الباب الرابع
البراق لا يحط في المطار
أفاق عبدو كعادته باكرا ، تحسس بقعة لطمة البارحة و أن بصوت خافت ، ثم اغتسل غسلا كاملا بالماء البارد.
كان دائما يردد : " الماء البارد طهارة للروح و البدن ".
و صلى
و أخرج سبحة صغيرة من جيبه و راح يسبح ...
* * *
حين استيقظ فرنسوا مارتال ، كانت العصافير قد شاركت عبدو في تسبيحه . تمطى و تثاءب بصوت عال.
و رسم إشارة صليب .
و رتل صلواته .
و نادى عبدو، فجاء بالقهوة و بغليون ، و بعلبة ثقاب.
ارتشف من القهوة رشفات ، و أشعل الغليون ، و تثاءب من جديد.
اقترب عبدو من السرير، و نظر في عينيه.
كانت دموع البارحة مازالت عالقة بجفونه ، و النحيب مازال يملأ الغرفة ، و يتردد في أرجائها :
" أكل
هذا
الوحش
الشرقي
صور
بدء
الخليقة"
و تتحرك الكتب المرتبة في ركن من أركان بيت النوم : كتب التوراة و الإنجيل و القرآن.
و مجلدات في علم الأديان و في التاريخ القديم .
كتب تحكي عن البابليين..
و الآشوريين ..
و الكلدان ..
و الفينيقيين ...
تحكى عن هزائم هنيبعل و تنسى انتصاراته قرب نهر بو.
و المصريين القدماء :
" مومياء " + عرب = "مومياء" + عبد الناصر = "مومياء" + السادات = حرب أكتوبر + عصر الانفتاح و الصلح الانفرادي و "طز" في العرب البائدة. و العرب العاربة و العرب المستعربة و الآراميين و الإغريق و مملكة سبأ ،
و داوود ينكح بلقيس بعقد صوري ، و بمباركة الهدهد .
و الصين ،
و الهند ،
و كتاب العبر . و دوركهايم تتلمذ على ابن خلدون و سرق منه علم الإجتماع.
و عصور ما قبل التاريخ .
" و إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" .
و عصا موسى التي أكلت ثعابين الحواة.
" و إذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى ؟ "
قال : ألم تؤمن ؟
قال بلى و لكن ليطمئن قلبي.
قال فخذ أربعة من الطير،
فصرهن إليك ،
ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا .
ثم ادعهن يأتينك سعيا.
و أعلم أن الله عزيز حكيم".
و أنكيدو ،
و جلجامش ،
و تموز،
و أفروديت ،
و فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد ... فصب عليهم ربك
سوط عذاب ... إن ربك لبالمرصاد ..."
و حمل فرنسوا مارتال آلة التصوير على كتفه ، و خرج . التقى في الطريق بمجموعة من السياح الأمريكان النازلين لتوهم من حافلة على ملك وزارة السياحة و الإرشاد القومي . رطن معهم بالانجليزية و اتجهوا إلى ساحة درويش كان في الطريق قد حدثهم عن ساحر يشعل النيران في رجليه و لا يكتوي بنارها . و وصل الأمريكان إلى الساحة . حمر. سمان . يقطر الشحم من تحت أبطانهم و من بين أفخاذهم . تحلقوا حول درويش ، و أشبعوه تصويرا.
و أشبعوا الدليل أسئلة عن هذه النيران التي تشتعل في رجلي الرجل و لا تحرقه.
رأى الحيرة تحوم حول الوجوه ، فذكرهم بقصة ابراهيم الخليل والنمرود ، و كيف أن النيران كانت على إبراهيم بردا و سلاما .
قالوا : ذلك رسول الله ...
قال : و هذا درويش الله ...
و لا قناعهم أكثر، و ربما لا رباكم ،حكى لهم هذه الحكاية:
" مات درويش في مركب فجهز، و أريد إلقاءه في البحر، فجف البحر، و أنزلت السفينة ، فحفروا له قبرا ، و دفنوه . فلما فرغوا ، استوى الماء . و ارتفع المركب".
و قالوا : " هل هذا الدرويش مجنون ؟"
قال فرنسوا مارتال : " البارحة أكل صور بدء الخليفة ".
و قال الدليل : " و ما صاحبكم بمجنون و لكنه الحب ".
* * *
ما رأيكم أصدقائي الكرام لو نترك هذه القصة في هذا المقطع ، و نعود مع قافلة السياح الأمريكان إلى نزل الأنترناشيونال ، فقد عرض عليهم الدليل مشاهدة شريط سينمائي بالألوان الطبيعية يحكي قصة جنون درويش بعد أن هام حبا بنمرة ، و بعد أن قالت له يوم الطوفان العظيم : " سأعتصم منك بجبال الهملايا و لن تتفخذني يا درويش". و قد راقت الفكرة للسياح ، فوافقوا على العودة مهللين ، مكبرين ،مصفقين كالأطفال الصغار.
سكوت.
سيبدأ الآن عرض شريط :
مجنون الصحراء.
درويش و نمرة
الصورة الأولى : دعاية للحليب الزبادي ..
و قوارير الكوكا كولا كبيرة الحجم ..
و احتفالات في الشوارع ..
أعلام ..
و شرائط حريرية ملونة ..
و تصفيق ..
و يعيش . يعيش . يعيش.
و يحيا.
و صورة لرئيس دولة زنجبار و قرينته ..
و أطفال المدارس في صفوف طويلة على جنبات الطرق.
- أواه ذكرني أطفال المدارس بطائرات الورق –
و ظهرت رمال الصحراء ، و صوت الناي..
و نمرة راكبة في هودجها مع خادم سوداء
و مسعود السائس يقود الجمل :
" و سوق و ربص ، آسعد شوشان . سوق و ربص..
سايس جمل للاك حتى تلبس ..
آسعد آشوشان
سوق و هني ، آسعد آشوشان . سوق و هني ..
سايس جمل للاك حتى تحني
أسعد آشوشان .
و الفرقة الماسية بقيادة الموسيقار بليغ عبد الحليم تعزف ألحانها..
و فرق الموسيقى الشعبية ..
و الطبل و المزمار..
و البواريد تلعلع ..
و زغاريد النساء ..
و الجمل يتمخطر..
إلى أن وصلت قوافل العرس إلى نبع الماء المبارك الخارج من شق في الجبل. شرب الأطفال من ماء النبع ، و شربت النسوة ، و شرب درويش ، و اغتسل ، و مسح على شعره.
و شرب الرجال بعده ، و اغتسلوا .
و نادي عراف القرية نمرة :
طلب منها أن تخرج من الهودج ليغسل لها يديها و وجهها و يباركها.
و يقرأ الحاضرون سورة الفاتحة.
و تنحر الخرفان.
لكن جملها لم يبرك
و عاود العراف النداء ، فقالت له إنها طامث ، و لا تريد له النجاسة ، و طلبت منه أن يبتعد عن النبع المبارك.
و عاود العراف النداء ، فأخرجت له الخادم قميصا ملطخا بالدم .
قال العراف : " بكم بعت عفتك يا نمرة ؟
ردت من وراء الحجاب : " أنا لا أبيعها و لو بمليارات من الدولارات يا سيدي أنا أهب عفتي يا سيدي لم أهوى ".
قال : " و من وطئك اذن في هذا الهودج ؟"
قالت : " صاحب هذا الجبل ، يا سيدي العراف " .
و جلس العراف على ركبتيه ، و أغمض عينيه ، و ضرب الجبل بحجر، فانفلق الصخ . و صاح العراف : زع ... زع ... زع ... يا جمل
قدخل الجمل من الباب المفتوح في الصخر بعروسه وهودجه المزدان بالشرائط ، و البالولات الحمراء و الصفراء والزرقاء ، وذاب داخل الجبل .
وهم درويش بالدخول وراءه ، فصده العراف .
قال له :"لقد استجارت منك بصاحب الجبل ."
و حاول مرة ثانية فانغلقت الأبواب السبعة في وجهه..
بابا
وراء
باب .
و حاول مرة ثالثة.
صاح : افتح يا سمسم ...
فرددت الأودية صدى صوته : ,, افتح يا سمسم . إلا أن أبواب الجبل بقيت موصدة .
و تفرق الخلق في الجهات الأربعة. و ضرب طاقم الموسيقى لدرويش سلام تعظيم .
و أطلقت المدافع عشرين طلقة ..
و امتلأت السماء بالنجوم الاصطناعية .
و عوت صفارات الإنذار.
و قال الأهالي : يا ويلنا من هذا الليل الطويل . سيقتل درويش نفسه .
و شق درويش صدره ...
و أشعل النيران في الساحة .
و شوى كبده فوق النار الملتهبة .
و أطعم منه خمارويه التركي ..
و المعتضد العباسي ..
و ابن الجصاص ..
و الفرس الصاهل أمامه ...
و الشياطين ...
و عزرائيل ...
و سائق سيارة العريس ...
و مسعود الجمال ...
و حادي العيس ..
يا حادي العيس عرج كي أودعهم
يا حادي العيس في ترحالك الأجل ...
و الموسيقار بليغ عبد الحليم .
و اكل بعد ذلك قطعة من الطورطة العملاقة .
و أطعم حصانه قطعة أخرى .
و مد السكين لضيوف الشرف .
قال لهم ليأخذ كل منكم كفايته و لا يخجل .
و لحسن أصابعه من بقايا الشوكولاطة . و ثقب بدبوس البالونات التي تزين السيارة المعدة سلفا لنقل العروسين إلى فيلا السعادة .
و أخرج من خرج معلق بجانبه برذعة الحصان قميصا أبيض ، و دنانير ذهبية مسكوكة في دار السكة في عهد الخليفة العثماني سليمان القانوني أعطاها لعجوز جاءت تطلب صدقة لوجه الحي القيوم .
و الظلام يعم القاعة
قاعة عرض الأفلام في نزل الانترناشيونال .
و الأمريكان سكوت ...
و صوت آلة العرض يتكتك تك..تك..تك ..
و ذهب درويش إلى النبع .
ذهب وحده هذه المرة .
فتطهر ،
و مسح وجهه بالتراب ...
و صلى ركعة واحدة ..
و سلم ذات اليمين ..
و سلم ذات الشمال ..
و ذهب إلى أعلى الجبل ..
وقف فوق الصخرة ..
رأى القرية تمتد تحت بصره ، لونها أحمر كلون حجارة الجبل .
و الدخان يتصاعد من وسط الواحة و يعلو حتى السماء .
قال : ماذا لو ذهبت مع هذا الدخان إلى السماء ...
و ربت على ظهر حصانه، فنبت في الحين الحصان جناحان، ريشهما من كل الألوان .
ريش أجمل من ريش الطاووس .
و استدار وجه الحصان .
صار أجمل من وجه حورية من حوريات الجنة .
عينان سوداوان برموش طويلة ..
و فم يقطر منه الشهد .
و أصبحت الساحة الممتدة تحته مطارا كبيرا .
و البراق يتحفز للطيران
و صوت المكروفون يردد :
على المسافرين على متن الطائرة القادمة من فرنكفورت الالتحاق بمكاتب جوازات السفر لإتمام الإجراءات القانونية .
تلمس حقيبته الصغيرة .
فيها منامة ،
و ثلاثة كتب :
الحب في زمن الكوليرا لماركيز ..
و المسيح يصلب من جديد لكزانتراكسيس ..
و المحصول الأحمر لخورخي امادو..
و مجلة أدبية ..
و مسودة لرواية غير مكتملة .
و نسخة صغيرة من حربه .
حربة من البرنز المطعم بالفضة .
تحفة .
ماذا؟ ماذا قلت ؟ حربة داخل حقيبتك حربة .
فتشوه ...
تململ السياح الأمريكان في قاعة العرض .
سيحول وجهة الطائرة .
أيلول الأسود.
بادريماين هوف .
الجيش الجمهوري الإرلندي .
الدرب المضيء.
أبو العباس .
أبو نضال .
بدأ الهرج و الصياح .
طلقات نارية ززز...
دم...
فرق مكافحة الإرهاب تحاصر المطار.
سلم نفسك ...
مسافرون محتجزون في إحدى القاعات .
الصليب الأحمر الدولي .
سيارات الإسعاف .
وزير الإعلام يتحدث عن اكتشاف كلاشنكوف داخل حقيبة مسافر عربي في مطار دولي .
إذاعات العالم تنقل الخبر.
مفاوضات .
مفاوضات .
مفاوضات .
مفاوضات.
فاوض.
يفاوض.
مفاوضات .
النساء و الأولاد يغادرون الطائرة .
الرجال المرضى يغادرون الطائرة .
فاوض.
يفاوض .
مفاوض .
مفاوضات.
الإرهابي يسلم نفسه مصحوبا بآلة الجريمة :
حربة من البرونز المطعم بالفضة ،
و الحب في زمن الكوليرا،
و الدم يعود إلى وجوه السائحات الأمريكيات .
وجوه سمينة .
وجوه معطرة .
وجوه يقطر منها السم.
و الهدوء يعود من جديد إلى قاعة العرض.
و العسل يسيل أنهارا من فم الطاووس .
و البراق يردد: إلى أين يريد سيدي السفر ؟ .
و درويش يرد : إلى الحيرة عند الملك النعمان بن المنذر .
* * *
اشتعلت الأضواء في القاعة ..
وتهامس السياح .
تساءلوا عن الحيرة ، و عن النعمان بن المنذر .
جاء الدليل يسعى .
جمعهم حوله و بشرهم :
لا تتساءلوا كثيرا عن الحيرة سنزورها هذا المساء . و هذه بطاقات استدعاء من الملك النعمان بن المنذر .
قيل إنه سيولم لضيوفه .
سيذبح لهم ألف بعير .
قالوا : هي فرصة لا تتكرر مرتين .
قبلنا الدعوة أيها الدليل .
و سنتذوق لحم الجمال .
ما أحلاك يا لحم الجمل ...
سكر .