الباب الأول

6 0 00

الباب الأول

درويش يشتري قدر حاتم الطائي من "السوبرماركت"

حدتني يحي بن عقاب قال :

"رأيت قبر حاتم طيء ببقة وهو أعلى جبل ، و له واد يقال له الخابل ، و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر، وهي من القدور التي كان يطعم فيها الناس . و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة . و على يساره أربع جوار من حجارة . كلهن صاحبة شعر منشور. متحجرات على قبره كالنائحات عليه . و الجواري بالنهار كما ذكرنا . فإذا هدأت العيون . إرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه. و نحن بمنازلنا نسمع ذلك . إلى أن يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سكتن و هدأن . و ربما مر المار فيراهن . فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن . فإذا دنا منهن وجدهن حجارة".

المسعودي

"مروج الذهب"

كان جالسا أمام الموقد ، مادا رجليه تحت القدر، و نيران جهنم تلتهم الرجلين ، تأكل من الحم و العظم ، وهو يتدفأ . يفرك اليد اليمنى باليسرى ، و يتدفأ متلذذا ، و يضع من حين لآخر قطع الحطب يؤجج بها النيران ، و اللهب يصبح بلون الشمس ، والبخار يتصاعد من القدر ،والرجلان تشتغل فيهما النيران ، ويشتغل في وجهه نور الشمس فيعكسه في كل الاتجاهات .

و يصبح وجهه مرآة تشتعل فيها كل شموس الدنيا.

قيل : هذا درويش العائد من غربته ليلة السادس عشر من الشهر الفائت حين اكتمل القمر في سمائه.

ترك حصانه يرعى في الجبل و جاء إلى هذه الساحة. بات ثلاث ليل بدون طعام ترك الصدقات جانبا: صحون الكسكسي، و قدور المرق ،و البطاطة المقلية ، و البيض المسلوق، و الخبز، و التمر. قال إن الدنيا كانت تأتيه على هيأة عجوز و تحمل إليه في كل ليلة رغيفين و كوز ماء ،و تكنس الساحة،و تسامره حتى أذان الفجر، ثم تذهب.

في اليوم الرابع سأل عن "السوبرماركت" ،نطقه هكذا ،بلكنة أمريكية، فدله على الطريق واحد من الصبية العائدين من المدرسة، و أعطاه العنوان : امش سيدي حتى نهاية هذا الشارع ثم در يمينا و لا تتوقف حتى يتقاطع شارع الحرية مع شارع الاستقلال هناك على يسارك ستجد بناية كبيرة ذات ثلاث طوابق ، أنتبه و أنت تشق شارع الحرية فقد مات هناك خلق كثير.

شكر الصبي ، و أعطاه كيس دنانير ذهبية مرسوم على وجهها صورة الإمبراطور رونالد ريغن ، و مكتوب على قفاها: "ضربت في عهد الخليفة الناصر لدين الله" .

ومشى في الشارع الطويل إلى أن صفعته البناية ذات الطوابق الثلاثة. وقف أمام الباب البلوري و دهش عندما انفتح الباب وحده و دلف إلى داخل قاعة فسيحة ملأى بالكؤوس البلورية و السكاكين و الملاعق و أجهزة التلفزيون و الطبخ و الراديوهات و قوارير العجة و "الجوني ولكر" و علب المشروبات الغازية و ثياب الأطفال و اللحم المصبر و قمصان النوم الحريرية الحمراء و الوردية و البنفسجية و مضارب كرة التنس و قدور الألمنيوم في أحجام مختلفة و الكراسي و الطاولات و بنادق صيد . و أحس بالدوار، فأخرج من جرابه كيس الدنانير الذهبية . عد عشرة ، أعطاها للبائع ، و طلب قدرا . قال :"قدر من الألمنيوم من فضلك . هذه القدر الكبيرة" . حول البائع نظراته بين الرجل و الدنانير الذهبية . و اشتعل الذهب في وجهه فبحث عن السلم . ارتقاه مرتعشا. أنزل قدر الألمنيوم الكبيرة . لفها بسرعة . و مدها للرجل. قال درويش : هذه قدر حاتم طيء.

و لم يفهم الرجل قصده . تركه واقفا يحتضن القدر و ذهب إلى "الكاسة". أخرج من صندوقها قطع نقود نحاسية . عدها و مدها إلى هذا الشاري الغريب الذي يقايض الألمنيوم بالذهب.

و ابتعد وهو يلتفت في كل الاتجاهات ...

و عاد درويش إلى الساحة وهو يحمل قدر الألمنيوم ، و وضعها فوق ثلاث صخور، و أشعل النيران في رجليه ، و جلس يطبخ الماء و الحجر. تجمع الأهالي حوله ينظرون . خالطت نظراتهم الدهشة و الخوف تشجع بعضهم اقتربوا أكثر. مدوا أيديهم فما أحسوا بلسعة النار.

قالوا : "نار درويش لا تحترق".

و تركوه و عادوا إلى منازلهم .

و جاء الصغار. حاموا حول الموقد وجلين فنداهم ، أو هكذا خيل إلى الصغار. ذهبوا قربه فتناول الجواهر و الدنانير الذهبية من السماء ، وضع الجواهر في كيسه ، و نثر الدنانير في الهواء . تخاطفها الأطفال و طاروا إلى السوق . اشتروا طائرات من ورق و رجعوا إلى الساحة.

أعادوا إلى درويش باقي النقود ، قطع صغيرة من النحاس . قلبها في يده و ضحك.

قال : "سأبني هيكلا ها هنا ، أعلم فيه الأطفال السحر و قيادة الطائرات الورقية ،

و نطير حتى المنتهى ،

حتى المنتهى" .

و مرت أيام.

و مر أسبوع .

و مر شهروشهور.

و مر دهر ،

مرت دهور،

و درويش يترقب مجيء الرجال ،

و الرجال توسدوا نهود النساء، و ناموا.

رأوا درويش يمشي على الماء.

و ناموا.

و رفعوا رؤوسهم مرة فإذا برجل جالس في الهواء و في يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر و درويش يشرب و يقول : "هاكم اشربوا ماء أطيب من المسك ، و أبرد من الثلج، و أحلى من العسل". و الرجال يقولون : "نار درويش لا تحرق" .

والكلاب ما أعياها النباح .

و الأطفال لم يتعبوا من الجري تحت القمر.

و طائرات الورق مازالت تطير.

و الرجال يقولون : "من يفك عن أطفالنا سحر هذا الساحر" ؟

و يذهبون إلى شيخ القبيلة .

و شيخ القبيلة في خيمته يتنصت لطنين مكيف الهواء .

و الرجال يستأذنون من الحاجب في الملوث بين يدي الشيخ.

و يحرك الحاجب رمحه و يتنحى عن الباب .

و يقول للرجال : "النجدة يا أمير المؤمنين" .

طائرات من ورق يقودها أطفال المدارس – يجرونها من تحت بخيوط من البلاستيك – تطير كل يوم فوق القرية من الصباح إلى المساء . و نحن خائفون يا مولانا أن تقصف الطائرات القرية" .

و يصاب الشيخ برعدة . و ينفجر غضبا : "هاتوا اللاسلكي".

و يصيح : "الله الله يا خليفة رسول الله أنجد جنود الإسلام بطير من أبابيل" .

و تخفت خشخشة اللاسلكي فيتفرق رجال القبائل . و النيران تشتعل في الموقد تحت قدر الألمنيوم ، و الأطفال يصيحون في الساحة ،

و البرقيات تصل تباعا إلى الخليفة ،

و الكلاب تهر،

و النيران تشتعل في رجلي درويش ،

و الناس يحكون عن أموات القرية الضاحكين على المغتسل . ضحك الأموات فلم يجسر أحد على غسلهم ، فتكدسوا في ثلاجة المستشفى.

و مدرس التاريخ يحكي للأطفال عن إبراهيم الخليل قال : هل تعرفون قصة إبراهيم الخليل يا أولاد ؟"

قالوا : "لا".

قال : " جمع النمرود في بابل حطب الدنيا كلها و أشعل نارا أحمى من الشمس و ألقى فيها إبراهيم".

قالوا : "يا الله ما أقسى قلبه".

قال : "و خرج إبراهيم من النار و لم تحترق سوى قيوده" .

قالوا : "عجيب ".

قال : "لا تتعجبوا يا أطفالي . و عودوا إلى الساحة . اركبوا طائراتكم ..طائرات الورق ، و طيروا".

ما أجمل أن يطير الأطفال فوق طائرات من ورق ، حتى المنتهى"