب منها:

- ياإلهي ، اعترف أنك ذلك النوع من النساء...

- أي نوع من النساء تقصد بالضبط؟

ظهرت نظرة حنان عارم وسرور في عيني"سوير هايس".

ثم قال هامسا:

- النوع الذي يناسبني بالضبط .

سأل "سوير" "بيب" بينما كانا يهمان بالدخول إلى منزل الشاب:

- كيف حالك؟

- إنني مرهقة جدا . لا استطيع أن اصدق أننا قضينا اليوم بأكمله نلهو في حديقة للتسلية، لكن من أين لك بكل هذه الطاقة؟

رد وهو يقود الفتاة نحو شرفه مرتفعه مشمسة واقعة في الطابق الثالث.

- ربما كان ذلك نتيجة ثمانية عشر عاما ضائعة. تفضلي بالجلوس، ماذا تريدين أن تشربي؟

ردت "بيب" وهي تجلس على أريكة مريحة:

- لتر من أي شيء بارد ومنعش سوف يفي بالغرض.

- كوكتيل؟ كوكا؟ ماء؟ عصير ليمون؟ شراب؟

ردت قائلة:

- عصير ليمون، سيكون ذلك جيدا!

قال وهو يضع ساقي الفتاة على مسند الأرجل:

- حسنا، خذي قسطا من الراحة . فما يزال الوقت مبكرا، ثم إن عليك أن تستجمعي قوتك لتتلقي درسك الأول في الرقص.

قالت بمظهر متعب:

- لا أعتقد أنني في حالة تسمح بذلك ، لا اشعر أنني بلياقة جيدة.

اعترض قائلا:

- بل اجدك في كامل لياقتك. وارى أنه يمكنك القيام برقصة الرومبا.

وبدأ يقوم ببعض الحركات الراقصة وهو يتظاهر بالرقص مع شخص وهمي.

انتابت"بيب" ضحكة جنونية ، وقال متوسلة:

- "سوير" ،إنني أموتعطشا.

توقف للحظة ثم قام بحركة احترام للفتاة وقال:

- رغباتك أوامر .احتجزي فقط غروب الشمس حتى اعود.

- ليست هناك مشكلة في ذلك.

نظرت إلى المنزل. كان مبنى منعزلا وسط الغابة، مبني بالكامل من الأخشاب والزجاج. وكان متناسقا مع كل الطبيعة الموجودة حوله. كان يعكس سكون المكان وجماله.

أغمضت "بيب" عينيها للحظة وبدأت تفكر. كانت متأكدة بأن "سوير" كان يعيش في شقة كبيرة وسط "هيوستن"، أيضا ، عندما رأت الطائرة المروحية تبتعد عن وسط المدينة لتتجه نحو التلال المشجرة التي تحيط بها، كانت تشعر بحيرة لكنها الآن – بوجودها عنده- كان عليها أن تعترف بأن المكان يتناسب تماما مع شخصية "سوير هايس" . كانت عزلة تتفق في العمق مع شخخص وحيد.

أحست بأن هناك شيئا يلامس قدميها ، فتحت عينيها لتفاجأ بقط أسود ذي عينين ذهبيتين قفز على ركبتيها في مرونة كبيرة، كان يحدق فيها بعناية.

قالت "بيب" وهي تداعبه:

- اهلا بك ياهذا ، من أين اتيت؟

قام القط بحك رأسه في يديها ثم بدأ في المواء.

قال "سوير" وهو يحمل صينية عليها بعض المشروبات:

- أرى أنك قد تعرفت على "شادو" ، عليك أن تشعري بالفخر لأنه عادة مايكون متوحشا مع الغرباء.

- إنني اعشق الحيوانات ، لكنني لم أحظ بواحد من قبل.

- حتى عندما كنت طفلة؟

هزت رأسها نفيا وهي تداعب القط الذي تمدد بكامل طوله على الفتاة:

-إن اعمامي عندهم حساسيه لشعر القطط، والكلاب وكل الحيوانات الأليفة.

قام"سوير" بتقديم كوب كبير من عصير الليمون إلى الفتاة قبل أن يستريح على ألأاريكة المقابلة لها، خلع حذاءه ثم مد رجلية أمامه .

تمتم قائلا:

-هذه هي الحياة الحقيقية.

- إن هذا المكان جميل جدا، عندي احساس بأنني في كوخ بعيد عن العالم.

- كانت الفكرة الأولى عندما كنت طفلا ، كنت احلم بهذا طول الوقت. الم تكوني تحلمين بشكل منزلك عندما كنت طفلة؟

- لا أذكر ذلك جيدا.

قال وهو يبتسم:

- كنت غارقة في نظرياتك الرياضية اليس كذلك؟

ردت "بيب" وهي حالمة تداعب "شادو":

- ربما، كنت اود أن اشكرك على هذا اليوم الجميل جدا ، ارجو أن يكون احساسك مثلي.

قال "سوير" مؤكدا:

- طبعا ، ولكن كما قلت لك من قبل،إن اليوم لم ينته بعد . بمجرد أن تستردي أنفاسك سيكون لنا لقاء مع جهاز التسجيل لتنالي أول حصة في الرقص. وبطبيعة الحال سوف أقوم بدعوتك لتناول العشاء أيضا.

- كل هذا؟

- أجل! السيدة"تنكر"- الم{اة التي تعتني بالمنزل- قامت بتحضر طبق صغير من الطعام الذي تحتفظ بسره . ليس علي سوى القيام بتسخينه ثم نأكل بعد ذلك.

- لكن...

- لاتقلقي، لقد أعلمت"نان" بألاتنتظرنا،لأننا ربما تأخرنا في العودة.

- كأنك فكرت في كل شيء.

قال بفخر :

- بالضبط، انظري إلى هذا الغروب أليس رائعا؟

كانت الشمس أمامهما تغرق شيئا فشيئا خلف الأفق بجلال مطلق . وكأن الطيور أيضا كانت تحتفل بتغريدها بغروب الشمس خلف أشجار التلال البعيدة . أدى جمال وهدوء هذه الحظة إلى تساقط قطرات دموع من عيني الفتاة

- يوجد هنا شيء ساحر، كأ،ه جمال غير طبيعي . ولولا أنني أملك فكرا منهجيا لكنت سأقول:إنني أستطيع أن ارى جنيات المساء وهي ترقص في الضوء.

قال لها متسئلا:

-ألا تؤمنين بالجنيات؟

- على الإطلاق، أنامتأكدة أنك لاتؤمن بها أيضا.

صاح بجدية قائلا:

-إنك مخطئة.

- أنت تسخرمني بالـتأكيد ، على كل حال لإنك تفعل ذلك بطريقة مقنعة جدا لدرجة أنني لا اعرف متى تكون جادا ومتى لا تكون كذلك؟!

احتج "سوير":

- بل أنا في منتهى الجديه .إنني اؤمن بالجنيات . ألم تسمعي "سكوتر" وهو يقول:إن الفأرة الصغيرة وضعت له قطعت نقود؟

غمز لها بعينه.

ردت وهي ترفع كتفيها لأعلى:

- لا اقصد هذا النوع من الجنيات، بل اقصد تلك التي تعيش في الأزهار أو في جذوع الأشجار

- هل تريدين ان تقولي إنك لم تري ايا منها ابدا؟

- بالطبع لا!إن مثل هذه المعتقدات خارجة تماما عن الحقيقة العلمية.لم يمكن اثبات وجود مثل هذه الكائنات . ولا تقل إنك قابلت جنيات كثيرات في الطرق المؤديه إلى الغابة؟

رد وهو يقطب جبينه:

- لن أقول ذلك لك إذن.

نظرت "بيب" إليه ثم رفعت عينيها إلى السماء ، وتحولت ابتسامة الفتاة البريئة شيئا فشيئا لتصبح شرودا فكريا حزينا نوعا ما . وضع يده على يد صديقته وداعبها طويلا.

قالت في النهاية:

- فيم تفكر ؟

- كنت اتساءل عن مدى تأثير عدم الإيمان بالجنيات في نمو الطفل . اعتقد انك لاتؤمنين بـ"بابا نويل" أيضا.

- بالفعل، فعماي كانا يظنان أنه احتقار للذكاء إذا ماصدقنا بوجود رجل بدين طيب أحمر ذي لحية بيضاء قادر على قضاء ليلة كاملة في التنقل من مدينة إلى اخرى ليقوم بوضع اللعب.

ولكن هذا لم يمنعنا من الاحتفال بعيد "نويل"...

- يعلم الله كم اخطأت أمي في طريقة تربيتي على مستويات كثيرة ،لكن لم يكن مقبولا أبدا ألا نحتفل بـ"نويل" كما ينبغي. وأستطيع أن أقسم بأن التقاليد كانت محترمة بدقة.

وتوقف برهة عن الحديث ثم عاد ليقول:

- إني اتذكر أنني كنت أحلم طويلا بأنني أستطيع الطيران مثل "بابا نويل" .ياإلهي كم كانت لدي الرغبة في الطيران! وقلت لنفسي:إنني لو آمنت بذلك جيدا لتمكنت في النهاية من الطيران.وكنت سأشبه "سوبر مان" او شيئا من هذا القبيل .ألم تشعري قط بمثل هذه الرغبة؟

ردت "بيب" بهدوء:

- بلى ، مرة واحدة.

قال وهو ينحني نحو الفتاة:

- ثم؟

- كنت في السادسه أوالسابعة من العمر ، وكنت قد صنعت لنفسي زوجا من الأجنحة البدائية بواسطة مفرش قديم وقررت أن أحاول الطيران من على سقف سيارة العم"إيموري"

- وماذا حدث؟

- راني العم"والدو"وهو عائد من الكلية، واستطاع أن ينقذني قبل أن ألقي بنفسي على الأرض ، ثم قام بشرح طويل على أصول ديناميكية الهواء ولماذا لايستطيع الإنسان أن يطير.

همس "سوير" قائلا:

-ياللأسف!

اعترضت "بيب" ثائرة:

-لا. كنت افضل أ، يقول لي ذلك على أن أضر نفسي بسبب جهلي بالأمور .فلم أقم بعد ذلك بمحاولة فعل شيء كنت اعلم مسبقا أنه مستحيل.

- لكن الطيران ليس مستحيلا. إنني أقوم بذلك كل يوم.

- طبعا ولكنك تستخدم آلة مصنوعة لهذا الغرض والأمر هنا مختلف تماما.

اعترض الشاب بدوره قائلا:

- ليس لهذه الدرجه! فالأمر مجرد تحقيق لحلم طفولة ليس أكثر.

- إنك تعلم أنه لايوجد شيء سحري في عمل طائرة مروحية .فماهو إلا خلاصة أبحاث علمية متقدمة.

- تفسرين الأمر بطريقتك وأنا أفضل أخرى . وأفضل أن اؤمن بالسحر البشري.

- هزت رأسها وقالت:

- لا أمل في إصلاحك.

- لماذا؟لأنني اؤمن بالسحر؟كيف إذن تفسرين المرح، الصداقه..... الحب؟

- إنها مجرد ردود أفعال للتصرفات ،بالإضافه إلى نوع من التفاعل الكيميائي بين الأشخاص .

رد "سوير" وهو يمد لها يديه:

- اعتقد أنه من الأفضل أن تبدئي منذ الآن في برنامج مكثف لتخليصك من ردود الأفعال العلمية. وفي انتظار ذلك هيا بنا لتناول الطعام.

تناولا عشاءهما في المطبخ الذي كانت نوافذه الزجاجية الضخمة تطل مباشرة على الغابة .كانت الأفكار التي تبادلاها تجعل الفتاة تشعر بطعم غريب. وبعيدا عن اختلاف آرائهما الذيكان يشعرها بنوع من الحزن كانت تحس أن صديقها كان جادا عندما كان يتحدث عن السحر. وعندما رأت "بيب" مجموعة من الغزلان تمر على بعد أمتار منهما كان عليها أن تعترف بأن هذا المكان يخفي شيئا خاصا،ساحرا. ولكن "سوير" كان أكثر شيء تجدهخاصا، كان رجلا مختلفا.وقالت تحدث نفسها وهي تنظر إليه:

"فريد أيضا".

أحس الشاب بنظرة "بيب" إليه فرد بصمت.

قالت في النهاية متسائلة:

- فيم تفكر؟

مد يده ناحية الفتاة وقام بتمرير أصابعة بطول ذراعها.كانت هذه الحركة الحانية تجعل جلد "بيب" يقشعر.

- افكر فيك.إنك لطيفة لدرجة أنني أصبحت مجنونا بك وتعتريني رغبة جامحة في تقبيلك.

كان قلب "بيب" يخفق بشدة وشعرت بنفخة ساخنة بداخلها تسري في كل جسدها . ولكنها كانت ماتزال قلقة لتعترف بأنها ترغب في نفس الشيء الذي يرغب فيه الشاب الجالس أمامها.

ثم قالت وهي تتناول الأطباق لتنظف المائدة:

-لابد أن نرتب المكان.

تمتم "سوير" وهو يبتسم بسخرية:

- أيتها الجبانة.

تجاهلت كلماته وقامت بوضع الأطباق المتسخة في الحوض.

اقترب الشاب من "بيب" وقال لها:

- اتركي كل هذا، فسوف تعتني السيدة "تنكر" بها غدا. ولاتحاولي أن تختفي خلف الأطباق لتتجاهلي ماأريد أن أقوله لك: إنني بدأت أقع في حبك ، ولا يمكنك فعل أي شيء ضد هذا،إنني أشعر برغبة فيك. ولن يمكنك أيضا فعل شيء ضد هذا.إن هذا الأمر سحري تماما، وطبيعي جدا.

فتحت "بيب" فمها وكأنها تريد أنتقول شيئا لكنها لم تستطع ذلك، كانت الإثارة التي تتملكها تمتزج بقلق خفي مما جعلها تشل تماما.

أضاف "سوير" قائلاوهو يقترب منها ويضع شفتيه على شفتيها:

- سوف أقوم بتقبيلك.

ضمها إليه بشدة وقبلها. ارتعدت "بيب" والتصقت به وتركت نفسها لتستمتع بقبلته التي كانت تزداد شدتها شيئا فشيئا. وفجأة ظهر صوت قطع متعتهما، حاولا أن يتجاهلاه لكنه كان صوت رنين مستمر . وابتعد "سوير" بعنف عن "بيب" وتناول بحركة عصبية هاتفه المحمول الذي كان يتدلى من حزامه وهمس لها قائلا:

-إنها المزرعة ، سوف أعود إليك حالا. احتفظي بالمكان. كانت "بيب" تنظر إليه وهو يجري مكالمته وكان تعبير وجهه ينم عن قلق ما، ثم قام بإنهاء المكالمة.

قالت"بيب" متسائلة في قلق:

- ماذا يحدث؟

- أصابت الحمى "سكوتر" ويبدو أن "دافي" أيضا على وشك أن يسقط مريضا. لاشيء خطير ولكنني يجب أن اتأكد من ذلك بنفسي . لن يدوم ذلك كثيرا ، ويمكن أن...

ردت "بيب" وهي تهز رأسها:

- لاعليك ، على كل حال إنني متعبة جدا، وأفضل أن آخذ درس الرقص في يوم آخر.

نظر إليها "هايس" في صمت ثم رد قائلا :

- الواقع أنني نسيت تماما دروس الرقص

*********

كانت "بيب" قد خلدت إلى النوم حينما رن جرس التليفون:

- مساء الخير، أنا "سوير" ، كيف حالك؟

- بخير، والأطفال؟

- أصيب "سكوتر" بداء "الحميراء" وبدأت نفس الأعراض تظهر على "دافي" أيضا، كنت أظن أنهما تلقيا المصل من قبل ، لقد حظر الطبيب وقام بإعطائهما العلاج المناسب،وعلى أي حال ونظرا لحيويتهما فأعتقد أن الأمر لن يستمر أكثر من ثلاثة أيام يقومان بعدها. وقاما بقضاء حوالي نصف ساعة يتحدثان في أشياء مختلفة قبل أن يقول الشاب في النهاية:

- هل تحسنين التزحلق؟

ردت "بيب" بنوع من الحرج:

- إنني اجهل كل شيء عن هذا الأمر ، ولم أحاول ممارسته أبدا

- صاح "سوير " قائلا:

- ماذا؟ ابدا؟

- كلا، واكنني أعرف ركوب الدراجة.

- حسنا جدا، إذن سأكون عندك غدا صباحا ومعي دراجتي طبعا، إلى الغد إذن .

- إلى الغد.

وضعت "بيب" السماعة . أطفأت الأنوار وانكمشت تحت اغطيتها . ولكنها لم تستطع النوم من جديد.

كان وجه "سوير" يتملك منها ولم تستطع أن تهرب منه . كانت تسمع ضحكاته في أذنيها، وكانت ترى نظرته. بل أكثر من ذلك فقد كانت تحس بشفتيه تلامسان شفتيها وأيضا بنفس الحرارة التي شعرت بها أثناء لقائهما المثير.

لقد جعلها هذا الرجل تكتشف شيئا جديدا لم تشعر به من قبل: الإثارة. حاولت عبثا أن تعود إلى النوم ، كانت كل حركة تقوم بها تذكرها به،كان كل جزء من جسدها يرغب في "سوير" . لم يسعفها تفكيرها المنهجي في معرفة إلى أي مدى يمكن أن تصل في برنامج إعادة تأهيلها اجتماعيا ولكن مافتئت صورة "سوير هايس" أن تتغلب على ذلك وتعود مرة أخرى مع كل الأحاسيس التي استسلمت لها"بيب" بحرية.

*********

الفصل الســـــــــادس

دخل "ليونارد هوكر" إلى مكتب "سوير هايس" وهو غاضب وسأله:

- أين كنت خلال الأسبوعين الماضيين، لقد بحثنا عنك كثيرا ولم نكن نعلم كيف واين نتصل بك؟

رفع الشاب نظره بعد ان قطع اهتمامه بحذاء التزحلق الذي اشتراه توا لـ"بيب" ، وقال بهدوء:

- أهلا عم "لين" ،لقد كنت .....مشغولا.

رد رجل الأعمال بغضب شديد:

- مشغولا؟ مشغولا في ماذا؟على أي حال لن تستطيع أن نقول:إنك كنت مشغولا بأمور المكتب منذ فترة كيف يمكنك إدارة هذه الشركة إذا لم تكن موجودا بها لتعرف كل مايحدث فيها؟

ترك"سوير" حذاء التزحلق وانغمس في كرسي الإدارة الخاص لينظر جيدا إلى وجه عمه:

- مثلما أفعل دائما حتى الآن يا عم"لين":أعطيك أعلى أجر في الشركة بالإضافة إلى ربع الأرباح لكي تعتني بكل هذا بدلا مني. والآن إذا كنت تريد أن تستقيل أو تأخذ معاشك فإنك تعلم جيدا أن"هيربرت بوركالتر" يستطيع أن يقوم بالعمل بدلا منك بمجرد أن ترغب في ذلك.

تغير وجه "هوكر" فجأة ورد مسرعا:

- لا،لا لم أقصد ذلك. كنت فقط قلقا نوعا ما بشان هذا...آه،المشروع الذي قلت: إنك سوف تعتني به. وكنت اود أن تخبرني بما تم، هذا كل شيء.

- لقد قضيت وقتا طويلا جدا مع "بيب" ....آسف مع الدكتورة "لي بارون" . في الواقع ، لم ينقطع عن رؤيتها خلال الأسبوعين الماضيين. لقد قاما بركوب الدراجات ، والذهاب إلى حديقة الحيوان، كما شاهدا مباراة في "البيس بول"في ملعب "هيوستن" .كما قام"سوير" بتعليم الفتاة جميع انواع الرقص المختلفة، وكيفية التزحلق على العجل. دون ذكر دروس ركوب الخيل مع الفرس "بلوسوم" في كل مرة كانا يزوران فيها مزرعة "ميرث" .حيث كان "سكوتر" ورفاقه يقدرون كثيرا تقدم الدكتورة"بيب" في كل درس. ثم قاما في بعض الأحيان- لكي يهربا قليلا من تلك الأمور- بجولات طويلة معا، تمتعا خلالها بجمال الطبيعة في الحقول التي كانت تحيط بالمزرعة، وكانا يتحدثان لساعات طويلة عن أشكال السحب ويضحكان لهذه الراحة التي تجمعهما بدون أن يشعرا بذلك ومن جانبها كانت "بيب" قد بدأت في اعطاء بدايات اللغة الإنجليزية للشاب. كان يتعلم سريعا، ولكن ذلك كان بسبب حلاوة نطقها للكلمات أكثر من أي سبب آخر. كان قد قرر أن يقبل"بيب" في كل مرة تمدح فيها تفوقه في التعلم. ولم يقم"سوير" بمثل هذا الجهد في التعليم حتى وهو طفل.

جلس "ليونارد" على اريكته المقابلة لمكتب ابن أخيه ثم قال له:

- كيف حال الدكتورة"لي بارون"؟ هل تظن أنك سوف تستطيع الوصول إلى اهدافك ؟

تمتم "سوير" بنوع من الحرج:

- نعم ،بطرقة ما.

- هل تريد أن تقول: إنها سوف تكون مستعدة للعمل معنا؟

رفع الشاب عينيه إلى السماء وقطب جبينه ثم قال:

- في الحقية لا. ليس الآن، ليس الآن تماما.

- مذا يعني قولك: "ليس الآن تماما" يا "سوير"؟

رد "سوير" بدون تردد لأنه كان يعلم مدى ثورة عمه لو علم بالأمر:

-إنها الآن مشغولة بمشروع آخر.

لو كان "سوير هايس" يعرف كيف يتحكم في عمه، كان يكره أن يفعل ذلك بطريقة مباشرة جدا، لأنه كان يعلم انه صاحب فضل كبير عليه، فالواقع، عندما مات جد"سوير" ، ضحى "هوكر" بفرصة عمل كبيرة كضابط في البحرية لكي يستطيع الوقوف بجانب "سوير" وأمه في شركة "ميرث". وكان الشاب قد فكر كثيرا في أن يطلب من "هوكر" أن يسوي معاشه بطريقة جد محترمة ويخلد أخيرا إلى الراحة ، ولكنه لم يجرؤ أن يفعل ذلك مخافة أن يؤلمه

كانت رؤيتهما حول إدارة الشركة تختلف من النقيض إلى النقيض فبنما كان "سوير" رجل أفكار يأخذ إدارة الشركه بطريقة هادئة متبعا في ذلك حدسه،كان "هوكر"رجل اعمل حقيقيا شديد المراس وعنيدا في دفاعه عن الشركة وكان يعمل بلا هوادة. لم يكن هذا فقط مايميز احدهما عن الآخر بل كان الرجل العجوز لايقبل أن تذهب حصة من الأرباح في مشاريع مثل مشروع المزرعة الذي كان يعتبره"هوكر" مجرد تبذير.

قال "ليونارد" قاطعا حبل افكار "سوير":

- هل حاولت المزايدة؟

تسائل الشاب قائلا:

- بخصوص ماذا؟

انفجر "هوكر" غاضبا وانتفخت اوداجه وقال ثائرا:

- كيف "بخصوص ماذا"؟ بخصوص الأجر أيها الأحمق ! هل عرضت عليها مرتبا أكبر من الذي تحصل عليه حاليا؟

لم يجد الشاب ردا على هذا السؤال بل ترك عمه يواصل هجومه عليه:

-"سوير" ، لابد علينا أن نطرق الحديد وهو ساخن في مشروع الحقيقة الوهمية هذا لأن الكثيرين بداءوا يحومون حوله، وإذا فشلنا نحن فيه فسوف تكتسح شركات اخرى هذا السوق الذي نحظى نحن فيه إلى الآن بمكانة مميزة، لذا اقترح ان تحاول أن تجعل الدكتورة"لي بارون" توقع على عقد وإلا فسوف اعتني بذلك شخصيا.

وقف"هايس" فجأة وهو يوجه إصبعه ناحية عمه مهددا إياه:

-إنني امنعك ، اتسمع،إنني أمنعك من الأقتراب من "بيب" بأي طريقة كانت حتى يثبت العكس مازلت أنا المدير العام، وأكبر المساهمين في "ميرث"، ولآخر مرة ياعم "لين" ، سوف أفعل ما اشاء في الوقت الذي أشاء ، هل هذا واضح؟

نهض "ليونارد هوكر" بدوره ، كان وجهه محمرا من الغضب والغيظ، ونظر طويلا إلى ابن اخيه ثم تمتم قائلا قبل أن يستدير ليخرج من الغرفه مسرعا:

- واضح تماما.

بعد أن قام الرجل العجوز بغلق الباب خلفه بشدة,انها "سوير" على كرسيه وأمسك براسه بين يديه وهمس قائلا:

- ياإلهي!

كانت تلك المواجهات المتزايدة تعذب الشاب ، لأنه كان يعلم أنه سيأتي يوم يطلب فيه من عمه الأستقاله. ولهذا كان يمهد لذلك بأن قام بتعيين "هيربرت بور كالتر" منذ سنتين ، ليحل محله.كان هذا الأخير رجل اعمال حقيقيا، وبالرغم من كونه شابا إلا انه تعلم بسرعه ، وكانت ميزتة الأساسية هي انتماؤه إلى جيل اكثر مرونه وأكثر تقبلا للمناقشة من "ليونارد" الذي كان صلبا وغير متفهم.

هز "سوير هايس" رأسه ثم طلب سكرتيرة مكتبه على الإنترفون:

-"جلوريا" ، هل حصلت على تذاكر الحفلة الموسيقية؟

- بالطبع ،سيدي المدير. لقد حاربت طويلا من أجل ذلك ولكنني حصلت في النهاية على أماكن جيدة.

ساد صمت قصير:

- سيدي المدير، هل استطيع أن أسألك عن شيء؟

- نعم يا "جلوريا".

- ماهذه الفرقه المسماةبـ"المجانين الغاضبين"؟

ابتسم "سوير " في صمت.

****

كانت الضوضاء لا تطاق ، وكان محبو "المجانين الغاضبين" في حالة هستيريه أكثر من الحالة التي كان عليها المطربون ذوو الشعر الطويل الذين يغنون من اجلهم.كانت حركة الجماهير تزداد عنفا مما جعل "سوير" يقلق وأشار إلى "بيب" بأن تتبعه. ابتعدا عن القاعه ليجدا نفسيهما على السلم المؤدي إلى قاعة الحفلات.

انحنى"سوير" ناحية الفتاة ثم قال لها:

- كيف وجدت هذا؟

قامت هي بتسليك إحدى اذنيها ثم قالت:

- معذرة؟

كرر عليها نفس السؤال.

- لست ادري، ربما وجدته مثيرا للإهتمام لكنه قوي بعض الشيء.

- هل تودين العودة؟

- فقط إذا عدت انت وإلا....

رد الشاب وهو يتجه نحو باب الخروج:

- إذن هيا نخرج من هنا.

بعد لحظات من خروجهما من القاعه قال"بيب":

- أظن أنني تعرضت إلى صدمة ثقافيه،فيداي ترتعشان، وقلبي يخفق بشده، واجد ايضا صعوبه في التنفس، هل هذا طبيعي؟

تمتم قائلا:

- طبيعي جدافالموسيقى يمكن ان يكون لها هذا المفعول.كانت"بيب" تتسائلإذا ماكانت رغبتها في ان يقبلها"سوير"هي الأخرى طبيعيه ولكن اخلاقها وحياءها لم يسمحا بطرح هذا السؤال.ارتعدت اوصالها.

- ماذا بك؟

- كل شيء على مايرام.

- قالت لنفسها مؤنبه:ايتها هاالكاذبة!

لقد كانت تشعر بالموسقى والجو العام قد ادى إثارة شيء ما بداخلها، مما ادى بدوره إلى اضطرابها. وكان فكرها العلمي عاجزا عن تفسير هذا لنوع من الإثاره التي تشعر بهاتجاه"سوير"الآن. وللمره الأولى في حياتها ، كانت "اليزا بيث لي بارون"، الدكتورة في الفلسفة، منجذبة جسديا وعاطفيا إلى رجل. كانت تخشى إن هي باحت له بما يجول بخاطرها أن يهزأ هو من مشاعرها أو أن يقوم برفضها، كانت الخواطر تتصارع بداخلها لدرجة أنها بدأت تشك في سلامة عقلها.ورأت أن تتصل بـ"كارول فينهويزن" لتتطلب منها المساعدة فهي على كل حال طبيبة نفسية

******

بعد أن قامت بترتيب الأواني المستعملة أثناء النزهة الخلوية التي قامت بها مع"سوير" بالقرب من منزله، تذكرت الفتاة لقاءها مع "كارول" التي قالت لها:

- "كل ماتشعرين به أمر طبيعي، لا داعي على الإطلاق للقلقِ، إنك فقط تعيشين فترة مراهقة متأخرة بعض الشيء"

- هل انت متأكدة؟

- لايوجد أي شيء غير طبيعي في هذا . إلا السن التي تشعرين فيها بهذه الأحاسيس. الشيء الوحيد الذي يجب عليك مراعاته هو عدم ترك نفسك تنساقين وراء كل ماتحسين به أو سوف تحسين به. لابد أن تكوني يقظة وحاولي أن تجعلي تجربتك تتم بالتدريج ، وعليك أنت أن تحددي مايليق بك أكثر.

نظرت "بيب" إلى "سوير" المستلقي بجوارها وكأنه يغط في نوم عميق.

كانت تتأمل فيه ، وكان حتى هذه اللحظة يملأ حياتها حتى عندما يكون غائبا عنها. كانت تفكر فيه طوال الوقت، تحلم به في نومها، وعندما يكونان معا يوميا تقريبا ، من الثامنة صباحا حتى منتصف الليل- لم تكن تراى سواه- كان يحتويها..

رات"بيب" أن "سوير" يحرك يديه، وبدأت عيناه ترمشان بينما كان لايزال مستلقيا ، ثم بدا وكأنه يبحث عن شيء ما.سألته:

- عم تبحث؟

- عن نبات نفل ذي أربع ورقات.

- لماذا؟

صاح قائلا:

- لكي يجلب لي الحظ، ماذا تظنين غير ذلك؟

- هل تؤمن حقيقة بمثل هذه الأمور، الحظ، القدر؟

اعترض "سوير" قائلا:

- بالطبع نعم! فكيف تعتقدين أنني وصلت إلى ماأنا فيه الآن؟

- بالكثير من العمل والذكاء ، أظن.

- خطأ. بالحظ فقط. هل تعلمين لماذا؟ لأنني اقوم بجمع النفل ذي الورقات الأربع منذ كنت طفلا،إن عندي كتبا مليئا بها.وأذكر أنني عندما وجدت أولها اكتشفت كيف استخدم نقودي التي كنت اوفرها في البورصة وأجعلها تتكاثر . ضربة حظ حقيقية.

- بل هي المصادفه البحته، لأن النفل ذا الورقات الأربع ماهي إلا طفرة عادية تصيب هذا النوع من النبات.

- حسنا...... أقترح عليك شيئا سيثبت لك صدقي. أي من سيجد عددا أكبر من النفل ذي الورقات الاربع سوف ينال مكافأة.

- وماهي.

- الخاسر سوف يقوم بدفع ثمن العشاء عند"فارجوز" وبعد مرور ساعه،قام المتنافسان بعرض غنائمهما فوق البطانيه.

سألها "سوير":

- كم وجدت؟

- خمس وانت؟

- خمس ايضا.

- قالت الفتاة بهدوء وهي تفكر:

- تعادلنا اذن ، انه امر مزعج.

قال الشاب مقترحا:

- فلنستمر في البحث عن طريق لعبة الموت المفاجىء.

- الموت الفاجىء؟

- الأول الذي يجد النفل السادس يفوز بالمكافأة. امر سهل أليس كذلك؟

بدون أن تضيف أي كلمة ألقت "بيب" بنفسها وسط حقل النفل من جديد وهي تبحث بشغف. ولكن"سوير" لم يتحرك، كان ينظر إليها فقط. كانت متحمسة بطريقة طفولية ولكنها كانت مندمجة بشدة.

قال "سوير "في نفسه : "إنني شغوف بها حقا".

في الواقع لم يكن شغوفا فحسب ، بل كان واقعا في حبها بجنون. كانت تشغل تفكيره منذ عدة اسابيع مضت، ولم يكن تأثيرها عليه تأثيرا جسديا فقط ، بل كانت تمارس عليه سلطة دائمة، بطريقتها في الحديث عن الأشياء ، بتواضعها الشديد بالرغم من غزارة ثقافتها وارتفاع مستواها الدراسي ، ولكن الشيء الذي كان يطغى في حبه لها هو: تلقائيتها.

كان امامها يشعر بأن لديه روح مغامر مستعدا لتسلق الجبال، قطع الصحارى والأدغال المتوحشة ليعود بالكنوز المجهولة ويضعها تحت اقدام محبوبته.

صاحت الفتاة وهي تلقي بنفسها على "سوير":

- لقد وجدت واحدا! أظن أن الحساب سيكون عليك، لقد خسرت!

نهضت ومسحت ركبتهيا ، ثم نظرت إلى الشمس التي مالت إلى الغروب، مدت يديها نحو "سوير" الذي أمسكها برفق.

- هل ستضع كل هذه الانفال ذات الورقات الاربع في كتابك الكبير الجالب للحظ؟

رد "سوير" وهو يهز رأسه بهدوء:

- لست أدري. أعتقد أن لقائي بك كان أكبر حظ في حياتي كلها.

ساد صمت طويل ، كان خلاله"سوير" يداعب شعر"بيب" التي كانت تريد أن تقول له شيئا ولكنها فضلت احترام صمته

****

تناولا عشائهما في المنزل بسرعة، وكانا خلال ذلك يتحدثان عن اشياء غير ذات اهمية، كان كل واحد منهمايفكر في لحظة الفراق ، وفجأة رن جرس الهاتف عدة مرات دون أن يلتفت"سوير" للرد.

سألته "بيب":

-الا ترد على التليفون؟

-لا،لابد أنها أمي مرة أخرى ، ولقد قمت توصيل جهاز الرد الآلي.

- الا تريد أن تكلمها.

- لا. على أي حال لقد تحدثت إليها بالأمس ، ولكن الأمور ساءت بيننا وقمت بتجاهلها.

- لكن لماذا؟

-إن عمي "لين" يحاول هذه الأيام أن يتدخل في شؤوني، وأنت تعرفينطريقته في إدارة الشركة ووجهة نظره فيما يخص المزرعة، إنه يفعل نفس الشيء مع حياتي الخاصة. وبمجرد أن يظهر خلاف في وجهات النظر بيننا يقوم بالاتصال بأمي لنجدته.

- لكنني كنت أظن أنك المدير العام في "ميرث"؟

-إنني كذلك . لكن العم"لين" موجود منذ وفاة جدي وساعدني كثيرا خاصة في البداية. ولكن شدته كضابط سابق تحول دون تفاهمنا. فليس لدي فكرة أن أكون موظفا وأن أذهب يوميا إلى مكتب للعمل. وهذا مايعيبه علي.

-لابد أن تعترف أنك قضيت وقتا طويلا معي خلال المدة السابقة.

- هذا صحيح ولكنني اقوم بزيارات منتظمة لمقر الشركة لأتفقد السير الحسن للأمور، وكل شيء يبدو على مايرام ،وعلى كل حال فإن هذه الشركة مريحة، وأمي تحصل على كل النقود التي تريدها وأنا، ايضا ،فلماذا إذن كل هذه الضجه حول عدم ذهابي كل يوم إلى المكتب؟ إنني افضل أن اكون معك.إنني اعشق ذلك.

فكرت"بيب"مليا، بعد ما أصابتها الدهشة من حالة عدم النضج، العقلي التي أصابت"سوير هايس" . ومن بعض النواحي كان يشبهها أكثر ممكا كانت تتصوره في البداية. لكنها في نفس القوت لم تستطع أن تقلل من أهمية رأي "ليونارد" ، لأن العمل كان بالنسبة لها اساس كل شيء.

ولكن وبحذر شديد رأت ألا تصر على موضوع يبدو حساسا وسألته:

- ولماذا يعارض عمك بهذه الشدة فكرة المزرعة، فابالإضافه إلى السعادة التي تعود على الأطفال يمكن أن تكون دعاية جيدة بالنسبة للشركة.

- العم "لين" يرى أن إدارة المزرعة تكلف الشركة أموالا أكثر مما تعود عليها بالفعل ، ومع ذلك، لقد كان واضحا تماما ، بأنه لو كان هو المدير لكان أول شيء يفعله هو ببساطة إغلاقها.

- أتمزح؟

- كلا. لقد كرر ذلك عدة مرات. وهذه هي اهم نقاط خلافنا وهي السبب الذي جعلني أراقب أعمال الشركة بدقة لايتوقعها هو.

تمتمت"بيب":

فهمت، أعتقد أنه من الأفضل لي العودة إلى منزلي أليس كذلك؟

رد "سوير":

- كما تشائين.

تنهدت الفتاة وقالت:

- لست ادري ولكنني أظن أنني قد تسببت لك في ألم نفسي.

صاح"سوير" قائلا وهو يبتسم:

- أرجو أن يكون هذا الكلام غير صحيح! فليس لدي أي شعور باالإحباط ،بل على العكس تماما. والآن دعيني أصطحبك إلى منزلك.

- هيا بنا.

مر يومان لم يظهر خلالهما"سوير"، كانت "بيب" على حافة الجنون، كانت قلقة ومضطربة ولاتستطيع التركيز، وعندما آوت إلى سريرها تحاول النوم، لتتخلص اخيرا من التفكير فيه لم تتمكن من إغماض جفنيها بل صارت تتقلب باستمرار على سريرها

وأثناء تلك المحاولات اليائسة بغية النوم سمعت فجأة صوت فرقعة على نافذتها، ثم تلاه صوت ثان جعلها تقفز من سريرها لتقترب من تلك النافذه. لم تكن "بيب" جبانه ولكن الذي رأته جعلها تتجمد خوفا من هول ما رأت، فقد كان هناك رجل يجلس على فرع كبير من فروع الشجرة المقابلة لنافذتها . فتحت لتتأكد من شخصيته التي كان يبدو أنها تعرفها. ثم صاحت قائلة:

- "سوير" ! ماذا تفعل معلقا على هذه الشجرة ليلا؟

- كنت أفتقدك.

- وماذا تريد؟

- أن تلبسي ثيابك لتأتي معي، ولاتناقشيني فإنها مفاجأة.

- لكن الوقت متأخر جدا.

- وماذا في ذلك؟ الم تحاولي الهروب أبدا من بيتك قبل هذا؟

- كلا لم يكن لدي أي دافع لفعل ذلك.

- الآن لديك واحد. ماعليك إلا أن تتركي كلمة ل،"نان" لكي لاتقلق بشأنك ، فسوف نعود بدون شك بأسرع مما تتتوقعين.

ارتدت الفتاة ثيابها بسرعة ثم توجهت إلى النافذة التي كان "هايس" ينتظرها أمامها.

قال لها:

- هيا ، تعالي.

اعترضت الفتاة قائلة:

- لكنني لا أحسن تسلق الأشجار فكيف بالنزول من عليها.

- إذن ، لن تجدي وقتا افضل من هذا لتتعلمي ذلك.

- وأين تريد أن تأخذني؟

- إلى المدينة.

- ولكننا بعد منتصف الليل وكل شيء مغلقز

ابتسم بغرابة ثم قال :

- اعرف ذلك. وهذا افضل.

****

الفصل الســـــــابع

كانت "بيب" تجلس على دكة محطة الأتوبيس بينما كان"سوير" يضبط لها حذاء تزحلقها ، قامت هي بضبط واقي الركبتين، وكانت تتلفت حولها من حين لآخر، لترى إن كان هناك أحد قادم، ولكن عدا بعض سائقي التاكسي الذين كانوا يجوبون الشوارع كان مركز المدينة خاليا تماما.

قالت متسائلة بقلق:

- هل انت متأكد من أن كل هذا قانوني؟

رد "سوير":

- لم تحدث لي قط أية مشكلة حتى الآن.

- هل قمت بهذا من قبل؟

ورد وهو يرتدي قبعته الواقية:

- بالطبع.

- لست أدري ماالسبب الذي يجعلني لا أصدقك؟

ضحك وهو يمسك يدها ليتزحلقا معا في صمت على الأسفلت. ثم زاد "سوير" من سرعته فشعر أن الفتاة تتشبث به يائسة ، وتجولا لمدة طويلةجدا عبر الشوارع الخالية. استسلمت "بيب" شيئا فشيئا للسرعة وكانت تنظر حولها بمرح. المنشآت التي كانت تراها في ضوء النهار تختلف تماما في مظهرها ليلا، كانت تبدو كأنها عواميد فولاذية مظلمة ومخيفة ، وبدون تحذير قام "سوير" بزيادة سرعته ثم ترك يد الفتاة التي بدأت تصرخ محاولة ألا تفقد توازنها بأي طريقة، ولكن القدر الذي كان يحفظها تمثل في عمود إنارة تشبثت به بكل قواها. اقترب "سوير" منها وهو يضحك ولكنه سارع ليتوقف في الحال بعدما رأى مزيجا من الخوف والغضب يرتسم على وجه الفتاة.

- هل انت بخير؟

ردت وهي تنظر إليه بغضب طفولي:

- سوف أنتقم منك.

ابتسم "هايس" ثانية ثم بدأء من جديد في التزحلق وتبعته الفتاة . لم يكن يسرع هذه المرة ولكنه لاحظ أن "بيب" قد نسيت خوفها في خضم غضبها وبدات تتقن تلقائيا التزحلق شيئا فشيئا. ثم قام بفك حزامه تساءلت في حيرة:

- ماذا تفعل؟

رد وهو يطوق صدره بالحزام:

- لجاما، ماعليك إلا الإمساك بطرفه الآخر ، واتركي نفسك تسحبين بواسطة حصانك الوفي.

انطلق وهو يحاول أن يسير بسرعه منتظمة، وكانت الفتاة تتشبث خلفه. ثم بدآ ينزلان في شارع منحدر كان "سوير" يسير فيه بطريقة متعرجة مصدرا صوتا غريبا يشبه صوت الطائرة وكلما كانت "بيب" تستمتع بالسرعة والهواء وتضحك من الإثارة كلما زاد الشاب من السرعة.

وفجأة ، توقف "سوير"، واستند إلى حائط قريب، ولم تستطع الفتاة إلا أن تلقي بنفسها عليه حتى تتفادى السقوط.

سألها بهدوء:

- هل انت بخير؟

- عدا قدمي اللتين لا اشعر بهما . كل شيء على مايرام ، ولكن لماذا تهمس هكذا؟

وبدون أن يرد . اتجه "سوير" لينظر خلف الحائط ثانية . قال في لهجة آمرة:

- اذهبي لتختبئي هناك خلف السور، سوف آتي لأخذك بعد قليل.

- لكن لماذا؟

- الشرطة.

هزت رأسها وهي تبتسم ثم قالت :

- كلا ،كلا، لن تنال مني هذه المرة أيضا،فأنا لست غبية لهذه الدرجة .

رد بقلق:

- هذهه المرة أنا جاد جدا.

- لكن...

- هيا أسرعي ! اختبئي!

اعتراها خوف مفاجىء جعلها تطيع أمر الشاب وذهبت لتختفي في ركن مظلم على بعد مائة متر تقريبا من المكان. كانت تتخيل نفسها في قسم الشرطة أثناء استجوابها ثم حبسها! ولتخفف من حدة خوفها كانت تطمئن نفسها بأن "سوير" سوف يأتي بعد قليل ليأخذها أو أن هذه إحدى الاعيبه الغبية . ولكنه لم يعد، فقامت بإخراج رأسها من مخبئها.

قالت وهي تحدث نفسها :"لابد أنه مجنون".

كان "سوير" يصفر بصوت مرتفع وهو يتزحلق حول سيارة شرطة الدورية.

اختفت "بيب" خلف السور المظلم من جديد وانتظرت طويلا من جديد وتفاجأ بأنه اختفى مع سيارة الشرطة. تجمد الدم في عروقها .

هزت "بيب" رأسها لتتأكد أنها لا تحلم، لكن الأمر بقي على ماهو عليه، لم يكن أحدا موجودا ، وكان الشراع خاليا تماما.

استندت بظهرها إلى الحائط وتركت نفسها تنزلق إلى اسفل. كانت تفكر في حل لهذه المشكلة. ألقت بنظرة إلى ساعتها التي كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل .

تساءلت في نفسها : ياإلهي! ماذا يمكنني أن أفعل؟

لم يكن لديها أية وسيلة مواصلات ، ولانقود! لتستخدم الهاتف ثم تذكرت، أنها نسيت أن تترك كلمة لـ"نان".

قالت في نفسها وهي مهمومة: "إنها سوف تغضب من يكثيرا إن لم تجدني"

هزها صوت غريب . وكانت "بيب" تعلم أن هذا الشارع الآمن جدا بالنهار لم يكن كذلك بالليل، وادركت فجأة مدى ضعفها، ومما زاد في خوفها هو رؤية سيارة تقترب منها ببطء . توقفت السيارة على بعد أمتار منها ، أسرعت "بيب" بالاحتماء خلف السور وهي ترتعد من الرعب.

- هيه ، أيتها الفتاة ! أتريدين صديقا في هذه اللليلة؟

...هذا الصوت!

- صاحت بكل قوتها وهي تخرج من ركنها المظلم:

- "سوير " استطيع أن أقتلك فورا!

سألها وهو يخرج من السيارة:

- لماذا؟ لقد كنت أظن أن...

- وأنا اعتقدت أ،ه تم القبض عليك وتركتني.

- لن اتركك ابدا في مثل هذا الوضع ، ثم إنني لم يقبض علي لماذا تتخيلين مثل هذه الأشياء؟

ردت بصوت حاد:

- بسبب الشرطة أيها الاحمق.

قال لها بهدوء:

- اهدئي يا "بيب" لم نكن نفعل شيئا خارجا عن القانون ، لقد كانو يـتأكدون فقط من أنني لست ثملا.

- ثملا؟ ولماذا؟

- لأنني كنت أغني حول سيارتهم.

- ولماذا كنت تفعل ذلك؟ ولماذا امرتني إذن بالاختباء إن لم نكن نفعل شيئا خارجا عن القانون؟ لقد أفزعتني حقا...

قال "سوير" وهو يأخذها بين ذراعيه بحنان:

- لقد كنت أطن أن هذا سوف يسبب لك إحراجا، أعتذر إن كنت قد سببت لك الخوف ، كنت أود فقط أن اكون لطيفا.

قالت وهي تغير من لهجتها:

- في هذه الحالة ، لاشيء عليك ، لابد أنني قابلة جدا للإقناع.يمكن لأي شخص أن يخدعني.

- هل تريدن مواصلة التزحلق؟

- رفعت عينهيا إلى السماء .

- اهذا معناه لا؟

- استنتاج رائع . هيا بنا نعود إلى المنزل.

انحنى ليفتح لها الباب وقال:

- تفضلي بالركوب.

سارت السيارة بصمت حتى خرجا من حي الأعمال ، وبعد فترة نظرت "بيب" إليه مبتسمة وقالت:

- لقد استمتعت بهذا أليس كذلك؟ حتى بالموقف مع الشرطة؟

اعترف وهو يبتسم :

- نعم ، أحب أن اتصرف بحماقة، ولكنك أنت أيضا قد استمتعت بشعورك بالخوف...

قالت وهي تبتلع ريقها:

- كان ذلك..مضحكا جدا مثيرا ايضا.

- كنت أعلم ذلك . على أي حال ، لديك مزاج المغامرين ، عرفت ذلك منذ البداية.

- أنا؟ لاأعتقد ذلك.

رد "سوير" بلهجة مريبة:

- سوف نرى.

عندما وصلا أمام منزل "بيب" كان الليل مايزال طويلا، دخلا مثل الصوص إلى البيت ومشيا في الظلام.

همست "بيب" وهي تقبل "سوير" :

- إنني منهكة تماما.

- أنا أيضا. أتعتقدين أنه بإمكاني البقاء للمبيت هنا الليلة؟

- طبعا. ماعليك إلا أن تذهب إلى غرفة الأصدقاء، أظن أنك تعرف الطريق جيدا.

رد "سوير " قائلا :

- نعم.

قام بتوصيل الفتاة إلى باب غرفتها وقبلها قبل أن يتمنى لها ليلة سعيدة، ثم ابتعد متجها إلى غرفته.

دخلت "بيب" إلى غرفتها وفكرت مليا ثم تمددت على سريرها لتنام على الفور من شدة التعب.

أحست بشخص يهزها بشدة، فتحت عينيها.

- "بيبي"!"بيب"! لقد وجدتها ! وجدت فكرة رائعة لقضاء ليلة ممتعة!

ردت متلعثمة:

- ماذا؟ "سوير" ماذا اصابك؟

قال "سوير" مؤكدا :

- استيقظي يجب أن نرحل فورا ! هيا أحضري حقيبتك بسرعة. ضعي فيها لباسي بحر، وبعض الملابس الخفيفة وفستان مساء مثير بعض الشيء أطن أن هذا يكفي.

قالت وهي تنهض بصعوبة بالغة:

-الآن؟ ولكن أين؟ليس عندي فستان مثير.

- لاتوجد مشكلة سوف نشتري واحدا عندما نصل إلى المطار.

سألته بقلق وهي تفرغ محتويات أدراجها في الحقيبة:

- ولكن أين نذهب؟

- سؤال غريب! إلى "أكابولكو" طبعا! إلى اين يذهب العشاق الشباب في ظنك؟

- إلى "أكابولكو"؟هيه! انتظرني! هل انت مجنون؟

خرج "سوير " من الغرفة. تبعته وهي تنزل على السلم مسرعة.

رد "سوير" وهو يمتطي السيارة:

- نعم يجب أن نسرع ، لأن الطائرة النفاثة في انتظارنا في المطار.

- هل قمت باستئجار طائرة نفاثة.

ركبت السيارة وأغلقت الباب بعنف . سألها "سوير" مستغربا:

- من أين تأتي لك هذه الافكار الغريبه في هذا الصباح الباكر ؟ إنها ملك لي، أوعلى وجه الدقه استعرتها من الشركة.

انطلقت السيارة بسرعه.

صاحت "بيب" وهي تهتز من تدافع الاحداث:

- وأظن أنك أنت الذي تقودها بالطبع.

- طبعا، أتودين الاطلاع على رخصتي؟

كانت الفتاة تنظر إلى "سوير" بذهول ، لم تكن تعلم ماذا تفعل امام الجانب غير المتوقع لهذا الرجل ، كانت من جديد في قلب دوامة العواطف التي لم تتمكن من السيطرة عليها . وصمتت حتى وصلا إلى مطار خاص صغير، كانت تنتظرهما فيه طائرة نفاثة سرعان مادخلا فيها.

قال "سوير" للفتاة موضحا:

- بالمناسبة، ستقومين بدور مساعد الطيار!

صاحت "بيب"قائلة:

- ماذا؟ إنك تمزح بدون شك! لم يسبق لي أن....

- أعرف ذلك ولكنني سوف اعلمك .لاتقلقي.

- "سوير" ، هل انت واثق دائما من كل تصؤفاتك؟

- بالتأكيد. ثقي بي، إنك تحت رعايتي.

كانت مندهشة مما يحدث وتركت "سوير" يسرع بربط حزام أمانها. ثم قبلها على انفها وأقلعت الطائرة . وبعد لحظات من الإقلاع نظرت "بيب" إليه وقالت:

- بالمناسبة ماذا أردت بكلمة ليلة ممتعة؟

رد وهو ينظر إليها نظرة مثيرة:

- اول ليلة غرامية بالنسبة لك في "اكابولكو".

احمر وجه "بيب" ولكنها لم تعلق.

كان "سوير" لا يكف عن الحديث منذ أن أقلعت الطائرة ، كانت فكرة قضاء عدة أيام معها بعيدا عن كل شيء تثيره جدا ، كان يتصرف بجنون وكانت افكاره تتدافع في راسه.

كان قد اختار مكانا منعزلا رومانسيا حتى يتسنى لهما الاستمتاع بوقتهما معا ، كان بيتا صغيرا من طابق واحد يطل على شاطىء البحر مباشرة ، تحيط به حديقة صغيرة تحتوي على حمام للسباحة . وفي المساء كانا على موعد مع عشاء على ضوء الشموع في الفندق، وهنا لاحظ أن "بيب" تضع يدها على جبينها وكان وجهها شاحبا جدا.

صاح قائلا:

-"بيب"! مابك؟

- رأسي يؤلمني .

-أرجو ألا تكوني جادة.

-إن هذا الصداع أمر لايدعو للهزل. كم اود ألا اتألم أبدا كما أتألم الآن. هل تستطيع أن تجد لي أسبرين؟

- طبعا ولكن دعيني ارى ذلك اولا.

وضع يده على جبين الفتاة ثم صاح قائلا وهو يبحث كالمجنون بين الأدوية الكثيرة التي كانت حقيبته تزخر بها.

- يإلهي ! إنك مصاية بالحمى!

******

الفصل الثـــــــامن

قالت "بيب" بصوت مختنق :

- إنك تمزح يادكتور! لايمكن أن اكون مصابة بداء " الحميراء".

رد الطبيب قائلا:

- أنا جد آسف ،"سنيورا" ، ولكنك مصابة فعلا بـ"الحميراء". لاداعي للقلق فمع بعض الأدوية المفيدة ، لن يدوم الأمر اكثر من يومين أو ثلاثة، وبعد ذلك يمكنك أن تعودي للاستمتاع بشهر العسل.

اعترضت الفتاة قائلة:

- لكنه ليس شهــ....

قاطعها "سوير" بسرعة قائلا:

- موتشاس جراسياس!

واصطحب الطبيب خارج الغرفة. ثم قال هذا الأخير لـ "سوير":

- لابد من الراحة التامة يا سيد"هايس" ، يجب أن تتجنب المجهودات البدنية الشديدة. اجعلها تشرب كميات كبيرة من الماء دون أن تنسى إعطاءها الأدوية أربع مرات يوميا. ثم قال الطبيب بصوت يملؤه الحرج:

- هل من الممكن أن تكون السيدة حاملا؟

رد "سوير" وهو يدافع ابتسامته:

- مستحيل .

قال الطبيب وهو يتوجه نحو باب الخروج:

- بوينو، بوينو، لأن هذا النوع من الأمراض خطير جدا على صحة الأم الحامل وخاصة على الجنين ، أتدرك ما أعني؟ اعتني بها جيدا! أديوس سنيور.

اغلق "سوير" الباب ثم اتجه إلى غرفة "بيب" التي كانت مستلقية ووجهها شاحب ، كانت علامات الضعف تظهر عليها بوضوح وقلبها يخفق ببطء.

تمنى أن يكون مكانها وأن تنتقل إليه آلامها بدلا من أن يراها في هذه الحالة. كان يشعر بعجزه وقله حيلته.

قالت "بيب" بصوت ضعيف:

- "سوير" ، إنني اسفة ،آسفة جدا...

احس "هايس" أن قلبه يتحطم مثل الزجاج ، إلى الف قطعة صغيرة، أمسك يدها بحنان واقترب منها وقال مطمئنا إياها:

- حبي، لا داعي للأسف ، بالتأكيد إن مااصابك كان بسبب" سكوتر" أي بسببي أنا .إنني أشعر بأني مسؤول عن افساد إجازتك...إجازتنا.

ردت الفتاة بلطف:

- إنك أبله، لم تكن تعلم أنني سوف ألتقط المرض.إنني ألوم نفسي كثيرا على إفساد إجازتك ..إجازتنا.

- من قال إنها فسدت؟سوف تكونين بخير بعد يومين.

ردت "بيب" بصوت حزين:

- لكنك ستشعر بالملل خلالهما.

صاح "سوير" قائلا:

-أشعر بالملل؟ لا انك تمزحين بالتأكيد! مع كل الألعاب التي اخترعتها عندما كنت طفلا صغيرا سوف نجد مايجعلنا لانحس بمرور الوقت ،إلا إذا كنت تودين أن تلحق بنا "نان" ، أستطيع الذهاب لإحضارها.

- كلا، ارجوك، فبالإضافه إلى انها تكره ركوب الطائرة، أود أن نكون وحدنا.

قال"سوير "وهو يبتسم:

- لم تكوني لتسعديني أكثر من هذا . عليك الأن ان تستريحي سوف أذهب لتجهيز عشاء فاخر وسأقدمه لك بنفسي.

خرج من الغرفة ليجري مكالمة مع سكرتيرته في "هيوستن".

سألته "جلوريا":

- ولكن ماذا تفعل في "أكباولكو"؟

- حاليا العب دور الطبيب.

- معذرة؟

- إنني لا أمزح . لا اريد أن يعلم "ليونارد " بالأمر. ولا أي شخص اخر ايضا.

- ووالدتك؟ لقد اتصلت بك مرتين اليوم.

- قولي لهم جميعا: إنني في "اوروبا" ، لأتم بعض الاعمال ، ولن أعود إلا بعد أسبوع.

- لكن أين في أوروبا؟

- في أي مكان، لكن لاتذكري وجودي في "المكسيك".وقومي بتأجيل اجتماع مجلس الإدارة إلى الأسبوع القادم . وإذا ما سألك "ليونارد" لماذا؟ فعليك أن تخبريه أنها تعليماتي.

كررت "جلوريا" :

- الأسبوع القادم ، لاتوجد مشكلة ، سوف أنقل أوامرك .

قال "سوير" لـ"بيب" آمرا إياها:

- افتحي فمك!

ردت "بيب" محتجة:

-إنني استطيع أنآكل بنفسي.

ولكن "سوير" تجاهل احتجاجها وواصل حديثه بصوت مرتفع وهو يقرب ملعقة الحساء من فم"بيب":

- وهذة هي السيارة الطائرة ، هيا افتحي باب الكهف!

- سيارة طائرة؟ باب الكهف؟

- إن هذه الأمور دائما ماكانت تأتي بنتيجة إيجابيه معي عندما كنت طفلا.

- لكن لماذا علي أن اتناول حساء الدجاج في الوقت الذي تعج فيه عربة الطعام بالمأكولات الشهية مثل الكركند وعيدان الهليون. وهذا ما أشتهيه حقا.

- فلنر في البداية إن كنت تستطيعين تناول الحساء ثم بعد ذلك ننتقل إلى الأطعمة ذات القوام الأكثر كثافة، بالإضافة إلى أنه مناسب لمرضك.

انتزعت "بيب" طبق الحساء من بين يدي الشاب وسألته:

- ولماذا لا تجرب ان تتناوله انت؟

رد "سوير" قائلا:

- لأنني نلت كفايتي عندما كنت طفلا ، وإنني اكرهه الآن. هل أنت بخير؟

ردت بعد أن تناولت حساءها ومدت يدها لتناوله الطبق:

- على أحسن مايرام. والآن هل لي في بعض الكركند؟

رد مقترحا:

- طبعا، سوف أقوم بإحضار قطعة منه.

- "سوير" ! أستطيع وأحب أن أفعل ذلك بنفسي!

نظر إليها بحزن.

- الا تريدين أن اقدمه لك بنفسي؟

قالت وهي تحدث نفسها:"أيتها الحمقاء، إنه لطيف معك وبالرغم من ذلك لاتجدين سوى تأنيبه." نظرت "بيب" حولها، كانت الغرفة تعج بعلب الألعاب الاجتماعيه المحاطة بباقات من الزهور الفاخرة . كان"سوير" قد جعل سكرتيرته ترسل إليه جهاز عرض فيديو والكثير من الشرائط معه.

قال "بيب" في النهاية:

-إنني اسفة ، كنت أفضل أن أتناول عشائي بنفسي معك بدلا من أن تقوم ا نت بإطعامي .إنني لست مريضة لهذه الدرجة.

نظر إليها"سوير" بغرابة ثم قال:

- حسن ، ربما أنني تجاوزت بعض الشيء، لم لا تحاولين إطعامي حتى نغير بعض الشيء؟

انفجرا ضاحكين ثم جلسا لاستكمال عشائهما بهدوء على ضوء الشموع . وبعد أن تناولا طبق الحلو قال لها متسائلا:

- هل تريدين اللعب أم مشاهدة فيلم ما؟

- أظن أن مشاهدة الفيلم ستكون أفضل .ماذا تقترح علي؟

- أتصدقين أنني عثرت على فيلم "لنغني تحت المطر" مارايك؟

- جيدا !هل تتصور أنني لم أشاهده مطلقا؟

رد على "بيب" وهو يضع شريط الفديو داخل الجهاز قبل أن يعود ليستلقي بجانب الفتاة:

- هذا خطأ من السهل إصلاحه . سوف تستمتعين به كثيرا... بعد لحظات صاح قائلا:

- لا أصدق ذلك!إنه ناطق بالإسبانية.

ردت المرأة وهي تضحك:

- طبعا، ماذا كنت تظن إننا في "المكسيك"

قال وهو يبتسم بمرح:

- حسنا..لاتوجد مشكلة إذن لأني أحفظه عن ظهر قلب وأنت تتقنين الإسبانية فسوف تترجمين لي إذا وجد شيء لا أفهمه.

****

أحست "بيب" أثناء نومها بشيء يجثم على صدرها وأرجلها ويمنعها من الحركة ،أحست بالرعب وفتحت عينيها ،وبدأت تصرخ وتحاول أن تتخلص من هذا الحمل الثقيل.

فزع"سوير" وجثا على ركبتيه فوق السرير ثم قام بإنارة الغرفة وقال متلعثما وهو يفحصها بقلق:

- ماذا هناك ؟ هل تشعرين بشيء؟ هل تتألمين؟

اكتشفت الفتاة أنه لم يكن سوى"سوير" الذي كان نائما فوقها دون أن يشعر وهو ماكان يخيفها وسرعان مازال خوفها ونظرت إليه باستغراب:

- لقد أفزعتني. ماذا تفعل هنا في سريري؟

قال معترضا:

- كنت نائما، هل تريدين دواءك؟

- كلا شكرا. ولكني كنت أظن أن هناك غرفة ثانية.

- نعم توجد غرفة ثانية ولكنني فضلت البقاء بجانبك لعلك تحتاجين شيئا ما .

- لكن....

قال وهو يقوم إلى اجانب الآخر من السرير:

- لا توجد لكن،سأبقى هنا ولاداعي أن تمثلي دور الخجول.فبعد يومين لن يكون هناك مجال للخجل بيننا.

رفعت"بيب" الغطاء على وجهها حتى لايلاحظ احمرار وجهها. ولكن"سوير" لم ينظر إليها ،بل اكتفى بإصلاح الأغطية ثم إطفاء الأنوار ليستلقي بجانبها من جديد.

- "سوير" ،ألا تشعر بالبرد؟.

- لا.

- لماذا لاتدخل تحت الأغطية معي؟

- لم بحن وقت ذلك بعد.

ساد صمت طويل لم يكن يسمع سوى صوت الأمواج المتكسرة على الشاطىء كان أريج الأزهار الاستوائية يملأ المكان كان الجو مثيرا بعض الشيء.

-"سوير"؟

-هممم؟

أتعلم أنني لم أقابل في حياتي رجلا مثلك؟

رد"سوير":

- شعور متبادل.

- حقا؟

- نعم.

- "سوير"؟

- هممم؟

- اعتقد أنني قلقة بعض الشيء بخصوص ....تعلم ماأعني.

- لاتقلقي ،إنها مجرد أوهام تدعى"مرض الخطيبة".

- لكنني لست مخطوبة.

رد بصوت محشرج:

- يمكننا علاج ذلك بسرعة.

- "سوير" أرجوك لاتغظني،فأنا قلقة بما فيه الكفاية وأخاف أن أخذلك.

- لا مجال للخوف،ثقي بي.والآن حاولي أن تعودي إلى النوم لكي تستعيدي قواك بسرعة، سوف تحتاجين ذلك. بمجرد أن أحس أن "بيب" قد نامت نهض "سوير" ليأخذ حماما باردا،وفعل نفس الشيء عندما استيقظ في الصباح ولكنه كان يعلم أن الحمامات الباردة لن تهدىء من إثارته البالغة كان يريد أن يذهب لأبعد من هذا ، كان يرغب في أن يجعلها تشاركه في كل شيء، في حياته نفسها.

كان يشعر بالاضطراب بل بالألم بمجرد تفكيرها بأنه كان يمزح عندما تحدث معها عن الزواج ، كانت"بيب" في الواقع تشك في هذا الأمر،مع أنه لم يكن أكثر جدية من ذلك الوقت . وكان يبحث عن طريقة يطلب بها يدها تكون ذات طابع خاص، ولكن الافكار التي استعرضها لم تكن لترضيه.واستمر في التفكير وهو يدفع عربة الطعام التي كانت تحمل الإفطار.

- فيم تفكر بهذه الطريقة العميقة؟

رد قائلا:

-فيك.لا افعل شيئا سوى التفكير فيك ، أنت وهذه الشرائح الطرية من اللحم البقري المشوي التي تنتظرنا ، كم شريحة تريدين.

وبعد يومين، عاد الدكتور"مارتنيز" وقرر شفاء الفتاة وصرح لها بالعودة لنشاطها الطبيعي

ولكن"سوير" رفض أن تتعرض لأشعة الشمس ، مخافة أن تنتكس صحتها ولكي يتفادى أن تذهب إلى الشاطىء قام باصطحابها وبواسطة السيارة في جولة إلى قلب مدينة "أكابولكو"، ولكن الجولة السياحية سرعان ما انقلبت إلى رحلة تسويقية في المحلات الغخمة والمراكز التجارية المتكاملة.كانت"بيب" تشعر أنها تعامل معاملة الأطفال لم تشعر قط بمثل هذا الاهتمام والدلال. اجتهد"سوير" ليجد فستانا مثيرا للفتاة ، كانت تود لو استطاعت أت ترفض كل هذه الهدايا ولكن نظرة "سوير" لها جعلتها تتراجع عن الرفض، وعندما رأت أن "سوير" على استعداد أن يشتري لها كل المحل وجدت وسيلة ما لتجعله يكتفي بشراء فستانين فقط. ولكنه مع ذلك استطاع ان يقنعها بشراء بعض المجوهرات وحذاء للسهرة. عندما عادا إلى البيت ،ارتمت "بيب" على الأريكة بعد أن تخلصت من حملها ومن حذائها الرياضي ، وكان"سوير" قد حضر عصيرا من الفواكه وقدمه لها وهو يسألها:

- مرهقة؟

- بل قل ميتة من التعب.

- أظن أنه يجب عليك أن تنامي قليلا وعندما تستيقظين سوف أكون قد حضرت لك حماما جيدا مليئا بالرغوة وبعدها نستعد للسهرة .

- اية سهرة؟هل سنذهب إلى مكان ما؟

رد بلهجة فيها غرابة:

-إنها مفاجأة صغيرة،ولكنني أعدك بأنها سوف تكون رومانسية جدا.

أود أن أطلب منك معروفا صغيرا.

-ماهو؟

-إنني اعرف أنك تفضلين ربط شعرك لكني احب أن تطلقيه حرا هذا المساء ، من اجلي.

ردت وهي مفاجأة بعض الشيء:

-حسن ،سوف افعل ذلك.

- شكرا ،اما الآن فأرجو أن تذهبي للراحة سوف أذهب لقضاء بعض حوائجي الشخصية بينما ترتاحين.

حاول "سوير" ربط رباط عنقة بعصبية،كانت تلك هي المرة الثالثة التي يحاول في ذلك ولكن دون جدوى، كان قلقا كانه عريس جديد،أو كأنه مراهق ذاهب إلى موعده الغرامي الأول،وكان يفكر في هذا المساء وكأنه ليلة زفافه ،لأنه كان يعلم أن الأمور سوف تختلف بعده.وكان قد قرر أنه إذا لم يتحدثا عن الزواج في هذا اليوم فلن يعودإلى "هيوستن"قبل أن يطلب يدها بالفعل. مع أمل خفي في أن تقبل أن يتزوجا هنا بالذات مسح حذاءه سريعا ونظر إلى نفسه في المرآة مرة أخرى وقال لنفسه وهو يبتسم :"ربما لست بالنسية لها أجمل رجل ولكنها بالـتأكيد لن تجد من يحبها أكثر مني في هذا الكون كله".

أخذ شهيقا طويلا قبل أن يخرج من الغرفة ليتجة إلى الصالون لينتظر الفتاة.مر ربع ساعة من الإنتظار كان بالنسبة له كأنه ساعات طويلة وأخيرا فتحت"بيب" باب غرفتها ووقفت في حلق الباب ،توقفت الأرض عن الدوران، والأمواج عن الارتطام بالشاطىء بل توقف الكون كله عن الحركة.

كانت رائعة الجمال.كان شعرها حرا طليقا ،وكانت ثناياه تتدلى لتصل إلى اكتافها العارية،وفستانها الأاسود الضيق يبرز تفاصيل جسدها ،كانت تشبه بحق نجمات السينما،بل كانت أفضل منهن لأنها أمامه،ومعه،وله.

لم تستطع أن تفسر نظرة "سوير" لها، قامت بتفحص نفسها من أعلى إلى اسفل قبل أن تنظر للشاب وتقول له في قلق:

-هل هناك شيء خطأ؟

-استديري لو سمحت.

استجابت ولفت حول نفسها دورة كاملة كان هوخلالها يلتهمها بنظراته.

قال متلعثما:

-كلا، على العكس أنت رائعة،خلابة،جذابة...إن الكلمات لا تسعفني للتعبير عما اره.

ابتسمت الفتاة ووضعت يدها على شعرها لتصلح من وضع زهرة الأوركيد التي توجت بها رأسها.

ردت وعلامات الارتياح في صوتها:

- أجد أنك أنيق أنت ايضا،إن هذه البذلة جميلة جدا، بالمناسبة شكرا على الأوركيد إنهارائعة.

ابتسم قائلا:

-إني ارى ذلك. ولكن الحق يقال إنها ليست في جمال نظرتك بل إنها تبدو شاحبة أمام جمال عينيك.

احمر وجه"بيب" من الخجل ثم اقتربت وطبعة قبلة على شفتي الشاب ،فأمسك بيدها وتوجها إلى باب الخروج. كانت سيارة اليموزين بيضاء تنتظرهما عند الباب ،ذهلت"بيب" والتفتت إلى "سوير" وهي مبهورة ثم قالت له هامسة في أذنه:

-شكرا لكل هذا أحس وكأنني "سندريلا".

- ربما ،ولكن مع مراعاة فروق جوهرية مع تلك القصة، فأنا لست الأمير الجميل وليس عندك حذاء زجاجي،وبالأأخص، وسف أكون بجانبك في منتصف الليل والواحدة صباحا والثالثه صباحا....

قاطعته قائلة وهي تجذبه ناحية اليموزين:

- هيا بنا.

جلسا في خلوة منعزلة عن باقي القاعة،كانت الأبواب المفتوحة تسمح بمرور نسمة بحرية رقيقة ودافئة لتصل إليهما، وكان لهب الشموع يتراقص تحت تأثير الهواء. وفجأة ظهر أمامهما نادل قدم لهما كأسين من الشراب.

- "سوير" نإن هذا المكان ساحر رومانسي جدا كيف اكتشفت هذا المطعم؟ سرعان مأصبحت صديقا لبواب الفندق الذي أرشدني بدوره إلى هذا المكان الذي يعتبر الأكثر رومانسيه في كل الشاطىء .اقترب عازف جيتار من طاولتهما ليعزف لهما موسيقى غرامية ،كانا يستمعان له وايديهما متشابكة ،وعندما انتهى العزف، انحنى "سوير" ناحية الفتاة وقال لها:

- هل ترغبين في الرقص؟ أظن أنه توجد قاعة أخرى بها فرقة موسيقية رائعة على حسب مصدر معلوماتي.

سألته وأساريرها تنفرج فرحا.

- حقا؟لقد كنت أرغب فعلا في أن ارى إن كنت مازلت أتذكر كل الرقصات التي علمتني إياها، سيكون الأمر أكثر غثارة مع فرقة موسيقية حقيقية.

قال "سوير" وهو يغني دافعا باب الحديقة لتمر الفتاة من خلاله:

- وان،تو،تشا تشا تشا .

قام بعمل حركة تحية مضحكة لها، كان يبدو أنه ثمل رشفت"بيب" رشفة من كأسها قبل أن تنفجر ضاحكة.

قال الشاب وهو يضرب كتفه بكتف الفتاة:

- إننا زوج من الراقصين المرحين،لقد فات اوانكم يا"فريد"و"جينجر"،والآن جاء دور "بيب"و"سوير"!

- من "فريد"و"جينجر" هذان؟

قال "سوير" بصوت تملؤة الدهشة:

- هل تمزحين؟ ألا تعرفين "فريد استير" ولا"جينجر روجرز"؟ ولكن كيف لايمكنك معرفتهما؟أن كل الناس يعرفونهما لقد تعلمت الرقص بمجرد متابعة أفلامهما!

- ولكن كيف أمكنك تعلم الرقص بمجرد مشاهدة التلفزيون ؟ألم تكن ممنوعا من مغادرة السرير؟

- في راسي، ياحبيبتي"بيب"،في راسي !بالضبط.

تساءلت "بيب" في حيرة:

-لماذا؟

- لاشيء لاشيء! هل ترغبين في كأس من الشراب؟

قالت الفتاة في إلحاح:

- لماذا تغير الموضوع؟إنك تبدو قلقا فجأة.

ضحك بشموخ:

-أنا قلق؟

ابتسمت الفتاة بينما كان يواصل حديثه:

- لماذا اكون قلقا؟هل تعتقدين أن علي أن اكون قلقا لأنني أول حبيب لك؟ هل تظنين أنني قلق لأنني لم اقابل فتاة مثلك من قبل؟ بل أسوأ من ذلك لأنني اخاف أن اخذلها؟ فلماذا إذن أقلق؟

همست قائلة:

- لاداعي لذلك، ولست محتاجا للاختفاء وراء عدة كؤوس من الشراب لتعترف لي بذلك ايضا. إنني أثق بك .نظر إليها مليا ثم احتضنها وقال:

- اوه يا "بيب" ! كم احبك.

- حقا؟

- حقا.

أمسكت بوجه "سوير" بين كفيها بحنان ، ثم عادا إلى المنزل.

عندما استيقظت "بيب" في الصباح كان "سوير" يقف إلى جوارها يتأملها.قالت:

- لقد نمت طويلا؟

- لاحظت ذلك.

- هل نمت أنت ايضا؟

- نعم، لكن النادل أيقظني عندما احظر طعام الإفطار ،إذا كنت ترغبين في ذلك فإن الطعام في الشرفة.

نهضت وارتدت ثيابها ثم صاحت قائلة:

- لقد جاء في موعده ،إنني اموت جوعا!

قامت بغرف طبق كبير من السلطة المكسيكية وقطعة من البطيخ ثم جلست على الأريكة . وقالت:

-آه ! هذه هي الحياة الحقيقة، للأسف أننا لانستطيع أن نعيش هكذا طوال السنه.لحق بها واخذ بعض الطعام من طبقها .وقال متسائلا:

- ولم لا؟

- لاتكن سخيفا.على أي حال يجب علينا ان نعود يوما ما .إن إجازتي ليست أبدية بالإضافة إلى أنورائي اعمالا مهمة كثيرة تستوجب مني انتباها كبيرا.

قال مقترحا عليها بلهجة خبيثة:

- ولماذا لا تأتين إلى "ميرث"، للعمل في مشروع الحقيقة الوهمية؟ أستطيع أن اكلم المدير ،إنني اعرفه.

قفز قلب "بيب":

- هل عملي في "ميرث" مهم بالنسبة لك إلى هذه الدرجة؟

- فقط إن كنت ترغبين في ذلك حقا، يجب أن تفعلي ما تشائين ، ما يسعدك أنت .وليس شيئا آخر. هيا بنا نذهب إلى حمام السباحة.

- حسن سألحق بك فورا،سأرتدي زي الاستحمام.

كانا يستعدان لأخذ حمام، وفجأة رن جرس التليفون، ليرفع "سوير" السماعة بطرقة تلقائية:

- الو؟

لاحظت "بيب" أن وجه الشاب يتغير:

- كيف عثرت علي؟

رد "هيربرت بوركالتر":

- لم يكن الأمر بهذه السهولة، كان علي أن أضرب "جلوريا " ! لاتفكر في تغييرها ابدا فلن تجد أوفى منها .قال "سوير" في غضب:

- أظن أنك لم تتصل بي لتقول لي هذا الكلام يا "هيربرت"؟

- كلا، إن لدينا بعض المشاكل الكبيرة، وحضورك أمر ضروري جدا.

- إلى هذه الدرجة؟ ماذا هناك؟

وقام "يوركالتر" بشرح الأمور المستجدة لمديره بينما كانت "بيب" تلاحظ أن وجه "سوير" يكسوه تعبير غاضب لم تعهده فيه من قبل.

قال غاضبا:

- ياله من وغد! حسنا يا "هيربرت"، فلنجتمع الليلة في منزلي الساعة الثامنة تماما، سوف تأتي ومعك "جلورايط و"بترسون" محامي الشركة أيضا.

وضع "سوير" السماعة بعد هذه الكلمات ليأخذها من جديد ويقوم بمكالمة ثانية:

- الو؟الاستقبال؟ لو سمحت أريد ألغاء كل الترتيبات بالنسبة لهذا المساء. نعم كلها حتى "الماريا كيس" . وارجو منك ايضا أن تتصل بالمطار ليجهزوا طائرتي للإقلاع في خلال ساعة واحدة علم؟

اقتربت "بيب" منه وقالت في قلق:

- ماذا يجري؟

- إنني ىسف يجب علينا العودة. بالرغم من أنني كنت قد اعددت سهرة رائعة ولكن مهما يكن...عمي "لين" يوشط أن يطعنني في ظهري، ولذلك يجب ان اقوم بحماية نفسي فورا، لقد دعا هذا الوغد إلى اجتماع جمعية المساهمين غدا صباحا متجاهلا تعليماتي وغيابي ،بالإضافة إلى وجود أمي في "هيوستن" وهي تقوم بالتقليب في ااوراقي الخاصة ،إنني أشتم رائحة الغدر.

- إنني لا أفهم شيئا.

- إن الأمر بسيط جدا، فاانا صاحب أكبر نسبة اسهم ،طالما كنت أنا الذي أدير حصتها لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للأصوات في انتخابات المكتب،ولكن إذا استطاع "ليونارد" أن يقنعها بأن تعطيه حق إدارة أسهمها بدلا مني فإن الأمر سوف يختلف لأنه سيصبح في هذه الحالة صاحب أكبر عدد من الأسهم ، وهذا معناة أن عمي سيصبح مدير "ميرث" بحكم ذلك.

- لكن لماذا يفعلون ذلك؟ أليست شركتك أنت؟

- بلى ، ولكن "ليونارد" سيستغل غيابي في إقناع أمي بعدم كفاءتي في إدارة الشركة

- هل تعتقد أن في إمكان عمك فعل ذلك؟

- لست أدري ولكن شكي يزداد من ناحيته هذه الأيام . أعتذر لك لأننا سنترك هذا المكان ، هل أنت غاضبة مني؟

- كلا مطلقا، بل على العكس! يجب أن نلقن هذا القرصان درسا جيدا بالإضافة إلى انه سوف يكون في إمكانه إلقاء "سكوتر" ورفاقه في الشارع مباشرة. هيا بنا نرحل!

نظر إليها واجما ثم ابتسم قائلا:

- لقد قلت لك من قبل:إنك ذلك النوع من النساء.

- أي نوع تقصد؟

- نوعي المفضل.

في صباح اليوم التالي ومثلما كان متوقعا في الإجتماع السري الذي في منزل"سوير" ، كان هذا الأخير ومعه "بيب" يجلسان في مكتب الشاب .

كان جهاز اتصال داخلي قد وضع سرا في قاعة الاجتماعات المجاورة وكان يسمح للاثنين بمتابعة الحوار بدقة.

كان"سوير" يجلس مستريحا داخل كرسيه الفخم ويضع قدميه على درج مفتوح من أدراج مكتبه. وكانت"بيب" تجلس على أريكة تستمع لكل الأصوات الصادرة من الآلة.

قالت"جلوريا" بصوت خشن هادىء:

- شيء من القهوة سد "هوكر"؟

رد بصوت غليظ به نوع من الحرج :

- لا،آه..كلا شكرا.هل الكل موجود؟

ردت السكرتيرة بصوت تملؤة المرارة:

- الكل موجود ماعدا"سوير" طبعا، هل تذكر؟ مديرنا أبن أخيك.

عطس احدهم بحرج. وقال "ليونارد هوكر"معلنا:

_- إن مديرنا مسافر إلى الخارج لست أدري أين ولاأفهم أيضا سبب سفره هذا، ولكنه فضل الترحال على حضور الاجتماع السنوي لجمعية المساهمين،ولذلك سأقوم بالرئاسة أثناء غيابه، "جلوريا" قومي بتوزيع جدول أعمال اليوم من فضلك.

غمز"سوير" لـ"بيب" قائلا:

- إنه يتقن ذلك جيدا.

همست الفتاة وهي تبتسم:

- صه، لا استطيع أن اسمع ماذا يقولون.

وعاد الرجل العجوز ليقول:

-إن أول نقطة في جدول الأعمال تتعلق بكشف الحساب الربع السنوي للشركة، وكما تلاحظون أن أرباحنا انخفضت بنسبة عشرة بالمائة عن الثلاثة الأشهر الماضية التي كانت قد هبطت فيها الأرباح أيضا نسبة عشرة في المائة ، فبماذا تفسرون ذلك ياسيد"بوركالتر"؟

- في الحقيقة يا"لين" عفوا ياسيد"هوكر"إن أبحاثنا في مجال الألعاب الخاصة بالحقيقة الوهمية مكلفة جدا ولكن..

- ومن المسؤول عن هذه المشاريع؟

- اعتقد أنه"سوير" . ولكنه...

قال عم الشاب:

- فهمت. وهل لديك الشعور أنه كان مهتما جدا بهذه المشاريع في الأيام الماضية؟

- لا، ولكن لديه افكار مهمة للغاية و...

كرر "هوكر"ببطء:

- أفكار مهمة للغاية . ولكن هل فعل شيئا ما بصدد ذلك؟شيء يشبع فضولنا على الأقل؟

ساد صمت كان "هيربرت" يتنحنح خلاله:

- إنه يعمل ماعليه، ولكننا نفتقر إلى خبير في نظام المعلومات الخيالية.

انكشفت عينا"بيب" وهي تنظر ناحية "سوير".

قال لها بحرج:

- لاياعزيزتي ليس الأمر كما تظنين.

- وماذا تظن بأنني أظن يا"سوير"؟

- أنا،أنا..... اسمعي سوف أشرح لك هذا كله فيما بعد.

قالت له:

- اسكت ، لم أعد اسمع شيئا مما يقولون. وكان "هوكر" يواصل كلامه:

- ومن هنا، ونظر لتصرفات "سوير هايس" المضطربة والتي أدت بالتالي إلى أنخفاض في أرباحنا أقترح بأن نعزله عن منصبه في إدارة الشركة وهذا من أجل صالح الشركة طبعا.

واحتج "هيربرت بور كالتر" قائلا:

- ومن سيحل محله؟

تلعثم "هوكر" قائلا:

- هيه...بصفتي نائب المدير أظن أنني أفضل شخص يمكنه أن يحل محلة مباشرة.

سوف نقوم بالتصويت برفع اليد، من مع هذا القرار؟

سادت ضوضاء وأصوات مختلفة .قفز"سوير" من على كرسيه متجها نحو باب قاعة الاجتماعات.

- الآن جاء دورنا.

قال وهو يدخل مع "بيب" إلى قاعة الاجتماعات محدثا صخبا بها:

- صباح الخير لكم جميعا، أعتذر عن التأخير ، صباح الخير يا أمي.

اتجه إلى المرأة الوحيدة الجالسة في القاعة وقبلها. ابتسمت "مادلين هايس" لابنها وقبلته بدورها. كانت ترتدي فستانا ورديا، وكان شعرها المشدود إلى الخلف يكشف عن قرط ثمين . وقالت:

- "سوير"! اين كنت؟ لقد حاولت أن أتصل بك لعدة أيام ولكن العم "لين" قال لي...

- اعتذر لانشغالي في الأيام الأخيرة ، فقد كنت أتفاوض على عملية مهمة جدا، أريد أن اعرفك بالدكتورة"إليزابيث لي بارون"التي تعتبر من أفضل الخبراء في مجال الحقيقة الوهمية. وهي مستعدة للعمل معنا. بدون أن تنطق بكلمة واحدة، أخذت "بيب" يد المرأة نحوها وسلمت عليها.

- إنني مسرورة جدا لمعرفتك يادكتورة"لي بارون".

-

- شعور متبادل يا سيدة "هايس"، حسب مارأيت في مشروع الألعاب الوهمية الخاص بشركتكم ، أستطيع أن اؤكد لكم أن بين أيديكم ثروة هائلة ستصبح "ميرث" أفضل شركة في هذا المجال.

- عبثت "مادلين هايس" بباقة فستانها وكلها فرح.

- هل هذا معناه أن المساهمين سوف يستعيدون أرباحهم من جديد؟

- لا أعتقد أنهم خسروها فعلا، ولكني أستطيع أن اضمن لكم مبالغ ضخمة في زمن قياسي.

قالت المرأة العجوز وهي تربت على كتف "سوير":

- كنت أعلم أن ابني عبقري . ولهذا السبب بالذات تركت له إدارة أسهمي.

اقترب"سوير" من عمه وقال له مبتسما:

- شكرا لإدارتك الدفة في غيابي ، أظن أنه يمكنني الآن استعادة كرسي الرئاسة.

احتج "هوكر" قائلا:

- لقد عزلناك عن منصب المدير العام منذ قليل أنا الذي أدير الشركة منذ اللحظة.

رد "سوير" متسائلا بلهجة شبه حزينة:

- حقا؟ إني متأكد لو أن الدكتورة "لي بارون" كانت قد علمت هذا لما قبلت بالعمل الذي نعرضه عليها.

صاح الرجل العجوز الذي بدأ الغضب يظهر عليه:

- نستطيع أن نجد خبيرا غيرها!

قال الشاب بلهجة هادئة:

- ولكن يجب أن يحظى خبيركم بموافقتي ودعني أسألك سؤالا آخر:

كم من الوقت تظن أن الشركة ستواصل فيه أرباحها إذا ماقامت بسحب شهادتي وعقودي الخاصة من "ميرث"؟

- شهاداتك؟

- كل المنتجات التي شكلت نجاحات تجاريةلـ"ميرث" أنا الذي اخترعتها، وبالتالي فهي قانونيا ملك لي وليس لشركة "ميرث" ، وهي مسجله باسم"سوير هايس"ماعليك إلا أن تستشير مستشارنا القانوني أليس كذلك يا"برستون"؟

هز المحامي رأسه بالإيجاب:

- هذا صحيح.

تلعثم "هوكر" وهو يكاد يبتسم لابن أخيه قائلا:

- لكنك لن تفعل ذلك طبعا.....

قاطعه "سوير" بحدة:

-الآن إذا لزم الأمر! إذا عزلتني ، سوف تكون"ميرث" شركة مفلسة قبل أن أخرج من هذا المبنى.

انتفضت "مادلين هايس" ، وواصل "سوير" حديثه وهو ينظر إلى السيدة العجوز:

-أماه، هل ترغبين في تغيير تصويتك قبل رفع الجلسة؟

ردت مسرعة:

- طبعا فليحتفظ ابني بمركز المدير العام.

أعلن "سوير" وهو يضرب بكفه على الطاولة الكبيرة:

- حسنا ، انتهى الإجتماع ، شكرا لكم جميعا على حضوركم ثم أمسك عمه من ذراعه وابتعد به عن المجموعه وقال بصوت خافت ولكن بلهجة شديدة:

- عم "لين" ، سوف اقول لك هذا بمعزل عن البقية حتى أجنبك إحراجا جديدا، أمامك ساعة واحدة لتقدم لي فيها استقالتك وتخلي مكتبك.

كانت الساعات التاليه بمثابة العذاب لـ"بيب" ففي حين انها كانت تفكر في أن يفسر لها "سوير" سبب مغازلته إياها بهذه الطريقة ، وجدت نفسها تتناول طعام الغذاء بين الأام وابنها وأمام هذا الأمر الواقع ، كان عليها أن تنصت مرغمة إلى ثرثرة السيدة العجوز حول الديكور الجديد لمنزلها وأمور أخرى تافهة من هذا القبيل. وجدت "بيب" أن هذا المرأة عديمة الفائدة ولا تهتم بشيء أو بشخص آخر غير نفسها، والحسنة الوحيدة التي اكتشفتها فيها الحنان الغريب نوعا ما نحو ابنها. وخلال كل هذا الوقت كانت "بيب" تتساءل لماذا قام "سوير" باستغلالها بهذه الطريقة

كانت تتردد في الحكم عليه ولكن كان يتولد بداخلها شعور بالثورة.

عندما أرادت إنقاذ منصب"سوير" الإداري فلم تتردد في قول أنها كانت مستعدة للعمل بـ"ميرث" بالرغم من أنها لم تكن لديها الرغبة الكافية في ذلك . قالت الفتاة ثائرة على نفسها في صمت : "يالك من حمقاء".

عندما فرغوا من هذه الوجبة التي كانت تبدو بدون نهاية، اصرت "مادلين" على أن يقوم "سوير" ومعه "بيب" باصطحابها إلى الفندق مرورا بحديقة النباتات وكانت ام "سوير" تندهش أمام أية مجموعة من الزهور أو شجرة تراها

حاولت "بيب" أن تتماسك إلى أن وصلوا أمام فندق"واريك".

همس "سوير" قائلا أثناء توجه أمه لأخذ مفتاح غرفتها:

-إنني أعتذر سأحاول أن أتصرف بأسرع مايمكن.

ردت الفتاة هامسة:

- أرجو ذلك. لأننا يجب أن نتحدث معا.

- في وقت لاحق.

لو لم تره وهو يجاول أن يتهرب من توصيل أمه إلى المطار لظنت "بيب" أن "سوير" يحاول أن يورطها،ولذلك لما أخبرها الشاب أنهم سيذهبون لتوصيل أمه إلى المطار قبلت وهي تتجرع الصبر لتتفادى الغضب. وكان ذلك جيدا بالنسبة لها، لأنهم بمجرد وصولهم إلى المطار اقترحت السيدة "هايس" عليهما أن يأخذا معها كأسا من الشراب لحين موعد الإقلاع.

لم يتوقف" سوير" لحظة عن الكلام طوال رحلة العودة لتوصيل "بيب" إلى منزلها، كان يبدو قلقا ومحرجا جدا من أن يسود الصمت بينهما. أما "بيب" فلم تكن تنطق، كانت تفكر من جديد في كل ماحدث لها في الأيام الماضية ، ولكنها لم تستطع أن تركز بالفعل . كانت ثرثرة"سوير" تحاصرها في منطقة بلبلة، وكان كل شيء مضطربا حولها، وكلما كان"سوير" يسترسل في حكاياته الغريبة جعلها تنسى الأسباب التي تجعلها لا ترغب في سماعه ، وكانت تكتشف أحيانا أنها تضحك من هذه التفاهات التي يتحدث عنها. وبمجرد أن توقفت السيارة أمام الباب قفزت "بيب" خارجها وقالت آمرة إياه:

- انتظرني هنا، سوف اقوم بتغيير ملابسي لن أتأخر وبعدها سوف نتكلم.

رد "سوير" قائلا:

- ولكننا لم نتوقف عن الكلام.

- كلا، لم نتوقف عن الحديث عن أشياء غبية ومضحكة بعض الشيء ولكننا لم نتكلم بعد.

- إذن لم يستهوك الموضوع الذي حدثتك عنه؟

- بلى.بلى بالـتأكيد ولكننا بالرغم من كل هذا سوف نتحدث معا.

سألها"سوير " في قلق:

- ولكن بخصوص ماذا؟

قاطعته قائلة:

- بعد قليل ،الآن يجب أن اغير ملابسي .

قال الشاب وهو يتثاءب:

- إذن انتظر، احب أن اساعدك في ذلك.بالإضافة إلى انني مرهق ، ربما استطعنا ان ننام قليلا أليس كذلك؟

- لا. ليس الآن . فهناك "نان" ولا اريد أن اسبب لها حرجا بوجودك معي. انتظرني فحسب.

قال "سوير" :

- حسنا جدا، سوف أنتظرك على أحر من الجمر.

*****

الفصل التـاسع

كانت الشمس تميل للغروب خلف حائط الأشجار على الجانب الآخر من البحيرة عندما وصل"سوير" و"بيب" في صمت بالقرب من المركب القديم.

كانا يشاهدان قاربا صغيرا ذا محرك يجر وراءه متزحلقا.

قال "سوير"متسائلا:

- هل جربت من قبل رياضة التزحلق على الماء؟

- نعم. علمني إياها التوءمان"ستراهان".ولكنني أطن أنني لن اقدر على فعل ذلك ابدا . نظرا لفرط الخجل والخوف.

- والآن؟

نظرت إلى"سوير" نظرة حادة.ثم قالت:

- اظن انني استطيع ذلك ،لأنني إن كنت قد تعلمت شيئا معك فسيكون بالتاكيد هو تخلصي من مخاوفي.

نظر "سوير"إلى الأفق وقال:

- يبدو كأنه مر دهر كامل على أول مرة أراك فيها عندما كنت تقومين بطلاء ذلك القارب القديم.لقد كان شكلك مضحكا بذلك الشريط الفضي اللاصق ونظارتك العجيبة.

ردت وهي تبتسم ابتسامة حزينة:

- هذا حقيقي.أنا ايضا أحس أنه قد مر دهر منذ لقائنا الأول بالإضافة إلى أنني تغيرت كثيرا.وأمتن بما علمتني إياه واعطيتني إياه،إنك سبب كل هذا التطور.

قال بحرج:

- توقفي من فضلك.

كان يبدو أنه على وشك أن يحمر وجهه خجلا .واصلت الفتاة:

- لا،إني جادة يا"سوير" ،شكرا على كل هذه الدروس الحياتية وشكرا جزيلا. ولكن الآن لست ادري إن كان الأمر يستحق...

قاطعها "سوير":

- اتدرين، لقد قمت بالفعل بتحويل هذا الهيكل المتهالك إلى قارب جميل ،ماذا تنوين أن تفعلي به.

- بدون شك سوف أقوم بجولات على ظهره.نوعا ما مثل"هاكلبيري فين"أو"توم سوير"ولكن...

سالها "هايس":

- الم أخبرك بأن لدي قاربا؟ إنه مرفوع ليتم إصلاحه،ولكنه سيكون جاهزا بعد اسبوع ،ربما سوف أصحبك للقيام بالغطس في أعماق البحر هل جربت ذلك من قبل؟

هزت راسها نافية ثم فتحت فمها لتواصل حديثها الذي يجثم قلبها.

ولكن الشاب لم يترك لها الفرصة لذلك.وواصل كلامه قائلا:

- سوف أقوم بتعليمك.وأنا واثق انك ستحبين ذلك!

سوف أقوم بتعليمك.وأنا واثق انك ستحبين ذلك! يمكننا أن نتجول بين جزر"كيز" ثم لم لانتجه بعد ذلك إلى جزر "الكاريبي"؟لن يكون لدينا شيء نفعله سوى التمدد في الشمس أو الغطس في المياه الصافية ونفعل الكثير من الاشياء الصغيره الأخرى التي نحبها ما رأيك في هذا؟

- لست ادري إن هذا يعتمد على....

قال "سوير" مقاطعا إياها بصوت غير واثق :

- هل تعرفين كيف تجعلين الحجر يقفز فوق الماء؟انظري إن السر يكمن في حركة المعصم أثناء رمي الحجر.

وقام بتناول حجر مصقول ورماه على سطح البحيرة قفز الحجر عدة مرات على سطح الماء قبل أن يغطس فيه . ثم أعطى الفتاة حجرا ولكن تجربتها كانت فاشلة.

قال وهو يعترف اخيرا:

- نستطيع القول :إنك تفتقدين التركيز اليس كذلك؟

ردت "بيب":

- هذا صحيح لانني لاأريد أن اتعلم رمي الأحجار في الماء بل اريد فقط أن نتحدث .فعندي بعض الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة.

ركل"سوير" بغضب فرعا ميتا كان بالقرب منه وقال:

- هذا ماكنت أخشاه.كنت أتمنى بغباء ألاتسأليني عما تريدين أن تسأليني فيه، أتفهمين؟

- أسأل عن ماذا؟

- عم إذا كان كل هذا المجهود المبذول مني لأنال أعجابك ،وإذا ماكانت كل هذه الأوقات الرائعة التي قضيناها معا لم يكن لها سوى هدف واحد فقط:أن أقنعك بقبول العمل في "ميرث".أليس كذلك؟

ردت بصوت محايد:

- أنت الذي تقول ذلك.

قال لها بصوت يملؤه الحزن:

- لم يكن من أجل ذلك.أستطيع أن اقسم لك على ذلك.

- ولماذا علي أن افكر بهذه الطريقة؟

- لقد لاحظت نظرتك إلي عندما كاهن "هيربيرت" يتحدث عن خبير الحقيقة الوهمية المنتظر.

قالت الفتاة وهي تفكر:

- هل تعلم يا "سوير"، لقد تعلمت خلال الأسابيع التي قضيناها معا أن أتعرف عليك ، وأعلم أنك لم تكن تغازلني من أجل الشركة. ولكن يجب أن أعترف أن الفكرة خطرت فعلا على بالي.ولكني أعلم أيضا أنك لست ذلك النوع من الرجال.

نظر إليها وكأنها قد ألقت له بطوق نجاة ثم قال وهو يقترب منها ويحتضنها بين ذراعيه:

- لم أخف في حياتي مثلما أنا الآن ، ولم أكن أعرف كيف سأقنعك بصدق نيتي لو لم تصدقيني.آه ياحبيبتي كم أحبك.وفجأة دوى صوت قريب:

- أوهيه!هل من أحد؟أوهيه!

قال "بيب":

- هذا صوت "نان".إنها تبحث عنا.

قال "سوير":

- أظن أنها ستأتي إلى هنا إن لم ترد على ندائها.أليس كذلك؟

- بالتأكيد.

- حسنا اذهبي إليها وسوف ألحق بكما بعد لحظات قالت"بيب" متسائلة:

- ولم لا تأتي الآن؟

- لأنها لو رأتني في هذه الحالة ربما تغضب مني بل يمكن أن تطاردني أيضا.

ضحكت "بيب" .بينما كانت المرأة العجوز تظهر عند أول الطريق كانت تحس أن هناك شيئا ما قد حدث.

قالت "نان" وهي تبتسم ابتسامة لها معنى كبير:

- أظن أنني وصلت في الوقت المناسب، ولكن ماذا يفعل "سوير" على القارب؟

- آه ..إنه يقوم بفحص الهيكل ،ليتأكد من عدم نفاذيته للماء سوف يلحق بنا بعد قليل.

- إن عميك هنا يا "بيب".

- عم "والدو"وعم"إيموري"؟

- أظن أنه ليس لديك أعمام غيرهما يا عزيزتي.

- شكرا يا "نان" سوف نأتي بسرعة.

كان الأخوان متشابهين لدرجة أذهلت"سوير" عندما قامت"بيب" بعملية التعارف بينهم ، ومما زاد في التشابه ارتداؤهما لنفس النوع من البذل السوداء الفخمة ،كان الشيء الوحيد الذي يفرقهما هو ربطة العنق: فأحدهما كان يرتدي واحدة حمراء والآخر زرقاء. بالرغم من احمرار وجهيهما إلا أن "سوير" استطاع أ، يلاحظ الشدة الموجودة في نظراتهما وعزاها إلى سنوات الدراسة والأبحاث وإلى الصرامة التي تحتاجها تلك الأخيرة.

قال وهو يصافحهما الواحد تلو الآخر:

- إنني مسرور جدا لمعرفتكما ، لقد حدثتني"بيب" عنكما كثيرا ، والشيء الوحيد الذي يحيرني الآن هو كيف أتصرف مع كل هؤلاء الدكترة"لي بارون".

قال الرجل ذو الربطة العنق الزرقاء:

- إن الأمر سهل جدا .أنا الدكتور"والدو"وهذا الدكتور"إيموري".

واصل "سوير" الكلام وهو يغمز بعينيه لـ"بيب":

- وهذه الدكتوره "بيب".

سأله "إيموري":

- لم تكن تدرس في "رايس" ياسيد"هايس" أليس كذلك؟لا أظن أني رأيتك في أي من محاظراتي.

قالت "بيب" شارحة الأمر:

- عماي يظنان أن "رايس" افضل جامعة في البلاد.

قال "والدو" معترضا:

- لا.لا "هارفارد"أيضا ليست سيئة....

قال "سوير" وهو يبتسم:

- على كل حال أنا لم اكن في "رايس" ولا حتى في "هارفارد" في الحقيقة لم أكن اذهب قط إلى الكلية .

- كيف؟ الم تدرس قط في كلية؟ لكن "بيب" أخبرتنا انك مدير عام لشركة كبيرة جدا .إن هذا الأمر عجيب .أليس كذلك يا "والدو"؟

- بل عجيب جدا يا "إيموري"!

قالت "بيب":

- في الحقيقة إن "سوير" لم يذهب ابدا إلى المدرسة.

صاح العم "والدو":

- ياللعجب!

- هذا موضوع مثير للإهتمام.أليس كذلك يا "والدو"؟

قال الأستاذ الكبير مزايدا :

- بل مثير جدا للإهتمام .

قالت الفتاة وهي تنهض:

- حسنا ، ماعلينا إلا أن ننتقل لتناول الطعام وسوف نناقش هذا الموضوع بتأن ماقولك يا "سوير" أن تبدأ قصتك بينما أذهب لمساعدة "نان".

كان لكلام "سوير" اثر السحر على الأخوين لدرجة انهما قررا الا يعودا إلى "رايس" إلا في صباح اليوم التالي. وكانت قصة الصراع بين "سوير" وعمه على قيادة الشركة قد غطت كل وقت العشاء. وبطبيعة الحال لم يستغرق الأمر من العالمين أكثر من ثلاث دقائق حتى أصبحا يتعاطفان مع الشاب . كانا يريان في هذا الصراع على السلطة نوعا من الفروسية التي أثارتهما على قلب رجل واحد ضد "ليونارد هوكر".

وصاح العم"ايموري":

- كنت اود أن اكون موجودا لأرى وجه هذا اللص !

قال "والدو":

- أظن أنه نال ما يستحق بقصة الشهادات تلك، إنك رجل تكتيك فذ، لابد أنك خصم عنيد.هل تلعب لعبة الشطرنج؟

رد "سوير "بتواضع:

- مستواي ليس سيئا .

واصل الأستاذ الكبير قائلا:

- لابد أن أحذرك ،إن أخي بطل جامعة "رايس" منذ ثلاث سنوات.

رد الشاب قائلا:

- وأنا أيضا لست معوقا، هيا بنا!

قال العم "إيموري" لأخيه بلهجة ساخرة:

- أظن يا "والدو" أنك عثرت أخيرا على منافس حقيقي لك.

نهض "والدو" ليتجه إلى غرفة الجلوس وتبعه أخوه ولكن"نان"سرعان ما دعتهما من جديد:

- دكتور "والدو"! دكتور"إيموري"! لم ينته العشاء بعد هل يمكن أن تنتظرا حتى أقدم لكما طبق الفاكهة حتى يتسنى لكما ترك الطاولة بعد ذلك.

نظر الأاخوان إلى بعضهما بابتسام ثم عاد للجلوس من جديد.

- مات الملك.

صاح "والدو"قائلا:

- ياللعجب! إن هذا الشاب يهزمني للمرة الثانيه.

همس "ايموري":

لعبة جيدة ايها الشاب ، حتى أنا كان من الصعب علي ان اهزمه. ومثلما قال لك أخي من قبل :إنك رجل تخطيط فذ أليس كذلك يا "والدو"؟

قال هذا الأخير مؤكدا:

- بل استطيع أن اقول: إنه فذ للغاية.

رد "سوير ببساطة:

- ربما حالفني بعض الحظ.

أكد "والدو" قائلا:

لا.لا. لا أيها الشاب لقد لعبت بطريقة جعلت خصمك يذهب حيث كنت تريده ان يذهب،إنه اسلوب الكبار .

قال"سويرط بحرج وهو ينهض:

شكرا، أظن أنه يجب علي أن ارحل ، لقد استمتعت جدا بصحبتكما وأرجو أن القاكم من جديد في اقرب فرصة.

نهض وسلم على الأخوين وقال وهو يسأل "بيب":

- هل يمكنك اصطحابي إلى الباب؟

تبعته إلى الخارج.

- اعتقد أنك تركت أنطباعا قويا عند عمي أتدري ذلك؟وكونك استطعت هزيمة عم "والدو"كان كفاكهة السهرة.ولكن لم لم تتركه يهزمك؟

- كان سيشك في الأامر ولن يحترمني لذلك.

قالت وهي تقلد عمها"والدو":

- إنك رجل تخطيط فذ.

- إنني اعلم أين يجب أن اذهب واين لايجب؟!

- أعلم ذلك ولهذا السبب لم نستطع أن نتحدث، لقد قمت بإدارة الحوار بأستاذية.

- حقا؟ كنت أعتقد أننا تكلمنا فعلا.قالت:

- كلا. ولكننا سوف نفعل ذلك غدا.

رد قائلا:

- اوافق . يمكننا أن نذهب إلى المزرعة لنرى الأولاد ونخبرهم بأننا أنقذنا مزرعتهم ، هل توافقين على ذلك؟

ردت بسرعة:

- طبعا ،إنني اعشق هؤلاء الأطفال.

- أاطلب من عميك الحضور ايضا؟

- كلا، لا أعتقد أنهما سيحبان ذلك بالإضافةإلى أنني متعجبة من زيارتهما لي ولكني اعتقد أن "نان" هي التي اخبرتهما بأن شيئا ما يحدث بيننا، ولابد أنهما اتيا لمعرفة الأمر.

- هل تظنين أنني نجحت في الامتحان؟

- بامتياز في رايي.

بعد قبلة الوداع ابتعد "سوير"بينما كانت "بيب" واقفة وحدها أمام الباب تتذكر الأسئلة التي لم تستطع أن تطرحها على "سوير هايس" ولكنها عندما أحست بأن التعب يمنعها من التركيز آثرت أن تذهب إلى الفراش.

****

****

حطت الطائرة المروحية في المكان المخصص لها في مزرعة"ميرث"، وبمجرد أن توقفت المراوح قفز "سوير" من الطائرة ليذهب إلى الجانب الآخر منها ويقوم بفك حزام الآمان الخاص بـ"بيب".

نظرت حولها وقالت:

-أتستءل عن السبب الذي جعل الأاطفال لايأتون لستقبالنا، أو على الأقل "سكوتر"و"دافي"...

امسك بيدها وجذبها برقة خارج الطائرة وقال في قلة صبر وحرج:

- حسنا هيا تعالي معي الآن!

قالت "بيب" محتجة:

- تمهل يا "سوير"! مابك اليوم؟ أجدك شديد القلق.

- اتجدينني كذلك حقا؟ قلق كيف؟

فكرت ثم ردت:

- لست ادري ، ولكنك تبدو مفرط الإثارة، هل فهمت ما اعني؟

رد "سوير" وهو يجذب يدها بنوع من الشدة:

- افهم ماتعنين جيدا . والآن اتبعيني.

سار الأثنان معا نحو المبنى الرئيسي وعند اقترابهما منه رأت "بيب" الأولاد مجتمعين أمام المبنى كانو ينظرون باهتمام إلى السيد "مات"كأنهم ينتظرون منه إشارة ما، وعندما رأى هذا الاخير الزوج يقترب وضع على فمه مزمارا قديما وبدأ يعزف لحن نداء وسرعان ما بدأ الأولاد الذين كانوا يحملون في ايديهم قطعا مستطيلة من الورق المقوى. يجرون في كل الأتجاهات ليشكلوا في النهاية صفا واحدا أمام "بيب" و"سوير" . وكان مكتوبا على قطع الورق المقوى المصفوفة بجانب بعضها العبارة التالية:

- "بيب" ،إنني احبك.أرجوك أن تقبلي الزواج بي!

"سوير".

كانت لاصدمه شديدة على "بيب" جعلتها تنهار من البكاء. كانت نظراتها تنتقل من العبارة المحمولة بواسطة الأطفال إلى"سوير" الذي كان ينظر إليها نظرة طفل فعل شيئا خبيثا.

وقال لها في النهاية:

- مارايك؟

- لست أدري ماذا يمكنني أن اقول لا تسعفني الكلمات لذلك.

ترك "سكوتر" و"دافي" الصف ليتجها مسرعين إلى الشاب.

صاح "سكوتر" قائلا:

- هل كان الأمر جيدا يا "سوير" ؟ ألم نخطىء؟

رد قائلا قبل أن يتوجه بالحديث إلى باقي المجموعة:

- الفكرة ناجحه تماما .كنتما رائعين حقا. أهنئكما على ذلك .

قال الطفل الصغير قبل أن يوجه كلامه للفتاة:

- أسمعت يا "دافي" لقد كنا رائعين هل ستتزوجين منا أيضا يا سيدتي؟

صاحت وهي تضحك قائلة:

- أنتم جميعا؟ لكن...

رد الطفل وهو ينظر إلى "مات" الذي كان يقوم بجمع الصبية:

- أظن أنك ستتزوجين "سوير "فقط بالإضافة إلى أننا يجب أن نترككم لأن السيد "مات" قال لنا: إن علينا أن ندعكم تستمتعون بوجودكم هنا بمجرد أن ننتهي من آه...؟ كيف نقول ذلك؟

- مهمة؟

صاح الطفل :

- نعم ، هذه هي مهمتنا.

تأثرت الفتاة من هذا الموقف وانحنت نحو الطفل لتحتضنه. قبلها "سكوتر" قبلة سريعة قبل أن يتقد "دافي" في خجل. قال بصوت خافت جدا قبل أن يقبلها :

- إننا نحبك جدا.

احتضنته وردت عليه فورا بصوت يحجبه التأثر:

- وأنا أيضا ، أحبكم كثيرا.

ثم ذهب الطفلان، لينضما لباقي المجموعة تاركين "بيب" و"سوير" وحدهما . قبل "سوير" وجنة الفتاة وسألها بخبث:

- هل لي الحق في شيء صغير أنا أيضا؟

- نفس الشيء؟

- "احبك"مثلا؟

لم ترد

- قال في النهاية:

- هل تحبينني؟

- بالطبع أحيك أو على الأقل هذا ما اعتقده،لأنني لم يسبق لي أن احسست بهذا قبل أن القاك.

نظرت من حولها قبل أن ترتمي في أحضان "سوير" ثم عادت لتقول في صوت مرتجف:

- لست ادري معنى كل هذا . كل شيء مضطرب في رأسي ولا أستطيع حتى التفكير.

ضمها نحوه بقوة.

- مالذي يجعلك مضطربة؟ أكونك تحبينني أم لأنك ستتزوجين مني؟

ردت "بيب" شارحة:

- كل شيء مضطرب منذ أن عرفتك ، لايوجد شيء بقي على حاله في حياتي ، لقد تسببت في قلب كل الأاوضاع راسا على عقب.

قال وهو يبتسم:

- ياعزيزتي المسكينة.

ردت بشدة:

- إنني لا اجد مايضحك في هذا الأمر يا "سوير هايس".

قال بسرعة:

- طبعا إن الأمر لايستدعي الضحك.أظن أنه يجب علينا أن نتحدث، هيا بنا نجلس فوق جذع الشجرة فسوف نستطيع هناك أن نناقش الأمر بهدوء أكثر أتوافقين؟

جلسا فوق الجذع ، ثم امسك "سوير" بكفي"بيب" وقال:

- كلي آذان مصغية.

- لقد كانت حياتي قبل أن اعرفك منظمة جدا حتى الفوضى فيها كانت- بطريقة ما- منظمة أيضا وطبعا كانت هناك تلك الأبحاث التي كنت أجريها على سلوكي ولكن حتى هذا الأامر كان مرتبا في حياتي وكان عملي هو المحرك الوحيد، متعتي الوحيدة في الحياة وظننت وقتها أنه سوف يبقى كذلك إلى الأبد ، إن الطبيعة قد حبتني ببعض القدرات الخاصة، ولذلك أخذت عهدا على نفسي أن أجعل المجتمع يستفيد منها لأقصى درجة.ولكن...

- لكن؟

- لكني اكتشفت معك الوجه الخفي لنفسي وجه اكثر جنونا ، أكثر طيشا علمتني أنت كيف ألهو وكيف أستمتع بالحياة ووجدت أنني قد أحببت هذا كثيرا. ولكنني في نفس الوقت لن أستطيع اللهو طوال حياتي. أليس كذلك؟ إنني غارقة في الفوضى ولم أكن أبدا أطيق ذلك. ولا أعرفأين أنا، لم أ‘د أعرف من وأين أنا ولاحتى ماذا أريد.

همس قائلا:

- لكنني أ‘رف من أنت؟! إنك المرأة التي أحبها والتي أريد أن أتزوجها وأقضي معها بقية عمري.

- لكني لاأعرف حتى معنى أن أكون امرأة ولاماذا سأفعل ببقية عمري. لست أدري إن كنت سأستطيع التأقلم مع أسلوبك في الحياة، وبالرغم من كل ماعشناه معا إلا أنني مازلت لاأصدق بوجود الحظ أو السحر . كل شيء مختلط ، إني أحس أنني ضائعة.

ارتمت بين ذراعي"سوير" وانهارت باكية، فضمها إليه بأقصى قوته.

وهمس لها قائلا وهو يمسح دموعها بطرف قميصه:

- اهدئي ، كل شيء سيكون على مايرام،لاتبكي قولي فقط ماذا يمكنني عمله حتى أخرجك من هذة الحالة وهل يمكنني فعله؟

استنشقت ثم قالت له:

- لابد لي من وقت لأرتب فيه افكاري وحدي.

- تريدين أن تقولي بدوني؟

ردت وهي تهز راسها:

- بالضبط، لأن كل شيء يختلط علي عندما نكون معا.

سألها في حيرة:

- وكم من الوقت؟

- لست أدري.

- إنني احبك جدا يا "بيب" ومستعد لأن أفعل أي شيء من أجلك.إن كنت تريدين مني أن أغير من حياتي فسأفعل ذلك بمجرد أن تطلبيه.

- لا داعي لذلك يا"سوير"، فأنا أفضلك كما أنت ، وعلى كل حال سوف تكون تعيسا إذا ماحولت أن تسير ضد طبيعتك وأظن أن المشكلة لاتتعلق بك بل بي أنا...

- أعتقد أنك تعانين من أزمة في الشخصية.

- ربما، ولكني يجب أن عكف على دراسة المشكلة قبل أن اتخذ أي قرار أريد أن اقوم بتركيب القطع من جديد وأخشى أنني لن أستطيع ذلك.

اخشى ذلك كثيرا.

- حبيبتي، لاأ‘رف شيئا سوى أنني أحبك. وأود أن أعرف إن كان هذا الذي يحدث لك بسببي أم بسبب شيء آخر قلته أنا؟ هل هو بسبب العمل الذي عرضته عليك؟ أم أمي؟

قال"بيب" بعد أن فكرت مليا:

- ربما، ولكنني لا أعرف ،إن كان الأامر حقا يتعلق بذلك .على كل حال كنت افكر في العودة إلى العمل حتى أجد نفسي في وسط مألوف ربما ساعدني ذلك على التفكير . ما{ايك؟

- إن كنت ترغبين في العمل فلقد عرضت عليك"ميرث" المكان الخالي لعملك بها.

- يجب علي أن أفكر ولابد لي من وقت لذلك، القوت هو ما احتاج اليه فعلا.

تنهد "سوير" كأنه رضي بالأمر وتبسم للفتاة بحزن.

وقال لها:

- أظن ان الأطفال كانوا يأملون في أن نصطحبهم لاحتفال مفاجىء صغير. ولكنني أرى أن الوقت غير مناسب لذلك...

ردت "بيب" وهي تعود للبكاء من جديد:

- أعتذر عن تصرفي بهذه الطريقة إنني أفسد كل شيء...

قال "سوير" وهو يحتجز إحساسه بالحزن بقدر مايستطيع:

- لاعليك أحتفظي بقميصي لتجففي دموعك سأذهب لأخبر الأطفال أنك مرهقة قليلا من جراء المفاجأة.

حاول جاهدا أن يبتسم قبل أن يقول لها:

- على كل حال أظن أن هذا ماحدث تقريبا أليس كذلك؟ لقد كان غباء مني أن أفعل معك هذا كان علي أن أتوقع ذلك، سوف أعود حالا.

خلع قميصة ليتركه للفتاة ثم ابتعد تاركا إياها شاردة بين أفكارها . كان هناك ألم الم لم تألفه يجثم فوق صدرها ولكنها أجبرت نفسها بالرغم منه على التفكير. هل كانت تحب ذلك الرجل حقا؟ طبعا إنها تحبه! كان عليها أيضا أن تعترف بأنه من طراز خاص، مثل ثائر على الحياة ولكن ثورته كانت مميزة كان يبدو كأنه بعيش في عالم خيالي ، بعيد كل البعد عن واقعه الخاص حتى هي لم تكن تعرف موضعها في الوجود ، وكانت تخشى أن يزيد "سوير" من تعقيد الأامور أكثر مما هي عليه.

اعترتها موجة من الخوف مما جعلها تدس وجهها في قميص "سوير"، كانت رائحة الشاب تغمر حواسها، تزيد من إضطرابها كانت ترغب في أن تعدو خلفه وتخبره بأنها مستعدة لأن تشاركه كل شيء ومهما حدث.

لكنها لم تفعل ذلك. كانت تحتاج إلى وقت للتفكير ، لتجد الخلل بداخلها.

من أجلها واجله ومن أجل أن يستطيع حبهما أن يستمر . في هذه الأثنلء كان "سوير" يفكر بسرعة ، فكر في الأطفال وإلى أي مدى سوف يحزنزن بل ويحبطون أيضا ولكن ليس بنفس درجته هو، لأنه مهما بحث عن كلمة يعبر بها عن إحساسه بالقلق أمام مااعترفت به"بيب" له في الحقيقة لم يكن يتوقع أن يكون رد فعل "بيب" بهذه الطريقة. لم يكن يستطع أن يتصور أن شيئا سوف يتعارض مع مشاريعة بمثل هذه الطريقة الفجة. كان دائما يشعر أن هذه المرأة خلقت من أجله، منذ أول مرة رآها...

قال في نفسه محدثا إياها في غضب:"يالي من مغرور، متعجرف"!

لأول مرة في حياته كان هناك شخص يفكر بعكس مايجول بخاطره، ويكون لديه آمال غير آماله هو. ولأول مرة كان عليه أن يواجه نفسه،وطريقته في الحياة.

هل كان فعلا شخصا عديم المسؤولية؟ ومع ذلك كان يعلم أن كثيرا من الناس يظنون به ذلك.حاول إقناع نفسه قائلا لها:

- "إنهم لايفهمون، ولايرون ماأراه أنا". ولكنه كان يظن أن"بيب"تفهمه ، بل كان يريد إقناع نفسه بذلك.

لم يكن عليه سوى الأمل ، الدعاء...والأنتظار

****