الباب الثالث
سفينة نوح تغادر الميناء
" نمرة" بنت عم درويش مغرمة بالخيول و بألعاب الفروسية . و درويش فارس و يحب نمرة . و نمرة زاهدة في الزواج . و درويش راغب فيه أشد الرغبة .
و ما العمل يا درويش ؟
كتب لها الرسائل المعطرة .
بعث لها بالورد في فصل الشتاء.
أهداها سيارة مرسيدس و ثلاث إماء اشترهن من سوق العبيد. دفع ثمن السيارة مائة ألف دولار أمريكي.
و نمرة مغرمة بالخيول الإنجليزية.
تزورها كل يوم في الإسطبل.
و تطعمها اللوز و الفستق .
و تربت على مؤخراتها بحنان. و تدفع لفرسانها خصلات من شعرها ، و خواتمها الذهبية.
و درويش يرشي الشعراء بالهدايا الثمينة ، و بـ "اعطه يا وزير ألف دينار"
فيكتبون له قصائد غزل ينسبها لنفسه و يدعو الرواة لحفظها.
و نمرة..
نمرة السمراء،
غزال الصحاري،
و ريم البراري ،
يربت فرسان الخيول الإنجليزية على ردفيها بحنان السائس الماهر، و تغادر اسطبل البهائم و بين نهديها بقايا من علف الخيول .
* * *
و نمرة تذهب كل مساء للنبع مع البنات .
تحمل الجرة على رأسها.
و تختال كالمهرة ..
و تعمل في الحقل .
تحرث..
و تزرع ..
و تجني المحاصيل ..
و تعود إلى البيت مهدودة القوى ..
فتأكل الثريد بالحليب..
و تنام على الأرض.
* * *
و درويش
عابر سبيل يطلب شربة ماء .
مجنون يغني على ليلاه.
حمام يهدل.
بدوي يبحث عن ناقة شاردة.
و نمرة لا تلتفت إليه ، فتعتريه حالات من الجنون القصوى ، فيتخلص من ثيابه و يهيم في الصحراء.
يأكل العشب مع الوحوش.
و ينام تحت النجوم.
ثم يعود إلى رشده فيذهب إلى مصحة طبيب نفساني من أصدقاء العائلة ’ فيعتني به دهرا ، ثم يكتب له وصفة دواء و يوصله بسيارته إلى أهله.
* * *
و نمرة تعشق السفر.
و تقتني ملابسها الداخلية من باريس ،
و أحمر الشفاه من هونغ كونغ ،
و كلاسينها من لندرة ،
و سوتياناتها من جزر هاواي ،
و مرآة الزينة من لاهاي،
و عشاقها من بورصة نيويورك.
* * *
و درويش يدفع .
يوقع على شيكات و يدفع .
و تسافر نمرة إلى جزر البهاما،
فيشتري درويش كل ليلة قينة.
و يكتري لها فرفة موسيقية،
تعزف العود ،
و تضرب على الدربكة و الأورغ الكهربائي.
و تنثر تحت قدميها الدنانير الذهبية المصكوكة في عهد السلطان قلاوون.
* * *
و نمرة ترعى الغنم ،
و تجمع الحطب ،
و تحلب النوق ،
و تصنع الفرش و الزرابي ،
و ترفض الزواج من درويش.
و يقول الأهالي : نمرة لا تحب درويش ، يا ويلنا إذا أزفت ساعة زواجهما .
* * *
و يصير درويش بائعا جوالا . يدفع عربته اليدوية ، و يتغنى ببضاعته ، و بأشعار الغزل الرقيقة.
عندي أمشاط من عاج أنياب الفيل.
عندي خواتم من ذهب البحرين .
عندي بخور هندي.
راديوهات.
سيوف.
كاستات.
قلوب آدمية.
فيديوهات.
فول سوداني .
بنادق أوتوماتكية .
أحزمة من جلد التمساح.
بطريات كهرباء.
أشعار عمر ابن أبي ربيعة..
" أهيم إلى "نعم" فلا القلب جامع
ولا الحبل موصول و لا أنت مقصر.
إذا زرت "نعما" لم يزل ذو قرابة
لهـا كلمـا لاقيتـها يتنمـر.
عزيز عليه أن ألم ببيتها
يسر لي الشحناء و البعض يظهر".
سوتيانات .
أشرطة مسجلة لمادونا .
نواسيات.
خمر بساتين الحيرة.
قمصان نوم .
كحل من باكستان .
غزل مجنون بني عامر.
أشرطة " سكس" .
معجون أسنان .
قوارير كوكا كولا مثلجة .
قراطيس مخدرات .
حبوب منع الحمل .
عندي صندوق الدنيا .
* * *
و تهل الصبايا .
و يهل العيد .
و تغني فيروز .
و ترقص الخيول المطهمة .
و ينفجر الفرح في قلب درويش .
و تمتلئ القرية بالهمس ،
و بالضحكات اللذيذة ،
و تذهب بنت تنادي نمرة : " تعالي إلى حيث الفرجة و الأشياء الجميلة" ،
و تعطيها رسالة من البائع الجوال الذي لبس صورة درويش فيهرب الفرح من القرية و نمرة تغلق في وجه البنت أبواب السماوات السبع بالمفتاح.
و تعود البنت إلى البائع الجوال ، فتسمع شقشقة داخل صدره تشبه صوت تحطم البلور.
و يسيل دم درويش فوق قمصان النوم الحريرية ،
و أحزمة جلد التمساح،
و البخور ،
و الفول السوداني ،
و مشابك شعر الرأس ،
و تذوب الابتسامات،
و تهرب البنات في كل الاتجاهات ،
و يقصف الرعد ،
و ينزل المطر غزيرا على القرية .
و تمتلئ الشوارع بالضفادع النازلة من السماء .
و تفيض الأدوية بالدم..
و تتحول
عربة
البائع
الجوال
إلى
" سفينة" .
و ينزع درويش قناع البائع الجوال..
و يلبس بذلة الربان – قائد السفينة – .
البذلة ذات الشرائط المذهبة .
و ينادي :
" من كل زوجين اثنين "...
و يتدافع الخلق .
" من كل زوجين اثنين "...
و السيارات .
" من كل زوجين اثنين " ...
و الأحمرة ..
و الفئران ..
و الخنازير...
و البق.
" من كل زوجين اثنين "...
و حقائب " السمسونايت"..
و أجهزة التلفون الملونة..
و الثلاجات..
و مسابح العوم..
قو قوارير الوسكي..
"منكل زوجين اثنين "...
و عرائس البحر ..
و خدم الخليفة..
و إماء السلطانة ..
" من كل زوجين اثنين "...
و التنور يفور ..
و صافرات السفينة تعوي ..
و درويش ينادي :
يا أولاد الكلب .
" من كل زوجين اثنين "...
و نمرة تردد :
" سأعتصم بجبال الهملايا و لن تتفخذني يا درويش "...
و ربان السفينة يلوح بمناديل الوداع..
و المدعون يمسحون الدموع ..
و أعوان الجمارك يضعون طوابعهم على جوازات السفر ..
و حراس الحدود ببنادقهم القصيرة يدفعون المتطفلين.
و السفينة تقسم الموج شطرين ..
و الصفارات تؤذن :
حي على السفر ...
حي على السفر...
"كلما رمت المجيء لهذه الدنيا ، لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس إلا بالتأنس"
"حكمة هندية "
كلما سمعت دق الطبول و شقشقة الدفوف و صهيل الخيل و زغاريد النسوة ، خيل إلي أنني عشت في زمن آخر، و في مكان آخر، على ظهر هذه الأرض العجوز.
أين عشت هذه الحياة الأخرى ؟
و متى كان ذلك ؟
لست أدري ...
بقيت على هذه الحالة مدة طويلة .. إلى أن كان يوم تذكرت فيه حياتي السابقة كما يتذكر طفل صغير حلما جميلا.
المناسبة : حضرت حفل زفاف قطر الندى من الخليفة المعتضد العباسي.
الزمان : عصر خمارويه بن أحمد بن طولون.
المكان : القطائع من بر مصر .
صداق العروس : ولى الخليفة العباسي ، المعتضد ، خمارويه ، جميع البلاد الممتدة من الفرات إلى برقة. و جعل إليه الصلاة و الخراج و القضاء . و خلع عليه اثنتي عشرة خلعة و سيفا و تاجا و وشاحا.
جهاز العروس : " حملت معها ما لم ير مثله ، و لا سمع به ، إلا في وقته":
دكة من أربع قطع من الذهب ،
عليها قبة من ذهب مشبك
و في كل عين من التشبيك قرط ،
كل قرط معلق فيه حبة من الجوهر.
كل حبة من الجوهر لا يعرف لها قيمة.
و مئة هاون من الذهب لدق الطيب.
و ألف تكة ثمن الواحدة منها عشرة دنانير.
و قد أمر خمارويه بعد أن فرغ من الجهاز بأن يبنى لبنته على كل مرحلة ، قصر أشبه بالمنزل أو مكان الاستراحة ،تنزل فيه وهي في طريقها إلى بغداد.
و أعدت هذه القصور بكل ما تحتاج إليه ، فكانت في سفرها ممتعة بجمع وسائل الراحة و أسباب الرفاهية كما لو كانت في قصر أبيها.
جائزة ابن الجصاص الذي عهد إليه بإعداد جهاز العروس : أربعمائة ألف دينار.
و قد أقيمت الحفلات و المآدب بمناسبة هذا الزواج في قصر خمارويه . و اجتمعت النساء في أحسن ملابسهن الحريرية . و ظهرن أجمل حليهن ، و ارتدت قطر الندى ثوبا من الحرير الأبيض.
ووضع على رأسها إكليل من الذهب ، و طرحه مرصعة بالجواهر ، و على أذنها قرط ثقيل الوزن على شكل حلقة من الذهب ، و في أصابعها الخواتم.
و في معصمها سوار من الذهب المرصع بالجواهر.
و زين وجهها بالأصباغ ، فبدت في أحسن زينة.
و مد السماط ، و زين بالأزهار ذات الرائحة الذكية ، و بالألوان المختلفة.
جلست العروس في صدر السماط.
و جلست أمها عن يمينها و جدتها عن يسارها.
و وضع في طرفي السماط قطعتان كبيرتان من الحلوى .
و نثرت عليه صحاف ملأى بألوان الطعام المختلفة .
و خرجت قطر الندى من قصر أبيها في موكب اخترق مدينة القطائع التي اشترك أهلها في توديع ابنة الأمير، الذي تقدم الموكب ، يحف به حرسه المختار، يلبسون الأقبية ، و يتقلدون السيوف المحلاة بالذهب ، وهو ممتط فرسه الأشهب ، متقلدا سيفا بحمائل ، تكسوه الهيبة ، و يتبعه جيشه من المصريين و الأتراك ، يحملون الدروع و السهام. ومن السودانيين يرتدون الأردية و العمائم السود.
و لما وصلت قطر الندى إلى بغداد ، نزلت في قصر صاعد ، و أقيمت الحفلات ، و دعيت النساء من علية القوم ، و كن يرتدين أفخر الثياب ، و يتزين بأنفس الحلي و مدت الأسمطة و عليها أنواع الطعام على النحو الذي مدت به في مصر، و أخرجت القيان ، و المغنيات.
إفلاس : لما وصلت قطر الندى إلى بغداد كان خمارويه في شدة و كرب شديدين بسبب تجهيز إبنته الذي استنفد كل ثروته و ليس أدل على صحة هذا القول من أنه احتاج إلى شمعة فلم يوفق إلى إجادتها لوقته.
* * *
هل حضرت حقا هذا الحفل ؟
هل قرأت قصته في مخطوط قديم ...
هل شاهدت شريطا سينمائيا يحكي عن زواج قطر الندى و أنا في سابع نومة ؟
كل هذه الاحتمالات واردة.
ما أنا متأكد منه فقط ، هو أنني قررت حينها أن يكون حفل زواجي من نمرة ، كعرس قطر الندى.
و طبعت استدعاءات باسم خمارويه التركي و المعتضد العباسي.
و لم أنس ابن الجصاص ...
و هل ينسى ابن الجصاص ؟