مقدمة

6 0 00

فتح سمرقند ( تركستان حاليا )

د. زينب بيره جكلي

… وأسدلت صفحة من صفحات الكفر والإلحاد على مناطق سمرقند بفضل جهود الدولة

الأموية ، ومحاولاتها المستمرة لأسلمة هذه البلاد ، ونشر اسم الله عاليا في أرجاء

المعمورة ..

وكم من مرة أعلنت فيها سمرقند انصياعها للمسلمين ثم نقضت العهد ، ولكن معركة "

نصر بن سيار " القائد الأموي كانت آخر معركة في المنطقة ، وبها كسرت شوكة أبنائها

الملاحدة ، ورفرف الإسلام عاليا في ربوعها ، ولم يزل يرفرف بعدله ورحمته فوق ربوعها

حتى احتل الروس أرجاءها .

ولقد كانت مناطقها في حقبة من الزمن مصدرًا لهجرات الترك إلى مشرق الأرض ،

وسببا لنشر الإسلام في ربوع أوربا … وهاهي ذي اليوم تنتفض انتفاضتها الكبرى ضد

العدو الروسي لتعيد إليها المجد الإسلامي … ولعلها تنطلق انطلاقة ثانية لتحرير

الشعوب الإسلامية من ربقة العدو الصليبي والإسرائيلي كما انطلق الترك العثمانيون في

يوم من الأيام .

المؤلفة

الشخصيات

1 – نصر بن سيار : قائد أموي فاتح في بلاد الترك

2 – محمد بن أبي سبرة ، وواثلة : مجاهدان مسلمان فارسان

3 – كورصول : الملك التركي الوثني في سمرقند

4 – صول : ملك تركي في إحدى المناطق التركية في سمرقند .

5 – فيروز بن قول ، وطورخان : تركيان أسلما

6 - مسلمون مستشارون وجنود من الطرفين لم تذكر أسماؤهم.

الفصل الأول الفصل الأول

الهدف الأسمى

كان نصر بن سيار القائد الأموي لفتح بلاد الترك يجلس تحت شجرة ، وإلى جواره بعض

قواده ومستشاريه في استراحة لهم من وعثاء الحرب والسفر، وكانوا يفكرون في أمر الفتح

وقد طال عليهم أمده .

وسكت نصر قليلاً ، وكأنما أراد أن يعيش مع أفكاره بعض الوقت ، فأحس بضعف

الإنسان ، وبضرورة اللجوء إلى الله سبحانه في مثل هذه المواقف العصيبة ، فانطلق

قلبه يناجي بارئه ، ثم نطقت شفتاه بشعر ينم عن أحاسيسه :

أصبحت والله في مضيق فهل سبيل إلى الطريق

أف لكفر عتا وفارق

وانتبه مستشار له إلى تمتمته فقال له :

- مالك يا أمير الجند ؟

- لا شيء بي سوى ألمي من تأخر الفتح مع اتخاذ الوسائل لذلك .

- الترك قوم أولو بأس وقوة .

- لم أكن أتوقع أن يكونوا كذلك ، كنت أحسب أن فتح سمرقند ليس أصعب من فتح

باب الأبواب.

فأجابه محدثه :

- لن نيأس بإذن الله ، فالله معنا ما دمنا قد جئنا لهدف سام .

- هذا حق إن شاء الله ، وسننتصر عليهم بإذن الله مادام فينا عرق ينبض ، وما دام

هدفنا تحرير هذه العقول من خرافات الجاهلية وأوهامها .

وسكت نصر قليلاً ثم قال :

- وماذا سمعت من أخبار القوم .

- قالوا إنهم يعتقدون أن المرأة في هذه البلاد لا دين لها ، ولا جنة ولا نار ،

وأنهم لا يعرفون إن كان لها روح بشرية أم أنها ذات روح حيوانية ؟

- أيمكن أن يصل غباؤهم إلى هذا الحد ؟ ! …

- لا تعجب يا أخي فالإسلام هو الذي حرر العقول، وأعطى المرأة حقها ، كما

ساوى بين الناس جميعاً .

- ولهذا باتت مهمتنا لازمة ، وذلك حتى تدين البشرية كلها لشرع الله بارئها

، وتتفتح العقول والقلوب لهدي قرآنه العظيم .

- هذا صحيح .

وسكت القائد قليلاً ثم قال :

- ولا تضجرن من ضيق ما قد لقيته

عسى فرج يأتيك من خالق الخلق

- جند الله لا يحصون ، وإن مع العسر يسرا .

- ليت عسكرةَ " كورصول " على طرف النهر تكون سببا للفتح .

- كورصول عسكر على طرف النهر ؟

- نعم ، هذا ما أبلغته منذ قليل ، ولذلك كنت أفكر ، وقد رأيت أن تشاركوني

في الرأي .

- هذا واجبنا يا أمير الجند .

- علينا أن نكون شديدي الحذر ، ولا سيما في أوقات الصلوات .

- مر الناس بصلاة الخوف عند الظهر .

… … …

ويؤذن أحد المسلمين :" الله أكبر … الله أكبر …" فيقول نصر :

- الله أكبر على من بغى وتجبر ، الله أكبر على كل من عتا ونفر ، الله أكبر

على كل من أنكر يوم المحشر …

ونهض لوضوئه …

وكان كورصول يترصد له ، وقد عرف أن سماع هذا الأذان يعني أن يتخلى المسلمون عن

كل شيء إلا الصلاة ، وتحينها فرصة للانقضاض عليهم والفتك بهم …

وكان إلى جواره مستشاره فسأله :

- ما رأيك أن نهجم عليهم الآن هجمة شرسة وهم يصلون ؟

- ولكنهم ، كما علمنا ، يحذرون في صلواتهم في الحرب ، فسلاحهم إلى جنوبهم

يشهرونه في كل آن .

- فما العمل إذاً ؟

- ترصد لقائدهم نصر ، وارمه في غفلة من أمره ، وحينذاك يولون أدبارهم .

- الرأي ما أشرت .

… … …

وكان نصر بن سيار يتوضأ وإلى جواره غلام له فما أحس القائد الأموي إلا بسهم

يتوجه نحوه ، فانزاح عن مكانه ، وصاح بغلامه ، ولكن السهم أصاب الفتى بجرح أليم ،

فقال نصر :

- يا للغدر والخيانة !!…

وعزم على الانتقام مباشرة مهما كان الثمن ، فالعدو قريب منه ، وتحديد جهته أمر

لن يكون عسيراً بعد هذا الهجوم …

ونادى في الجيش :

- يا خيل الله اركبي وأبشري …

وتوجه المسلمون صوب العدو وحملوا عليه حملة قاضية … وتراشقوا بالسهام وتطاعنوا

بالرماح ثم تضاربوا بالسيوف جسدا لجسد …

وخيم الليل على الكون بظلامه الرهيب ، وما نال أحد من صاحبه ، ثم رأى كورصول أن

يتظاهر بالهرب في هذه العتمة السائدة ، وولى دبره … ولكن نصرا قال لجنده :

- لاتلحقوا به ، فالبلاد وعرة ، وهم يعرفون شعابها ووديانها ، ونحن لانعرف

منها إلا القليل ، والليل قد يأتي بالويل …

وهدأ الكون كله وما هدأت عيون نصر ومستشاريه ، فقد راحوا يخططون لمعركة الغد ،

وهم يأملون أن تكون الحاسمة في مصير هذه الأمة العصية ، ثم جلس نصر يستغفر ربه

ويتضرع إليه وقد عزم على أمر …

ومع أوائل خيوط الفجر كان منادي الجهاد يهيب بالمسلمين لينفروا نفرة رجل واحد،

وكان جيش العدو يغط في سبات عميق …

وتسللت الفئة الاستشهادية المجاهدة ، وراحت تعمل سيوفها بأبناء الكفر ، فما

استجمعوا قواهم حتى أطبق عليهم الجند المسلم كالليل الأدهم ، واشتعل أوار المعركة ،

وحمي وطيسها ، وما جاء الزوال حتى كان العدو بين منكوب بجراحه ، او مفارق لحياته ،

أو مصفد في أغلاله .

وكان " محمد بن أبي سبرة " من المجاهدين الفرسان يجول بسيفه هكذا وهكذا ، فلما

طعن فرسه ترجل ، وأتم انقضاضه على العدو كالصقر الجارح ، ثم حمل على تركي قد صد

الناس عنه لبطولته ، فاختلفا ضربتين ، فقدّ التركي سيف ابن أبي سبرة فثبت في بيضة

محمد دون أن يقد رأسه ، فكرَّ عليه ابن أبي سبرة فقتله ، ثم أقبل يمشي وسيفه يقطر

دماً ، وسيف عدوه يلتمع في بيضته .

ونظر الناس إلى أحسن منظر رأوه من فارس ، ونظر نصر إلى السيفين هذا يأتلق على

رأسه ، وذاك يقطر من دم عدوه فقال له :

- من أنت أيها الفارس ؟ لله درك من بطل ! !…

- أنا ابن أبي سبرة .

- أي رجل أنت !!… ترصد إذاً لقائد الترك .

- لا فرس معي .

- وأين فرسك ؟

- طعن في الحرب

- لك الله من فارس مقدام ! …

- من يعطيني فرسه وله سلبه إن أمكنني الله من عدوه ؟

قال واثلة أحد الجنود الجرحى :

- خذ فرسي يا أخا الإسلام واقتل بسيفي عدو الله .

- لا حاجة لي بالسيف ، فسيوفي قوية قاطعة .

- وحمل ابن أبي سبرة على قائد الترك … وتكسرت في يده ثلاثة سيوف …

وطال أمد المعركة، واستشار نصر صحبه، فأشار كل برأي …

وأراد الله لهذه الفئة المؤمنة النصر فهيأ لها " فيروز بن قول "… وجاء يخب بفرسه

رافعاً يده كمن يريد التسليم، وهو يقول " الله أكبر".

قال أحد القواد :

- اقتلوا الفارس المخادع .

فأجاب نصر :

- لا ، وأحسبه رسول حرب ، أو رجلاً جاء يعلن إسلامه ، والله سبحانه يطلب

منا أن نتعرف أمره ، ونحذر منه .

ووصل إلى نصر ، فقال له :

- من أميركم ؟

نصر: أنا . فمن أنت ؟ أرسول حرب أم …؟

وقاطعه فيروز :

- لا ، ولكني مسلم جئت أعلن إسلامي أمامكم ، وأنضوي تحت رايتكم .

نصر (( بتعجب )):

- متى أسلمت ؟

- منذ أيام .

- وكيف ؟

- أعجبتني صلاتكم ودعاؤكم في جوف الليل …

- ومتى سمعته ؟

- كنت فيمن يحرس كورصول ومعسكره ، فسمعت في جوف الليل تلاوة ودعاء ، فنفذ ذلك

إلى شغاف قلبي ، كان دوي عبادتكم يملأ الأفق ، فأحسست أنكم على حق فيما تقولون

وتدعون ، لقد كانت أصواتكم أصوات الخاشعين المتبتلين إلى خالقهم ، ورحت أفكر فرأيت

حلماً في ليلتي هذه ..

- يا سبحان الله , إنه يهدي من يشاء .

وتابع الرجل :

- رأيت أني أخرج من الظلام والنور يشع حولي وأنا أنظر ، ثم سرت إليه …

كان الرجل يتكلم كالمبهور من شيء يراه ، ولكنه كان سعيداً مطمئناً، ثم تابع :

- وهأنذا أسير إليكم .

قال قائد من المسلمين :

- الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام ، وأنقذك من ظلمات الجاهلية .

قال الرجل :

- علموني مما علمكم الله ، ومروني أفعل ما تشاؤون.

نصر : ما اسمك يارجل ؟

- فيروز بن قول .

نصر : إن كنت صادقا فيما تقول فإني أطلب منك، وأنت العليم بمكان ملكك وببلادك أن

تصرف عنا عدو الله جهدك .

- و ما الحيلة لذلك وقد صرت مسلماً ؟

- اكتم إسلامك عن قومك ، والحرب خدعة .

- سيفتقدني كورصول ولئن رآني فلن يفارقني ، ولكن أشير عليكم بحيلة .

- وما هي ؟

- إن استطعتم أن تحملوه على اللجوء إلى البحيرة تمكنتم منه هناك ، فاحتل

له ، يا أمير الجند ، حيلة لذلك .

- وما الحيلة برأيك ؟

- أرى أن ترسل إلى صهره " صول " وتتظاهر بمسالمته ، فلعله يقتنع بالمسير

إلى البحيرة .

- دعني أفكر ملياً ، واذهب أنت في رعاية الله .

وقبل أن يهم الفارس التركي بالانصراف استدرك نصر :

- ولكن يافيروز ..

- ماذا يا أمير المسلمين ؟

- حذار أن يعلم أحد بإسلامك ، فالأمر جد خطير.

- سمعاً وطاعة يا أمير .

وخلا نصر بمستشاريه ، فقال أحدهم :

- أتظن أن الرجل مخلص فيما يقول ؟

نصر : أحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحداً ، ولا بد من الحذر.

- وكيف يكون الحذر برأيك ؟

- نطلب من صول خلاف ما قال لنا ، فلعله لا يثق بنا فيتحقق مرادنا .

وسكت قليلا ثم قال :

- والحرب خدعة ، وما قصة نعيم بن مسعود في يوم الأحزاب بخافية عليكم .

- الرأي ما تراه يا أمير الجند ، فلأنت أبصر منا بالأمور .

وكتب نصر إلى صول متظاهراً بالمودة والمسالمة ، وأوغر صدره على كورصول ، وطلب

منه أن يمنعه من المسيرة إلى البحيرة ، وله على ذلك مكافأة ثمينة .

وكان لنصر ما أراده الله من نصر لعباده .