(2)
للون الأسود بهجته. فهو لون الغم، والهم، والحزن. وإذا كانت لهذه الأحاسيس بهجة، فهى دوما له، هو المعزول، والمضطهد، والمصاب بالهوس والتوجس، والملاحقة، والحسد.
-ما هذا الصباح الرمادي العفن؟!-قال محمود الخضري في نفسه. وقال أيضا أن الصباحات كلها صارت متشابهة: مليئة بالشرور، ومسيجة بالمؤامرات، وحبلى بمفاجآت نمل الله المنتشر يسعى لقطع الأرزاق والأعناق، واغتصاب ما تبقى من ذكريات.
أزاح الستار الأسود. ظهر العالم من وراء النافذة الزجاجية رماديا فعلا، والسماء مكفهرة، ولا طير فيها. ضغط على الزر الأسود بالجدار البني الداكن. انتشر ضوء خافت، من المصباح الوحيد المعلق في السقف، أقرب إلى العتمة منه إلى النور:
-هه، حتى أنت يا بروتس!!
اتجه في آلية إلى المطبخ. وفى آلية تمددت العضلات وتقلصت، وانفتحت أبواب وعلب وبطرمانات، وتعالى صوت غليان مياه، وتصاعد بخار، ثم تقليب. هنا فقط أصبحت قهوة الصباح السوداء جاهزة.
-ماذا يمكن أن يكون في الصحف اليوم؟ تساءل. وأجاب: مثل الأمس، وأول أمس، وغدا، وبعد غد.
-التلفزيون هو الحل-قال في ملل واضح، ثم استدرك: أذناي ليس لديهما رغبة في سماع أي شيء.
حمل فنجان قهوته الأسود عائدا به إلى الصالة الصغيرة. والصالة الصغيرة هذه عبارة عن مستطيل بعرض ثلاثة أمتار، وبطول يزيد عنها قليلا. مدهونة بلون قاتم عجيب بين الأخضر والبني الفاتح، إلا أن المكتبة الخشبية ذات الأرفف المعلقة كانت تعطى تلك الجدران لونا أسود، وخاصة في الصباح، أو تحت ضوء المصباح الكبير المعلق فى منتصف السقف، والمغطى بطبق معدني كان في السابق ذو لون شفاف عاكس، وصار أسود بفعل انعكاس صورة السجادة السوداء.
دخل إلى الغرفة. أسدل الستارة، وأطفأ المصباح. اتجه نحو نافذة الصالة. فتحها. نظر إلى الشارع، ثم زفر في ضيق:
-صباح مثل الخراء. أين يذهب كل هذا النمل في ذلك الوقت المبكر. هه، يعملون! لا أعتقد.
جر طاولة خشبية صغيرة ذات لون بني قاتم. حمل جهاز التليفون ووضعه عليها. وضع إلى جواره فنجان القهوة. اضطجع على الأريكة الضخمة. مد يده ليضبط المسافة بينه وبين الطاولة بحيث يكون كل شيء في متناولها. عقد ذراعيه على صدره، وبحلق في السقف الملون.
* * *
في يوليو 1996 قال لي آدم إدريس إن إبراهيم عفيفي يكرهني. كنتُ أعرف أن إبراهيم يعانى من مشاكل أسرية، ومن بعض المصاعب في العمل. انتهى كل ذلك بانفصاله عن زوجته، وبطرده من عمله. ورغم العلاقة الطيبة التي كانت تربطنا، لم أستطع التغلب على غضبى منه، والاتصال به، أو إبداء أية رغبة في مساعدته أو حتى التعاطف معه فى حالته تلك. وفى فبراير 1998، أكد لي عنتر غضنفر أن إبراهيم تحدث عني بشكل غير لائق بين مجموعة من الأصدقاء. واتهمني بالتزلف، وبأنني على استعداد لتأجير مؤخرتي مفروشة من أجل تحقيق مصالحي. أزعجني هذا الكلام، وقاطعت إبراهيم عفيفي إلى الأبد، حتى إنني رفضت مصافحته عندما مد يده ذات مرة لمصافحتي. ولكن كيف يمكن لشخص تافه مثل هذا العفيفي أن يتحدث عني بهذا الشكل! إنه وغد، وابن..
-آلو.. آلو.. صباح الخير.. إبراهيم موجود؟
هذا الحقير لا يرد على التليفونات. أنا أعرف إنه بالبيت الآن. لا يهم، سأتصرف.
-آلو.. آلو.. صباح الخير.. كيف حالك يا عنتر؟ عندك رقم تليفون إبراهيم عفيفي في الشغل؟
-خير اللهم اجعله خير؟
-هل تذكر ما قلته لي عام 98 عن إبراهيم عفيفي؟
-لا.
-كيف؟ لقد قلت لي إنه تحدث عنى بشكل سيء، وسبني.
-عام 98 هذا كان في القرن الماضي. وأنا شخصيا لا أذكر إنني قلت لك كلاما على لسان إبراهيم.
-لا، قلت لي. وفي يونيو 2003 أكد أحمد جمعة هذا الكلام.
-إذن اتصل بأحمد جمعة ليعطيك رقم تليفونه.
كنتُ أعرف دائما أن عنتر غضنفر كذاب ومنافق. وعموما فقد تأكد الكلام، ولا بد من تأديب هذا العفيفي الحقير.
-آلو.. آلو.. كيفك يا أحمد. على فكرة، أنا في حاجة إلى رقم تليفون إبراهيم عفيفي في الشغل.
-رائع جدا. طلبك جاء في وقته، لأن والدته توفيت في الشهر الماضي.
* * *
-آلو.. آلو.. الأستاذ إبراهيم، موجود؟
-أنا إبراهيم.
-هل هذه هي الصداقة، والمودة؟
-من يتحدث؟
-ولا تعرف صوتي أيضا؟
-أنا الذي لم يتحدث عنك بأمر سيئ أبدا، وأنا الذي كنت أصمت دائما عندما يسبونك.
-أرجوك، من يتحدث؟
-الآن فقط، تأكدتُ أنك حقير ووغد. هل نسيت صوتي؟
لم يبق الآن إلا الكلب الآخر، عنتر غضنفر، الذي أنكر ما قاله. يجب أن أمسح به الأرض على حقارته أيضا. ولكن غضنفر له علاقات جيدة، ويمكنه أن ينفعني في بعض الأمور. إذن فليتأجل قليلا حتى يأتي وقته. ولكن يمكنني الآن الاتصال بآدم إدريس ومعرفة أخبار غضنفر منه. وطبعا لا يزال آدم غاضبا من غضنفر بسبب أن الثاني تخلى عنه عندما جاء لأول مرة إلى موسكو من المدينة النائية التي كان يدرس. بل وسخر بشكل عفوي ذات مرة من تجار الأحذية الذين يأتون من المدن النائية والأقاليم بوجوه جديدة ليتحولوا بقدرة قادر إلى نجوم مجتمع، ويتسلقون كل الدرجات الاجتماعية بحنكة قلما تتوافر لابن المدينة الضائع.
معنى ذلك أن آدم إدريس هو الوحيد الذي يمكنه أن يخبرني بكل أحواله السيئة.
* * *
يتفتح اللون الأسود قليلا عندما تزول عتمة كوابيس الليل، وتأثير قهوة الصباح السوداء. ويصير الأسودُ أسودَ أقل قتامة بعد دهس هذه الصراصير الحاقدة.
نظر بإمعان في بقايا القهوة السوداء المترسبة في الفنجان. اتجه نحو دورة المياه في بطء، فتح الباب. تركه مفتوحا وجلس. شعر بأن القاعدة البلاستيكية غير مستقرة في مكانها. هز رأسه في ضيق وشعور بالمؤامرة. ارتفع قليلا بمؤخرته. عدَّل القاعدة. جلس. انزلقت القاعدة من مكانها، وتكسرت. انفصلت تماما وكادت بعض أطرافها المدببة تدخل في مؤخرته:
-كل هذا بسببهم، هؤلاء الأوغاد الحاقدين.
مع أول ضرتة تذكر أن عنتر غضنفر الذي كان في يوم من الأيام مجرد نكرة، أصبح اليوم كاتبا معروفا. وعنتر غضنفر، على ما يذكر، كان من ألد أعداء محروس عبدالبديع وآدم إدريس. كان يكرههما لانتهازيتهما وصفاقتهما. وكان عبدالبديع وإدريس يسخران منه ومن كتاباته. وعندما بدأت صوت المياه يقرقع، قال في نفسه:
-ولكننى لم أقرأ شيئا لهذا الغضنفر الذي يتصور أنه أعظم كاتب في العالم.
وضع رأسه تحت سيل المياه المتدفق. تذكر أن غضنفر أهداه يوما مجموعة قصصية كتب عليها، على سبيل الإهداء، "إلى صديقي العزيز، ورفيق طفولتي.. أتمنى أن تعجبك هلوساتي". كانت هذه هي الجملة الوحيدة التي قرأها، وألقى بالمجموعة بعد ذلك في مكان ما.
قضى بعض الوقت في التفتيش والتنقيب. وفجأة تذكر أن مجموعة غضنفر بين الصحف والكتب الموجودة في دورة المياه. وعلى الرغم من رائحة خرائه التي لم تكن قد تبددت بعد، راح يقلب الصحف التي تحول لونها إلى الأصفر والبني إلى أن عثر عليها.
اتجه نحو الأريكة. تمدد بشكل مريح. تعلقت عيناه بالإهداء لفترة طويلة. أخذ يقلب الصفحات في عشوائية.
-ما هذه الهلوسات؟! كلام فارغ.. كيف يمكن كتابة هذا العبط؟! وكيف يمكن نشره؟ لم تعد هناك أية فائدة، لا الأدب، ولا الفن يمكنهما التأثير. حتى الثورة لم تعد مجدية..
سيطر عليه غضب داخلي. شعر بارتفاع الضغط، تبعته حالة غثيان. تلاطمت الأفكار في رأسه: إنه الفساد.. فساد الأنظمة السياسية، والمثقفين، انحطاط الفن والأدب.. لم يعد هناك أي شيء مجدي أو نافع. ولكن كيف يمكن الخروج من هذا المأزق التاريخي! لابد من طرح الأسئلة.. أين الناس؟ وأين المثقف العضوي؟ الله يرحمك يا جرامشي!!
تعالت ضحكة من الشقة المجاورة. قذف بالمجموعة في عصبية:
-لا أدرى لماذا يضحكون؟! هل هناك ما يدعو إلى الضحك في هذا العالم؟! حيوانات!!
وتعالى صوت موسيقى من الأعلى حيث يسكن أحد رسامي الكاريكاتير بإحدى الصحف المتواضعة. انتفض واقفا. وضع رأسه بين كفيه في توتر بالغ:
-وهذا العربيد أيضا يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية! ماذا يمكنه أن يفهم منها؟! إنه حيوان، كل يوم مع فتاة جديدة، وكل يوم يغنى ويرقص ويسكر، بل وأحيانا يقرأ الشعر بصوت عال. حيوان!!
* * *
فتح باب الثلاجة في آلية. امتدت يده إلى لفافة. وضع قطعة جبن في رغيف وراح يقضم في تأفف. تذكر أن آدم إدريس كان قد وعده في أغسطس 2002 بمساعدته في العثور على عمل بأجر كبير. قال:
-هذا الحقير وعدني، ولم يتصل بي بعد ذلك. ربما يكون قد أخذ المكان لنفسه. أو أعطاه لعنتر غضنفر. سمعتُ مؤخرا أنهما شوهدا يسيران معا. ولكن هل سأظل أمارس تلك الأعمال الحقيرة التي لا تسمن ولا تغنى من جوع؟! هل سأبقى هكذا أعيش على تلك القروش القليلة؟! كلهم يعملون ويحصلون على الآلاف، ولا أحد منهم يتذكر بأنني في حاجة إلى عمل مثل أعمالهم؟! أوغاد!
اقترب من النافذة. كانت السماء مكفهرة، وغيوم سوداء تعربد على وجهها. نظر إلى الشارع:
-النمل والقرود والبغال والصراصير لا تكف عن الحركة! لا أدرى ماذا سيجنون من ذلك؟! بهائم لا يحسون ولا يفقهون.
تعالت ضحكة نسائية من شقة رسام الكاريكاتير. صاح صوت رجالي:
-يا حبيبي، هي دي الحياة..
رد صوت آخر ببيت شعر، غنجت فتاة ثانية غنجة صاعقة، وتعالت الموسيقى.
لم يكن هناك أي داع للنظر إلى الساعة. فقد انضبطت حواسه في السنوات الأخيرة على حركة الناس في الشارع، وأصوات انفتاح وانغلاق أبواب الشقق المجاورة، وأصوات رنين جرس التليفون عند الجيران، وتصاعد صوت الموسيقى أو الضحكات الصادرة ممن حوله. فى السنوات الأخيرة انضبط إيقاعه على القيل والقال، والاتصالات التليفونية مع الأعداء والمعارف والكارهين والحاقدين، والاستفسارات الدائمة عن أخبار الآخرين. وهذا النشاط الموسيقى الشعرى الغانج فى شقة العربيد ينبئ بأن النهار قد انتهى، وبدأت الحلقة الثانية من اليوم الذى لا يختلف عن سابقه أو تاليه. نسى الأصدقاء والمعارف والزملاء الخونة والمتآمرين. شعر بهدوء لذيذ، وسكينة نادرة. تذكر الطفولة والصبا. فانتقل إلى حالة من الوجد والطمأنينة الروحية. توقف عند فكرة المسرحية التى اقترحها يوما على فريق التمثيل بالجامعة. وتذكر خالد السايح الحقير الذى التقط الفكرة وقام بعمل العرض المسرحى، وأعطاه دورا صغيرا على عكس ما كان يأمل. قال:
-ومع ذلك فقد كان العرض سخيفا وفاشلا. هذا الحقير لم يفهم فكرتى. سرقها وعملها بطريقته. لماذا صفقوا له، وأعطوه جائزة، لا أدرى! حيوانات!!
الفكرة ببساطة كانت تدور حول مجموعة من الأصدقاء يجلسون فى غرفة..
الأول: مساء الخير يا جماعة..
لا أحد يرد (فهم دائما مع بعضهم. يعرفون بعضهم البعض جيدا. إذن لماذا الرد؟ ولماذا أصلا إلقاء التحية؟)
الثاني: أريد تدخين سيجارة. أين علبة السجائر؟
الثالث: إلى جوارك.
الثانى: يااااه.. ليس لدى رغبة فى مد يدى، ثم فتح العلبة، وبعد ذلك إخراج سيجارة، ثم وضعها فى فمى.
الرابع: إذن وفرت علينا عناء إشعالها. بل ووفرت هذا الجهد على نفسك أيضا.
الأول: أود أن أنام.
الثاني: وماذا يعيقك؟
الأول: عيناى مفتوحتان.
الثالث: أفهمك، هذا أمر صعب.
الرابع: إذن أغلق النور، ووفر عناء إغلاق عينيك.
الأول: أنهض من مكانى، وأسير كل هذه المسافة، وأمد يدى، وأضغط الزر! هذا أصعب.
الثانى: ولكن فى تلك الحالة عليك أن تغلق عينيك.
الأول: سأنام بدون إغلاقهما. ولكن المشكلة فى النوم أيضا. لا أريد أن أنام، وأريد أن أنام..
الرابع: أنا أحسدكم.
الجميع: لماذا؟
الرابع: لديكم قدرة عجيبة على الكلام..
الجميع: تعالوا نصمت..
صمت
(انتهى)
* * *
كانت فكرة خالد السايح تافهة، لأنه أطلق على العرض اسم "الكسل". بيد أن فكرتى المسرحية كانت بعنوان "الملل". كان يتصور أن الاسم لابد وأن يجسد الفكرة الرئيسية للمسرحية. فانطلق من أنه لا حاجة إلى أى ديكور. ولا حاجة أيضا إلى أثاث أو أدوات أو ملابس. ثم تطورت الفكرة وأصبح العرض لا يحتاج إلى مكان، وبالتالى، أصبح الجمهور غير ضرورى. ولما كانت الفرجة المسرحية تستلزم متفرجين، أصبح على الممثلين أن يتفرجوا على أنفسهم. ولكن المشكلة التى واجهتهم فى ذلك، كيف يمثلون ويتفرجون على أنفسهم فى نفس الوقت! والسؤال الثانى الأصعب، كيف يمكنهم أن يتفرجوا على أنفسهم وهم فى ذات الوقت لا يستطيعون الحركة!
كانت مسرحية فاشلة بكل المقاييس. فالسايح الحقير أهدر كل القيم الدرامية الكلاسيكية، وضرب الحائط بالقوانين الفنية. كان يعتقد أنه بذلك سيلحق بقطار الطليعيين والمجددين. ولكنه تخرج بعد ذلك ولم يسمع أحد عنه شيئا، اللهم بعض الأخبار التافهة عن عروض فى القرى والأقاليم.