(1)

7 0 00

(1)

قال آدم إدريس في تواضع مصطنع:

جلستُ مع فيدل كاسترو ودخنا سيجار "هافانا". تحدثنا عن جيفارا، والثورة، ومهام الاشتراكية الكوبية فى المستقبل.

غمس إصبعه في كأس الفودكا، ثم بلل به سيجارته "الروثمان"، وقال:

-الأكثر دهشة هو لقائي مع كيم إيل سونج..

سألته:

-كم كان عمرك وقتها؟

-لا، لا. مع ابنه. جلسنا بعد افتتاح المؤتمر. وظل الرجل يشرب حتى كاد يتبول على نفسه. وفجأة وجدتُ المترجمة تستغيث بي.

-ماذا حدث؟

-مع الشراب، طار عقل الرجل عندما رآها. فأمر حرسه بدعوتها إلى فراشه. ولما رفضت، بدأ يتحرش بها. فجاءت مهرولة تستنجد بي.

-وماذا فعلت مع رئيس كوريا؟

-طبعا اتخذت الإجراء اللازم وأوقفته عند حده. فهي في النهاية كانت مترجمتي الخاصة.

* * *

للخمر قوانين لا يخالفها إلا الجاحد بالنعمة، والناكر للجميل. في رحابها تتكسر حدود الواقع، تتمدد مساحات الخيال، تنهار كل الأطر والحواجز، ويحلق الإنسان في عالم خاص يجب احترامه، بصرف النظر عن أي شيء آخر. أنا أحيانا، وبعد القنينة الثانية أو الثالثة، أحكي عن علاقتي بمديحة كامل وسعاد حسنى، ويسرا. وأحكى بالتفصيل، عن حادثة لقائي بنجيب محفوظ، عندما وجهت إليه نقدا لاذعا، ووافق هو معي. وعندما قلت لأمل دنقل أنه لا يفهم في الشعر. وعلى الرغم من إننا كلنا ولدنا في أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات، لم يكن هناك أي حاجز خيالي يعوقنا عن حكى حتى التفاصيل الجنسية مع ممثلات وكاتبات إما ولدن قبلنا بعشرين عاما، أو وافهن الأجل ونحن في الصف الأول الابتدائي.

وكان الضحك يبدأ عندما تفعل الخمر أجمل وأعرق أفاعيلها. عندما يحكى كل منا لقاءاته بجمال عبدالناصر عندما كان يسير متنكرا من أجل الاطمئنان على أحوال الرعية، وحافظ الأسد عندما كان يدرس فى الثانوية، أو أنور السادات عندما كان يحشش فى إحدى غرز شبرا، أو فيروز عندما كان زياد لا يزال يرضع. ثم تأتى مرحلة البطولات، والتضحيات الكبرى سواء التعذيب على أيدى أجهزة الأمن بسبب النشاطات الشيوعية الممنوعة، أو التضحية بالمستقبل فى سبيل الفقراء والطبقة العاملة، والفلاحين أيضا.

في الآونة الأخيرة، ومع انفتاحة موسكو، حصل كل منا على عمل محترم في وسائل الإعلام العربية. ولكن لسوء حظي فقد فصلوني سريعا، بينما صار الأصدقاء وفى لمح البصر نجوما في الصحف والتلفزيونات، بل وصار جزء كبير منهم محللين سياسيين، ومتخصصين فى علم السياسة، والثقافة، والقانون الدولي، واللاهوت. وبالتالي كان لابد أن يصنع كل واحد لنفسه سيرة ذاتية جديدة، مطعمة ببعض بنود النضال ضد الإمبريالية والاستعمار، أو بأنه صحفي، وسياسي بالوراثة، ولكن ظروف النضال السياسي دفعته للعمل نجارا أو بائع أحذية، أو تاجر شنطة من الذين كانوا يملؤون الاتحاد السوفيتي سابقا. ولا مانع أيضا من أن تقول إنك كتبتَ قصصا قصيرة في صغرك، ونشرتها في أكبر المجلات، أو كتبت مقالات في السينما والسياسة، ولكن للأسف كنت لظروف السرية تنشرها باسم مستعار وفى دوريات سرية أيضا.

هنا تكون الخمر هي المنقذ. فما تبدعه عن نفسك فى جلسة الشراب، عليك أن تكرره في الصحو أيضا، لا لكي تؤكده للآخرين، ولكن لكي تصدقه أنت نفسك، ويصبح جزء من تاريخك، ثم تاريخك، ثم أنت نفسك.

* * *

اتصل بي محمود الخضري:

وبعد مراوغات قاتلة حول سياسة روسيا الداخلية والخارجية، وأحوال الجاليتين العربية واليهودية، والثورة المخملية في جورجيا، انعطف الحديث فجأة نحو المراسلين العرب في روسيا.

-هل تعرف ماذا قال عنك؟

-مَنْ؟

-صاحبك آدم إدريس.

-لا.

-قال إنك سكير ولا ترفع الكأس من على فمك.

قلتُ في نفسي "يا أولاد القحبة". قلتها للاثنين-لصاحبي الذي يهاتفني، وصاحبي الذي يشرب معي يوميا. وقلت في سماعة الهاتف:

-معقول آدم إدريس يقول عنى ذلك؟!

وكتمتُ ضحكة، لأنني أعرف أن محمود الخضري الذي يحدثني الآن اختلف مؤخرا مع آدم.

قال:

-وقال كلاما آخر يعف لساني عن ذكره.

فقلت مرة أخرى في نفسي "ولكن لماذا يا محمود لم تقل لي هذا الكلام في السابق!". وقلت له:

هل قال لك إنني لوطي؟

-لا. ولكنه قال إن زوجتك تركتك بسبب ضعفك الجنسي. وأن الخمر ومعاشرة العاهرات هما السبب في طردك من الصحيفة التي كنت تعمل بها.

أصابتني حالة غريبة. شعرتُ بتحرر مدهش. وبصوت واثق، هادئ، فيه نبرة غنائية، قلت له:

-ولكن هل تعرف ما قاله عنك؟

-لا.

-قال إنك لوطي، وابن قحبة. وقال إنه "نط" على زوجتك، ولا يزال ينط عليها حتى الآن. وقال أيضا، إنك كذاب، وأفاق، وتعمل مع المباحث.

-هو قال عنى ذلك؟

أعجبني انفعاله، فأضفت:

-أنا شخصيا قلتُ له أكثر من مرة، إنك سافل، ووغد. وبإمكاني تصديق كل ما يقال عنك، و..

انقلبت المكالمة الهاتفية بيني وبين صاحبي "الكاتب الصحفي" المرموق، إلى شتائم وسباب. وقال إنني منافق، وأعيش متطفلا عليهم جميعا. فوضعتُ سماعة الهاتف. وإمعانا فى الدخول فى تلك الحالة التي كنتُ أتمناها منذ زمن طويل. طلبتُ آدم إدريس الذي أعرب على الفور عن ترحابه وسعادته بهذه المكالمة المفاجئة. فقلت:

-تحدثتُ لتوي مع محمود الخضري.

-يا سبحان معكر الأمزجة..

-قال إنك قلتَ عنى كلاما كثيرا سيئا، بل وتطرق الأمر إلى زوجتي السابقة. وبالمناسبة، فقد قال عنك إنك ابن شرموطة، ووغد، وحقير، وأن كل الحكايات التي تحكيها عن لقاءاتك مع فيدل كاسترو وجيفارا وابن خالة كيم إيل سونج وأقاربه، كلها كذب من أجل اكتساب الأهمية، والتعتيم على ماضيك السيئ. وأنا من جانبي قلت له، إنك تصطاد في الماء العكر، وإنك غبي ومتآمر، وأن عمرك عندما قابلتَ كاسترو كان تسع سنوات، وأن جيفارا مات وعمرك أربع سنوات. وقلتُ له أيضا إنك تعمل مع الأمن الروسي، وكل أجهزة الأمن العربية، وليس من المستبعد أن تكون قد بعت نفسك للأمن الوقائي الفلسطيني، والموساد.

ومن جديد، انقلبت المكالمة بيني وبين صاحبي "المراسل التلفزيوني" الأعظم في العالم إلى شتائم وسباب. وقال لي إنني تافه، وفاشل، والجميع يتحملونني إشفاقا منهم فقط.

فتحتُ الثلاجة. أخرجتُ قنينة الفودكا التي كانت تسيل عرقا. صببتُ حتى امتلأ الكأس. وشربت على الطريقة الروسية. وأدركتُ أن الله قبض من الخراء قبضة، وصنع منها الكثيرين من الصحفيين والكتاب والمثقفين وأعضاء البرلمان والوزراء ورؤساء الدول. وقبض قبضه أخرى، فصنع منها بشرا لا حصر لهم، نساء ورجالا، يسعون في الأرض. وقلتُ في نفسي:

-وما من دابة على الأرض إلا ورزقها على الله.

* * *

أعرفُ إنني فشلتُ في كل شيء. في كتابة الشعر، والقصص، والروايات. حصلتُ على شهادتي العليا بالغش والهدايا والتزوير. وإمعانا في غسل يدي من مصيري، اشتغلت مراسلا صحفيا لعدة جرائد، ومحطة تلفزيون، ومجلات كثيرة. وفي النهاية طردوني جميعا، لأنهم اكتشفوا إنني أزور المعلومات، وأنقل الأخبار من وكالات الأنباء. وتركتني زوجتي الروسية بحجة إننا تزوجنا في عهد الاتحاد السوفيتي، وبما أن الظروف قد تغيرت، فأنا أصبحتُ لا أناسبها.

شربتُ كأسا ثانية، وقلتُ:

-يا رب، ماذا أفعل؟

دق جرس الباب. فتحت. كان فاسيلي واقفا بابتسامته الطفولية الرائعة، وزجاجة فودكا في يمينه، وطبق الخيار المخلل في يساره. قال:

-القحبة الكبرى لم تأت إلى البيت منذ الأمس. والكلبة الصغرى تنام في المطبخ مع المخصي، ابن الجيران. وضحك.

صببتُ كأسين محترمين، وقلتُ:

-في صحتك، يا فاسيا.

-في صحتك، يا عزيزي. ولكن معذرة، ما هو النطق الصحيح لاسمك؟