الجزء الحادي عشر

7 0 00

الجزء الحادي عشر

في ذلك اليوم لم يستطع صلاح النوم أبدا، بعد كل تلك الحقائق التي اخبره بها العم ابراهيم

عن الشركة، ونشاطها غير القانوني، وتورطها في العديد من القضايا..

هل عمي البشير هو أيضا متورط؟؟

ظل هذا السؤال ينخر بعقل صلاح طوال ذلك الأسبوع، منتظرا بفارغ الصبر زيارة خالد

وبكر له..

إلى أن اعلمه رفيقه في الزنزانة أنه غدا الأربعاء، أي يوم الزيارات..

لم يتبق إلا سويعات قليلة، لينتهي النهار ويحل الليل، وبعدها ياتي الصباح، اشتاق لسمرا،

فهي لم تغب عن نظره، طوال حياته مدة كهذه..

لا يزال يتذكر حينما كانت في السابعة من عمرها، وذهبت إلى التخييم رفقة مدرستها، لم

ينم تلك الليلة، وفي الصباح الباكر سافر إلى افران حيث كان المخيم، وخيم رفقة أصدقاء

له هناك، ليتمكن من رؤيتها وزيارتها دائما..

لم تكن الأخت وحسب بل كل شيء في حياته، شيء لم يصادف ترجمته اللغوية أبدا، طوال

حياته..شيء يتغلغل من الاعماق.

سارع إليها فور رؤيته لها وهي قادمة مع خالد، الذي ككل مرة يكلف نفسه عناء إحضار

قفة الأكل وكل مايحتاجه صلاح، بل حتى بعض قطع الحشيش والمال التي يرشي بها بعض

الحراس، ليعتنوا بصلاح ويحرصوا على ألا يضايقه أحد..

سارع إليه ليضمه وعيني سمرا معلقة على ملامح أخوها، لقد اشتاقت إليه..

ووسط دموعها، وكبرياء رجل يرفض أن تدمع عينيه عانقها بقوة، وقد بدا لها أنه يرفض

أن يتركها..لكنها كانت سعيدة جدا وهي بين احضانه تشم رائحة جسمه التي لم يغيرها

السجن أبدا..

لم يطل بهم الحال، حتى تقدم بكر إليهم، وهو يلقي تحيته على الجميع ويصافح بعدها خالد

ببرود، ويعانق صلاح، أما سمرا فلم يكلف نفسه عناء النظر إليها..

لكنها لم تهتم..أبدا لم يعد يحرك مشاعرها..

بعض المشاعر لا نكتشف مدى سذاجتها إلا حينما نطردها بهدوء من حياتنا، لنكتشف

مشاعر أعمق وانضج منها..وسرعان ما تبدو لنا تلك الأولى كحبات الرمال حينما تذرها

الرياح..

ابتسمت لخالد، وهي تشد على يديه حتى تبعث في روحه الطمأنينة، ليرد لها ابتسماتها

وهو يغمز بعينيه، قبل أن يطلب منها صلاح الانتظار قليلا بالخارج، حتى يتسنى له الحديث

مع بكر وخالد، نقلت بصرها بينه وبين زوجها، في تردد قبل أن تجيب في تفهم:

-حسنا..وضمته بقوة وهي تطلب منه الاعتناء بنفسه..

تنهد صلاح بعمق وهو يقترب من بكر وخالد ليقول بصوت حازم:

-أحتاج لأن اهرب..

شهق بكر شهقة قوية، قبل أن يعيد كلماته بذهول:

-تهرب؟؟؟

أجاب صلاح بحزم وهو ينقل بصره بين بكر وخالد الذي لم يبد عليه أبدا الاستغراب:

-أجل أشعر أني مقيد هنا..

تنحنح خالد قليلا وهو يتساءل:

-هل السيد ابراهيم من سيتكلف بالأمر؟

-أجل إن له رجالا يعتمد عليهم..

ابتسم خالد وهو يتذكر لقاءه برجلين من طرف السيد ابراهيم، ليلة زفافه وقد كانا يبدوان

قويان جدا..ويعتمد عليهما فعلا..

اقترب بكر منهما، حتى يتسنى له سماع صلاح جيدا..

-متى ستنفد العملية؟

هز صلاح كتفيه دلالة جهله وهو يجيب:

-لست أدري العم ابراهيم يقول –حينما يكون الوقت مناسبا-

ألقى بكر نظرة على خالد الذي كان يطوي ذراعيه أمام صدره وينصت لكلام صلاح، وقد

بدا وكان الفكرة راقته كثيرا، ثم قال:

-وهل العم ابراهيم يستطيع فعلا تهريبك؟

أومأ برأسه إيجابا قبل أن يقول:

-لقد أصبح العم ابراهيم رجلا قويا، لقد أذته الشركة كثيرا..

-من تقصد بالشركة بالضبط؟-قالها خالد-

أحنى صلاح رأسه للأرض كمن يشعر بالخجل من ذنب، قبل أن يجيب بصوت ملؤه الحزن:

-إنه واثق أن العم البشير لديه يد في سجني، كما لديه يد في سجنه..

ضرب خالد يدا بيد وهو يطلق شتيمة بذيئة،ثم قال بعصبية:

-كنت واثقا أن ذلك العجوز قادر على فعل أي شيء من أجل المال.

-يبدو أنه اليد اليمنى للسيد ماركو، لقد اكتشفت أن للشركة نشاطا غير قانوني، وأن

الشحنات التي تأتي من الصين، اسبانيا، مجرد شحنات وهمية والتي لا يكون مصدرها

غالبا سوى كتامة أو الناظور، حيث يملك السيد ماركو أراضي كبيرة لزراعة الكيف والذي

يتم استخراج منه مادة مخدرة، يتم تحليلها وتنقيتها عن طريق المختبر السري، الذي

يتواجد بالمصنع، والذي يشرف عليه عالم كيميائي يدعى الدكتور خوان غابرييل، وهو من

يتكلف بهذه المهمة، مع جموعة من المختصين..وذلك منذ سنين طويلة.

-وكيف يتم توزيع المواد المخدرة؟؟تساءل بكر.

هز صلاح كتفيه في تخاذل ثم أجاب:

-لقد عمل العم ابراهيم أزيد من عشر سنوات، وقد كان سؤاله عن طبيعة العمل هناك،

يتزايد يوما بعد يوم، وحينما فتح عن طريق الخطأ أحد الصناديق التي كان يشرف عليها

ذات ليلة،كان مصيره السجن، ليتم اخبارنا أنه توفي وقد ذهب أهله إلى بني ملال حيث كانو

يعيشون من قبل.

صدقنا خرافتهم ولم نبحث عن خيط يدلنا لاكتشافهم..

فما كان يهمنا بالأصل هو ذلك الراتب، الذي كنا نحصل عليه، لأفاجأ به أنه حي يرزق

والأغرب من هذا أنه داخل أسوار السجن.

اغرورقت عيون بكر..فلم يسبق له أن عاش أو سمع عن مثل هذا، وهو الذي كان يبحث

عن حقيقة موت خطيبته ليفاجأ بعالم آخر لم يكشف عنه النقاب، اللهم إلا في الأفلام

والروايات الخيالية..

أما خالد فقد وجد سببا آخر، كي يكره السيد البشير، ويسعى للانتقام منه..

فمن يجرؤ على إيذاء صلاح لا يستحق أن يمرح في الحياة دقيقة واحدة.

وكأن صلاح قرأ أفكار خالد، فربت على كتفيه وهو يقول بنبرة أقرب للتسول:

-لا تؤذه يا خالد.

هذه الوصاية هي ما أعجزته عن فعل أي شيء لأنور، حينما ترجاه صلاح، وجعله يقطع له

وعدا بعدم التعرض لأنور، لأي سبب لكن هذه المرة الوضع صعب..صعب جدا.

إنه البشير اسم لطالما آذى خالد وهو أحد أهم الأسباب التي جعلته يترك الدار البيضاء

ويأتي لسلا...

عاد صلاح يحث خالد على قطع وعد له قائلا:

-عدني أن تترك القانون يتصرف..ولا تتهور..

انتبه خالد لانتهاء وقت الزيارة، ليقف وهو يربت على كتف رفيقه قائلا:

-لا تقلق لن أفعل إلا ما أراه عين العقل..

وخرج ليترك اجابة صلاح معلقة بحلقه..

عانقه بكر بدوره..بصمت ثم خرج.

عند موقف السيارات التقت عيون بكر بسمرا، التي ابعدتهما وهي تدخل للسيارة، في

انتظار خالد الذي كان يتحدث مع أحد الحراس، ويوصيه على صلاح، كما رأته وهو يسحب

بعض المال من جيبه، ليمنحه للحارس..الذي بدا سعيدا به جدا.

انتظره بكر حتى انتهى وهم بالصعود لسيارته حينما نادى عليه، في البداية فكر خالد ألا

يلبي نداءه، لكنه عاد عن رأيه فعلى أحد ما، أن يخبر هذا الصرصور انه لا احد يستطيع

العبث مع الذئب.

تنهدت بعمق وخالد يمسك يدها، طالبا بدون كلمات أن تنتظره قليلا، ابتسمت له رغم

الانقباض الذي شعرت به وهو يتركها.

-هل يمكن أن نلتقي بالمساء على المركب؟؟

طفت ابتسامة ساخرة على محيا خالد سرعان ما أخفاها بلمحة من الجدية، وهو يهز رأسه

موافقا.

طوال الطريق وسمرا تحاول أن تسأله عما دار بينه وبين بكر، لكنها كانت تبلع كلماتها كما

نبلع الدواء المر، كان يعلم خالد ما الذي يدور بخلدها لكنه لم يشأ أن يناقشها بهذا

الموضوع.

-هل ستتناول العشاء ؟

-لا لدي موعد مهم،-توقف حينما هم بالخروج ليطبع قبلة صغيرة على جبهتها وهو يتابع-

يمكنك النوم يا جميلتي سأتاخر قليلا في العودة.

بالنسبة لخالد لم يعد يهمه أمر العلاقة المحتملة التي كانت مع سمرا، فهي الآن نعم الزوجة

التي يتمناها كل رجل، تحاول جاهدة أن تسعده هو لن يتخلى عنها تحت أي ظرف....

كان بكر قد سمح لنفسه باقتحام المركب، وتجهيز براد الشاي الصحراوي الذي يحبه خالد،

حينما وصل خالد لم يعجبه الأمر لكنه لم يعلق وسرعان ما نسي الأمر حينما بادره بكر

بالحديث متمتما:

-أحببت أن أعتذر لك عن تلك الليلة الغبية، أدرك أن تصرفي كان صبيانيا جدا....

أحرق خالد كعادته قطعة الحشيش وهو يمد نصفها لبكر الذي رفض في البداية لكن خالد

أصر قائلا:

-أكره التدخين وحدي...

هز بكر رأسه استخفافا ثم أسر لنفسه أن الادمان لا يأتي من اول سيجارة،وسرعان ما وجد

نفسه ينتشي بقطعة حشيش تلوى الأخرى، وكؤوس الشاي تتزايد بينهما...

ضحك بكر وهو ينصت لنكات خالد البذيئة، والذي كان يحمل الكثير في جعبته، مما جعله

يبدو مختلفا، رجلا طيبا...

وصلت الساعة الحادية عشر ليلا حينما رن هاتف بكر، وقد بدا عليه الارتباك وهو يجيب،

ببعض الكلمات مفادها أنه الآن مشغول وسيتصل لاحقا حينما يفرغ مما لديه...

ربما ما جعل خالد يتساءل في ذلك الوقت هو تلك الكمية التي أحرقها من الحشيش، معتقدا

أنه يحدث نفسه، لكن بكر استمع جيدا لما قال، فضحك وهو يجيب بسؤال:

-هل تعتقد أني كنت على اتصال بسمرا أيام شهر عسلكما؟؟

نظر إليه خالد مطولا وسحابة تكاد تغشي عينيه، ليجيب في تثاقل:

-لقد كنت تقتلني في كل لحظة يا رجل..

لف سيجارة مشحونة بفتات الحشيش، وقد أصبح يجيد لفها أخيرا، ثم قال:

-كنت أتمنى فعلا أن أقتلك وأخرب ليلتك، لكني عدلت عن رأيي فبالأول والأخير ستضرر

سمرا، من هذا وكنت أخشى عليها منك..

تأكد لم اكن لأتصل بها أبدا، فما كان بيني وبينها سوى إعجاب لم يكن ليصبح حبا أبدا..

لم يعلق خالد على كلامه لكن بكر كان سعيدا، بلمحة الهدوء التي ارتسمت على ملامحه

فتابع يقول في حزم:

-لدينا قضية اكبر من كل هذا يا رفيقي –ومد يدا مصافحا إياه وهو يقول:-هلا بدأنا صفحة

جديدة..

ارتاب خالد في البداية من نية بكر، لكنه سرعان ما مد يده القوية له، وهو يجيب:

-أجل فلنبدأ صفحة جديدة..

حمل بكر إحدى صفحات الجريدة التي كانت مرمية على الأرض، وبدأ يتصفحها، ثم علق

على خبر يقول أن هناك امرأة في الثلاثينات، متزوجة منذ أربع سنوات، بعد قصة حب

دامت سبع سنين، تقتل زوجها وتقطعه لقطع وذلك بعدما ملت من خياناته المتكررة لها..

كانت الزوجة سيدة موظفة بإحدى الوزارات، وتحتل منصبا جيدا هناك، حاصلة على

الاجازة في الأدب الفرنسي، لها طفلة تبلغ السنتين، ويشهد لها الجميع بحسن سلوكها..

-لا أستطيع أن اتصور نفسي يوما هكذا..

رفع خالد رأسه إليه وهو يتساءل:

-تتصور ماذا؟؟

طوى الجردية ببطء وهو يجيب:

-ان أكون قاتلا..

ابتسم خالد وهو يجيب في شرود:

-لكل منا جانبه المظلم..لا أحد يولد مجرما...

ارتشف بكر من كأسه وهو يرد:

-بعض الناس تولد وهي تحمل دما ملوثا..أعتقد أن الاجرام هو شيء أشبه بفطرة تولد مع

بعض الناس، لا يمكن إلا أن يكونوا مجرمين..

ران صمت طويل بينهما، ليقرر بكر قطعه قائلا:

-ماذا تفعل في حياتك يا خالد؟؟

ألقى خالد جسده الثقيل على قطعة خشبية فرشت ببعض الملابس القديمة، وسرح بعينيه

في عرض السماء، متأملا ضوء البدر. بدا كأنه لم يسمعه فغامر بكر سائلا اياه:

-أعلم انك تتاجر في الحشيش، لكن ما هي طبيعة عملك؟

نفث خالد سيجارته في الهواء، وتابع دخانها ليجيب في سخرية:

-اعمل مهندسا –ثم انقلب على جنبه الأيمن، وهو يتابع-هل أنت مجنون؟ تعلم أني أتاجر

في الحشيش فعن أي عمل تتساءل عن طبيعته؟

ضحك بكر وهو يجيبه:

-اعتقد أن هذه القطعة قوية جدا..

وافقه خالد الرأي، وهو يحاول النهوض ليعود ويجلس من جديد...

-علي الذهاب للبيت، ستقلق سمرا...

اختار بكر ركنا بعيدا قليلا عنه، وهو يقول:

-سانام ليلتي ها هنا لا احد في انتظاري..تصبح على خير..

-وأنت من أهله، لا تنس أن تغسل الكؤوس والبراد، وترتب المكان في الصباح..

لم يصل أي من كلام خالد لبكر، فقد كان غارقا في النوم، أما خالد فبصعوبة استطاع أن

يصل تلك الليلة للبيت..

******************

حينما دخلت سمرا للبيت الكبير الذي أصبح يقطنه العم البشير مع ابنته ليلى ، روادها

شعور غريب وكأنها سبق وأن رأت هذا البيت سابقا لكنها تعلم جيدا أنه لا يمكنها زيارة

مثل هذه البيوت الكبيرة والتي لا يقطنها سوى الأغنياء، لقد أنعم الله أخيرا على العم البشير

وقد كسب تلك القضية التي يتنازع عليها منذ أكثر من عشر سنوات مع إخوانه في حقه

بالارث والآن بعد كل هذه المدة قررت المحكمة الحكم لصالحه

استقبلتها الخادمة الأنيقة وهي تبتسم لها بود قبل أن تقول بلباقة:

-هل أنت السيدة سمرا صديقة السيدة ليلى؟

ابتسمت لها سمرا بدورها وهي تدور بعينيها حول المكان باعجاب. تلك الدرابيز المغربية

الأصيلة والزرابي المفروشة على السلالم التي تؤدي للطابق االعلوي وتلك اللوحات المعلقة

على طول الممر المؤدي لغرفة أنيقة جدا مفروشة بأثاث تركي، أصيل بسرير كبير على

يمين الباب فرش بغطاء وردي اللون، قبعت داخله فتاة شاحبة اللون تكاد لاتعي ماحولها

شهقت سمرا شهقة فزع حينما بدت لها صديقتها ليلى بعينين ذابلتين وكأن الموت قد زارها

فقط ليعلمها أنه قريبا سيأتي ليأخذها اقتربت منها وهي تتحسس وجهها بريبة

ثم مالبثت أن لوحت بيديها أمام عينيها، بعدما لم تحرك صديقتها ساكنا، رفعت رأسها

للخادمة وهي تتساءل:

-هل تتحرك؟

ألقت نظرة سريعة إليها وهي تجيب، بحزن:

-أحيانا قليلة تستلقي لكنها لا تتحدث مع أحد، رغم أن الأطباء قالو انها تعاني من صدمة

قوية فقط ، كما أنها تسمع كل ما يجري حولها، لكنها زاهدة عن الحياة....

هزت سمرا رأسها في تفهم ثم مالبثت أن مسحت على شعر رفيقتها الأشقر، وهي تتساءل

بمرارة:

-ما الذي جرى لك يا غالية؟؟ أخبريني ما الذي حل بك؟؟

وذرفت دمعا ساخنا على رفيقتها لتبادلها ليلى دموعها بصمت الميت الحي بالدنيا...

لم تنبس ليلى بكلمة، لكن سمرا أخذت على عاتقها تلك الظهيرة، مهمة السرد لرفيقتها ما

حل بهم، حكت لها كيف اجبرت من الزواج من خالد، وكيف كانت تعامله في البدئ وكيف

انتهى الامر بحبها له، وسعادتها معه، بثت لها مخاوفها من عمله، وأن ذلك هو ما يهدد

زواجها بخالد، والساعادة التي تطمح لها معه..

أخبرتها عن صلاح وكيف بدا يتأقلم مع السجن، اخبرتها أنها تكاد تلمح صوتها كلما زارته

تفرش عينيه، وأنه أصبح يخشى السؤال عنها، فقط لكي لا يسمع ذات الجواب..-لا نعلم

من امرها شيئا- أخبرتها كيف أبت عيونه أن تذرف الدمع أمامهم حينما أخبروه عن

رحيلها، وأنه يشتاقها..

كانت ليلى تستمع لرفيقتها بصمت، وألف سؤال وحديث يدور برأسها، الذي لم تستطع تلك

الأدوية من ايقافه..

ودت أن تصرخ بصديقتها:

-كفكفي دمعك..فانا أعلم ما لا تعلمين..كفكفي دمعك يا أختاه..فالقضية أكبر مما تتصورين..

لكنها لم تستطع أن تتحدث، فكتمت حقيقة الأمر مع الآه التي لم تستطع أن تلفظها..

وعند الخامسة بعد العصر غادرتها سمرا، لتتركها تجرع ألم الوحدة، والخوف وحدها..

تصارع شبحا يكاد يخنقها كل ليلة..

وكعادتها منذ أن مرضت، تأتيها أوقات عصيبة فتصرخ وتصبح كما من به مس، تكسر كل

ما يأتي حولها، لتسرع إليها الممرضة، فتحقنها بمهدئ، يساعدها على الارتخاء،

والسكون..

بالمقهى حيث كان يجلس خالد الذي أنهى عملية أخيرة، هذا الفجر والتي اقتضت توصيل

شحنة من القنب الهنديـ ، والذي يتم زرعه بكتامة، ويتكلف خالد بتهريبه لأوروبا، حيث

يوجد الاقبال عليه كثيرا، وقد كانت عملية هذا الفجر تعد جيدة نوعا ما إذ أنها مرت بهدوء

دون إثارة المتاعب من طرف الدرك الملكي، أو الحناش..

-هل قرأت الجريدة؟؟

زفر خالد بعنف وهو يجيب:

-كم مرة علي أن أخبرك أني لست من محبي القراءة للأخبار المتكررة..

-إذن اسمع..

وبدأ بكر يقرأ الخبر وهو يكاد يلتهم السطور..

كان الخبر في الصفحة الثالثة وقد أخذ حيزا صغيرا، مقارنة باخبار فلسطين وأخبار

المباريات، وكذا الفنانين والمهرجانات، لكن بكر وجد فيه ما يثير اهتمامه..

إلى متى؟؟ فقط إلى متى؟؟

كان هذا هو العنوان الذي عنونت به الصحفية موضوعها حيث كتبت تقول..

-هذه النبتة لم تجلب لنا سوى الذل والعار)

جاءت هذه الكلمة على لسان أحد المزارعين بإقليم كتامة الذين يعملون برزراعة الكيف،

وهو المحصول الوحيد المتوفر بالمنطقة، والتي من المحظور عليك –

كمواطن،كصحفي،كرجل أمن-أن تطأها قدمك دون متاعب او مشاكل تذكر..وقد واجهت ذلك

شخصيا..

حيث تم تسجيل أسعار الكيف ومشتقاته في منطقة كتامة ارتفاعا ملحوظا، إذ يتحدث

منتجون في السوق الأسبوعي، لعبد الغاية السواحل –أيكاون-على بعد 60 كيلومترا إلى

الشمال الغربي من مدينة تاونات، حيث يوجد حيز خاص لعرض سواعد عمال قدموا إلى

المنطقة للإشتغال في محلات سرية لتحويل محصول القنب الهندي، أن سعر الكيلوغرام

الواحد من مسحوق-الغبرة- ذات الجودة القصوى يصل إلى 10 ألاف درهم، أي عشرة

دراهم للغرام الواحد،في الوقت الذي لم يكن يتعدى فيه الصنف نفسه وبالكمية نفسها السنة

الماضية 8 ألاف درهم.

وكشفت المصادر ذاتها أن مشتقات الكيف شهدت أسعارها ارتفاعا بداية شهر شتنبر

الماضي مقارنة بالسنوات الماضية، وأن ذلك شمل مختلف الأصناف حسب تراتبية جودتها

من الممتازة إلى الرديئة، فيما ارتفع الكيلو غرام الواحد من –الشيرا-إلى 12 ألف درهم.

هذه الأرقام الهائلة، أين منها الدولة؟؟

وتجدر الاشارة إلى أن هناك دراسة أنجزت من لدن وزارة الصحة همت عينة من

المواطنين من 15 سنة إلى ما فوق، أن نسبة التعاطي للكحول تقدر ب 4%، ونسبة

الإدمان6,1 في المائة.

وبخصوص المخدرات، عرفت نسبة التعاطي 5% ونسبة الإدمان9,2 في المائة، ويبقى

السن الأول للاستهلاك هو 11 سنة. وخلصت نتائج التحقيق حول تعاطي التبغ والقنب

الهندي والمخدرات في أوساط التلاميذ ما بين 15 و17 سنة بمنطقة سلا زمور زعير سنة

لهذه السنة، وهذا إن دل على شيء فيدل على أن الشعارات التي نسمعها عن التخلص من

آفة المخدرات بالمغرب، لهي مجرد نفخ في الهواء..

وقد أظهرت إحصائيات رسمية أن ما يقارب 800 آلاف مغربي يعيشون على زراعة

المخدرات، وهم أفراد 96 ألفا و600 أسرة بمناطق الريف، وتدر تجارة المخدرات سنويا

154 مليار درهم ، وتذهب 3 مليارات ونصف المليار إلى جيوب المزارعين، في حين

يذهب الباقي إلى جيوب بارونات المخدرات، ويعتبر إقليم شفشاون أكبر خزان لهذه التجارة

المحرمة.

ومن جهة أخرى، أوضح تقرير أمريكي حول المخدرات أن ثمة 3 موانئ تقليدية لتصدير

مخدرالكيف بالمغرب، وهي واد لاو وبن احمد ومارتيل، بالإضافة إلى الساحل المتوسطي،

وقد تم حجز أزيد من طنين من المخدرات على متن تلك الزوارق خلال .2007

هذا ليس بغريب علينا، فنحن كمواطنين نعلم جيدا، ان مثل هذه الأرقام الضخمة كانت

حصرا على المناطق الشمالية..لكن ان تفوق مدينة سلا الصغيرة، والتي كانت كأقصى ما

نسمعه هو التعرض للغرباء بالسلاح الأبيض، أو إثارة الشغب من بعض المراهقين، يصبح

لها الأن شنة ورنة في العالم المخدرات..

حيث تم الاستعلام عن أكثر من ألف ضحية تلقى حتفها، في مختلف من ارجاء المديينة،

وأيضا الاختلاف الطبقي، والعمري وكذا الثقافي..

فإلى متى؟؟ فقط إلى متى؟؟

-تبدو صحفية مجتهدة..

-أجل لديها كلمتها، لكن ليس لها مساحة...، اسمع إن الأرقام التي تحدثت عنها هذه

الصحفية تبدو هائلة، وهذا يدل على أن هناك خللا ما، هل سمعت عن الطفلة التي تبلغ

الخامسة عشر من عمرها، أقدمت على قتل أخيها التوأم من اجل علبة عصير..؟؟

عقد خالد يديه أمامه وهو يقول مستغربا:

-من اجل علبة عصير؟؟ ما ذا تقصد..

-لقد سمعتها ليلة أمس حينما كنت مارا من الطريق الجانبي الذي يؤدي إلى الحي الذي

تقطن به عفاف رحمها الله، هناك وجدت مجموعة من الناس يلتفون حول امرأة تلطم

وجهها وهي تصرخ، وتبكي، وحينما سألت عن الموضوع أخبروني أنه أم لتلك الطفلة،

والتي كانت تبكي بصمت غير مستوعبة ما الذي فعلته بأخيها..

-عالم المخدرات أصبح كما البحر، يبلع كل من يعبث معه..

انفجر بكر بشكل مفاجئ صارخا بوجه خالد:

-أو لست أنت أيضا، واحدا منهم؟ ألست تاجرا في هذه السموم التي تقتل كل يوم اولادنا؟؟

سحقا لك أيها..

أوقفته لكمة خالد، وهو يصرخ بوجهه:

-اسمع ما أقوم به أنا لا يعنيك، ولا يخصك، فأن لا ادخل السموم إلى المغرب، بل يتم

تهريبها إلى الاتحاد الأوربي..ليس لي دخل فيما يحصل..

مسح بكر بعض الدم من شفته السفلى بكمه، ثم هب واقفا، وهو يلتف حوله، ليتمتم في

صوت خجول:

-آسف فقدت السيطرة على نفسي..

عدل خالد من قميصه، وهو ينظر بنصف نظرة، حانقة لبكر ثم ما لبث أن قال:

-حسنا لا عليك، آسف أيضا بشأن-وأشار بأصبعه إلى شفته السفلى-

ليبتسم بكر وهو يجيب في لا مبالاة:

-لا عليك كنت أستحقها على أي حال..

عاد خالد يتصفح الجريدة من جديد، بعدما طلب من سعد تجهيز براد الشاي، بدون نعناع ثم

قال وكأنه يتحدث مع نفسه:

-اخشى على هذه الفتاة..ما اسمها؟؟

-رباب الصالحي.

هز رأسه متفهما، وهو يمعن النظر بما جاء به قلم رباب...