الفصل الثالث

7 0 00

الفصل الثالث

الانتقام

كان صول يرقب أمر المعارك في منطقة البحيرة ، ويلتقط أخبارها ، فلما جاءه نعي

كورصول أدرك أن الدائرة ستدور عليه لا محالة ، وأن المسلمين لا بد أن ينتقموا منه

جزاء غدره وخيانته ، ومحاولته الإيقاع بالجند الإسلامي … ولذلك عزم على أن يبدأ

الحرب قبل أن يبدؤوا ،فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، وجهز لذلك جيشا قوامه

ثلاثون ألفا أو يزيدون ، وترصد للمسلمين في الشعاب والأودية لينقض عليهم انقضاض

الوحش الجائع على فريسته .

… … …

كان المقرر أن يكون مقدم الجيش الإسلامي إلى المعسكر ليلا ، وقد جاؤوه بعد جهد

جهيد ، ولفت انتباههم مشاهد نيران متفرقة هنا وهناك ، فقال قائلهم:

- إن الترك يكمنون لنا في أماكن متفرقة .

وسمع نهيق حمار ، فقال واحد :

- إن الترك قريبون منا .

فقال آخر: أما علمت أن الترك لا حمير عندهم .

- أصابوها في حروبهم معنا .

فقال نصر : أرسلوا العيون ندرك من أخبارهم ما يحمينا من الوقوع في شركهم .

قال واثلة : أنا لها يا أمير الجند .

وقال ابن أبي سبرة :

- وسأرافقه حماية له .

نصر : بارك الله فيكما ، اذهبا في رعاية الله وحفظه .

وسار الجنديان المخلصان بحذر شديد … ورأيا … وعادا ليخبرا بما رأيا وعرفا ، وقال

واثلة :

- إن الترك قريبون منا ، وقد نصبوا عرّاداتهم ، ومعهم من القوة ما لم يكن

في الحسبان .

- إذا فلنأخذ حذرنا وأسلحتنا حتى في صلواتنا ، فلعلهم عرفوا من أمرنا ما

عرفنا منهم .

وأعاد نصر ترتيبات جنده ، وحدد لهم مواقع القتال، وأمر بأن تتقدم الأثقال ، وبات

الجند المسلمون يصلون ويتضرعون ، والجيش الوثني يغط في سبات عميق …

واستشار نصر أصحابه في طلب المدد ، فأشير عليه بذلك .

-إذا ، من رسولنا إلى الأمير ؟

قال أحدهم : أنا لها يا أمير الجند .

- احذر كثيراً ، فإن المهمة قاسية ، والناجي منها مولود جديد .

- لا تخف يا أمير ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .

- ستمر في أراضي الترك ، أو قريبا منها ، وقد يعرفون أمرك .

- إن العمر بيد الله ، وهو يدافع عن الذين آمنوا .

وسكت واثلة قليلا وقال :

- ولكن …

- ماذا يا واثلة ؟

- أريد فرسك الكميت .

- لعمري لئن جدت بدمك ، وبخلت عليك بفرسي ؛ إني إذا للئيم .

ودفعه إليه وودعه وهو يدعو له .

ركب الرسول الفرس، وراح يخب به في الظلام يريد أقرب منطقة إسلامية من سمرقند ،

ينجد أميرها أخاه في هذا المأزق الحرج، ويبلغه فيها نصر الله للمسلمين، وقتلهم

كورصول اللعين …

ومر في طريقه بأراضي الترك فعرفه أحدهم من هيئته، وقدر أن يكون رسولاً يحمل

أمراً، فلحقه ، ولكن واثلة غذ السير على فرس نصر الأصيل ، فلم يستطع التركي لحاقه ،

فلما وصلا إلى شعب من الشعاب التفت واثلة فجأة ورمى سهمه إلى التركي فأصابه في

مقتله ، فهوى عن دابته .

وتابع واثلة مسيرته … وأدى مهمته … وعاد يخب بفرسه ، ولكنه ضل الطريق، ورأته

طلائع المعسكر التركي فعرفت مكان المسلمين، فأشرف صول على تل قريب منهم وجعل ينظر

إلى معسكر عدوه من علٍ عله يرى ثغرة يستطيع النفاذ منها إلى المعسكر، فرأى من خلفه

جزيرة دونها مخاضة، فدعا بعض قواده، وأمرهم أن يصعدوا التل، وحدد لهم المكان الذي

يدخلون منه إلى المعسكر الإسلامي، وأمرهم أن ينفذوا جريمة نكراء تحت جنح الليل

وقبيل الفجر …

وكان لهم ما أرادوا قبل أن يصل المدد …

وصحا المسلمون على قعقعة السيوف ، وأصوات الجرحى ، وروائح الدخان ، فما تداركوا

الأمر إلا بعد مقتل الكثيرين ، ثم اشتبك الجيشان …

وبينما كان المسلمون في ضيق شديد ، إذ برهج كثيف قد ارتفع في السماء ، فقال نصر

:

- نصرنا ورب الكعبة، هاهو المدد قد وصل، أبشروا يا عباد الله، فإن الله

مخذل كيد الكافرين.

وكأنما حركت هذه الكلمة جذوة الجهاد في النفوس، فاتقدت حمية … وكانت معركة حامية

الوطيس علا فيها صوت نصر :

- استنصروا الله ينصركم ، ولن يضركم كثرتهم وقلتكم ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة

كثيرة بإذن الله ، وإن الجنة تحت ظلال السيوف ، ومن استشهد فله الجنة .

- وتفانى المسلمون في الدفاع ، واستبسل المشركون الترك في المقاومة . وقال

نصر لجنده :

- ليخرج منكم خمسون ، وليتتبعوا خطى قائدهم صول، لايقصدون غيره، فلعل صول

يلحق بكورصول .

وما هي إلا برهة وجيزة حتى كان ابن سبرة يتقدم الصفوف لينال شرف قتل الطاغية

كما ناله من قبل عندما أسر كورصول، وقتل أخاه، وشد مع رجال آخرين شدة رجل واحد ،

وهاجت ريح الحرب … وتلامعت السيوف، وتقاطرت الدماء بل سالت، وتعالى في الأفق المغبر

نداء الله أكبر… وأحس صول بالخطر فولى دبره …

وقال فيروز للقائد الأموي :

- إني لأعلم منكم ببلادي وطرقها فاتبعوني .

ولحقه جند كثيرون … وأشرف فيروز على مناطق صول فعرف مكامن الجيش الهارب فهبط

إليه … فلما أحس صول بالخطر الداهم ترك المنطقة وولى هاربا ، ولحقه بعض قومه .

وأسر المسلمون نساء ورجالا … وكان فيهم امرأة خاقانهم صول، وأراد واثلة أن

يحملها فأعجله تركي وطعنها لئلا تقع في الأسر …وأنقذت نساء مسلمات وعدن مع الأسرى

العائدين إلى مناطق المسلمين ، وابتهج الجند النصر المبين ، وسجدوا شكرا لله ناصر

عباده المؤمنين، ووزعت الغنائم … وكان فيها تاج مرصع بالجواهر، فقال نصر :

- أترون أحدا يزهد في هذا التاج ؟

- لا .

- نادوا محمد بن أبي سبرة .

وجاء ابن ابي سبرة ، فأعطاه نصر التاج ، فرده إليه قائلا :

- لا حاجة لي به .

- عزمت عليك أن تأخذه .

- لم آت للغنائم ، ويكفيني قوت يومي وسلاحي .

- بل ستأخذه .

تناوله محمد بن أبي سبرة وهو به زاهد ، ثم نادى واثلة، وأعطاه إياه وهو يقول له

:

- نرتضي الموت ونأبى أن نهون في سبيل الله ما أحلى المنون

وأردف :

- لقد كنت نويت الجهاد في سبيل الله ، وأن أقتل ههنا ، كما فعل الأعرابي مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم .

واحد : وما فعل الأعرابي ؟

- لما أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم الغنيمة قال : إني لم أسلم لآخذ غنيمة ،

ولكن لأقتل ههنا، وأشار إلى عنقه ، وقتل كما تمنى بعد أن أصيب في المكان الذي أشار

إليه ، فقال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : " صدق الله فصدقه ".

واثلة : لاحق لي بالتاج ، ولن آخذه .

وتابع :

إن الجهاد حصانة ومتانة وصيانة في عزة وإباء

ابن أبي سبرة : عزمت عليك أن تأخذه .

أخذه واثلة ثم تقدم به إلى نصر قائلا :

- أيها الأمير ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها .

- كان نصر وكبار مستشاريه يشهدون ما حدث من أمر التاج ، فلما قدمه واثلة

إليه أكبر فيه مروءته ومروءة ابن أبي سبرة ، وإخلاصهما لله سبحانه ، كما أكبر من

قبل تفانيهما في سبيل مرضاة الله وإعلاء دينه، وقال :

- إن هذين الرجلين ضربا مثلا للمجاهدين الصادقين المخلَصين .

عاد صول إلى بلاده شديد الحنق على المسلمين ، حتى ليكاد الغيظ يأكل كبده ، وفكر

في طريقة ينتقم بها من المسلمين ، فما وجد إلا أن يحرض ملك " الإصبهبذ " عليهم ،

فكتب إليه :

"اقتل من عندك من أسرى المسلمين في ليلة واحدة "

ونفذ اللعين الجريمة …وسالت الدما الزكية تروي الأراضي العطاش … ولكنها أذكت في

النفوس جذوة الحقد على الكفرة الملاحدة، وشجعت على المضي في الجهاد في سبيل الله

لإنقاذ العباد من هؤلاء الوثنيين .

وتمكن أحد المسلمين من الهرب، وكانوا يظنونه في القتلى، وجاء إلى القائد المسلم

يروي له القصة وقال :

- أدرك – يا أمير الجند – المسلمين الموحدين .

- ما الخبر ؟

- إن صولا أمر بقتل أسرى المسلمين في بلاد الإصبهبذ.

- وكم كان عددهم ؟

- أربعة آلاف ، قتلهم في يوم واحد .

- ومن أعلمك النبأ؟

- كنت معهم ، ولكني تظاهرت بالموت ، ثم تمكنت من الهرب .

- وكيف ؟ لله درك !!…

- تظاهرت بأني كنت في عداد الأموات ، ولطخت وجهي وثيابي بالدماء، فلما عادوا

ثانية ليذبحوا من كان به رمق من الجرحى حسبوني ميتا فنجاني الله .

- قاتلهم الله … قاتلهم الله … والله لأطحنَنَّ بدمائهم ، ولأجريَنَّ الدم

نهرا كما أساله خالد بن الوليد في حرب فارس .

واجتمع نصر بقواده ومستشاريه ، وكان فيهم فيروز ، واتفقوا على رأي …

ومع الفجر كان فيروز يمتطي خيله في طريقه إلى بلاد الإصبهبذ … ووصل إليه بعد

عناء ، فلما دخل على صول قال له :

- قد علمتم أني من بني جلدتكم ، وأني ، وإن أعلنت إسلامي، إلا أن أهلي وأقاربي

في دياركم ، وقد رأيت أن من حقكم وحقهم علي أن أحذركم من عدوكم ، وقد علم المسلمون

بما كان للأسرى ، فأقسم قائدهم ليجريَنَّ النهر دماً ، إنه غاضب غضبة لم ير مثلها ،

وقد طلب مدداً كبيراً من الخليفة الأموي لاطاقة لكم به ، ولقد جئت إليكم في غفلة

منهم ، ولو علم أمري لبطش بي ، فصالحوه ، أو اخرجوا من دياركم ، ولا تبقوا فيها

أحدا ، فإني لا آمن عليكم ولا على أهلي شره .

فأجابه صول :

- وإنا لا نأمن من شرك أيضا ، فلقد صرت مع عدونا ، وأطلعته على عوراتنا .

- ولكني جئت الآن ناصحاً لكم لأن أهلي وقرابتي بين أظهركم .

- لستَ بالناصح الأمين ، بل أنت صابئ مخادع .

- هل تسمحون لي إذاً بأن أحمل أهلي وقرابتي ، فإني أخاف أن يقتلوهم ، وإني

نصحتكم ، فلعلهم حين تصالحونهم ينشرون الإسلام في ربوع الترك سلماً لا حرباً كما

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة سلماً ، وعفا عن أهلها رغبة في

إسلامهم ، وفي حقن دمائهم .

ضحك صول ضحكة مرة ، وقال بلهجة الساخط المغتاظ :

- أجئت لتنصحنا أم لتمدح أهل دينك ؟

- جئت لكم ناصحا كما قلت لكم ، وإنكم إن لم تصالحوهم، وتسلموا إليهم قبل أن

يأتيهم المدد فلَيُقَتّلُنّكم شر قتلة كما قتلتم أسراهم، وقد أعذر من أنذر .

- لن نؤمن لك ، وسنجهز أنفسنا حتى يأتي الشتاء بالثلج والبرَد والصقيع ،

ولا طاقة لنصر على الحرب في الشتاء القارس .

- لكم ما تشاؤون .

وسكت قليلا وقال :

- أتسمحون لي بزيارة أهلي .

- لا نسمح لك ، وأنت رسول حرب ، ولست فيروز الذي نعرفه .

وعاد فيروز ليخبر نصرا بما سمع ورأى … وعزم نصر على الهجوم قبل أن يحين موعد

الشتاء .

… … …

وبينما كان نصر وكبار قواده ومستشاريه يتداولون الرأي حول الحرب المقبلة التي قدروا

لها أن تكون أعتى حرب في بلاد الترك لمح نصر جنديا مقبلا نحوه بسرعة، وقد بدت عليه

أمارات التعب ، وسيما الجد فلما وصل حياه بتحية الإسلام وهو يلهث :

- السلام عليك يا أمير المسلمين .

- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، ما وراءك يا رجل ؟

- ورائي العدو وقد تجهز بأعتى العتاد ، وأقوى العدة، إنه قريب منا يا أمير

الجند .

- ماذا ؟ أنحن مهددون بالخطر ؟

- أجل ، وعلينا أن نأخذ أهبتنا بأسرع وقت ممكن .

التفت نصر إلى حرسي له وقال :

- ناد فيروز .

وجاء فيروز فقال له نصر غاضبا :

- أحننت يا فيروز إلى أهلك وديارك فأخبرتنا بغير الحقيقة ؟

- لم تقول لي هذا يا أميري ؟

- أميرك ؟ !!…

وأردف :

- ألم تقل إن صول لن يحاربنا حتى يجيء الشتاء ؟

- أجل … هذا ما قاله .

- أأنت صادق فيما رويته ؟

- لم أكن لأبتغي بديلا عن مرضاة ربي .

- إذا فلم عسكر صول على مقربة منا، وهو أقوى ما يكون قوة وعتادا ؟ قل لي

كيف تم هذا بهذه السرعة ؟

- ومن قال لك هذا ؟

- هذا الجندي .

وأشار إلى القادم المخبر .

- ولقد جئتك بخبر آخر سمعته الآن ، وكنت على وشك المجيء إليك لولا أنك سبقت

وطلبتني .

- ماهو ؟

- أتذكر الرجل التركي الذي حدثتك عنه يوم كنا في حرب البحيرة؟

- أجل ، ما شأنه ؟

- ألم أقل لك يومها أن صول ضربه ضرباً أليماً كان سبباً في إسلامه ؟

- أجل

- ولقد أسلم الرجل كما قلت وأخبرني

وقاطعه نصر قائلا : بم أخبرك ؟

- قال : إنه ذهب للصيد فرأى وعلا رقي الجبل ، فتبعه فما شعر بشيء حتى هجم

على عسكرهم .

- وكيف عرف أنه عسكرهم ؟

- قال : إن ملابسهم كملابسهم ، فالريشة الحمراء التي يضعونها على رؤوسهم

هي الريشة التي يضعها جند صول وكورصول .

وأردف : أتسمح لي يا أمير أن أنادي طورخان ليحدثكم حديثه ؟

- ناده .

والتفت إلى مستشاريه وقال :

- علينا أن نسرع بالتجهز وبجمع الأخبار أيضا .

- وجاء طورخان … وأتم حديث صاحبه ، وقال له نصر :

- وماذا فعلت عندما عرفت أنهم جند العدو ؟

- رجعت أريد عسكرنا ، وخفت ألا أهتدي إلى الطريق ثانية فجعلت أمزق قميصي

، وأعقد على الشجر علامات حتى وصلت إليكم .

- يالها من خطة لم تخطر على بال أحد . بارك الله بك .

- إن الله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم .

- سبحان الله ، المؤمن يعمل بنور الله .

آخر :

- كن مع الله وابتغ الله وحده ليس إلاه في العوالم عدة

فأجابه نصر :

- هي الطريق طريق الله واحدة وأشقياء غرور العقل في طرق

وتابع :

- أرسل معك من يتأكد من الخبر ، فليست الهجمة في هذه المرة كغيرها من الهجمات ،

فلقد استشهد منا كثيرون ، والمدد لم يصل ، والجيش قد أنهكته الحروب .

وسكت قليلا ثم قال لطورخان :

- متى تصل إليهم ؟

- غدا إن شاء الله عند صلاة الظهر .

فقال نصر لابنه :

- تجهز يا بني لتكون عندهم وقت صلاة الظهيرة ، وإياك أن أراك منهزماً أو خواراً

، وخذ معك واثلة ، وابن أبي سبرة ، فإنهما مخلصان لله سبحانه ، وإن الله ينصر عباده

المخلصين .

- وضم إليه عشرة آلاف من الجند ، وكان فيهم فرسان كثيرون ، ولما أرادوا

الانطلاق ودعهم قائلا :

- امضوا على بركة الله ، وليكن هدفكم في حروبكم إعلاء كلمة الله وشرعه في هذه

المعمورة، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ولينصرَنَّ اللهُ من ينصره ،

إن الله لقوي عزيز ، ولقد جئنا نبتغي إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة …

وسكت قليلا ثم قال :

- امضوا على بركة الله ، وفي رعاية الله .

… … …

ومضى الجيش إلى مراده

وقال نصر لمن بقي معه :

- اجمعوا حطبا كثيرا .

وجمع حطب كثير حتى غدا كالتلال ، ولما قارب انتصاف اليوم الثاني أمر نصر بإشعال

النار ، فأضرمت النيران ، وتحول نهار المعسكر إلى ليل ، وليله إلى نهار …

وقال قائل وهو يشهد هذا الموقف المهيب :

ضوء من النار والظلماء عاكفة وظلمة من دخان في ضحى شحب

ونظر العدو، وكان على مقربة من المسلمين فهاله ما رأى، وظن أن المدد قد جاء

المسلمين ، فقال قائدهم لمستشاره :

- ما رأيك أن نؤجل المعركة حتى يكون الشتاء إذ لا طاقة لنا أمام هذا المدد

؟

- هو الرأي يا كبير القوم ، ولا رأي سواه .

- إذا فلْنلجأْ إلى الحصن لنرى ما سيكون من أمرنا وأمرهم ، ونستشير الملك

صول في ذلك .

- أرى أن تسرع في استشارته .

… … …

وبينما كانوا منهمكين في عملية الفرار إلى الحصن إذا الجيش الإسلامي يطبق

عليهم ، فحاولوا الإسراع ما استطاعوا ، ولحق نصر بجند المسلمين فاشتعل أوار المعركة

، وأسفرت الحرب بعد لأواء شديدة عن أسارى كثيرين .

وجيء بالأسرى إلى نصر ، فقال :

- اقتلوهم واصلبوهم على يمين الطريق ويساره …

واقتيد اثنا عشر ألفاً منهم إلى واد قريب ، وقتّل الكثيرون منهم ، وبينما كان

المسلمون يبتهجون بالخلاص من فئة الكفر إذا بجيش صول ينقض عليهم انقضاض الأسد على

فريسته …

واشتبك الجيشان … وسفكت الدماء حتى خاضت أقدام الفرسان في دماء الفريقين …

واستمرت المعركة بضعة أيام حامية الوطيس ، وشاء الله أن ينصر عباده المؤمنين بوصول

المدد إليهم ، وإن ربك لبالمرصاد .

وأسر صول وكان يحاول الهرب في زي عجوز … وتعرف عليه فيروز وطورخان ، ونشر الخبر

بأسرع من الريح ، فخارت قوى العدو … وبدأ يتراجع …

وقال ابن أبي سبرة :

- ليتني كنت آسره ، إذاً لجمعت شرف أسر صول إلى كورصول في يوم القيامة .

فأجابه واثلة :

- لقد شهد الله بلاءك .

وقال نصر لمن معه :

- اطلبوا ثأركم ، وليقتل كل منكم من يشاء .

وذبح الكفرة ذبح النعاج … وقتل أربعون ألفا ، وأجريت الماء في الوادي على الدماء

وعليها الرحى ليطحن نصر بدمائهم فيبر قسمه .

وجيء بكبيرهم صول فقيل له :

- ما حملك على الغدر بنا في يوم البحيرة ؟

- الحرب خدعة .

وسكت قليلا ثم قال :

- وهل كنتم تظنون أنني أصادق عدوي ، وأخذل بني جلدتي وعقيدتي ؟

- لقد كنتَ معارضاً لكورصول .

- كنت معه على خلاف ، ولكن عداوتكم وحدت بيننا .

قال نصر : الكفر ملة واحدة .

وقال ابن أبي سبرة لواثلة :

- جاهلية جهلاء أعمت بصائرهم .

نصر : ألا تؤمن بالله فيبقى لك ملكك ، وتحكم بشريعة ربك ؟

- لو كنت أومن بدينكم لصرت معكم كما صار فيروز معكم .

- وأردف : أنا لا أحيد عن دين آبائي وأجدادي.

- حتى وإن كان آباؤك وأجدادك على باطل ؟

- هذه عقيدتي .

نصر : اقطعوا رأسه … اقتلوه واصلبوه ، ثم أرسلوا رأسه إلى الخليفة الأموي .

وتهاوت السيوف فوق رأسه … فجأر جأرة الأسد الهصور ، ثم خمد صوته إلى الأبد بعد

أن ارتجفت أضلاعه … ولفظ أنفاسه الأخيرة …

وقطع رأس عظيم الترك ، وأرسل إلى أمير المؤمنين في دمشق يحمله ابن أبي سبرة

وواثلة .

وكتب نصر رسالة أرسلها مع الرأس ، وكان فيها: إن الله فتح للمسلمين فتحا مبينا

، فله الحمد على نعمائه وإحسانه ، وللخليفة ، إن شاء الله ، ثواب المجاهدين لنشر

دين الله وإعلاء كلمته …

ثم حكى له الكمين الذي تعرض المسلمون له ، ثم قال :

وإذا العبد لاذ بالله نجّا ه ، فولى الشيطان عنه وأبلس

فأجابه الخليفة :

- بارك الله بكم من مجاهدين صادقين ، فلقد أخلصتم قلوبكم فأيدكم الله بنصره

وآزركم ، فأنتم كما قال الشاعر :

هي أمة جعلت لتن شر في البرايا ظلها

و:

وطريق النصر ليست ظللاً من ياسمين

جنة الرضوان في ظل سيوف الفاتحين

… …. …

وسجل التاريخ لنصر بن سيار آخر القواد الأمويين فتح سمرقند ، وشهدت السماوات

والأرضون أياديه البيضاء على الترك ما عاش الترك على وجه المعمورة …

وكان هؤلاء الترك المسلمون أجداداً للترك العثمانيين الذين فتحوا القسطنطينية

معقل الكفر آنذاك ، ونشروا السلام في أوربا ، ووحدوا الدولة الإسلامية لتقف أمام

أعدائها من الصهاينة والصليبيين .

د. زينب بيره جكلي - جامعة الشارقة