الفصل الثاني
الفصل الثاني إخلاص لله سبحانه جلس صول في قصره يحف به مستشاروه وكبار قواده،
وبيده كتاب يقرؤه ويعيد قراءته ، والقوم واجمون ساكتون ، قد بدت عليهم علائم الحيرة
والقلق، ثم قطع وجومه وشروده بقوله :
- إن نصرا عدو لنا ، ولئن تظاهر اليوم بالمودة والمسالمة فإن له ولغيره من
المسلمين من الأهداف ما يجعلهم لا يتوقفون عن الحرب مهما كان الثمن.
وسكت قليلا ثم قال :
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
وأردف :
- وكيف نسالم من يقول إن الأرض كلها لله ، وإننا لن نتوقف حتى يدين أهل
المعمورة كلها بالإسلام ؟
فقال مستشار له :
- المسلمون يا مولاي المعظم يدافعون عن هدف ديني ، ومحال أن يتراجع أمثال هؤلاء
عن تحقيق أهدافهم مادام ذلك مرتبطاً بدينهم وبكسب مرضاة ربهم ورسوله .
- يا ويحهم … لقد كنا في مأمن من العيش قبل أن يقدموا إلينا .
قال مستشار آخر :
- يزعمون أنهم يريدون المساواة بين البشر ، فلا فضل لعربي على أعجمي عندهم
إلا بالتقوى حسب مفهومهم .
قال أحد الحاضرين : وما التقوى ؟
- هي برأيهم أن يكون المسلم مخلصاً لربه في أعماله، مطيعاً له ، مجتنباً ما
يحذره منه ، ساعياً لإعلاء دينه في الأرض .
قال آخر : وهل يساوون العبد بالسيد ؟
- أجل ، ولا يعتقدون بالدم المقدس للحاكم .
- صول : تباً لهم من بلهاء .
ثمَّ أردف : ولكنهم يدافعون عن مذهبهم بكل حمية وحماس .
- ويطلبون الموت كما يطلب جنودنا الحياة .
- وهذا هو سر انتصارهم ووصولهم إلى بلادنا ، وهم بعيدون عنا .
- والموت عندهم شهادة .
- والشهادة عندهم تعني دخول الجنة .
- وما الجنة ؟
- دار نعيم أعدها الله للشهداء عرضها السموات والأرض ، فيها من كل ما
تشتهي الأنفس وتلذ الأعين .
- وهل صدقتم هذا يا بلهاء ؟
- على أي حال فإن الحرب مع هؤلاء قاسية مريرة.
- هل يلتزمون العهود ؟
- يقولون الحرب خدعة .
قال آخر : ولكنهم يلتزمون العهود والمواثيق التزاماً قوياً .
صول : أخاف أن يطبقوا مبدأ " الحرب خدعة " فنكون فرائسهم .
وتأوه قليلاً ثم قال :
- لابد من محاربة هؤلاء ، ولنخالفن ما طلبوه منا لأنهم أعداء ، وإن تظاهروا
بالمسالمة والمودة .
- وعلينا ألا نثق بهم ، فهم يتربصون بنا الدوائر .
آخر : وما جوابنا لهم وهم ينتظرون الجواب ؟
صول: لا جواب لهم إلا السلاح .
- هو الرأي يا مولاي .
- ولنكتب إلى كورصول ليعزم على المسير إلى البحيرة خلافاً لما أرادوا .
- أرى يا مولاي أن ترسل كتاب القائد الأموي إلى كورصول مرفقاً بكتابكم
ليتأكد من حسن نواياكم .
- ونكون بذلك قد ضربنا عصفورين بحجر ، صداقة كورصول والأمن منه ، والإيقاع
بالمسلمين عن طريقه .
- وهذا عين الصواب يا مولاي .
… … …
ولم يتوقف نصر عن الاستعداد لمعركة البحيرة ، بل راح يجمع قوات المدد الذي جاءه
من كل حدب وصوب من أراضي المسلمين ليبث فيهم روح الإيمان والحماس لعلهم يتحملون
الصعاب من أجل إعلاء دين الله ، وقد خطب فيهم قائلا : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا
وصابروا ورابطوا " . وأردف : الأيام صحائف أعمالكم ، فخلدوها بأحسن أعمالكم ، وإن
أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها ، والجهاد في سبيل الله .
ثم أنشد لهم من الأشعار ما يزيدهم قوة إلى قوتهم ، ويرغبهم في الشهادة في سبيل
الله ، وختم خطبته بقوله :
هب الدنيا تواتيكا أليس الموت يأتيكا
ألا يا طالب الدنيا دع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنيا وظل الميل يكفيكا
وكان نصر يتوقع أن تجمع العقيدة الوثنية بين العدوين اللدودين كورصول وصول ،
ولهذا قدر أن يذهب كورصول بجيشه إلى البحيرة ليدخلها قبل أن يصل إليها المسلمون ،
وكان فيروز يمني القائد الأموي بالنصر إن سارع كورصول إلى البحيرة ، ولهذا تباطأ
نصر لعل عدوه يسبقه إليها ويتحصن بحصنها المنيع .
وكان له ما أراد …
ووصل نصر ليضرب حصاره بعد أن أحكم خطته واستعداده … وبدأت المناوشات تترى في كل
يوم .
وكانت تخرج فئة من جند الترك فتقاتل المسلمين ، ثم ترجع إلى حصنها بعد أن تخسر
بعض أفرادها ، أو تنكب المسلمين ببعض أبنائهم .
ولكنهم على أي حال لم يصطدموا في حرب فاصلة.
وكان المسلمون في أرض ممرعة يكثر فيها الطعام والشراب والظل الظليل ، وكان
أولئكم المشركون في بنيانهم المنيع ، وهم يحسبون أن تجمعهم فيه يؤويهم من لظى
النيران ، وخطر المسلمين .
ولكن أمد الحصار طال … وضاق الترك ذرعا بمأواهم ، وأصابهم الطاعون ، ووقع فيهم
الموت ، وإن المرض جند من جند الله يدفع الله به أعداءه ، وينصر به عباده المخلصين
.
وكثرت شكاوى الترك ، وجاء كبير مستشاري كورصول ليقول له:
- إن جنودنا يسَّاقطون هلكى ، ولا نجاة لنا من هذا الحصار ، فقد أقام المسلمون
وزرعوا وحصدوا وأكلوا، وانتشر فينا الطاعون، وللموت تحت ظلال السيوف أحب إلينا من
الهلاك تحت وطأة الطاعون .
- إذا لقد وافقت على الحرب ، وقد كنت أريدها من قبل .
- لا حيلة لنا بغيرها ، فنحن اليوم …
وقاطعه كورصول :
- أسرى أو شبه أسرى ، أليس كذلك ؟
- أجل يا مولاي .
- ألم أقل لكم هذا من قبل ؟
- أنتم أبصر عيناً وأسد رأياً …
وأردف :- إن حتوفنا تساق إلينا .
- ولقد خدعنا اللعين صول .
- أتراه متآمراً مع المسلمين ؟
- أحسبه كذلك .
وتابع :
- يا ويله إن ظفرت به …
وسكت قليلا ثم قال :
- ناد بالجيش ليستعد للحرب الشعواء ، ولأذيقن المسلمين الوبال العظيم ، ثم أكر
بعدها على صول لممالأته لهم .
- تباً له من خائن غادر ..
- وإن كانت له قرابة ، لقد أعماه الجشع وحب السلطة …
وسكت قليلاً ثم قال :
- أسرع وناد بالجيش ، ولألبس دروعي ولأمتي .
… … …
ودوت في الآفاق صيحتهم الكبرى … وسمع نصر النداء … وأحس بتحركاتهم … فنادى
بالمسلمين :
- الله أكبر ، الله أكبر ، يا خيل الله اركبي وأبشري .
وشهد التاريخ حربا شعواء قل نظيرها ، وأبدى ابن أبي سبرة بطولة خارقة … وأسر
عظيماً من عظمائهم ، وهو لايدري أنه كبيرهم .
وتكشفت الحرب عن دماء جارية ، وطيور محلقة في السماء تبغي رزقها ، ووحوش توافدت
من البراري تطلب قوتها …
وجيء بالأسرى …
ونظر القائد الأموي إلى القائد التركي وهو لا يعرفه.
كان كورصول شيخاً عجوزاً يكاد يختفي بين دروعه وبيضته لا يبين منه إلا بؤبؤ
عينيه الجسورتين، وكان يسحب درعه شبراً ، وقد ارتدى لأمة مزينة بالديباج والريش.
وقال نصر له :
- أأنت قائدهم ؟
- بل ملكهم كورصول المطاع .
قالها بحدة و تحد ، فضحك نصر وقال :
- أحضروا فيروز ليتعرف إليه .
- وهل فيروز عندكم ؟
- أجل … لقد أعلن إسلامه .
- خسئ من وغد خائن .
- بل قل عظم من إنسان رشيد .
- لقد تفقدته كثيرا فلم أجده .
- ولم يخطر في بالك أنه أسلم؟
- لا
وسكت هنيهة ثم تابع :
- وكيف يخطر في بالي هذا وهو من كبار حراسي !!؟
- وماذا خطر في بالك إذا ؟
- قلت : ربما أسر أو قتل دون أن يدري به أحد .
وجاء فيروز … ونظر إلى كورصول نظرة إكبار وإشفاق معا ، وقال بلهجته الرطينة :
- أسلم يا كورصول فلأنت ذا عقل وبصر ، وما أظن عقلك إلا هادياً لك إلى
الطريق المستقيم .
- أأنت تقول لي هذا وقد كنت تسجد لي من قبل ؟
- كنت جاهلاً أعيش في ظلمات الكفر ، ولكني الآن عرفت أن الله وحده هو خالق
السموات والأرضين ، لاولد له ولا شريك ، وليس للبشر دم إلهي مقدس كما كنا نزعم من
قبل .
- لو لم أكن في مقامي هذا لقطعت جسدك إرباً إرباً .
- ياعظيم القوم ، سأحكي لك قصة فرعون ، فلا تكن مثله في عناده …
وراح يرطن بلغة قومه ، وكورصول يزداد حدة ، وحماقة وكبرياء ، ثم التفت فيروز
إلى نصر وقال بلهجة الغاضب :
- هذا هو كورصول اللعين ، قاتله الله … لقد أبى إلا الكفر .
- إن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وسكت نصر هنيهة ، وقال لكورصول :
- أسلم تسلم ، ويؤتك الله أجرك مرتين ، وتبقى على ديار قومك عزيزاً مكرماً
، و تحكمهم بالإسلام وشريعته العادلة .
ولكن كورصول أصر على إلحاده وغوايته .
وقال نصر له :
- لقد مكننا الله منك ياعظيم القوم .
- اسمع ياقائد المسلمين ..
- وماذا أسمع ؟
- أنا أعطيكم ألف بعير من إبل الترك ، وألف برذون تقوي به جندك مقابل أن
تخلي سبيلي .
وسكت قليلاً ثمَّ قال : فما تصنع بعجوز قارب سن الموت ؟
- آلآن وقد كنت قبل …
وقاطعه كورصول :
- كنت ولا زلت محارباً .
- أتقولها بكل وقاحة !!؟
والتفت نصر إلى من كان معه ، وقال:
- ما تقولون في رجل يعرض أمراً وهو يتحدى ؟
- أيتحدانا ونتركه ؟
قال آخر : هو عجوز لاقدرة له على الحرب ثانية ، ولعل الله يلين قلبه بالعفو .
نصر : كم عمرك ؟
- لاأدري .
- كم معركة شاركت فيها ؟ ؟
- شاركت في اثنتين وسبعين معركة .
- أشهدت يوم العطش ؟
- نعم .
- ولم حرمت المسلمين الماء ؟
- نحن في حرب ، والحرب خدعة ، ولها أساليبها .
- أهكذا تفعلون ؟
- للحرب أساليبها كما قلت لك .
- ولكن ديننا يأمرنا ألا نتعرض لامرأة، ولا لشيخ عجوز غير محارب، ولا نقطع شجرة
… هكذا تكون الرحمة، ولكنكم بطشتم بطشتكم الكبرى، ثم أتبعتموها بحرمان المسلمين من
الماء.
- وتأوه نصر من الأعماق وقال :
- والله لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي أيها المجرم السفاك
.
ثم التفت إلى غلام له وقال :
- قم إلى سلبه فخذه .
وأيقن كورصول بالقتل فقال :
- نحن بنو الموت ، وللموت خلقنا ، ولكن من أسرني ؟
قال نصر وهو يضحك :
- قد يكون فيروز
- فيروز لايستطيع ذلك فأنا أدرى به وإن كان الرجل شجاعاً .
وكرر سؤاله : من أسرني فإني أهل أن أقتل سبع قتلات .
فأشاروا إلى واحد ساخرين وقالوا :
- أو هذا .
ونظر إليه غير مصدق ، ثم قال :
- لست أجد مس القتل إن كان الذي أسرني هذا .
- أسرك ابن أبي سبرة .
- أين هو ؟ أرونيه .
وجاء ابن أبي سبرة يحمل سهمه، كان رجلا شهما حاد النظرات، مضيء الوجه ، تبدو
عليه أمارات الفروسية والعزة الإسلامية .
وتأمله كورصول مليا ، ثم قال متعجبا :
- أهذا ؟
- نعم .
- لقد رأيته في حرب سابقة .
- أجل ، وكسر سيف أحد جنودك في خوذته .
- ذاك إذا قاتل أخي … وإنه أهل لذلك … إنه شاب جلد صبور.
وتمتم كلمات غير مبينات …
والتفت نصر إلى الجند فقال :
- اقتلوه .
وتهاوت السيوف على جسده … فخر على الأرض صريعا كأنه جذع شجرة هوى ، وإن له
لجأرات كجأرات الثور … ثم لفظ أنفاسه الأخيرة …
وقال نصر :
- اصلبوه على جذع شجرة على شاطئ النهر الذي قتل عليه أسرى المسلمين في يوم
العطش .
وضج الترك ضجيجا لم ير مثله … وقطعوا آذانهم، وجزوا شعورهم ، وطفقوا يبكون عليه
بكاء حاراً ،وأرادوا أن يحملوه ، فقال فيروز :
- يا أمير الجند ، أحرق جثته لئلا يعبدوه ويقدسوا عظامه .
وجيء بقارورة نفط فصبت عليه أمامهم ، وأضرمت النار ، وكثر اللغط والنواح ،
وعزموا على الانتقام .
… … …
وحمل ابن أبي سبرة إلى واثلة غنائمه ، وقال :
- خذ غنائمك كما وعدتك يوم أعطيتني فرسك .
- ابق عليك مالك .
- بل خذه ، فأنا لم آت إلى المعركة طمعا بغنيمة أو بمال.
- وأنا لم أعطك فرسي لأقبض منك مالك ، بارك الله لك به، ووالله ما حملتك عليه
إلا ابتغاء وجهه الكريم , ولقد رجوت الله أن تكون بطولتك الفذة نصراً للمسلمين .
كان نصر يشهد حديث الرجلين ، فقال لمن يجاوره :
_ إن جيشاً فيه مثل هذين لجيش منصور بإذن الله ، فإن الله سبحانه ينصر المجاهدين
بإخلاصهم له .
الفصل الثالث