مقدمة

7 0 00

رواية حينما تعوي الذئاب

الكاتبه :

هناء الوكيلي

ولدت حيث لا توجد المحرمات..

حيث لا نعترف بالعيب

حيث نصنع القوانين بأنفسنا

حيث يخضع الجميع لقانون واحد

السلاح

ولدت حيث يمكننا أن نموت قبل أن نولد

في عالم آخر...لا يعلم عنه الكثيرون..

في عالم يعتقد بعضهم أنهم طوق النجاة

لنا...فلا يترددون في التفكير مكاننا..

هنا ولدت...هنا سأموت...

الذئب....

حينما تعوي الذئاب..

روايتي الجديدة تختلف عن سابقتها، بل عن كل ما كتبت قبلها، أو بعدها..

سترون فيها رؤية أعمق، لحياة اقتربت منها في فترة ما في حياتي حينما كنت

في الثانوية..سمعت أحاديث، جعلت أنفاسي تتوقف دهشة

-أحقا هناك أناس يعيشون هكذا حياة؟؟؟

سؤال رددته في كل فصل من فصول حكايتي..

-أجل هناك أناس يا هناء..

تعالي سآخذك إلى هناك حيث يوجد حي الذئاب..

-هل تسمح لي يا رفيقي..

أن آخذ مفكرتي، مصورتي، وقلمي معي..

-بالطبع لك ذلك يا هناء..

استعدوا سنقلع بعد قليل..

ملاحظة: أتمنى ألا يتم مناقشة الرواية وكأنها رأي لي، إنها مجرد رؤية واقعية

لحياة ما، لا تعني بالضرورة أني أوافق على ما يحدث فيها..

اعتقدت أنه ربما الحديث عن هذه الفئة، تقربنا من بعض حياتها، وكذا انفعالاتها

ورأيي أنا أحب أن أحتفظ به لنفسي،

الكآتبه :

هناء الوكيلي

أهدي هذا العمل المتواضع لوالدي الذي

لم يتردد أبدا في مساعدتي والوقوف

بجانبي، كعادته الظهر القوي الذي

أستند عليه، لا حرمت منك يا أبي..

هناء الوكيلي

شكر خاص:

-للصديق أمين ضابط بمركز الرباط

-للصديقة منى محامية محلفة لدى المجلس الأعلى

-ولكل من سمح لي أن أنتشل حكايته من بركة الفقر

وأنثرها على طريقتي الخاصة، لكل من نقلني إلى عالمه

وسمح لي بأن أشعر للحظات بشعوره..

هناء الوكيلي

هذا الصباح وكعادة كل بداية أسبوع تكون المحكمة مكتظة، فكل من له قضية يأتي

للاستفسار عليها صباح الاثنين وكأن لا أحد يتواجد في بقية الأسبوع..

ومع حرارة الصيف، يزيد لباس منى وثوبها الأسود، الذي لطالما حلمت وهي صغيرة أن

تلبسه من عرقها..

تعلم جيدا أن خبرتها في مجال المحاماة لا تزال حديثة العهد، ولا تقارن بغريمها السيد

شوقي السوري الأصل والذي يطلق عليه أصحابه قلب القانون..

اسم تجده منى مثيرا جدا..

"قلب القانون"

سمي بهذا الاسم لأنه يعلم كيف يجعل القانون يتزعزع

فيثير الشك في فصوله وبنوده، لم يخسر أي قضية خاضها أبدا..

بدأ الخوف يتسلل قلبها، فاستجمعت قوتها وارتشفت من قهوتها السوداء رشفة أحرقت

لسانها، نهضت وهي تضغط على فمها بيديها، ثم بعد ذلك حملت محفظتها وتوجهت إلى

سجن القنيطرة..

أخذ مشوارها حوالي ساعة ونصف مع أنه عادة لا يأخذ إلا ساعة إلا ربع، لكن وطبعا لأنه

يوم الاثنين فالطرقات تمتلئ على رأسها..

ضغطت على بوق سيارتها الصغيرة، وأطلقت شتيمة للسيارة التي كانت تصر على وقوفها،

أخرجت رأسها من النافذة، وهي تصرخ:

-أنت أيها الحيوان تقدم

لم تكن هذه هي طبيعة منى عادة نحو الأمور، لكنها اليوم تشعر بالحر، وأعصابها

مضغوطة بشكل كبير..

نزل أخيرا ذلك الشاب الذي يتباهى بقرطه الذي، يقبح منظره وكأنه ثور، لا طالما استغربت

من هؤلاء الشبان الذي يثقبون أنوفهم، ويزينوها بقرط كما النساء..

أتساءل كيف يستطيعون النظر لأنفسهم بالمرآة وهم بهذا الشكل؟؟

لا أستطيع تخيل نفسي كذلك ولو في أحد كوابيسي..

عدلت نظارتها الطبية وهي تقول:

-اسمع أنا آسفة لأني شتمتك..لكني شعرت أني فقدت سيطرتي..

قال بصوت ملؤه السخرية:

-هل أستطيع استعمال هاتفك؟؟ فهاتفي انتهى شحنه، وسيارتي كما يبدو لا تريد التحرك..

نظرت إليه نظرات متشككة قبل أن تنظر لساعتها، وتقول:

-حسنا خذ لكن بسرعة فلدي موعد..

ابتسم لها وهو يأخذ الهاتف منها..

بعدها أجرى مكالمة، أحست منى أنها ستكلفها كثيرا، وهذا الشاب وعلى ما يبدو متعود

على الحديث الفارغ أخيرا سمعته يقول:

-حسنا شكرا لا عليك سأتدبر أمري..

هز كتفيه وهو يرجع لها هاتفها:

-آسف لقد أزعجتك

بصوت مقتضب:

-لا عليك هل ستكون بخير؟؟

سؤالها أشعرها وكأنها ستتركه في غابة، وليس وسط المدينة

ضحك وهو يعقد ساعديه أمامه قائلا:

-أتمنى ذلك

ابتسمت وهي تقول من باب الاتكيت لا غير

-هل تحتاج لشيء؟؟

تنهد وهو يقول:

-بما أني مفلس فما علي إلا انتظار صديقي للقدوم بعد انتهاء عرضه إلي..

هزت رأسها متفهمة وقد كانت ستدير محركها، لكن احد شياطينها الذين يتملكون عقلها

رفض وقد باغتها بعرض لم تتوقعه:

-هل تحب أن أوصلك بطريقي؟؟

نظرتها أظهرت أنها لم تتوقع أن تقول مثل هذا العرض، لكنها على أي حال قد عرضت

مساعدتها..لشاب لا يمت لها بصلة؟؟

أي جنون هذا يا ربي؟؟

تمنت أن يرفض لكنه قال بمرح:

-أووه سأكون ممتنا لك كثيرا، انتظريني سأحضر آلتي معي..

دفنت رأسها في مقود السيارة، وهي تقول برعب:

-يا ويلي حتما سيقطعني إربا..ذهب لجلب ساطوره يا ويلي سأموت قبل أن أثبت نفسي...

تقدم ناحيتها وهو يحمل قيتارا كبيرا أسودا، بين يديه وضعه في خلف السيارة، بخفة ثم

ركب بنفس الخفة بجانبها، نظرت إليه نظرة جانبية وابتسمت ابتسامة مرتعشة..

طال الصمت بينهما، أشعلت الراديو، عادة لا تحب أن تسمع لشيء حينما يكون لها جلسة

مع أحد موكليها، لكنها اليوم تتمنى وبشكل كبير أن تقطع هذا الصمت الذي يجعلها تفكر في

الأسوأ دائما.

-هل أنت طالبة؟؟

استنشقت بعضا من هواء المكيف البارد، وهي تجيب باختصار:

-لا

صحيح أنها تتمنى لو ينقطع هذا الصمت لكن ليس معناه أن تتجاذب الحديث مع هذا

الشخص الغريب، والذي تشك أنه سينقض لخنقها في أي لحظة..

دس يديه في جيبه، فشهقت منى بأعلى صوتها..حتى أنها أرعبت ضيفها..

وحينما بدا لها محرما من الثوب المطرز يمسح به عرقه، تنفست الصعداء

ابتسم وهو يتساءل بهدوء:

-هل أنت خائفة مني؟؟

هزت رأسها إيجابا

فأرخى جسده على المقعد الرمادي الجديد، للسيارة، وهو يقول:

-أنا عضو بالفرقة الموسيقية القادمة من المكسيك..

"نظرت إليه في دهشة فتابع يقول"والدي مغربي وأمي مكسيكية الأصل، وقد قدمت كثيرا

في حفلات عدة للمغرب، آخرها السنة الماضية في مهرجان موازين..

لا اعتقد أنه يبدو علي أني كأحد المجرمين

-أكبر المجرمين الذين سجلهم التاريخ لم يكن يبد عليهم ذلك..

اعتدل في جلسته وهو يراقبها جيدا، ثم سألها:

-ماذا تعملين؟؟

أحكمت قبضتها على المقود وهي تجيب:

-محامية

بدت التسلية عليه وهو يقول:

-لذلك أنت خائفة، فقد رأيت الكثير من المجرمين..

هزت رأسها إيجابا فسألها:

-هل لديك مرافعة الآن؟؟

تناولت قنينة من الماء، وارتشفت منها ثم أجابت:

-لا لدي جلسة مع احد السجناء

بدا الفضول عليه وهو يقول:

-وما تهمته..؟

قالت بلا مبالاة:

-القتل العمد..

همهم مطولا وكأنه يستنتج شيئا ثم أخيرا قال:

-سيحكم عليه بالمؤبد

بدت أكثر جدية وهي تقول:

-بل حكم عليه بالإعدام..

أخيرا وصلت للمدينة، فنزل الشاب وهو يشكرها، بعدما مد إليها بطاقة دعوة لدخول

للمسرح بالعاصمة، لشخصين وهو يقول:

-سأنتظر قدومك لأشكرك على ما فعلته

ابتسمت له وهي تهز رأسها...

بعدها وضعت البطاقة بين أوراقها، وما هي إلا دقائق حتى كانت توقف سيارتها الصغيرة

أمام السجن هناك..

قطعت ذلك الممر الطويل، مع أحد حراس السجن، ثم توقفت لحظة حتى فتح لها باب كبير

واسع اعتادت دخوله، يتوسطه مكتب بني كبير، وكرسيين..

ورأته..

فجأة دون سابق إنذار، ربما كانت وقتها شاردة في شيء ما، حتى لم تشعر بدخوله للغرفة

يتوسط حارسين، مكبل القدمين والرجلين، لكنه أطول مما توقعت، وأقوى أيضا..

منحته ابتسامة ودودة، رغم تلك الرهبة التي شعرت بها..

حتى جلسته على الكرسي كانت تختلف كثيرا، وتوحي بقوته..

وضع كلتا يديه على حافة المكتب وتأملها بابتسامة راضية..

مالت بجسدها ناحيته وهي تحاول بشتى الطرق التي تعلمتها من تجربتها السابقة

والمتواضعة أن تكبت خوفها:

-الذئب..هذا هو الاسم الذي عرفت به، دائما والذي زرع الخوف لسنوات في المدينة

لطالما تمنيت أن أحظى بشرف الجلوس معك..

ابتسم بسخرية وهو يقول:

-ها قد تحقق حلمك، يسرني أني حققت حلم شخص قبل أن أموت..

عدلت نظارتها وهي تقول:

-لم أنا بالضبط،؟ رغم أن العديد من المحاميين عرضوا مرافعتهم لك وبالمجان..

تراجع قليلا حتى خيل لها أنه سيقع:

-طوال حياتي لم آخذ شيئا لم أدفع ثمنه..ببساطة لأني أومن أنه لا شيء مجاني في حياة

الذئاب..

-لكن خبرتي لا تزال ضئيلة

ابتسم وهو يقول:

-لذلك السبب ستسعين لتثبتي جدارتك بين عالم الأفاعي الذي ترعرعت فيه..

"وتابع بلا مبالاة"وتأكدي ستحصلين على شهرة كبيرة سواء أعدمت أو نزل

الحكم للمؤبد وهكذا أكون قد دفعت لك...

اعترفت بحزن:

-لكني لا أخفيك سرا أنا خائفة

ابتسم وهو يقول:

-لطالما كنت خائفا طوال حياتي..

بعدما تأكدت أنه سيسره أن تترافع كمحاولة أخيرة عنه،

نثرت أوراقها أمامها قبل أن تقول:

-أخبرني كيف وصلت لهذا؟؟

ابتسم وهو يشير إليها بالتقرب إليه، وحينما اقتربت همس لها:

-حسنا سأخبرك كيف أوصلوني إلى هذا..

بدأنا...

لأني أومن أن الكاتب كالهواء يدخل من كل ثقب

سمحت لنفسي أن أكتب روايتي

حينما تعوي الذئاب...

ترقبوني..

كل اثنين بإذن الله

هناء الوكيلي

العوآء الآول

نجآح

قبل أن تطرق الباب أخرجت كعادتها مرآة صغيرة على شكل قلب، وإن كسرت حوافها لكنها

لا تزال تفي بالغرض، وألقت نظرة على وجهها الذي تكسوه سمرة الصيف، لتبلل أحد

أصابعها بريقها وترتب حواجبها البنية والمرسومة بعناية،أنزلت بعضا من خصلات شعرها

الأشقر على وجهها، ووضعت حمرة خفيفة على شفتيها الصغيرتين ومن نفس أحمر

الشفاه مسحت منه على وجنتيها كي تعطيها حمرة ورونقا كابنة عمتها الصهباء التي

قضت عندهم هذا الأسبوع، تنفست بعمق وعادت تحمل تلك السلة الصغيرة والممتلئة

بفطائر محلاة أعدتها لهذه المناسبة والتي انتظرتها مطولا..

وفجأة فتح الباب ليتسمر وجهها والذي أصبح مدرجا بالحمرة الطبيعية، والتي يسببها

وقوفه أمامها..

تاهت عما ستقوله وقد سبق وأن جهزت كلاما يليق بهذه المناسبة لكنها كعادتها تتوه أمام

نظراته، أما هو فقد عقد ساعديه أمامه وأسند جسمه القوي على الحائط يمتع نفسه

بارتباكها وخجلها..ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول أن تجعل عبثا صوتها طبيعيا ثم

همست وقد أخفضت عينيها العسليتين والتي تحيطهما أهداب طويلة:

-هل خالتي زهرة موجودة؟؟

بدت التسلية تطفوا على عينيه وهو يقول في خبث لم يخف عليها كي يزيد من إحراجها:

-وهل قدمت من أجل خالتك؟؟

تنحنحت قليلا وهي تقول في صوت أشبه بالهمس:

-جئت أراها وأقول لك ألف مبروك

علت ضحكته وهو يجيب:

-لو لم تنطقيها لكنت غضبت منك

هذه المرة استطاعت أن تنظر إليه وهي تقول:

-لقد كنت سعيدة بالخبر وأنت تستحق كل خير..

أجاب وهو يسمح لها بالمرور لتدخل للمنزل:

-شكرا لك لكن قريبا سآتي لأشرب فنجان القهوة مع عمي

ارتعشت وحمدت الله أنها كانت قد أعطته ظهرها وإلا لانفجر ضاحكا على وجهها والذي

تعلم جيدا أنه أصبح كالطماطم الآن

-وماذا ستخبره أنك لا تزال تبحث عن عمل؟؟

كان هذا جواب أخته سمرا وهي صديقة ليلى وجارتها، والتي أشارت لها وهي تمنحها سلة

الفطائر بالصمت بينما قالت في خفوت:

- سترين سيشتغل غدا بإذن الله ويصبح مهندسا رائعا..

ضحك صلاح وهو يتناول إحدى الفطائر ويتذوق طعمها اللذيذ، ليقول:

-هل رأيت صديقتك موافقة علي..؟؟

ازدادت حمرتها وهي تقول في غضب مصطنع:

-هذا جزائي لأني دافعت عنك..

جذبتها سمرا من يديها وهي تقول:

-لا تعيريه انتباها منذ حصوله على المركز الأول على دفعته، وهو هكذا مغتر بنفسه

فتحت ليلى عينيها اندهاشا، هي تعرف أن صلاح ما شاء الله شاب مجتهد وكل الحي يشهد

له بحسن سلوكه ورغم أنه لم يتجاوز الخامسة والعشرون إلا أنه أنهى دراسته الجامعية

بعدما درس ثلاث سنوات بعد الباكلوريا، في معهد متخصص لتهيئة المهندسين وقد حصل

على المركز الأول أيضا، ثم بعد ذلك اشتغل مع والد ليلى بالمعمل الذي يشتغل فيه وقد

توسط له، لكنه وكعادته والحمد لله لم يخجله بل بالعكس كان المدير معجبا به كثرا، لكن مع

ذلك لم تستطع أن تمنع نفسها من الانبهار وهي تتساءل:

-هل حصل على المركز الأول؟؟

هزت سمرا رأسها وهي تقول في سخرية:

-بعض الناس محظوظة

وكزتها ليلى على كتفها وهي تنهرها:

-لا تقولي ذلك يا سمرا كلنا نعلم أن صلاح مجتهد حفظه الله ورعاه

تعالت ضحكة سمرا وهي تتأكد من خروج صلاح:

-دافعي عنه طبعا ومن يشهد للعروس؟؟

احمرت ليلى وكتغيير للموضوع سألت:

-أخبريني أين خالتي زهرة؟؟

خرجت امرأة في الأربعينات من عمرها، من إحدى الغرف الواسعة التي تتواجد في الطابق

السفلي، لتسند نفسها بصعوبة على جدار الغرفة وهي تلهث من شدة التعب:

-أنا هنا يا غاليتي

أسرعت إليها ليلى وهي تقبل يديها بحب، وتساعدها على السير حتى البهو الفسيح والذي

تتوسطه نافورة قديمة لم يعد بها ماء، وتجلسها على إحدى الكنبات المغربية الأصيلة

والتي تغير لونها من كثرة الاستعمال، مع أنها لا تستعمل إلا للمناسبات، وكم من مناسبة

مرت عليها، وكم من عائلة طلبتها لها في مناسباتهم أيضا؟

-لا تتعبي نفسك يا خالتي

ابتسمت زهرة وهي تربت على شعر ليلى، لتقول بحنان:

-أتمنى أن أراك عروسة يا ليلى

أحنت رأسها للأرض وهي تجيب:

-إن شاء الله و ترين أولادي أيضا

خرجت سمرا من المطبخ السفلي حيث كانت تجهز للحفل بالمساء، وهي تقول في تذمر:

-هل قدمت لمساعدتي أو للحديث مع والدتي؟؟

رفعت ليلى حاجبيها وغمزت بعينيها وهي تهمس للوالدة:

-علي أن أذهب وإلا جذبتني من شعري..

بعد ذلك انهمكتا في الحديث وهما يجهزان الطعام ويصففان الحلويات وكؤوس الشاي في

الصواني، قالت سمرا وهي تمسح يديها:

-لقد انتهينا..

"هزت ليلى رأسها إيجابا في حين تابعت سمرا بحماس"سأذهب علي أن أغير ملابسي

بعدها يمكنك الذهاب أيضا لتغيير ملابسك يا ليلى.

أجابتها ليلى:

-لقد جلبت معي ملابسي إلى هنا،

-جيد إذن سأغير أنا بعدها تذهبين أنت اتفقنا

-حسنا..

تنهدت ليلى وهي تتأمل المطبخ الصغير والذي يسع شخصين فقط كأكثر تقدير، لكن مع ذلك

كل شيء نظيف ومرتب، تأملت الرفوف البسيطة والتي تتدلى منها ستائر صوفية نسجتها

والدة صلاح حينما كانت بصحة جيدة قبل أن ينهكها المرض، ولمست بأناملها قطع الزليج

المغربي القديم والذي كسرت بعض من قطعه بفعل الزمن، البيت يعود في الأصل لجدود

والده رحمه الله وهو الإرث الوحيد الذي حظي به أولاده بعد موته، ورغم أن البيت أكل

عليه الزمان، إلا انه لا يزال دافئا، ويبعث بالأمان..

-كيف حال الجميلة؟؟

انتفضت من مكانها وهي تقول بصوت حازم:

-بخير

تفحصها من شعرها حتى أخمص قدميها بنظراته الوقحة والتي لطالما كرهتها ليلى وهو

يقول في خبث:

-هل جئت لتهنئة المهندس؟

قالت في اشمئزاز:

-هل أنت سكران؟؟

ضحك وهو بالكاد يستطيع أن يصلب طوله، ليجيب:

-خمر؟؟ أعوذ بالله إنه مجرد صاروخ كتامي "كتامة هي إقليم بالمغرب معروف بزراعة

الكيف ومعروفة بالحشيش الجيد ورغم الجهود المبذولة من طرف الدولة إلا أنها لا تزال

عاجزة على التصدي لهذه الآفة والتي تدمر الشباب يوما بعد يوم"

أجابت والشفقة تكاد تقتلها:

- أنور اذهب من هنا لا نريد أن نفسد الحفلة بسببك

تغير صوته والذي كان ساخرا قبل قليل ليمتلئ حزنا وهو يجيب:

-لم يا ليلى ترفضينني؟؟ قلت لك مرارا أني سأتغير من أجلك

ابتسمت وهي تقول بنبرة هادئة وحنونة:

-أنور أنت أخي

قال مستنكرا:

-أخوك هو من يشاركك الحالة المدنية وليس أنا، ثم فيما أحسن مني صلاح ؟؟ أجيبي

قلبت عينيها في نفاذ صبر وهي تقول:

-أنور كف عن إزعاجي الآن وإلا أخبرت صلاح بالأمر

شاط أنور غضبا حينما هددته ليلى بأخيه، فلم تشعر به إلا وهو يدفع كؤوس الشاي التي

سبق وأن حضرتها مع سمرا للحفلة..

أبعدت قدمها الحافية بسرعة قبل أن تضربها قطعة زجاجية حادة، وهي تقول في غضب:

-هل جننت؟؟

كان قد أمسكها بعنف من شعرها حينما، صرخ صلاح والذي أسرع نحو المطبخ هو ووالته

التي بدت متعبة جدا وسمرا التي أمسكت بوالدتها كي لا تقع:

-ابتعد عنها أيها السكير..

أرخى قبضته عنها وراحت تبكي على صدر خالتها زهرة التي بدت عاجزة تماما عن

تهدئتها في حين قال أنور بسخرية وهو يصفق:

-أهلا بالنجم والبطل الخارق الذي ينقذ حبيبته من..

لم يستطع أن يتابع كلامه بعدما امسكه صلاح من ياقته وهو يقول من بين أسنانه:

-كف عن تصرفك أيها الحقير

أزاح أنور يد أخيه الذي يصغره بسنتين وهو يقول بنبرة ساخرة كعادته:

-وإن لم أكف ماذا ستصنع؟؟

كانت تلك اللكمة القوية التي أطاحت بأنور على الأرض ردا كافيا له، صرخت والدته

بضعف:

-صلاح؟؟

لم يكن ليجيبها وقتها فقد كان يغلي من الداخل على تصرفات أخيه والتي لا تجلب لهم سوى

العار، أما أنور فقد نهض ببطء من شدة تمكن المخدر من جسده، وهو يمسح تلك الدماء

التي كانت تنزل من شفته السفلى..ليقول مهددا أخاه:

-ستندم أيها الحقير.. فأنت لم تعرف مع من لهوت

هز صلاح رأسه في استخفاف في حين تجاوز أنور والدته بعدما أزاح يديها بعنف عن

قميصه.

سارعت ليلى وسمرا لتنظيف المكان قبل أن تعترف سمرا في حزن:

-لقد كسر كل الكؤوس يا ليلى ما العمل؟؟

أزاحت ليلى التي كانت لا تزال تحت الصدمة بعضا من خصلات شعرها، لتجيب بعد لحظات

من الصمت بخفوت:

-سأذهب للمنزل وأحضر كؤوسا..

ابتسمت لها سمرا بود وهي تقول:

-شكرا لك يا ليلى

وكزتها وهي تجيب:

-لا تقولي ذلك فأنت أختي..

أجابت بخبث:

-تقصدين أخت زوجك المستقبلي

علت ضحكة ليلى وهي تذهب لمنزلها المقابل لمنزل صلاح، ذاك الشاب الذي أحبته منذ أن

كانت في مراهقتها تلتقيه كل صباح حينما كانت تذهب للمدرسة، كان وقتها أنحف من الآن

وأيضا لم يكن بوسامة الآن ولا بقوة الآن، لكنها كانت جد معجبة به، ببساطة لأنه لم يكن

من النوع التافه كأخيه الأكبر والذي ما إن دخل للثانوية حتى التحق بمجموعة من الشباب

أفسدت عقله بالحشيش وهناك إشاعة تقول أنه يستعمل الكوكايين أيضا، وشرب الخمر

والذي لم يطل به الأمر حتى أصبح معروفا لدى كل مراكز الشرطة بالمدينة، لتسجل ضده

عدة محاضر حمل السلاح الأبيض، والسرقة للمحلات التجارية، ناهيك عن التعرض لبنات

المدارس، وإثارة الشغب بالملاعب الرياضية، والعديد منها..

لكنه شأنه شأن أي مخرب بالمدينة يقضي على الأكثر ستة أشهر أو سنة سجنا ليخرج بعد

ذلك أقوى وأعتى من ذي قبل..

أما والدته فقد أنهكها الجري وراءه في السجون، وحمل سلل الأكل له كل أسبوع في

زيارتها، من سجن لسجن حتى خارت قوتها، وتمكن منها المرض فحملت عذابه بقلبها

وجلست في ركن من أركان المنزل الكبير..

لتحكم على ابنتها بالجلوس من الدراسة قبل حتى أن تحصل على الباكلوريا، لتعتني

بها وبالبيت أيضا، وليأخذ صلاح على عاتقه مصروف المنزل، ويتابع دراسته بالجامعة

ورغم أن الراتب الذي يحصل عليه لم يكن ليسد حاجيتهم لكنه على الأقل كان يزيده على

الراتب الذي تركته الدولة لوالدته بعدما توفي والده والذي يقدر بثلاث مئة درهم أو بما

يعادل ثلاثين اورو أو أقل بقليل على راتبه الذي يحصل عليه من عمله كحمال للسلع

القادمة من مختلف الدول والتي بالمناسبة لا يعلم ما هي، لكنه شأنه شأن باقي العمال يسعدهم

الراتب الذي يحصلون عليه كل شهر وهو ما يقدر بألفي درهم أو ما يعادل مائتي أورو

ليصبح المبلغ الإجمالي بما يقدر ألفان وثلاث مائة درهم أو ما يعادل مائتي وثلاثون أورو

طبعا هم ممتنون لأن البيت ملك لوالدتهم أطال الله عمرها، وبالتالي فهم معفون من

طرقات صاحب البيت كل شهر عليهم، غير أنه مضطر لدفع أجرة الكهرباء والماء والتي

تكون عادة براتب والدته، أما راتبه فيشتري به مئونة الشهر، من زيت وسكر وشاي

وقهوة، ومن ضروريات، والتي تستهلك نصف راتبه تقريبا، مع تقشف كبير في الطلبات

أما النصف الآخر فيذهب نصفه أيضا في دواء والدته، والباقي يذخر منه بعض المال

للكوارث المفاجئة، والبعض الآخر يصرفه على جامعته رغم أنه يستلف الدروس من

زملائه بالجامعة..

لم تكن حياتهم بغريبة على الكثيرين الذين يقبعون في ذلك الحي الفقير، فعائلة صلاح

شأنهم شأن الجميع، هناك..يكادون يتصارعون لجلب لقمة العيش.

-ألف مبروك يا صلاح

-شكرا لك خالتي عائشة ..

-ألف مبروك عمو صلاح

انحنى أمام الطفلة الصغيرة وهو يقول:

-شكرا والعقبى لك

ضحكت بطفولة بريئة وهي تجيب:

-لا أنا تعبت من الدراسة بقيت سنة واحدة وأشتغل

استغرب وهو يسألها:

-كم تبلغين يا هند؟؟

ضحكت مرة أخرى وهي تجيب:

-بعد أسبوع سأتم الثامنة

مسح على شعرها وهو يعترف:

-سبحان الله أمس فقط أسرعنا بوالدتك للمستوصف

ضحكت عائشة وهي تجيب:

-العمر يجري يا صلاح لا ينتظرنا أبدا

التفت إليها وهو ينهض ليقول:

-لكن مع ذلك هند لا تزال صغيرة، وعليها متابعة الدراسة

تأملت عائشة طفلتها في حزن وهي تقول وكأنها تبرر بذلك تصرفها:

-ها أنت ترى يا ابني كل شيء على عينك، والدها تركها لي وتزوج أخرى حينما عرف أنها

ابنة أيضا، وليست ولدا كما تمنى دائما، وأنا تعبت من الوقوف في المعمل طوال النهار، لم

تعد لي القدرة ولا الصحة كما كنت في الماضي، ستشتغل هند السنة القادمة بحول الله

لتساعدني هي أيضا على عبئ الزمن..

ابتسم رغما عنه، لا يستطيع أن ينهرها، لأنه يعلم جيدا أنها شأنها شأن الكثيرات هنا

واللواتي إما يعانين من طلاق متعسف، أو تخلي الزوج عن زوجته بسبب عبء المصاريف

وكثرة الأولاد، آو إثقال دين، أو دخول الزوج للسجن بسبب تعاطيه للمخدرات والخمر، أو

المتاجرة فيهما، المهم أنه لكل بيت هنا قصص مؤلمة، تتشابه كثيرا مع اختلافها إلا أنها

تتشابه في ألمها، وحزنها ومعاناتها، وابتساماتها للحياة رغم كل شيء..سأمر على كل بيت

وأخطف لكم منه بعضا من ألمه المعلق على مشجب النسيان، بين كل حين وحين..

عائشة لديها ست بنات تبلغ الكبرى سبع عشر سنة تزوجت السنة الماضية، شابا من الحي

المقابل لحي صلاح، والذي اغتصبها ذات يوم وهي تعود من معمل الخياطة حيث كانت

تشتغل مع والدتها، يقال والله أعلم أنها ذهبت معه بمحض إرادتها، لكني لست متأكدا من

ذلك، هي تقول أرغمني تحت السلاح الأبيض، هذا ما صرحت به لمركز الشرطة، كان

سيحكم عليه بخمس سنوات نافذة، لأن الفتاة تعد قاصرا، لكنه مع تدخل أهله للطلب عنه،

وافقت والدتها عن التنازل شرط أن يتزوجها، ولا يطلقها إلا بعد خمس سنوات، السؤال هنا

والذي تبادر لذهني يومها، أقصد يوم حفل زفاف حميدة والذي أقيم في ساحة الحي حيث

نصبت خيمة كبيرة، وساهم كل الجيران في تجهيز العروس، لازلت أذكر أني ساهمت

أيضا، بمبلغ مائتي درهم لها، وقد كان مبلغا كبيرا بالنسبة لي لكنه الواجب ولا نستطيع أبدا

التخلي عن أحدنا في أي حال من الأحوال، المهم أخبرتكم أنه قد تبادر لذهني سؤال مهم

وهو أنه بدل أن يقضي عقوبة السجن على ما اقترفه، حكمت والدتها عليها أن تقضي هي

تلك الفترة، لتصبح الجاني بعدما كانت المجني عليه، هل فكرت عائشة يومها كيف

ستقضي ابنتها تلك الفترة مع حسن زوجها؟؟

لا اعتقد أنها فكرت أو تخيلت الأمر، فلو كان كذلك لتمنت أن تحمل عار ابنتها طوال عمرها

على أن تدفع بفلذة كبدها إلى لهيب جهنم..

ليظل لها خمس بنات أصغرهن هند، أما الثانية فلم أعد اذكر اسمها جيدا، فأنا لم اعد أراها

منذ سنتين وقد سمعنا أنه لها علاقة مع أحد الشخصيات المهمة ولم تعد ترغب أبدا بالعودة

للحي، والثالثة تشتغل خادمة في أحياء العاصمة الراقية ولا تعود إلا في عطلة نهاية

الأسبوع، وراتبها كما سمعت من والدتي، يذهب لصاحب البيت، لذلك أنا فخور جدا بوالدي

الذي حافظ على بيته وقبل أن يموت كتبه باسم والدتنا، حتى لا نتنازع عليه..

-صلاح؟؟

فتح صلاح ذراعيه لصديقه خالد وهو يعانقه بشدة قائلا:

-كيف حال الذئب؟؟

ابتسم له خالد وهو يقول في خبث:

-الحمد لله أنك لا زلت تتذكرنا ولم تنسنا

وكزه صلاح على كتفه وهو يجيب:

-لا زال علي أن أتحملكم بعض الوقت حتى أشتغل

ضحك خالد بأعلى صوته وهو يقول:

-إذن فأمامك الكثير من الوقت يا صاحبي، "ولفه حول ذراعه القوية وهو يتساءل في

اهتمام"أخبرني يا صلاح كيف هو عملك؟؟

أجاب صلاح وقد بدا القلق عليه:

-بخير لم تسأل؟

حك ذقنه بارتباك وهو يجيب:

-لا شيء يا صديقي لكني أستغرب وبما أنه مجرد حمل للصناديق لم كل هذا التشدد في

اختيار العمال؟؟

قلب صلاح شفته السفلى وهو يجيب:

-لست أدري لكن ما أعرفه أن جميع من يعمل في المخازن هم من اختيار والد ليلى

غمز خالد بعينيه وهو يحكم قبضته حول عنق صلاح مازحا:

-أخبرني أيها الذئب كيف هي أمورك مع السنيورة؟؟

احتقن وجه صلاح بحمرة الغضب وهو يتنصل من صديقه ليقول بنبرة محذرة:

-خالد كم مرة علي أن أحذرك من هذا الموضوع؟؟

علت ضحكة خالد والتي صاحبتها كحة قوية وهو يضرب على صدره قائلا:

-حسنا..حسنا يا صديقي كان مجرد سؤال

أجابه صلاح بنبرته الحازمة:

-ربما إن أعدت مثل هذا السؤال مرة أخرى فعليك أن تنسى هذه الصداقة..

وسبقه ببضع خطوات في حين قال خالد بسخرية:

-كنت اعلم أنه فور نجاحك ستتحجج بشيء حتى تترك صداقتنا..أعرف أيها الذئب لم نعد

على قدر مقامك العالي..

لم يجبه صلاح فخالد ليس له سوى هذه الأسطوانة..

إنه الصديق الوحيد الذي كان لصلاح، والذي لم يستطع أن يتركه لكنه على الأقل لم يكن

يلتقي به كثيرا، فصحبة صلاح تعد نذير شؤم لدى كل أصحاب الحي، حيث لا يستطيع

مشاركتهم أي شيء مما يتعاطونه، وخالد هذا تربى في أحد دور الصفيح بمدينة الدار

البيضاء حيث انتقل من مكان لمكان قبل أن يستقر في حيهم الفقير بسلا وسرعان ما كون

عصابة صغيرة ربما تتكون من سبعة أفراد كأكثر تقدير، لكنها كانت كافية لتثير الرعب في

المدينة الصغيرة، حينما تعرف عليه صلاح كان في نهاية الابتدائية، ولأنه التلميذ النجيب

الوحيد في ذلك الحي فقد كان ملاذ كل متسكع يحب أن يعرض عضلاته المفتولة، ويظهر

قوته، فكم مرة تعرض للضرب وسرقة لكتبه ومحفظته الدراسية، حتى بات الأمر له شبه

عادي، لكن ذلك اليوم وبالضبط حينما كان عائدا من حفل آخر السنة، تعرض إليه أحد

الأطفال الذين من سنه أو أكبر بسنة فقط، لكنهم يجيدون حمل السلاح، أو أي شيء آخر

كالسواطير، والشفرة الحادة والتي تحك بالثوم أو الفلفل الحار حتى إذا ضربك بها الشخص

تجعلك تتشوى بالألم أمامه..وكان أكثر ما يخيف صلاح وقتها هو أن تصيبه ضربة طائشة

إلى وجهه، وتظل كعلامة البلطجة له، ولا أحد يرضى تشغيله بعد ذلك..

لست أدري يومها هل شعرت بالخوف أم أن ذلك هو الشعور الذي قد يشعر به أي شخص

مكاني، حينما تقدم الهادي المعروف "بأبو سكة"لعدم شفقته على أي شخص ولست أدري أي

علاقة بخصاله هذه مع اسمه المهم أني ابتلعت ريقي بصعوبة ويداي ترتعشان خوفا ورعبا

وسمحت لتلك الورقة الصفراء والتي استلمتها كشهادة تقدير على نجاحي وحصولي على

المركز الأول لأن تستقر على إحدى البرك المائية الملوثة بالطين، صوته لا يزال يرن في

أذني للآن وهو يقول:

-هل تعتقد أنك ستنعم بنجاحك يا صلاح؟؟

-وما الذي سيمنعه من ذلك؟؟

التفت الطفل الذي يحمل تلك الشفرة الحادة والتي كنت أعلم أنها ستكون من نصيب خدي

الأيمن والذي كان يواجهه مباشرة:

-أهلا بالذئب كنت امزح معه فقط

أمسكه من ياقته ليرفعه عاليا، وبيد واحدة، ربما قوة اندهشت لها وأنا أتساءل لو كنت بين

يده في إحدى المرات ماذا سيفعل بي؟؟ليقول بصوته المرعب:

-إن سبق وتعرضت له فأقسم أني سأجعلك مأدبة لكلاب الحي..

ابتلعت ريقي وبدل أن يشعرني كلامه بالارتياح أشعرني بالرعب، إذ ما الذي يجعل من

الذئب أن يضحي بأحد رجاله من أجلي؟؟

لم أحتر كثيرا ففور ذهاب "أبو سكة "نظر إلي تلك النظرة والتي لا أنكر أنها ظلت ترعبني

لسنوات طويلة، وهو يقول:

-اسمع أيها المتعلم أريد منك خدمة

فغرت فاه وأنا أتساءل الذئب يريد خدمة مني؟؟

تابع يقول اسمع بإمكانك أن ترفض أو تقبل كما تحب لكن اعلم أنه في الحالتين إن سمعتها

من أحد أو عرفت أنك أفشيت هذا السر "وضحك ضحكة أبانت عن أسنانه الصفراء من

شدة الدخان" لا احتاج أن أخبرك كم يكون لحم البشر لذيذا للكلاب..

هززت رأسي ببطء والخوف يقتلني وأنا أقسم أني سأفعل أي شيء يطلبه مني الذئب مهما

يكون، ربما كان اندفاعا مني وقتها لكن بأي حال كان طلبه جد معقول:

-أريد أن تعلمني القراءة والكتابة

شعرت بالفخر إذ أنه الذئب بطوله وعرضه يطلب مني خدمة كهذه، لكني قلت بهدوء:

-أفعلها أيها الذئب لكن بشرط واحد..

أنهت سمرا وليلى ترتيب الكؤوس التي جلبتها من بيتهم، والتي كانت مخبأة بعناية في

غرفة والدها، والذي يحاول أن يجهز جهازها، وبما أنها ستصبح زوجة صاحب الحفلة فلا

ضير من استعمالهم فصلاح يستحق الأجمل دائما..

طبعا وبما أن أهل الحي يعلمون جيدا أن عائلة صلاح لا يمكنها أن تتكفل بحفلة كبيرة كهذه

من مالها الخاص، فارتأى أن يعد كل بيت شيئا للمناسبة وهكذا سيخف الحمل عليهم جميعا

دخلت عائشة وهي تجر هند معها، حاملة صينية بها ثلاث صحون للحلوى والتي أعدتها

هي أيضا لهذه المناسبة كما تكفل أهل محمد بالمشروبات، وفاطمة العرجاء وهي سيدة

تشتغل في نسيج الزرابي تكفلت بالصور لتكون المأكولات وكل شيء حاضرا على الساعة

السادسة، أما الفرقة الموسيقية فقد تكفل بها خالد.

-تبدين رائعة

ابتسمت بخجل وهي تمد له صحنا صغيرا به قطعة حلوى الكريما والتي أعدتها سمرا

خصيصا لهذه المناسبة السعيدة وهي تقول:

-ألف مبروك مرة أخرى

بدت ابتسامته مشرقة وهو يجيب:

-لن تكتمل فرحتي إلا إذا شرفتي بيتي الصغير وأصبحت زوجة لي

احمرت خجلا وهي تبتعد عنه في حياء لتوزع الحلوى على باقي الضيوف.

كان الجميع يبدو سعيدا للغاية بنجاح صلاح حينما دخل أنور للبيت وهو يترنح في مشيته

ورائحة الخمر تفوح منه، نهض خالد فور رؤيته لأنور وعيونه تتطاير شرا، فلا أحد يجرؤ

في الحي على أن يفسد حفلة يحضرها الذئب، إلا إذا قرر ذلك، وبما أنه ليس في نيته أن

يفسد حفلة صديقه صلاح فلن يسمح لأحد أن يفعلها حتى لو كان أخ صديقه..

زمجر بغضب:

-ماذا تريد يا أنور؟؟

ضحك في استهزاء وهو ينفث سيجارة ملفوفة بالحشيش ليقول:

-كان الأجدر أن تسأل نفسك هذا السؤال

علت الابتسامة وجه خالد وقد توقفت الموسيقى بينما ظل صلاح يراقبهما بصمت شأنه

شأن الجميع من الحاضرين:

-اسمع أعتقد أنه غير مرحب بك هنا فلتذهب حتى تعي ما تقوله بعدها لنا حديث مع بعض

رمى السيجارة على الأرض بعنف وهو يدوسها بأقدامه ليقول:

-إن كنت رجلا فلتخرج إلى الساحة

وأخرج سيفا حادا من حزام سرواله والذي كان يخبئه تحت قميصه، حتى يثبت نيته لخالد

توترت ملامح خالد وهو يرى أنور شاهرا أمامه سيفه بكل وقاحة، وقد شكر الله أنه ولأول

مرة يحضر حفلا وهو بكامل وعيه، وإلا لانقلب الحفل مأتما، أراد احد رجال خالد التدخل

حتى يوقفوا أنور عند حده لكنه أوقفه وهو يقول بسخرية:

-اذهبي يا صغيرتي ستجرحين نفسك وتتألمين..

علت ضحكات الجميع، في حين بدأ أنور يشهر سيفه ويلوح به في الهواء في حركات

سريعة جعلت من النسوة والأطفال الهروب بعيدا عن تلويحه الطائش،لكن أحدا من رجال

خالد أو هو بذاته تحرك من مكانه رغم تلك الحركات البهلوانية التي عرضها عليهم

قد تتساءلون عني، لكن وبصراحة حمدت الله لأني جئت في موقع بعيد عنه، وإلا لكنت

تنحيت عنه، فلازال رغم كل شيء أكثر ما يرعبني ضربة طائشة على وجهي..

حينما أنهى استعراضه صفق له خالد وهو يقول بسخرية:

-كان عرضا شيقا لكننا في غنى عنه الآن وأشار لرجلين من رجاله كي يتكفلوا بإخراجه

بهدوء..

لتستمر بعد ذلك الحفلة وكأن شيئا لم يكن، اقترب منه صلاح وهو يقول له في نبرة صادقة:

-خالد إياك أن تؤذيه يوما؟؟

ضحك خالد وهو يهز رأسه استخفافا ليجيب:

-هل تعتقد أن ذلك الصرصور يقلقني، إن لم تطلب مني يوما أنت أن أنظف فراشه فلن

أفعلها أبدا..

ربت على كتفه في امتنان وهو يقول:

-أعرفك جيدا نعم الصديق..

حك شعره بشكل طفولي وهو يقول:

-أخجلتم تواضعنا..

تغير وجه خالد فجأة وهو يراقب بصمت ذاك الرجل الخمسيني الذي دخل لتوه الحفلة حاملا

كيسا كبيرا من الفواكه، والتي تسلمتها منه ليلى بعدما قبلت يديه في طاعة كاملة، لتسرع

بها إلى المطبخ وتتبعها سمرا.

أسرع نحوه صلاح ليسلم عليه بينما كانت ليلي تسترق السمع إليهما في خفاء، حتى تسمع

حديثهما:

-مرحبا عمي..لم أتعبت نفسك بكل هذا؟ مجيئك في حد ذاته شرف لي

ضحك الرجل وهو يربت على كتف صلاح بحب:

-هذا أقل شيء للمهندس صلاح

قبل يديه في احترام وهو يقول:

-أتمنى من الله أن يمن علي بخيره حتى أعوضك عن كل ما فعلته من أجلنا

ضحك مرة أخرى وهو يشد على كتف صلاح في حنان:

-وهل ينتظر الوالد من ابنه شيئا؟؟

وقبل أن يجيب اقترب خالد من ذلك العجوز وهو يقول بنبرة غريبة:

-أهلا بالعم

تغيرت ملامح والد ليلى وهو يحك ذقنه ليقول:

-لا أذكر أن لأخي ابنا حتى أكون عمه

ضحك خالد وهو يضرب على كتف صديقه الذي بيمينه من شدة الضحك المتواصل ليجيب

بصوت بعد ذلك أكثر رزانة:

-ما تعلمته من الحياة أن العجز نناديهم عمي..

وكزه صلاح في فخده على وقاحته في حين شعرت ليلى بالاهانة وهي تستمع لوقاحة خالد

فعادت للمطبخ لتتابع عملها فالحديث فقد رونقه بالنسبة لها في حين التفت خالد وهو يقول

في استنكار:

-ماذا يا صلاح هل صدقت؟؟إنها عادتنا أنا والعم بشير كلما التقينا

وسارع لمعانقته وهو يقول في مرح:

-كيف حال العجوز؟؟ ألست عجوزا لم تضايقوا؟؟

ضحك البشير وهو يعانق خالد ويربت على كتفه ويقول:

-مازلت أكثر شبابا منك أيها المتحشش

عادت لتطل ليلى مرة أخرى وهي لا تكاد تفهم شيئا، وترى والدها يعانق خالد في حب كبير

ويتمازح معه..ثم التقت عيناها بصلاح الذي ابتسم لها فلم تستطع أن تمنع نفسها من منحه

ابتسامة أخرى..

لتشتغل الموسيقى من جديد وتتعالى الزغاريد فرحا بنجاح صلاح..

العواء الثاني

تخطيط

-صلاح؟؟

التفت صلاح والذي كان يحمل إحدى الصناديق التي وصلتهم هذا الصباح، على متن شاحنة

كبيرة، أنزل الصندوق من على كتفيه، مسح يديه ببنطلونه الجنز الباهت والممزق من جهة

الفخذين، ليسرع نحو عمه البشير الذي لفه بذراعيه حول عنقه وهو يقول بصوته الرزين:

-كيف حالك يا صلاح؟؟

تمتم صلاح بنوع من الرضا والقناعة اللتان كان يتميز بهما وهو يجيب:

-الحمد لله يا عمي بخير

ربت على كتفه وهو يقول متجها به نحو مكتبه:

-هل يعجبك العمل هنا يا صلاح؟؟

-أحنى رأسه وهو يقول:

-الحمد لله إنه نعمة من نعم الله

-لكن يا صلاح أنت مهندس وعليك أن تعمل في تخصصك يا بني؟؟

ابتسم له صلاح وهو يمسح قطرات العرق التي تنزل ببطء من جبهته، نحو عينيه:

-لا أستطيع انتظار العمل في تخصصي علي أن أعمل أنت تعلم كل شيء يا عمي

هز رأسه متفهما وهو يجيب:

-أجل يا بني أنا أعلم ظروفكم جيدا لذلك سأكلم السيد ماركو عنك، حتى نوفر لك عملا يليق

بك..

انفرجت أساريره وهو يجيبه:

-شكرا لك يا عمي لست أدري كيف أشكرك

قهقه العجوز وهو يربت على كتفه بقوة، قد لا تناسب سنه أبدا:

-أنت تستحق كل خير يا بني..

بعدها عاد ليتابع عمله وكله أمل أن يتحقق حلمه قريبا، فإن اشتغل بالمصنع هنا كمسئول

مثلا عن قسم الالكترونيات ، فسيتقاضى مبلغا مهما يغنيه عن التعب والتقشف في

الحياة..كما انه يستطيع بعد ذلك أن يتقدم لخطبة ليلى ورأسه مرفوع، ابتسم لذلك الحلم

الرائع..

ضربه كريم على ظهره وهو يقول بصوته الخشن:

-ما الذي يضحكك أيها المهندس؟؟

ابتسم صلاح وهو يسمع منه تلك الكلمة التي كان يشتغل ليل نهار، حتى يكون من المراكز

الأولى ، كان يؤمن دائما أن الدراسة هي مفتاح فرجه، من التخلص من الفقر وتحسين

مستوى حياته..

-ايه يا كريم إني أحلم يا أخي في وضح النهار..

-يوما ما سيتحقق حلمك يا صديقي

هز رأسه وهو يعود لحمل الصندوق ويقول:

-أتمنى ذلك

انشغل كل منهما في حمل الصناديق ذلك الصباح والتي كان يصل عددها ذلك اليوم لأزيد

من ألف صندوق يزن قرابة السبع كيلو غراما، حينما تأفف كريم وهو يحمل آخر صندوق

عند الساعة الواحدة بعد الظهر:

-تبا لهم لقد تعبت وأشعر بالجوع

كان صلاح يغرف من البئر الذي كان قريبا من ساحة عملهم، والملاذ الوحيد لهم ليطفئوا

به حرارة ذلك الصيف كما أنه يروون عطشهم منه..ويغتسلون بمائه وذلك ما كان يفعله

وقتها صلاح الذي التفت يمنة ويسرة ليسأل بصوت خفيض:

-كريم؟؟ هل تعلم ما الذي نحمله بالضبط؟؟

تغير لون كريم فجأة وهو يقول:

-لست أدري بصراحة لكن الأمر مريب يا صلاح

بدا الاهتمام على صلاح الذي اقترب منه أكثر وهو يسأله بتردد:

-ماذا تقصد؟؟

قلب شفته السفلى ليقول:

-لا أعلم لكني في مرة سألت المسئول عن المخازن

-تقصد عمي البشير ؟

ابتسم في خبث وهو يجيب:

-هو نفسه عمك البشير

-وماذا أخبرك؟؟

-أخبرني أنها أواني تأتي من الصين لتباع هنا بالمغرب

تأمله صلاح قبل أن يقول:

-وما المريب في كلامه؟؟

سأله في استخفاف:

-هل أنت غبي أم تدعي الغباوة؟؟

-ماذا تقصد؟؟

قال في استنكار:

-ألا ترى كيف نضع الصناديق؟؟ ألم يسبق وان وقع أي صندوق لك على الأرض

لو كان أواني كما يقول لكان نصفهم ينكسر قبل أن يصلوا للمخزن "وتابع في تردد"

لا يا صلاح الموضوع أكبر من هذا وأنا أشعر بالخوف..

بدا صلاح شاردا للحظات قبل أن يقول:

-لست أدري لكني لا اعتقد أن العم البشير قد يكون يشتغل في الممنوعات

أجاب في حنق:

-هذا إن كان هو أيضا يعلم بما في الصناديق

-أتقصد؟؟

-أجل لربما هو دمية مثلنا يتكفل بجلب الشباب الأقوياء و الموثوق فيهم والأهم من هذا

الذين يحتاجون للمال..

حك حاجبه الأيسر قبل أن يفتح سلة الأكل ويخرج منها طاجين السمك الذي حضرته له

سمرا صباح اليوم ليقول:

-سنضطر لأكله باردا فلم يعد لدينا الوقت لتسخينه

"بعدما لم يصله تعليق من صديقه هز رأسه وهو يتابع"كمال لا تقلق فلن يكون الأمر

خطيرا يا أخي..نحن نعمل هنا مجرد عمال ولن تكون مسؤوليتنا أبدا حتى لو كان هنا شيئا

لا قدر الله..

"ومد له قطعة من الخبز وهو يقول له"سم الله وكل لم يعد لدينا سوى ربع ساعة على بدئ

العمل..

وأكلا بصمت ليعودا لعملهما بصمت أكبر، كل منهما يفكر بطريقته..

ما كان يشغلني وقتها هو أن يحقق لي عمي حلمي وأشتغل مهندسا في تخصصي وأصبح

مسئولا له شان هنا في هذا المصنع الذي بدأت فيه..لكن كلام كريم كان بالنسبة لي مريبا..

نفض يديه وهو يمسح كعادته تلك القطرات التي تتساقط من جبينه..وصدره العاري..

ليقفل وراءه المخزن ويذهب ليزيح عنه غبار اليوم ويستحم بماء البئر ويرتدي ملابسه

النقية التي كان يرتديها صباحا..

نظر لساعته إنها السابعة والنصف، لا يزال الوقت مبكرا للذهاب للمنزل لذلك ارتأى أن

يذهب للمقهى الذي بالحي ويجلس هناك لعله يلتقي بخالد والذي لم يره منذ الحفلة.

حينما دخل وجدها شبه فارغة ليست كعادتها بذاك الاكتظاظ..

-مساء الخير يا سيد صلاح كيف حالك؟؟

رفع صلاح رأسه عن الجريدة التي بدأ قراءتها لتوه والتي يتم استعارتها من المقهى

لتداولها بين كل الجالسين هناك، ونظر للنادل الشاب الذي قدم قبل سنة للمدينة وسرعان

ما اشتغل في هذه المقهى حتى أصبح واحدا من أبنائها، ربما لا يعرف أحد أصله ولا فصله

ولكن هنا الطابع الوحيد للثقة هو تعاطي المخدر والمتاجرة فيه، وقد أظهر سعد ولاءه

للذئب فكان المروج الأساسي للحشيش في هذا المقهى الصغير، والذي يزوره كل ليلة

زوار خاصين بصراحة لم يكن أحد يحبهم، بل يتشاءمون من سيرتهم إنهم الشرطة أو ما

يسمى باللفظ الدارج "الحناش" وهي جمع كلمة حنش ذكر الأفعى واعتقد أن سبب

تسميتهم هو أن وصولهم غالبا يكون دون إثارة أي حس..

-بخير..أين الجميع؟؟

بدت الجدية على ملامح سعد وهو يتساءل:

-ألم تسمع عن الخبر بعد؟؟

نهض صلاح من مكانه وهو يتساءل في رعب:

-ماذا هل أنور بخير؟؟

-لا ليس أخوك أنور إنه أبو سكة

بدا الارتياح على وجهه نسبيا وعاد يتساءل:

-ما به هل ألقت الشرطة القبض عليه؟؟

أحنى رأسه في حزن وهو يجيب:

-لقد لقي حتفه صباح اليوم

جلس صلاح بذهول على كرسيه وقد بدأ العرق يتصبب من جبينه وهو يقول:

-كيف مات؟؟

-كالعادة جرعة زائدة من الكوك"تلخيص لكمة الكوكايين أو الهروين"

هز رأسه وهو لا يكاد يصدق الخبر، لقد كان شخصا قويا تهابه نصف المدينة والنصف

الآخر يحاولون أن يبقوا بعيدا عن طريقه ما أمكن..

-هل دفن؟؟

-لا أنت تعلم يتم تشريح الجثة وبعدها سيتم دفنه في مدينته الأصلية كما كان يتمنى دائما

أن يعود إليها لذلك ارتأى الذئب أن يدفن هناك..

ربت على كتفيه بقوة وهو يقول:

-حسنا سأذهب إلى خالد

-إنهم الآن في مستوصف المدينة

وخرج بسرعة ليصل بعد خمس دقائق إلى ذاك المستوصف حيث تصطف النساء كل يوم

حاملين أطفالهن الرضع من أجل التلقيح، أو من أجل الأمراض التي تصيبهم جراء تلوت

البيئة التي نعيش فيها جميعا، لم أكن أبدا من محبي الذهاب إلى المستوصف أبدا حتى وأنا

مريض، منذ أن كنت صغيرا وذهبت لأعالج هناك لكني حظيت بأقرب موعد وحصريا لأني

لا زلت تلميذا بالمدرسة بعد أربعة أشهر، فعدت أدراجي وأنا أتألم بقدمي التي لم أكن

أستطيع المشي عليها، ولولا أن والدتي قامت بمداواتي يعلم الله ماذا كان سيصيبني، فقد

كان قشر البصل الأحمر المحروق فوق النار والنعناع الممضوغ وبعض من الزعتر دواءاَ

نافعا لي، داومته ثلاث أيام فأصبحت بخير والحمد لله ومن تم أقسمت ألا أذهب إلى

المستوصف لأعالج أبدا..

رائحة المستوصف كالعادة لا تستطيع أبدا أن تشمها، رائحة الأدوية تملأ المكان والحالة

الرثة التي عليها المكان يجعلك تشعر بالاختناق، لا شيء هنا يوحي بأن هذا مستشفى أبدا

اللهم إلا تلك السمينة والتي كنت أراها منذ أن جئت هنا لأول مرة حينما كنت أبلغ سبع

سنوات، ترتدي وزرة بيضاء أزرارها لم تعد تقفل أبدا، وتجلس مادة إحدى قدميها للأمام

بينما الأخرى فقد أوقفتها مسندة يديها على مكتب صغير، وأمامها كتاب كبير مغلف

بالأسود لا يمكنك الدخول قبل أن تمر عليها، شأنها شان سلة الأزبال التي التفت حولها

مجموعة من الحشرات التي لا نستطيع العيش بدونها صدقوني لا أبالغ بهذا الوصف أبدا

ففعلا حياتنا كانت كذلك..

-هيه أنت أيها الوسيم

التفت إليها صلاح وتأملها جيدا، لقد كبرت كثيرا، وأصبحت أسمن من قبل، فكر أنها لن

تتذكر أبدا ذلك الطفل الصغير الذي حينما أخبرته أنه لن يستطيع رؤية الطبيب قبل أربعة

أشهر، بدأ يبكي بقوة وهو يتوسلها أن تدخله فهو لا يستطيع المشي بها، لكنها أخبرته أن

هذا هو أقرب موعد وقد رأفت بحاله لأنه تلميذ صغير، وتلك الحبة التي نمت وبشكل غير

معروف له على إحدى فخذيه الصغيرتين، تتزايد يوما بعد يوم..

أصر ألا يجيبها أبدا حتى يعرف كيف ستتصرف، صرخت بوجهه وهي تضرب بقوة على

ذلك المكتب الذي تراقص تحتها:

-هل أنت أصم؟؟ إلى أين أنت ذاهب؟؟

بعدما علم أنها ربما تكون لا تنهض من ذلك المكتب الصغير الذي يحتجز جسدها الضخم

ابتسم لها وتابع سيره غير عابئ بكلماتها الصارخة..

ألقى ببصره حول المكان وتوقف حينما بدا له خالد مع شخص يتحدثان وقد سلم عليه أخيرا

خالد وهو يربت على ذراعيه يبدو وكأنه يشكره على شيء

اقترب منهما صلاح وهو يقول بصوت هامس:

-خالد؟؟

التفت إليه خالد ولأول مرة يبدو حزينا ليضمه بصمت..

ود صلاح لو أن خالد استطاع أن يبكي، لكنه يعلم أنه من المستحيل أن تنزل دمعة الذئب

لأي سبب كان..

-كيف عرفت أني هنا؟؟

-أخبرني سعد

وضربه على كتفه ضربة خفيفة ليذهبا معا، وطبعا مرا بجانب السمينة التي كانت لا تزال

تسب وتلعن تصرف صلاح وما إن وقع بصرها عليهما حتى قالت بغضب:

-إذن فأنتم من بيئة واحدة حقيرة

رمقها خالد بنظرة مرعبة جعلتها تتراجع للوراء بكرسيها الذي لا يظهر أبدا من شدة

ضخامتها، ولولا أنه في هذه الظروف لقص لسانها السليط ومنحه" لروكي" الجائع

ركبا سيارة خالد والتي كانت شبيهة بمن يوزعون الخبز على الدكاكين صباحا،

-كيف مات يا خالد؟؟

ضرب مقود سيارته بعنف وهو يقول:

-بل قل كيف قتل يا صلاح؟

شهق صلاح لهذه الفكرة التي لم تخطر بباله ثم قال بذهول:

-قتل؟؟

توقف أمام إشارة المرور وهو يقول في خفوت وإن كان صوته غاضبا وحانقا:

-هل تصدق أنه مات بسبب جرعة زائدة يا صلاح؟؟

تنحنح صلاح وهو يجيب:

-في الحقيقة قد يبدو الأمر صعبا لكن ليس مستحيلا

تمتم من بين شفتيه:

-بل مستحيل يا صلاح مستحيل

تراجع إلى الوراء ليستند على الكرسي سامحا لمكوناته المعدنية التي بداخله أن تكز ظهره

بقوة غير عابئ بها وهو يتساءل:

-وكيف تعتقد أنه مات؟؟

-لست أدري يا صلاح هذا ما يجعلني أفقد عقلي "وحرك سيارته بعدما أنيرت الإشارة

الخضراء وهو يتابع"لقد أخبرني الطبيب الذي كنت أقف معه الآن أنهم وجدوا كمية زائدة

في دمه من المخدر..وقد تم تحليل بقايا الأكل بأمعائه لكن لم يجدوا شيئا مريبا..

تنهد صلاح وهو يقول:

-وطبعا نضرا لسوابق المتوفى فملف قضيته سيقفل بسرعة

أومأ برأسه

ليقف أمام المستشفى العام بالعاصمة

نظر صلاح من حوله وهو يتساءل :

-لم جئنا إلى هنا؟؟

بدت نظرات خالد له وكأن سؤاله غبي جدا وهو يجيب:

-بالله عليك يا صلاح ليس وقتك الآن

تبعه صلاح بصمت وهو فعلا لا يعلم لم جاءا إلى هنا، وحينما دخلا كانت سيارة الإسعاف قد

توقفت لتوها وقد أسرع بعض الممرضين لحمل مريضة تبدو في العشرينات من عمرها

وهي تتخبط على اللوح الطويل صاحب العجلات، تأملها صلاح بينما كان خالد يتحدث إلى

إحدى الممرضات عن الإجراءات، كان وجهها قد أخذ لونا أزرقا، وبياض شديد حول

شفتيها بينما قد جحظت عينيها على نحو غريب، وقد كستهم صفرة شديدة وكأن بهما

مرض الصفار..وكانت تخرج من فمها رغوة شديدة البياض وجسدها يتخبط بقوة قبل أن

يهدأ فجأة وعلى نحو غريب..

تأملها احد الممرضين قبل أن يلتفت ببصره لصلاح الذي كان يتبعهما وكأنه يعرف جيدا تلك

الفتاة وقد بدت ملامحه خائفة وهو يسأل الممرض بجزع:

-ماذا حصل لها؟؟

لم يجبه بل تابع دفعه بسرعة وتبعهما حتى وصولوا إلى غرفة كبيرة لتتبعهما طبيبة لم تكن

مغربية بل من إفريقيا لا يعلم بالضبط من أي دولة لكنها من إفريقيا غابت حوالي نصف

ساعة لتخرج وتسأل كل الموجودين بالممر:

-من جاء مع الشابة؟؟

التفت صلاح يمنة ويسرة ولأول مرة يكتشف أنه في الجهة الأخرى من المستشفى وقد

أصبح بعيدا عن خالد، تقدم ببطء وهو يسأل:

-دكتورة ماذا حصل لها؟؟

-هل تقرب المريضة؟؟

كان يعلم انه إن اخبرها الحقيقة فلن يعلم ما الذي حصل لها لذلك أجاب:

-أجل هلي أن اعرف ماذا حصل لها؟؟

-للأسف لقد ماتت

ترنح صلاح وكأنه سيغمى عليه، فأمسكته الطبيبة وهي تقول بلكنتها الفرنسية:

-تماسك أرجوك..غفر الله ذنبها،

كلمتها الأخيرة أثارته، اجل لو كانت مسلمة لما انتبه لذلك لكنه لا يدري ما الذي جعله

يتساءل في تردد:

-كيف ماتت؟؟

هزت كتفيها وهي تقول في أسف شديد:

-أخشى أن قريبتك يا سيدي كانت تتعاطى للمخدرات، جرعة زائدة..

كتم شهقته وكان سيقول شيئا حينما سمع صوت خالد وهو يناديه، فتأمل الغرفة جيدا ونظر

إلى خالد القادم نحوه وإلى الطبيبة التي كانت تتحدث إليه بغير أن يسمعها، ودفع الغرفة

ليدخل ويجدها ممددة، لم تكن تبلغ العشرين بعد من عمرها، كأكثر تقدير كانت تبلغ الثامنة

عشر من عمرها، عيناها جاحظة بقوة، وبيدين مرتعشتين أغمضهما لها وذلك الصفار يكاد

يكتسحهما، وزرقة وجهها الغريبة، وبرودة جسمها وهي نائمة بلا حراك،

-ما الذي يجعلك تفعلين بنفسك هذا؟؟

وسأل بصوت باك تلك الممرضة التي كانت تقف بجانبه:

-هل كان معها شيء؟؟

ترددت وهي تقول:

-بعض من ملا بسها وأيضا هاتفها النقال لا شيء مهم يا سيدي أه ومحفظة دروسها هذا

كل شيء..

مسح إحدى دمعاته وهو يقول:

-هلي أن آخذها معي؟؟

ترددت وهي تقول:

-آسفة سيدي لكن عليك أن تسجل بياناتك قبل ذلك

-حسنا..

وتبعها لمكتب التسليم بصمت

-صلاح ما الأمر؟؟

همس بصوت خفيض:

-فقط اتبعني بصمت

تنهد خالد بعنف لكنه لم يعترض لأنه يعلم أن صلاح لا يكون بهذا الحال إلا لسبب قوي

بعدها دخل مع الممرضة إلى المكتب ليخرج وفي يديه حاجتها، وهو يقول لها:

-حسنا سيدتي كل المعلومات عني لديكم، متى نستطيع دفنها؟

-علينا أن ننهي بعض الإجراءات وغدا صباحا ستسلم لكم الجثة وتستطيعون دفنها

-شكرا لك

-العفو سيدي

تمتم خالد من بين أسنانه:

-هل لك أن تشرح لي ماذا يحصل؟؟

-أريد أن أرى جثة "أبو سكة"

بدا القلق على وجه خالد وهو يسأله:

-صلاح ما الأمر؟؟

أحكم قبضته على ملابس الفتاة وحاجاتها وهو يقول:

-لا أستطيع أن أخبرك الآن علي أن أتأكد من شيء مهم

فأشار له خالد نحو غرفة واسعة بالطابق السفلي، أحس ببرودة تسري في جسده، وهو

يدخل إليها، ليجده ممددا، جثة ضخمة ممددة على سرير واسع أبيض، وقد كسرت إحدى

عجلاته طبعا لم تكن جثة أبو سكة هي الفاعل، ولكن الزمن هو من فعلها..

مغطى بثوب أبيض طاهر، أزاحه بيدين مرتعشتين لأول مرة يرى شخصا ميتا كانت اليوم

ولمرتين متتالية في يوم واحد، عرى وجهه الساكن وتلك الزرقة الداكنة تحت عينيه

المغمضة، وحول شفتيه الشديدة البياض، كان شبيها بها..

وفي لحظة نظر إلى خالد وبدأ يكح وعيونه جاحظة ويرتعش

تساءلت الممرضة في دهشة وهي تراه مترنحا:

-ما به؟؟ ماذا حصل له؟؟

صرخ في وجهها خالد وهو يرى صديقه يكاد يموت مختنقا:

-إنه يحتاج للأوكسجين أسرعي أرجوك قد يموت الآن..

وبجزع قالت:

-هل هو أزماتك؟؟

-أسرعي أرجوك...

قهقه صلاح وخالد في نفس الوقت حينما خرجت، وقبل أن يقول شيئا حذره صلاح:

-اسمع راقب الباب جيدا

-حسنا

اتجه خالد نحو الباب وبين حين وآخر يخطف نظرات فضولية لصديقه، صحيح أنه فهم

حركة صلاح لكنه لم يفهم لم فعل ذلك، خصوصا حينما رآه وهو يزيح الثوب الأبيض عن

صديقهما، ويفتح عينيه تساءل خالد في تردد:

-ما الذي تفكر فيه يا صديقي؟؟

لم يجبه صلاح فقد كان يدقق النظر في عيني "أبو سكة" والذي تكسوهما صفار شديد،

-إنهما كما الفتاة

قال هذا بينما همس له خالد محذرا إياه:

-هيا إنها قادمة..

وحينما دخلت الممرضة التي بدت مرعوبة وهي تراه لا يزال مختنقا أمرته بالتمدد فوق

اللوح الذي كان بجانب جثة "أبو سكة" وفعل ذلك. لتكمم فمه وانفه بجهاز الأوكسجين.

كنت وقتها أشعر بخوف شديد وأنا أنظر من حولي إلى جثة "أبو سكة" وأتساءل هل

انتهت حياته بهذه البساطة؟؟ رائحة الموت لأول مرة تكون قريبة مني لهذه الدرجة

هل ستنتهي حياتي ذات يوم بهذه البساطة؟؟

بعد مدة لا بأس بها، نزعت عني ذاك الجهاز الذي أشعرني بالبرودة، واستغربت حيث أني

كنت أشعر أنه بعد كل هذه الأحداث بحاجة إلى الهواء..

ابتسمت بلطف للممرضة وأنا أهمس بخفوت:

-شكرا لك آنستي

كانا سيغادران المستشفى بعدما انهيا الحديث عن الإجراءات اللازمة لدفن صديقهما، حينما

أوقفتهما ممرضة شابة نفسها من أعطت لصلاح ملابس وحاجات الشابة، ويرافقها

شرطيين وهي تصرخ بصوت عال:

-ها هو يا سيدي..

ارتجف جسد صلاح وهو يحدق في خالد الذي بدا الضيق عليه، لينتقل ببصره للشرطيين

اللذان يتقدمان إليه بخطوات سريعة أشبه بالعدو، للحظات فكر بالهرب، لكن خالد ثبته على

الوقوف

-سيدي نرجو المعذرة لكنك لا تستطيع أخذ ملابس قريبتك الآن

تنفس صلاح الصعداء، رغم أنه شعر بالضيق لذلك وهو يسأل بصوت منخفض:

-ولم؟؟

-لا زلنا لم ننهي التحقيق

هز رأسه متفهما، وهو يفكر أنه ضاعت عليه خيوط كثيرة، كان سيعرفها من خلال حاجيات

هذه الفتاة، وهو يمد إليه تلك الكومة التي للحظات فقط كان يحكم قبضته جيدا عليها..

راقبهما وهما يقلبان فيها بلا اهتمام ثم مد احدهما يديه مصافحا إياه وكذلك فعل الآخر وهما

يقولان:

-شكرا لك سيدي على تعاونك

بعدما اختفيا عن بصرهما همس صلاح في حزن:

-لقد ضيعنا كل شيء

ضربه خالد على كتفيه وهو يقول:

-هيا بنا لقد تأخر الوقت

طال صمتهما وعلى نحو غريب في السيارة، حتى ارتأى خالد أن يقطع صمته سائلا إياه:

-أخبرني يا صلاح ما الأمر..؟؟

جلس صلاح على جانبه الأيسر وهو يضغط على كل حرف من حروفه، من شدة التوتر:

-اسمع يا خالد لازلت الآن لم أفهم شيئا، وقد كانت تلك الفتاة هي الخيط الوحيد لكي أفهم

جيدا ماذا حصل بالضبط..

ضحك بسخرية وهو يجيب:

-لقد سمعت ماتت بجرعة زائدة

صرخ في وجهه:

-هل رأيت الفتاة؟؟

قال بتردد:

-لا لم أرها يا صديقي

همس كمن يتحدث إلى نفسه:

-كانت بريئة جدا، وصغيرة جدا، لحد يجعلك تقسم أنها لن تفعل شيئا مشينا كهذا

"وعاد ينظر إليه وهو يقول" كم كانت ملابسها محتشمة لا أعتقد أن مثلها قد تكون

تتعاطى لأي نوع من المخدرات..

بدا الاهتمام على وجه خالد وهو يقول:

-فيما تفكر بالضبط؟

بدت الخيبة على ملامحه، وهو يجيب في تخاذل:

-بل قل فيما كنت أفكر، فلقد انكسرت جوانحي، ليتني عرفت أين تسكن فقط؟؟

ابتسم له خالد وهو يخرج من جيبه هاتفا محمولا ويقول:

-هل هذا يفي بالغرض؟؟

جحظ صلاح بعيونه وقد علته الابتسامة وهو يخطفه من يديه سائلا بحماس:

-من أين حصلت عليه؟؟

حك رأسه وهو يوقف سيارته أمام الحي ليلتفت له قائلا:

-أنسيت أني الذئب؟؟

ابتسم صلاح في فرح وهو يجيبه:

-فعلا اسم على مسمى..

-لقد لاحظت اهتمامك بالفتاة وقد عرفت أنك تخطط لشيء ما، لذلك حينما رأيت الشرطيان

قادمان إلينا، وأنت مشغول بخوفك ورعشتك، سحبت الهاتف من جيب بنطلونها، قلت ربما

قد ينفعك..

أحكم قبضته عليه جيدا وهو يقول:

-بالطبع سينفعنا كثيرا..

طوال الليل وسمرا تردد ما أوصاها به صلاح وخالد، وهي تطمئنهما أنها حفظت جيدا..

وأخيرا رن الهاتف..

تساءلت سمرا:

-ماذا هل أدعي أني نائمة أم مازلت مستيقظة

تردد صلاح في الإجابة لكن خالد قال:

-حاولي أن تكوني هادئة وسايري المتصل..هيا أجيبي

وقبل أن تضغط على زر الموافقة، ضغطت على البوق، حتى يتسنى إليهما سماع ما يقوله

المتحدث..

ارتعشت قليلا لكنها شجعت نفسها وهي تجيب:

-ألو

كان الصوت صوت شاب، لقد كانت تعلم مسبقا انه شاب وذلك من اسمه الذي تصدر شاشة

الهاتف لتسمعه يقول بنبرة هادئة:

-آسف يا عفاف

ارتبكت سمرا وهي لا تعرف ما تقوله، لكنها بفطرتها الأنثوية أحست أن هذا ربما يكون

حبيب الفتاة فغامرت بالقول:

-اسمع يا بكر لم يعد ينفع هذا..

توسلها قائلا:

-عفاف أرجوك سامحيني..

-آسفة يا بكر لقد آذيتني كثيرا..

"لم تكن سمرا ذاهبة بحسب خطة خالد وصلاح الذي كان يشير لها بحركات لم تعها، لأنها

أشاحت بوجهها عنه وهي تتابع" لا تتصل بي مرة ثانية..وقطعت الخط

كان الشرر يتطاير من عيني صلاح وهو يصرخ في وجهها:

-ماذا فعلت؟؟

أجابته بنبرة هادئة:

-اسكت إن هذا هو التصرف الطبيعي..سيعاود الاتصال

-كيف سيعاود الاتصال وأنت أخبرته ألا يتصل مرة ثانية؟

تأففت بنفاذ صبر وهي تقول:

-اسمع يا صلاح الشاب وكما يبدو أنه حبيب الفتاة..

قاطعها

- وكيف عرفت ذلك؟؟ ربما هو أخوها

قلبت عينيها في سخرية وهي تجيبه:

-ما هذا يا أخي هل ستفكر في الاعتذار لي في الثانية والنصف صباحا..؟

انفجر خالد ضاحكا وهو يجيب:

-لن يفعلها حتى في أحلامه

في حين تابعت سمرا تقول:

-لكن في المقابل من هي التي قد تتصل بها في هذا الوقت لتعتذر؟

أجاب خالد بخبث:

-ليلي حبيبة...

وتوقف عن الحديث حينما هوت عليه وسادة لتضرب وجهه، وصلاح يقول من بين أسنانه:

-تبا لك كم مرة علي أن أخبرك انه لو لفظت اسمها سأقطع لسانك

كمم خالد فمه بيديه بطريقة مسرحية، بينما تابع صلاح بجدية وهو يقول:

-وإن لم يتصل يا..

بتر كلمته حينما رن الهاتف مرة أخرى، أما سمرا فقد بدت التسلية على عينيها وهي تجيب

بتأفف مصطنع:

-ماذا يا بكر؟؟

كان صوته أكثر توسلا هذه المرة وهو يجيب:

-عفاف أرجوك فلتسامحيني، أقسم أني نادم على كل ذلك..أحبك كثيرا..

"همس خالد في أذن صديقه وهو يقول بسخرية:

-بريئة جدا، وصغيرة جدا..

بدا الضيق على وجه صلاح لكنه لم يجب بكلمة بل تابع يستمع لبكر الذي كان يقول"لكن يا

عفاف سيظل في الأول والأخير القرار لك وأنا سأنفذ كل ما تطلبينه..

بدأت تشعر سمرا بالارتباك، فبكر لم يمنحها شيئا، قد تعتمد عليه، وقد لاحظ ذلك صلاح

فحرك عينيه مرتعبا، من فكرة أن يضيع هذا الخيط الوحيد مرة أخرى..

-عفاف أجيبيني أرجوك

تنحنحت سمرا وهي تحاول بذلك أن تمنح نفسها مساحة لتفكر، قبل أن تقول:

-أخبرني بكل شيء يا بكر

تفاجئ قائلا:

-بما سأخبرك يا عفاف؟؟

ارتبكت سمرا وقد ضرب صلاح يدا في الهواء بينما أغمض خالد عينيه...

لقد أفسدت كل شيء..

أخيرا جاء صوتها هادئا نوعا ما وهي تقول:

-قلت لك اخبرني بكل شيء يا بكر علي أن أعرف كل شيء

تنهد بعمق وهو يقول:

-لقد سبق وتحدثنا في ذلك يا عفاف

-هل تعتقد أني صدقت كلامك؟؟

توسلها مرة ثالثة وهو يقول:

-اسمعي أقسم لك أن ما أخبرتك به سابقا هو الصدق..لقد التقيت تلك الليلة بالشلة..

وذهبنا إلى المرسى كعادتنا، لكني لم أشرب أبدا معهم ولم أتناول أي منشط يا عفاف

أقسم لك.

بعدما لم يأته صوتها فسمرا لم تعرف ما تقوله، قال بصوت هادئ:

-أحبك

احمرت سمرا خجلا رغم أنها تعلم جيدا أن الكلمة لم تكن موجهة لها، لكن مجرد سماع تلك

الكلمة تشعر الأنثى بمشاعر سعيدة، خصوصا إن قيلت بصدق وقد شعرت أن بكر صادق..

وبدون أن تشعر همست:

-وأنا أحبك..

ضحك بكر وهو يتساءل:

-هل سامحتني؟؟

-اجل بالطبع يا بكر

-حسنا حبيبتي نامي الآن وآسف لأني أيقظتك من نومك، ونلتقي غدا في نفس المكان

-حسنا تصبح على خير..

سألها خالد بسخرية:

-وأين ستلتقين به؟؟

ضربت سمرا جبهتها وهي تقول:

-اووه لقد نسيت هذا الأمر..

-حسنا المهم أننا علمنا شيئا على الأقل، علينا أن نفكر في الخطوة الثانية

نهض خالد الذي كان قد جلس لتوه على أريكة صغيرة كانت بجانب باب الغرفة، وهو يقول

في حزم:

-علينا أن نخطط جيدا للأمر...

العواء الثالث

-حسنا الآن هل اذهب للنوم؟؟

ابتسم صلاح بخبث لأخته وهو يقول:

-اذهبي وحسابي معك في الآخر

ارتبكت وهي تتساءل:

-لم؟؟ يا صلاح ماذا فعلت؟؟

ضحك وهو يسألها:

-من أين تعلمت كل هذا، ها اخبرني

وبدا يفتش ملابسها بينما هي كانت تضحك فقد شعرت

بدغدغة وهي تترنح وتقول:

-كفى يا صلاح..عم تبحث؟

-أين تخبئينه اعترفي

لم تستطع أن تهدأ من موجة الضحك التي اعترتها وأخوها يفتش عن شيء لم تعرفه إلا

حينما قال بعدما فشل في إيجاده:

-اعترفي أين تخفين هاتفك

علت ضحكاتها أكثر وهي تجيب:

-لا لقد جننت

-أنا جننت؟؟ أم أنت التي فاجأتني بكل هذا من أين تعلمت ذلك "وأضاف بخبث"هل تكلمين

أحدا ما؟؟

شعرت بحمرة الخجل تطفو على وجهها وهي تقول مدعية غضبها:

-حسنا يا صلاح أنا الملامة لأني وافقت على مساعدتك أنت وهذا الأحمق

قطب خالد حاجبيه ليقول:

-وماذا فعلت لك يا سليطة اللسان؟ ألا تحترمين الضيوف؟

ضحكت بسخرية وهي تلوح لهما قائلة:

-سأذهب لأنام و لا تتكلا علي غدا بحول الله إنها آخر مساعدة لكما مني..

وتركتهما يفكران فيما سيفعلانه..

-ألم أقل لك أن الفتاة كانت تتعاطى للمخدر؟؟

ضاقت عيون صلاح وهو يفكر في أمر ما قائلا:

-لا اعتقد ذلك يا خالد لقد سمعت كلام المدعو بكر، والذي كما يبدو أنها كانت غاضبة منه

لتعاطيه للمخدرات.."صمت طويلا ثم قال"لدي إحساس أن موت الفتاة له علاقة بموت

" أبو سكة ".

نظر خالد لساعته وهو يقترح:

-إنها الثالثة صباحا، سأنزل للمقهى قليلا، واعرف إن كان هناك من جديد في القضية..

ونلتقي في الدفن..

-حسنا تصبح على خير

ابتسم له خالد وهو يخرج..

أما صلاح فلم يستطع النوم، أبدا فقد كانت صورة الفتاة وهي تتخبط فوق اللوح، تمنعه من

ذلك، ماذا لو كان لها أهل يبحثون عنها الآن؟؟ لكن لم يتصل أحد بها عدا بكر هذا؟؟ هل حقا

تتعاطى للمخدر؟؟

كل هذه الأسئلة كانت تضج في عقله، وتمنعه من الإسترخاء..لذلك نهض من مكانه متجها

نحو غرفة أخته، فتح الباب بهدوء..

بدت له ملامحها الهادئة بفضل ضوء القمر الذي يسطع من نافذتها الصغيرة، لقد كان هو

المنظر الوحيد الذي يجعل من الغرفة جميلة، والتي للأسف كانت تطل على أرض خربة يتوافد

إليها كل المتسكعين ليلا وكذا اللصوص للإختباء من الشرطة بين خرد السيارات وصناديق

البنزين الكثيرة والفارغة التي يحتاجها عادة أولاد الحي في فترة عيد الأضحى لتشتعل

نيرانها ويشوى عليها رؤوس الأكباش، والتي يتقاضى الشاب على كل رأس عشرة

دراهم.

سحب بخفة الهاتف النقال من تحت رأسها، وخرج من الغرفة على رؤوس أصابعه..

بعدها مر على غرفة والدته التي كانت تئن وهي نائمة، وقبل جبينها ليتمنى لها الشفاء

العاجل، أما غرفة أنور فهي مغلقة بالمفتاح كعادته لم يبت ليلته هنا، دخل لغرفة

الجلوس ورمى نفسه على أريكة جلدها أسود، مريحا قدميه على طاولة صغيرة أمامه

توجه لقائمة المتصلين واستغرب، حيث لم يكن هناك إلا ثلاث أشخاص "بكر" و

"جميلة"و"نوفل"لم تمنحه تلك القائمة أي معلومة عنها اللهم إلا أنه لا يوجد لها

أشخاص كثيرين في حياتها، فضغط على الرسائل بصندوق الوارد، كانت سبع رسائل فقط

هي الأخرى..

قرأ الرسالة الأولى وكانت من جميلة والتي تقول جوابا على رسالة عفاف:

-اسمعيني جيدا كم مرة علي أن أخبرك أنه لم يتناول شيئا، لقد أقسم نوفل على ذلك عدة

مرات لي، عفاف انتبهي جيدا لتصرفاتك..

استغرب ماذا تقصد بانتبهي جيدا لتصرفاتك؟؟

انتقل للرسائل في صندوق الصادرات وهكذا سيقرأ أولا ما كتبته عفاف، ويقرأ الرد

حتى يتسنى له معرفة إحدى خيوط هذه القضية..

نظر أولا للساعة إنها الرابعة والنصف ولم يغمض له جفن أبدا..

-جميلة كيف حالك؟؟ اسمعيني لقد تشاجرت مع بكر، ليلة أمس وأقسم هذه المرة لن أعود

إليه ولو اضطررت لقتلت نفسي حتى امنعها من العودة إليه..آه لقد آلمني الأمر

كثيرا، اكتشفت أنه لم يكتفي بشرب الخمر، بل زاد عليه الكوك..

-كيف عرفت ذلك؟؟ هل أنت متأكدة أم ربما هي إشاعة؟؟

-أنا متأكدة جدا، لقد وقع أمس في المباراة مغشيا عليه وحينما حمل للتطبيب وجودوا أنه

تحت تأثير جرعة زائدة من المخدر ولولا أن تم إنقاذه لكان قد مات وحينما واجهته بالأمر

نفى ذلك وأقسم انه لا يعرف كيف وصل المخدر لدمه؟؟أرجوك اسألي نوفل عن الموضوع

-حسنا لقد أرسلت رسالة لنوفل ولم يرد علي للآن، اسمعي حبيبتي أعتقد أنه صادق رغم

أن الأمر غريب لكن أنت تعرفين طبيعة بكر لا يمكنه أن يكذب عليك..

لم تجبها عفاف فقرأ رسالة جميلة إليها والتي كانت تقول فيها:

-صباح الخير، كيف حالك؟؟ لقد أرسل لي نوفل رسالة وقد أقسم هو أيضا أن بكر صادق

ولم يكذب عليك والأمر كما شرحه لك أجيبيني أرجوك..

لم تحصل على رد أيضا منها فكتبت ثلاث رسائل تحثها كلها على الإجابة قائلة:

-أرجوك عفاف لا تقلقيني عليك أجيبيني..

هذه المرة كتبت عفاف تقول:

-لقد أخذت قراري ولن أرجع عنه وداعا يا جميلة..

ردت عليها جميلة بتلك الرسالة التي كان قد قرأها في البداية، وعاد يقرأها مرة أخرى:

- اسمعيني جيدا كم مرة علي أن أخبرك أنه لم يتناول شيئا، لقد أقسم نوفل على ذلك عدة

مرات لي، عفاف انتبهي جيدا لتصرفاتك..

لم تزده تلك الرسائل إلا حيرة على أخرى، هل انتحرت؟؟

لم يشعر بنفسه إلا وسمرا توقظه في السادسة صباحا بلطف كعادتها:

-أخي انهض ستتأخر

تثاءب وهو يمدد عنقه، وذراعيه التي تقلصت عضلاتها، ثم قال بصوت متقطع:

-صباح الخير

ابتسمت له وهي ترتب المكان من حوله:

-صباح النور

-هل جهزت الغذاء يا سمرا؟؟

-اجل إنه في المطبخ،لقد حضرت لصديقك فقط

-شكرا لك فأنا سأطلب الإذن اليوم..

-حسنا لكن اسمع عليك أن تحضر معك بعضا من التوابل لقد انتهت، وقد وضعت

الورقة لك في سلة الأكل..

أجابها بتأفف:

-أصبحنا ولله الحمد

ضحكت وقد فهمت المعنى الذي يرمي إليه..

غسل وجهه ولم يهتم لتغيير ملابسه التي نام بها، واخذ بعضا من الخبز الحاف وكوب من

الشاي الساخن وبعدما فطر حمل سلة الأكل وودع أخته ووالدته التي كانت قد صحت

لتوها..وخرج.

نزل إلى الحي، يبدو أن أحدا لم ينم ليلته، فموت أبو سكة أثار تخوف الجميع، وبدأت

الإشاعات في التكاثر كالطفيليات في جسم الحيوان الميت..

وأصبح كل متفلسف يتفلسف حسب مزاجه، كانت قد جهزت الكراسي المخصصة للجنائز

ونصبت الخيمة الكبيرة وفرشت الزرابي، ورصت الموائد ووضعت عليها، صحون صغيرة

من الزيتون الأسود المملح، وقطع الزبدة، والعسل والخبز وصواني القهوة وكان كل من

يمر، للتعزية يدخل للخيمة لتناول الفطور..إنها عادات كل الناس هنا..في الجنائز لا ترفع

أبدا صحون الزيتون والعسل والزبدة من فوق الموائد طوال اليوم..والتي يتم تجهيزها من

قبل الجيران، هنا في الأحياء الفقيرة، والذين يتضامنون في السراء والضراء.

كان خالد واقفا كعادته طوله الفاره، وجسمه القوي يجعله مميزا أمام الجميع، اتجه نحوه

صلاح ليهمس في أذنه قائلا:

-هل دفن؟؟

-لا لا تزال الجثة في المستشفى بالعاصمة وبعد الظهر سنأخذها إلى الصويرة مدينته

الأصلية..

هز رأسه متفهما ثم سأله:

-من اهتم بالجنازة؟؟

التفت إليه خالد وقد كانت دموعه متحجرة في عيونه:

-رجال الذئب لا يتكفل بهم إلا الذئب يا صاحبي..

عانقه صلاح بقوة وبصمت..

تقدمت عائشة نحوهما، وهي ترتدي جلبابها وتحجب شعرها بطرحة لتتساءل في خفوت:

-ألم يذهب أحد من الرجال للسوق؟؟

تنهد خالد وهو يجيب:

-لقد ذهب ابن الحاج أحمد وأيضا مصطفى "ونظر لساعته وتابع يقول"لا تقلقي سيعودون

بعد قليل..

ابتسمت في خفوت وهي تقول:

-حسنا أخبرهم أن يجلبوا الخضر إلى بيت فاطمة العرجاء..

-حسنا..

بعدما ذهبت التفت صلاح قائلا :

-اسمع سأذهب بالغذاء لصديقي كريم فأنت تعلم ليس هناك من يعتني به، وسأطلب من

رئيس العمل إجازة ليومين..

استغرب خالد وهو يقول:

-ستجلس يومين؟؟

ربت على كتفه وهو يقول:

-أجل يا صديقي وربما أكثر..

توجه إلى عمله مشيا ذلك الصباح، كعادته طبعا، لكن الآن الساعة السابعة مما يعني أنه

سيصل في الثامنة إلا ربع كأقل تقدير..

ابتسم لذلك الرجل الذي يدعي انه أعمى ويتجول في الطرقات يتسول ويستعطف قلوب

الموظفين والتجار وحتى الطلبة، والذين على رأيه لا يتكرمون عليه بالدراهم إلا في أوقات

الامتحانات، رد الرجل ابتسامته وهو يلقي عليه التحية قائلا:

-كيف حال المهندس؟؟

-بخير..وأنت أيها الأعمى؟

أبان عن أسنانه المسوسة وهو يجيب:

-الحمد لله على كل حال

ضحك منه وتابع سيره، غريبة هي الحياة، مثلا هذا الرجل الذي سمعتموني أتحدث إليه،

إنه من أبناء حيي كان في الجيش قبل أن يتقاعد قضى هناك أزيد من خمسة وعشرون سنة

وأثناء الخدمة العسكرية كان يتقاضى حوالي ألفين وخمس مائة درهم أي بما يعادل مائتي

وخمسين أورو، متزوج وله سبع أبناء أكبرهم الآن يبلغ الثلاثين من عمره وهو ياسين

هاجر لاسبانيا منذ أزيد من خمس سنوات ولم نسمع عنه شيئا..وبعدما انتهت مدة خدمته

وأحيل على المعاش، تركت له الدولة مبلغا يقدر بنصف راتبه الذي كان يتقاضاه..

ومرض السكري الذي أصابه، وأربع بنات لم يبلغن سن الزواج بعد، أما الذكور فالكبير

بعدما تغير الوضع وأصبح والده متقاعدا، ولم يعد الراتب الضئيل يسد حاجياتهم ارتأى أن

يهاجر للديار الاسبانية واعدا أباه أنه سيعود يوما ما..

أما الابن معاد والذي يصغر ياسين بعام واحد فقد اشتغل مؤخرا نشالا في الحافلات،

واختص في محافظ الموظفين والعمال بالمصانع و لا يبدأ عمله إلا في فترات الأجور أي

منذ اليوم السادس والعشرون من كل شهر فرنسي حتى اليوم الخامس أو السادس من

الشهر الذي يليه..وهو مكلف بأربع خطوط في العاصمة والتي لا يمكنه تغييرها أبدا..

نظرا لأن كل الخطوط تكون مشغولة، ولها ناسها وتفاديا للمشاكل فهم يحاولون أن يعملوا

في نظام محدد وقانون مسير الغريبة أنهم يحترمون ذلك القانون وبشكل كبير ربما لعلمهم

أنهم إن لم يحافظوا عليه فسيحكمون على نفسهم بالموت، لست أدري من يسن ذلك

القانون لكنه على الأقل يفرض احترامه من قبل الجميع..

أما الابن الثالث فلم يكن مهتما بشيء اللهم سوى جلسات القيتارة مع أصحابه بجانب البحر

وسراويل الجنز المقطعة والتي تهبط دائما على مؤخرته شأنه شأن بعض الشباب التافهين

الذين لم يفلحوا في دراستهم أبدا، ليلفوا سجائر الحشيش، وتناول المعجون "وهو مزيج

من بذور الكيف واللوز وزيت الزيتون والعسل "يتناوله المراهقون عادة ليجعلهم ينسون

في نظرهم تلك المشاكل المحيطة بهم، وهو يعتبر أقل من الحشيش حتى أن بعض البنات

هن أيضا يأكلنه..ويضيفون إليه كؤوس الشاي، حتى يصلن لقمة النشوة..

ألقى عليه الحارس تحيته الصباحية وكذلك فعل صلاح، ليدخل وتوجه أولا إلى صديقه الذي

كان يعمل كعادته:

-صباح الخير يا كريم

كريم بلهفة:

-حمدا لله على سلامتك أقلقتني عليك

ابتسم له صديقه وهو يهدئ خوفه:

-أنا الحمد لله يا أخي لكن لقد توفى ابن الجيران وأنت تعلم علي أن أكون حاضرا معهم

-عظم الله أجركم جميعا، " وربت على كتفه وهو يتابع"عليك أن تأخذ الإذن من المسئول

-نحن و إياكم، اسمع خذ سلة الأكل لقد جهزتها لك سمرا وستجد بعض البرتقال تناوله

أيضا..

فتش محتويات السلة في فضول وهو يقول:

-بلغها سلامي ودعائي لها بتيسير كل صعب لها، "وتابع بمرح"أما البرتقال يا صاحبي

خذه وكله فأنا لا أحبه..

غمزه صلاح وهو يتابع سيره نحو إدارة المعمل حيث يتواجد والد ليلى:

-أنت أيضا مثلي لذلك نحن ناقصان فيتامينات

ضحك كريم وهو يقول:

.

-أو ربما ذلك هو سبب قوتنا ..اسمع سأوزعه على الرفاق

هز صلاح رأسه وهو يقول:

-فلتفعل به ما تشاء..

تأمل ذلك المكتب الصغير الذي بالمخزن، حيث يضع صلاح ورفاقه الصناديق كل في

جهته الخاصة، حتى يعلم المسئول من وضع تلك المجموعة من الصناديق، احتمالا لأي

تكسير أو إتلاف لتك المواد التي بداخله..فإن حصل لا قدر الله شيئا سيخصم من راتبه لكن

الحمد لله لحد الساعة لم تسجل لأي أحد فيهم أي شكاية في الموضوع،

رغم تلك القوة التي يضعون بها تلك الصناديق الخشبية القوية، والتي خشبها وحدها يزن

نصف وزن الصندوق.

أوقفه الحارس هناك بنبرة ساخطة:

-هيه أنت عد لعملك

رمقه صلاح بنظرة غاضبة وهو يقول:

-اسمي صلاح وأريد مقابلة السيد البشير

ضحك وهو ينفث سيجارته "العذراء"لفظ يطلق على السجائر الخالية من الحشيش

-اسمع السيد البشير في المخزن تحت، مع السيد ماركو لذلك فهو لن يستطيع التحدث إليك

عد في وقت لا حق أيها الفتى..

دفعه صلاح بقوة وهو يقول بنبرة محذرا إياه:

-اسمع لا تتحدث معي بهذه الطريقة وإلا قطعت لسانك أيها الغبي

دفعه الحارس مرة أخرى في حين بدأت كلابه تزمجر وتحاول التخلص من بين تلك

السلاسل القوية التي أحكم الحارس لفها جيدا على يديه وهو يأمرها بالصمت، لكنها لم

تمتثل لأوامره وإن خفت حركتها لكن صوتها لا زال يصطك بأسنانها..ونظراتها غاضبة

تتجه نحو صلاح الذي لم تعد تشعره مثل تلك النظرات بالخوف منذ زمن طويل..

في هذه الأثناء خرج السيد البشير وهو يتحدث إلى رجل ضخم البنية، وأصلع الرأس

فكر صلاح أن شكله لا يوحي برئيس المصنع، هو لم يسبق له وأن رأى السيد ماركو هذا

لكنه خيل إليه الآن وهو يراه يتحدث مع السيد البشير وكأنه احد رجال العصابات في الأفلام

العربية القديمة، واليد اليمنى لرئيس العصابة..

إنها الصورة الأقرب لهذا الضخم والذي بالكاد يستطيع المشي، لم يشعر صلاح بنفسه وهو

يراقبهما إلا حينما رمقه الضخم بنظرات حانقة خيل لصلاح انه سيقضي عليه فو انتهائه

من حديثه مع والد ليلى..

أخيرا ابتسم ببطء وهو يصافح العجوز، الذي يبدو أنه كان يطمئنه على العمل هنا

ليلتفت بجسمه كله، وتوجه نحو سيارة كانت على يمين المخزن، لم ينتبه لها صلاح إلا

الآن وهذا الكم من اللحم يركبها..

حينما توارت السيارة عن الأنظار، أشار البشير لصلاح بيده أن اتبعني ففعل ذلك..

تسلمت النسوة صناديق الخضر التي اشتراها خالد، من ماله لجنازة احد رجاله الأقوياء

فعدت عائشة بعينيها الصناديق وهي تضع يديها على خاصرتها:

-صندوق الجزر، وآخر للفت ، الكرمب، القرع الأحمر، والقرع الأخضر، البصل.... ثم

سألت الشاب الذي كان يقف بجانبها وهو يضع كيسا كبيرا أمام قديمها ويمسح العرق الذي

تصبب على جبهته:

-ما شاء الله إن هذا كثير..

لم يجبها فقد كان يشرب الماء ويروي عطشه، فتابعت تسأله وهي تفتح ذلك الكيس:

-كم هنا يا مصطفى من اللحم؟

-لقد جلبنا سبعين كيلو من اللحم لهذا اليوم وغدا إن شاء الله سنجلب كمية أخرى

رفع سبابته محذرا إياها بما أنها التي ستتكلف بإعداد الطعام هي و فاطمة:

-اسمعي لقد أوصى الذئب ألا ينام بيت في الحي بدون أكل اليوم ولا المساجد أيضا..

هزت يديها وشمرت على ساعديها وهي تقول:

-اخبره أني سأتكفل بتوزيع صحون الكسكس على البيوت بنفسي..لكن على بعض أولاد

الحي أن يأتوا لمساعدتي بعد صلاة العشاء..

-حسنا يا خالة وقبل أن يخرج اعلمها أن كل ما تحتاجه من التوابل وأيضا فرن الأكل

وأكياس الكسكس ستكون في حوزتها بعد أقل من ربع ساعة..

حولت بصرها للنسوة اللواتي كن يساعدنها وكذلك ليلى وسمرا اللتان سيتكفلان بغسل

الأواني وتحضير موائد الأكل،وصواني القهوة كلما فرغت الأباريق منها ..ليضعها الشبان

في الخيمة..

همست ليلى وهي تأخذ أحد الكؤوس من يد صديقتها لتمسحها بينما انهمكت باقي النسوة

في تقطيع الخضر وتجهيز طعام العشاء..

-وصلاح ألن يأتي؟؟

هزت كتفيها وهي تقول:

-لست أدري لكنه أخبرني أن أجهز طعام الأكل لصديقه فقط، اعتقد أنه سيظهر بعد..

وقبل أن تنهي جملتها سمعت صوته يتحدث إلى خالد وهما يتقدمان إلى ساحة المنزل

الواسع والتي فرغت من كل شيء لكي يتم تجهيز طعام العشاء فيها..

هز صلاح بصره إلى ليلى التي كانت تعطيه بظهرها، لكنه شعر بارتباكها، ثم قال :

-صباح الخير جميعا

أخيرا التفت إليه وردت مع الجميع:

-صباح النور

وحول بصره للخالة عائشة وهو يقول:

-خالتي هل تحتاجون لشيء آخر؟

ربتت على كتفهما معا وهي تقول:

-بارك الله فيكما نحن لا نحتاج لشيء..

أضاف خالد بصوت حازم:

-اسمعي لا تترددي أبدا في طلب المال، أو أي شيء ومد يده إلى جيبه ليخرج بعضا من

المال لم يستطع صلاح معرفة كم بالضبط لكنها سعدت به وهي تقول:

-لا تقلق سيكون كل شيء على أكمل وجه..

أشار صلاح لأخته، فتبعته وهي ترفع حواجبها لليلى التي ابتسمت لها:

لف يده حول عنقها وتوجه بها إلى جانب الباب الرئيسي وهو يقول:

-سمرا ماذا لدينا في خزين الكوارث المفاجئة؟

قطبت حواجبها لتقول:

-لا يوجد إلا خمس مائة درهم"ورفعت سبابتها وهي تقول"ولا تقل لي أنك ستصرفهم

هز حواجبه وكتفيه وهو يقول:

-لقد حان وقت استعمالهم

أحنت رأسها في تخاذل وهي تقول:

-حسنا سأجلبها لك

وأقرنت القول بالفعل لكنه أوقفها قائلا:

-انتظري لن احتاج منها الآن إلا مائة درهم،والباقي "رفع سبابته هو أيضا يحذرها قائلا"

-أرجوك تقشفي عليه..

-حسنا ..سأذهب لأجلب لك المائة درهم..

حينها خرج خالد وهو يضرب كتف صديقه ليذهبا، وأثناء مشيهما التقيا بسمرا أمام بيتهما

وهي تحمل الهاتف الذي يرن قالت برعب:

-إنه بكر..ماذا اخبره؟؟

أمسك كتفها ليثبتها وهو يقول:

-اسمعي أخبريه أن تلتقيا الآن بمقهى الفن السابع

وكذلك فعلت وبعدما أنهت المكالمة قالت بحماس:

-علي أن أغير ملابسي

سال ببلاهة:

-ولم؟؟

قالت بتشكك:

-ألن نذهب إلى بكر؟

ضحك في استخفاف شأنه شأن خالد واخذ منها الهاتف والمائة درهم وهو يقول:

-اذهبي لمساعدة النسوة في عملهن ولا تخبري أيا كان عن القضية

قطبت حاجبيها وهي تقول:

-من تقصد؟؟

أجاب خالد:

-أي شخص "وتابع في سخرية"حتى السنيورة هذا إن لم تكوني يا صاحبة اللسان الطويل

قد أخبرتها بالفعل..

ضربه صلاح على رقبته وهو يقول:

-كم مرة علي أن أخبرك ألا تتحدث عن أختي؟

استنكر خالد وهو يقول:

-لقد قلت السنيورة فقط والآن أضفت أختك ؟؟ ثم ماذا قلت أنا لكل هذا؟؟

هز صلاح رأسه وهو يقول:

-هيا لنذهب فأمامنا نهار طويل.."وضربه ضربة أخرى وهو يقول"ستكون السنيورة هي

سبب فراقنا يا خالد..

عدل ملابسه وهو يقول:

-حسنا أيها المهندس لكنك لم تخبرني ماذا سنفعل؟؟

تأمل الهاتف الصغير ثم قال سنلتقي ببكر.

تابع كريم عمله ذلك الصباح وقد ساعده في نقل الصناديق زميل له من المجموعة الثانية

لكنه لم يشاركه الحديث إلا نادرا، كانت الساعة الحادية عشر صباحا، حينما دخل بصندوق

آخر إلى المخزن، وقد كان وحده، التفت بسرعة نحو الحارس الذي كان بالمطبخ الصغير

الذي تتوسطه نافذة كبيرة يستطيع أن يرى من خلالها المخزن كله حتى لو كان في المطبخ،

لكنه بدا منشغلا بتحضير الشاي، تنفس بعمق وهو يراقب ذلك الصندوق الموضوع مند

أسبوع هناك وكلما سنحت له الفرصة، يحاول أن يوسع الثقب الذي كان قد صنعه أول مرة

نظر مرة أخرى نظرة جانبية إلى الحارس الذي كان يضع البراد فوق النار وهو يغني، ويبدو

أنه لم ينتبه لكريم فسحب مسمارا كبيرا، وادعى أنه يعدل الصناديق ووضعه بين خشبة

وأخرى، ثم رفع المسمار بقوة لينقلع طرف آخر من الخشب، ثم خبأ الصندوق جيدا،وفي

المساء سيستطيع أن يعرف ما في الصندوق..

اقترب حل اللغز، الذي شغل فكره منذ وقت طويل

-هيه أنت أرى أنك أصبحت تتلكأ في عملك مؤخرا

حك رأسه وهو يجيب:

-لا لقد تعبت قليلا

قال بصوت حازم وإن كان يبدو ساخرا:

-إن تعبت يا فتاة فيمكنك الذهاب لمنزلك

بلع تلك الاهانة وهو يدعي مرحه قائلا:

-لا على كثرة الخطاب العمل أحسن

تمتم بضيق:

-جيد إذن فلتتابع عملك وإلا أخبرت السيد البشير ولن يعجبه الأمر أبدا..

*****************

-ألو بكر كيف حالك؟؟

أجاب بكر في اقتضاب:

-لست بخير يا نوفل لا زلت اشعر بتوعك

بدا صوت نوفل قلقا وهو يتساءل:

-بكر هل كنت تقول الحقيقة؟؟

تأفف من كثرة ما طرح عليه هذا السؤال من الجميع:

- لا يا نوفل لا تبدأ سأقابل عفاف بعد قليل وأنت تعلم لن تسامحني أبدا قبل أن تسمعني

محاضرتها الطويلة..

ضحك صديقه وهو يقول:

-أعانك الله

هز بكر رأسه وحينما بدت له والدته تقف عند باب غرفته استأذن من صديقه وأقفل الخط

قال بنبرة متأففة:

-ماذا هناك يا أمي؟؟

أحكمت قبضتها على دفة الباب وبدت متوترة وهي تقول:

-اسمع يا بكر مند مدة لم أعد أتدخل في حياتك، لكن صدقني إن علمت أنك تضحك على

عفاف فأقسم أني سأرميك خارجا

نهض وقد بدا عليه القلق وهو يقول بصوت هادئ:

-لم تقولين ذلك يا أمي؟؟

مسحت إحدى دمعاتها التي فرت من عينيها وهي تقول:

-لقد سمعت أنك تركت عفاف وتشاجرت معها ليلة المباراة

ضرب يدا في الهواء وهو يخرج من بين أسنانه سبة،

-تبا لهم كم يعشقون إثارة الإشاعات الزائفة، اسمعي أنا وعفاف تناقشنا لا أنكر ذلك، لكن

لم يصل الأمر لنترك بعض ثم لا تقلقي الزواج لا يزال قائما "وتابع بمرح"وانظري إلي في

نظرك لم كل هذه الأناقة إن لم تكن لعفاف؟

ابتسمت له والدته وهي تقول:

-ما شاء الله عليك يا بني "وربتت على وجهه قائلة"الفتاة يا ابني يتيمة وليس لها في

الدنيا سوانا بعد الله عز وجل..فلا تنهرها يا بني

-أمي إن قلت لك أني أحب عفاف فسأكون كاذبا

قطبت حاجبيها في قلق في حين ابتسم وهو يتجاوزها قائلا:

-إني أعشقها يا والدتي

كان قلبها سيقع..

كم أن هذا الولد شقي يوما ما سيسبب لها جلطة..

أوصى خالد بقية رجاله بالاهتمام جيدا بالناس، وأيضا مراقبة المكان..

بعدها ركبا سيار واتجها إلى العاصمة، نحو المقهى الذي اتفقت سمرا عليه مع بكر

-والآن اخبرني ماذا سنفعل يا صاحبي؟؟

أجابه باستفهام آخر:

-لم شعرت أن أبو سكة قتل؟؟

ضاقت عيون خالد وهو يقول:

-لأني أعرفه جيدا قضى عمره كله مع المخدرات، والحشيش، والكيف لن يتوه عن الكمية

التي سيحتاجها أبدا..

-لكن لم تسأل يا صديقي؟

تنهد بعنف حتى يسمح للهواء بالخروج ساخنا من رئتيه، وهو يراقب المارة، من حوله

حرارة الصيف تزيد من توتر الجميع، وبائعو الماء يرتزقون في مثل هذا الفصل جيدا، فهم

يعترضون طريقك بلباسهم الخاص وقبعاتهم المزركشة والتي تتدلى منها أهداب بشتى

الألوان، يحملون حول جنبهم قربة من جلد الماعز وهي التي تحافظ على برودة الماء،

تتدلى من فمها سقاية بلون الذهب يتحكم في إغلاقها وفتحها، ليتعلق حول خاصرتهم حزام

يتدلى منه مجموعة من الكؤوس ، المصبوغة بالقطران، يتواجدون بكثرة في المدن

القديمة بالمملكة..

أخيرا بعدما انتهى من جولته البصرية كعادته، يشرد في كل شيء أجاب:

-لا شيء لكن علي أن أتأكد إن كانت عفاف هي أيضا تتعاطى للمخدر أولا..

أشار خالد نحو المقهى وهو يقول:

-هيا لقد وصلنا..

كانت المقهى شبه فارغة، في ركن منها يجلس شابان يحمل أحدهما حاسوبا نقالا بينما

الآخر كان يضع أمامه مجموعة من الأوراق وقد بدا كل منهما منهمكا في عمله..

بينما في الطاولة التي كانت يمين الباب، جلس شاب لوحده وهو يتطلع لساعته في ضيق

وأمامهما شاب أخر يطقطق بأصابعه فوق الطاولة،

تملكتهما الحيرة، خصوصا بعدما دخل شاب آخر للمقهى وجلس في ركن آخر لوحده، تمتم

صلاح بضيق:

-يبدو أن هذه المقهى لا يحضرها إلا الشباب

كتم خالد ضحكته وهو يتساءل:

-كيف سنعرف المدعو بكر هذا؟؟

هز صلاح كتفيه دلالة جهله وهو يقول:

-لست أدري يا خالد، دعني أفكر

لكن خالد لم يترك له مجالا للتفكير بل صاح بصوته الغليظ:

-بكر..من اسمه هنا بكر؟؟

التفت إليه الجميع، بعدما أثارهم صوته، ثم تبادلوا نظرات فيما بينهم ليتابع كل عمله

تبادلا خالد وصلاح نظرات غريبة، قبل أن يقطع النادل صمتهما قائلا:

-هاهو بكر الذي تبحثون عنه

وأشار لشاب وسيم جدا كان يدخل للمقهى لتوه..

توقف مباشرة أمامهما ليقول بنبرة محترمة جدا:

-كيف أساعدكما؟؟

ربت خالد على كتفيه وهو يقول:

-علينا أن نتحدث قليلا معك..

"وأشار له لمكان بعيد عن البقية وهو يقول"هيا معنا أرجوك..

كانت الحيرة تتملك بكر لكنه تبعهما بصمت..

العواء الرابع

-لكن أرجو أن تسرعا فلدي موعد هام

رمقه خالد بنظرات مسلية، قبل أن يزيح كرسيا ويرمي جسده عليه في خمول، أما صلاح

فقد قال بنبرة هادئة وهو يحثه على الجلوس:

-أرجوك تفضل لقد قدمنا من أجل هذا الموضوع

تساءل في قلق:

-هل عفاف بخير؟؟

تسمرت نظراتهما ببعض، أحال بين حديثهما النادل الذي تقدم إليهما وهو يقول:

-ماذا تشربون يا سادة؟؟

رفع صلاح رأسه نحو بكر وهو يسأله:

-ماذا تشرب؟؟

نظر إليه بضيق ثم قال:

-قهوة بدون سكر

ابتسم له صلاح وهو يحول بصره للنادل ويقول:

-ثلاث فناجين من القهوة بدون سكر..

وقبل أن يذهب صرح خالد

-أرجوك اجلبها لي في كأس شاي

استغرب النادل لكنه لم يعلق..

مسح بكر على جبهته وقد ظهر على ملامحه الضيق وهو يعيد السؤال:

-اخبرني كيف هي عفاف لم لم تأتي؟؟ ومن أنتما؟؟

وجد صلاح صعوبة في الحديث مع بكر ذلك الشاب الطويل والتي توحي ملامحه بالبراءة

والطيبة، يبدو أنيقا جدا مما يدل على انه غني، شعره مرتب ورائحة عطره تسبقه، عكس

الفوضى التي تعم ملابسهما هو وخالد..

جلب لهم النادل طلبهم، وبعد ذهابه قال صلاح بنبرة جدية، وصريحة:

-لقد توفيت عفاف..

جحظ بكر بعينيه وفتح فمه ليطبقه مرة أخرى، ثم نهض من مكانه، وعاد يجلس..

راقبه كل من صلاح وخالد الذي عقد ساعديه أمام صدره وهو يقول:

-هون عليك يا أخي إنها إرادة الله

بدأ يلوح بيديه في عجز، ويقول كلمات غير مسموعة، أو غير مفهومة..من شدة الصدمة

أخيرا قال بصوت متقطع ومرتعش بعدما كانت دموعه تصنع أخاديد على وجهه:

-كيف ماتت؟؟ انتحرت أليس كذلك؟؟

توتر فك صلاح حينما سمع كلام بكر، ثم مال بجسده نحوه وهو يسأله:

-ما الذي يجعلك تقول أنها تكون قد انتحرت؟؟

توتر بكر وهو يتساءل في حذر:

-هل أنتما من الشرطة؟؟

لو لم يكن الوضع متأزما لانفجر خالد ضاحكا لكنه كتم ضحكته بصعوبة وهو يقول:

-قد تقول أننا نعمل لحسابنا..

زاد خوف بكر وارتباكه وقد هم بالنهوض قائلا بصوت عال:

-اعتقد أنه قد انتهى حوارنا

أمسكه صلاح من يديه وهو يقول:

-اسمع نحن نود أن نتعاون معا، علينا أن نكتشف الحقيقة

جلس مرة أخرى وهو يتساءل في حيرة:

-أي حقيقة؟؟ ومن أنتم بالضبط؟؟

هم خالد بالتدخل لكن صلاح أوقفه وهو يتحدث برجاحة إلى بكر:

-اسمع لقد فقدنا صديقنا في نفس اليوم الذي ماتت فيه عفاف، ونحن عكس ما تشك فيه

أنت نحن نعتقد أن صديقنا قتل..

ارتعشت يد بكر للكلمة وهو يقول في ذهول:

-قتل؟؟

"هز كل من خالد وصلاح رأسه ليتابع بكر في ذهول أكبر"اسمعا أنا لم أفهم شيئا مما

أسمعتماني به لذلك فلتخبراني كيف ماتت عفاف؟؟

تنهد صلاح وهو يقول:

-حسب التقرير الطبي فلقد ماتت بجرعة زائدة من الكوكايين ..

ضرب بكر الطاولة بعنف وهو يقول:

-هل جننتما؟؟ لن أسمع لهذه التفاهات

وهم بالرحيل لكن خالد أوقفه بصرامة وهو يقول:

-اسمع إن لم تكن مهتما بموت حبيبتك، فنحن مهتمان بصديقنا ومهتمان جدا

وضغط على كلمته الأخيرة أما صلاح فقال بنفس نبرته الهادئة:

-أرجوك تفضل معنا..

تأفف بكر، وعاد معهما

صحيح أنه لا يعرف من هما هذان الشابان، لكنه يشعر بالفضول نحوهما يجعله، يجلس

ليستمع إلى قصتهما..ويعرف ما وراءهما..

روى له صلاح كل شيء، بداية من رؤيته لعفاف وهي تتخبط بتألم فوق اللوح إلى أن

تحدثت إليه سمرا وأخبرته بلقائهما..

-وها نحن جئنا مكان سمرا، حتى نعرف منك

قال بعصبية:

-إذن من كانت تكلمني ليست عفاف

هز صلاح رأسه بالإيجاب وهو يقول:

-والآن أخبرنا ما لديك؟؟

لم يفهم بكر في البداية سؤالهما، لكن خالد قال بصوت حازم:

-أخبرنا منذ أن تعرفت على عفاف حتى الآن

تساءل بتهكم:

-ألا تعتقد أن قصتي مع عفاف هي أكثر خصوصية من أن أخبرك بها

أجابه بتهكم اكبر وإن كان يحمل بين حروفه سخرية كبيرة:

-لا تخبرنا بالخصوصيات إن كان ذلك سيقلقك، نحن فقط نريد أن نعرف ما ينفعنا

في قضيتنا هذه..

سأل بخبث:

-ألا تعتقدا أن هذا الأمر تختص به الشرطة؟؟

وقف خالد وقد بدا ساخطا، قال بنبرة أمرة موجها كلامه لصلاح:

-أعطني الهاتف

مد له الهاتف في حين وضعه بين يدي بكر وهو يقول:

-اسمع اذهب إلى الشرطة الآن وسترى كيف ستساعدك، أما إن لم تعجبك طريقة عملها

فخذ الحافلة التي تتوجه إلى المدينة القديمة وهناك اسأل عن الذئب، تأكد اصغر طفل هناك

سيجلبك إلي..

'وتابع بسخرية أكبر'أرجو أن تحاسب على القهوة التي لم نشربها..

حينما أصبحا بالشارع تساءل صلاح بغضب:

-ماذا فعلت؟؟

أجابه ببلاهة مصطنعة:

-ماذا أكنت تريدني أن أحاسب على قهوة لم أشربها؟؟

زمجر صلاح بغضب شديد، وهو يقول:

-تبا لك أيها الأحمق تعرف أني لا أتحدث عن القهوة

كان خالد باردا عكسه وهو يجيب:

-سيعود يا صلاح لا تقلق..

أما بكر فلم يكن في نيته أبدا العودة مرة أخرى إلى هذان الشابان، تأمل هاتف عفاف ثم

حمل هاتفه وضغط على رقم خمسة، ليرن الهاتف مطولا قبل أن تجيب جميلة وهي تبكي:

-أوووه بكر أين أنت؟؟

تساءل بخوف:

-ما بك يا جميلة؟؟

جاءه صوتها المخنوق وهي تقول:

-ألم تعلم بعد؟؟ لقد ماتت عفاف..

صمت مطولا وكأنه تأكد لوته من الخبر، وأقفل هاتفه سامحا لدموعه بالنزول بسخاء..

تأمل الذبلة التي بإصبعه، والتي ركبتها له عفاف في حفل الخطوبة قبل شهر..

كم بدت جميلة بفستانها الزهري، وتلك الوردة البيضاء تزين جانب أذنها اليمنى، وهي

تسقيه من كأس الحليب المنسم بالزهر، وكذلك هو وبيدين مرتعشتين أطعمته من تمرة

محشوة باللوز..

كم كانت والدته سعيدة جدا بخطوبتهما، وكذلك هو كان يشعر أنه سيطير في السماء من

شدة الفرح، ليس لأنه يحبها فقط، ولكن لأنها كانت فعلا رائعة..

صحيح أن غيرتها أحيانا تبدو متسلطة، لكنه كان يعشق تصرفاتها المجنونة، وارتباكاتها

كلما ذكرها باقتراب موعد الزفاف ليغلق عليهم بيت واحد..

لم يشعر بقدميه إلا حينما توقف أمام مركز الشرطة بالمدينة، ودخل ليقابل الضابط هناك

والذي أخبره بتعال:

-لقد كانت المتوفاة تتعاطى للمخدرات..

قاطعه بكر وهو يقول بنبرة متهكمة:

-لا يا سيدي خطيبتي لم تكن تتعاطى لشيء

هز كتفيه في استهزاء وهو يقول:

-لقد وجد الأطباء كمية كبيرة من المخدر في دمها، أليس الأمر كافيا بالنسبة لك؟

ازدرد لعابه وهو يقول:

-بلى شكرا لك

حينها فقط عاد يتأمل الهاتف الذي بين يديه، وقد تبادر لذهنه كلام خالد..

تنهد بعمق وقد لا حظ انه سار كل هذه المسافة بدون سيارته، فأخذ سيارة أجرة، ليتوجه

إلى المقهى، ويأخذ سيارته ثم بعدها ذهب إلى منزل عفاف حيث أقام لها الجيران جنازة

تليق بفتاة كان يقول عنها الجميع أنها اسم على مسمى..

تناهى إلى مسامعه صوت إحدى النساء وهي تهمس في أذن جارتها:

-هذا هو خطيبها

أجابتها الأخرى

-لا بد أنهما كانا يشربان ذلك السم مع بعض..

دفنت جميلة وجهها بين يدها وبكت بعمق، على موت صديقتها بهذه الطريقة..

تأملها من بعيد و تساءل هل هي أيضا تصدق أن عفاف كانت تتعاطى للمخدرات؟؟

حينما بدا لها يقف واجما أمام عتبة البيت الصغير الذي كانت تمتلكه عفاف منذ أن كانت في

الخامسة عشر من عمرها، بعدما توفي أهلها في حادث لم تنجوا منه إلا هي، وبأعجوبة

عاشت وسط جيرانها الذين فتحت عيونها عليهم، وكانت تصرف على نفسها وكذلك

دراستها من الراتب الصغير الذي تركته لها الدولة..

سارعت إليه وهي تزيد من دموعها الساخنة، لتقول في استنكار:

-أتصدق أنها قد تفعل شيئا كهذا يا بكر؟؟

أجابها بسؤال:

-وهل تصدقين ذلك يا جميلة؟؟

نفت وهي تمسح دموعها لتقول:

-لا يا بكر حتى لو استيقظت عفاف بنفسها وأخبرتني بذلك لن أصدق

قال بنبرة مخنوقة:

-إذن فلا تصدقي ذلك أبدا

تساءلت في خفوت:

-وهل سندع هؤلاء الكلاب ينهشون في لحمها وهي ميتة؟؟

-لا يا جميلة أقسم أن أثبت عفافها حتى لو كلفني ذلك حياتي..

"نظر لساعته قبل أن يتابع قائلا"

علي أن أذهب الآن..

-إلى أين؟؟

توقف للحظة قبل أن يلتفت ويقول:

-سأجعل روح عفاف ترتاح

نزل السلالم بسرعة وعقله يبدو مشوشا كثيرا، لا يعرف أين سيجد ذلك الشابان

وأي اسم قاله ذلك الشاب الضخم؟؟

ما يتذكره هو شيء ما عن المدينة القديمة..

لذلك توجه إليها وحينما توقف أمام أبوابها المقوسة، نزل ببطء وأخذ يتجول بغير هدى بين

أزقتها الضيقة، ودروبها الطويلة، إلى أن وصل إلى طريق مسدود..وعاد لأدراجه مرة

أخرى..

ثم دخل لدرب آخر حينما هبط عليه رجلان ومن مكان لا يعلمه، لوح احدهما بسكين حاد

على وجهه وكان سيصيبه لولا انه أبعده، أما الثاني فقد لوى ذراعه وهو يهمس في أذنه

قائلا:

-اخلع ملابسك

جحظت عيون بكر وهو يتمتم في ذهول:

-ماذا؟؟

مرر سكينه على رقبته وهو يقول:

-"نفيحة"لا يحب أن يكرر كلامه مرتين"النفحة هي عشبه لونها اخطر،تسحق

أوراقها وتمزج مع رماد النار، حتى يصبح لونها مائلا للسواد، يشمها

بعض المتسكعين وهي تنشي الشخص كثيرا..أما "نفيحة" فقد سمي بهذا الاسم لكثرة

استعمالها وهي على فكرة تستعمل بنفس طريقة الكوكايين أي يصنع الشخص سطرا منها

على كفيه ثم يغلق أحد ثقوب أنفه ليستنشقها وهكذا مع الثقب الثاني.."

ارتفعت حرارة بكر في البداية ولسبب ما شعر بالخوف..

رغم قوته لم يكن يثير الشجار أبدا، لكنه هذه المرة كان مضطرا لذلك

وفي حركة مباغتة أمسك "نفيحة" من معصمه ليضرب به ركبته بقوة حتى سقط السكين

من بين يده، زمجر" نفيحة" من بين أسنانه:

-تصرف أيها الأحمق

وقبل أن يتصرف صديقه ارتفعت إحدى أرجل بكر لتستقر على وجهه ويطيح به أرضا، ثم

وجه لكمة "لنفيحة" وهو يرميه على الأرض..

لم يكن الأمر صعبا كما تخيل في البداية، لكنه لا ينكر انه شعر بالرعب، فلم يسبق أن أشهر

احد أمامه السلاح قبل هذين المتسكعين..

أوقف كرة كانت تتدحرج أمام قدميه قبل أن يجثو طفل صغير يبلغ حوالي ست سنوات أو

سبع، أمامه ويحاول تحرير الكرة من بين قدميه..

تأمله بكر وهو يتصارع حافرا أظافره في التراب، وقد توسخ الشرط الصغير الذي كان

يرتديه، والذي على ما يبدو كان لونه الأصلي أبيضا قبل أن يصبغ بحمرة التراب..

وقدماه حافية متشققة الأطراف، بينما كانت ركبه متسخة وكذلك وجهه..

حالة أقل شيء يقال عنها أنها يرثى لها..

ابتسم له أخيرا وهو ينحني أمامه سائلا إياه:

-هل تريد الكرة؟؟

لم يجبه الطفل فقد تابع محاولة تحريره للكرة، وهو يلهث، فأحس بكر وكأن الطفل اعتبر

ذلك تحديا، فأرخى قبضته قليلا حتى يتسنى له أخذها، وبالفعل فقد انتزعها وقام إلى

أصحابه وهو يعتز بنصره..

اقترب منهما بكر وسأل بصوت عال بعدما كان يحاول جاهدا طوال الطريق تذكر الاسم:

-أين يسكن الذئب؟؟

ران صمت طويل صاحبه توقف الجميع عن اللعب والهتاف، ليتأملوه جيدا..

هل أوقعت نفسي في مأزق؟؟

وقبل أن تجيبه نفسه، تقدم نحوه نفس الطفل وهو يقول بنبرة محترمة:

-إنه يقطن في الحي الآخر

"تابعه بكر ببصره، وكان سيتوجه نحو الحي الذي أشار له الطفل، قبل أن يوقفه قائلا:"

لكنك لن تجده هناك"قطب بكر حاجبيه في تساؤل

فقال الطفل:

"-تعال معي سأخذك إلى مكانه..

أخذ المشوار للذهاب للمكان، حوالي عشر دقائق مشيا، على الأقدام و أخيرا توقفا

أمام خيمة كبيرة منصوبة أمام ساحة كبيرة، عرفها بكر فهي شبيهة بالتي نصبت أمام بيت

عفاف، التفت للصبي وهو يقول:

-شكرا لك

-لا عليك

وسارع للالتحاق برفاقه..

بدا له ذلك الجسد الضخم يقف في اعتزاز بين مجموعة من الرجال وهو يتحدث، ومعه

نفس الشاب الذي كان برفقته في الصباح..

همس خالد في أذن صلاح قائلا:

-لقد وصلك ضيفك

ابتسم صلاح وتوجه نحو بكر وهو يصافحه قائلا بثقة:

-كنا نعلم أنك ستأتي

أجاب:

-لم أكن أعلم بأني سآتي..

صافحه خالد وهو يقول:

-هيا لنتكلم في مكان آخر..

وقف ثلاثتهم أمام مقهى صغير، قبل أن يتقدمهم خالد ويصفق بيديه القويتين فينتبه له

الجميع، كان المنظر أشبه بالأفلام القديمة حتى أن بكر عرف ما يقصده خالد بحركته هذه

والتي سرعان ما تبعها إخلاء للمقهى، بصمت..

تساءل سعد النادل بفضول وهو يضع كؤوس الشاي والبراد بالنعناع:

-اهو اجتماع؟؟

نظرة خالد جعلته ينسحب بهدوء دون أن ينتظر رده

-أرى انك تثير الرعب هنا في هذا الحي

نفث خالد سيجارته بعدما أحرق قطعة من الحشيش بولاعته، واخذ يفركها بين يديه

ليمزجها جيدا مع التبغ ثم يلفها بإتقان وهو يقول:

-صدقني ليس في الحي فقط بل المدينة..

رفع حاجبيه ليس استغرابا ولا دهشة وإنما سخرية، وذلك لم يخف على خالد الذي بدأت

ملامحه تتوتر، لكنه كان يعلم جيدا أنه عليه أن يثبت قوته في مكان وموقف آخر غير

هذا..

كانت المقهى صغيرة جدا بأحد الأسواق الشعبية بالمدينة والقريبة من حيهم، يجتمع فيها

كل متسكع ومتسول، وعابر سبيل، وكذا كل شرطي يحتاج لدليل أو خيط على قضية ما..

والمقهى لا يخلو أيضا من بعض المثقفين، وبقايا الحروب ممن أضاع رجلا أو يدا أيام

الحرب بين فرنسا والمغرب، أو اسبانيا والمغرب..

دخل أحد المحاربين القدامى، يقال عنه انه جاسوس يعمل على حساب الشرطة، لذلك

فأغلب الناس تخشى مرافقته أو الحديث معه، كي لا يسل لسانهم ويعترفون بشيء ربما قد

يدفعون حياته مقابله..

ابتسم له خالد وهو يقول بصوت غليظ:

-ماذا يا روح والدتك؟

أجابه وهو يكاد يقع، من شدة ثمالته وقد كان يحمل بين يديه زجاجة شراب، رخيصة جدا

عادة لا يشربها إلا المتسكعون وفي اليد الأخرى كان يضع كيسا بلاستيكيا على فمه

يستنشقه ملئ رئتيه، به مادة السليسيون

-أريد أن أعرف من هذا الوسيم؟؟

ضحك خالد بينما ظل صلاح وبكر يراقبانهما، وهو يجيب:

-وما شأنك؟؟ اذهب أخبر سعد أن يعطيك قطعة وانتشي في ليلتك هذه..

أراد أن يعارضه لكن خالد ادعى أنه سيقف، وإذا وقف فطبعا سيبرحه ضربا

فرفع كلتا يديه وهو يقول:

-حسنا..حسنا لا تتعب نفسك أنا ذاهب

وأغلق باب المقهى وراءه، وكالعادة كلما خرج بدأ يسب خالد، ويتحداه إن كان رجلا

فليخرج إليه، لم يكن خالد ليهتم به فهو كعادته ما إن تقع قطرة الخمر في فمه يصبح كالفأر

الذي يعتبر نفسه أسدا، وإن رآه قادما نحوه يهرول هاربا..

دفع علبة السجائر ناحية بكر وهو يسأله:

-عذراء أو ملفوفة؟؟

قال بنبرة حانقة:

-لا هذه ولا تلك أشكرك

هز رأسه والتفت إلى صلاح وهو يقول:

-وأنت طبعا

"وقبل أن يجيبه تذمر وهو يطلق كلتا رجليه، ليريح جسده على أحد الكراسي الخشبية

الرثة"أشعر وكأني اجلس مع أولادي..

نقل بكر نظرته بينهما، وهو يقول:

-حسنا الآن أخبراني ماذا تريدان مني بالضبط؟؟

تنهد صلاح بعنف وهو يصب الشاي في كأس كل واحد منهم ثم قال:

-اسمع زميلنا الذي مات نحن نعرف أنه شأنه شان الأغلب هنا في هذا الحي، يتعاطى

للمخدرات والحشيش، كل أنواعها منذ أن كان طفلا..لكن رغم كل شيء فالأمر بالنسبة لنا

غريب جدا، فهو متعود ولم يكن ليخطئ أبدا في الكمية التي يحتاجها جسده..

-الخطأ وارد دائما

-أجل ربما لكن هذا لا يمنع من أنه علينا أن نتأكد..

-لا يا صاحبي أبو سكة لم يكن ليخطئ أبدا في مسألة كهذه، أنا أعرفه جيدا

نظر إليه بكر ثم حول بصره نحو صلاح وهو يقول:

-عفاف لم تكن مدمنة أبدا كما ادعوا،

اختنق صوته فربت عليه صلاح وهو يقول

-لأجل كل هذا نحن نريد أن نصل للحقيقة، من حقهم أن يرتاحوا في موتهم،

-أجل لديك حق من أجل أن ترتاح عفاف في تربتها فأنا مستعد أن أفعل كل شيء

-حسنا إذن يا صديقي أخبرنا كل ما تعرفه عن عفاف

أضاف خالد بنبرة ساخرة:

-ما عدا الخصوصيات طبعا

أغمض بكر عينيه بنفاذ صبر، وهو يقول:

-اسمع إن كنا سنتابع الأمر بهذه الطريقة فأفضل أن يعمل كل على حسابه

استدركه صلاح قائلا:

-اسمعا أنتما معا لا اعرف ما هي مشكلتكما بالضبط لكن تأكدا لن أسمح لهذه التفاهات أن

تؤخرنا في عملنا هل اتفقنا..

تبادل خالد وبكر نظرات متمردة قبل أن يهز كل منهما رأسه ليبدأ بكر بالحديث:

-تعرفت بعفاف حينما كنت في السابعة عشر وهي في الخامسة عشر كنا وقتها في

مستشفى واحد كسرت إحدى قدماي في نفس الحادث الذي فقدت فيه والديها وأنا فقدت

والدي الذي كان مسرعا جدا وقتها وهو من تسبب في الحادث، طبعا بعدها علمنا أنا وأمي

أن الطفلة لم يعد لها أحد في الحياة، فارتأينا في البداية أن تنتقل للعيش معنا لكنها رفضت

وأصرت أن تتابع حياتها كما لو أن والديها لا يزالون على قيد الحياة، كانت مثابرة جدا، لم

تهتم لكلام الناس في بداية عمرها، بالعكس تابعت دراستها وحصلت على المراكز الأولى،

حتى المساعدة التي اقترحتها عليها والدتي مرارا رفضتها، ولم تكن تسمح لي بالدخول

وحدي لشقتها لأي سبب كان، وفي مناسبات العيد كنت أنا ووالدتي نأتي لقضائه معها، بما

أنها ترفض ترك البيت، لست أدري كيف أحبتها ولا لم لكني كنت اعشقها يوما بعد يوم

"ابتسم والدموع تملا مقلتيه وهز كتفيه ليقول في تخاذل"لست أدري ما أقوله لكما فعلا لم

تكن لتفعل بنفسها ذلك..

سأله خالد في اهتمام:

-حينما أخبرناك أنها ماتت قلت شبه متأكد أنها انتحرت لم تقول عنها مادامت بكل هذه

الصفات التي وصفتها بها..

ارتبك وقد بدا يعصر جبهته وكأنه أمام سؤال صعب في الامتحان:

-أنت تعلم أن كل شخص كيف يتقبل الصدمة، لقد كنت فعلا مصدوما ولا اعرف ما أقوله

-حسنا يا بكر الحالة التي كانت فيها عفاف هي نفسها التي عان منها زميلنا، رحمه الله

نفس تلك الزرقة المريبة، وصفرة العينين وتصلب الأعضاء، هل كانت عفاف تشرب أي

نوع من الأدوية؟

هذه المرة بدا الارتباك جليا ببكر فنصحه خالد قائلا:

-أرجو ألا تخفي علينا شيئا قد يفيدنا في الأمر..

-أعتقد أنها كانت تتناول دواء منوما لأنها كانت تعاني من الأرق أما عدا ذلك فأنا لا اعلم

شيئا

في هذه الأثناء دخل أحد رجال خالد وهمس في أذنيه، قبل أن يقول خالد:

-حسنا تأكد من الأمر وأبلغني فورا

أراد صلاح أن يستفسر منه ماذا وقع لكن خالد تابع يقول:

-لحد الساعة ليس لدينا أي خيط نتبعه، لكن ذلك لن يجعلنا نستسلم أبدا "ووقف ليصافح

بكر وهو يتابع"أتمنى ألا تبخل علينا بأي معلومات جديدة

صافحه الشاب بقوة وهو يقول:

-أتمنى ألا تعتبراني غريبا فقضيتنا واحدة، وأحب أن اعلم بكل تطور "ثم اخرج هاتف

عفاف ومنحه لصلاح وهو يقول"هكذا لن يكون لك حجة بعدم إخباري وأنا أيضا "أراد

صلاح أن يعترض لكنه تابع يحثه" تأكد سنحتاجه إنه اشتراك يمكنك مها تفتي متى شئت

تأمل صلاح الهاتف جيدا، ثم قال:

-سأعيده لك حينما نثبت براءة عفاف

ابتسم له بود وهو يودعهما على أمل أن يلتقوا مرة أخرى..

تنفس صلاح بارتياح وهو يقول:

-حسنا علينا أن نتابع مراسيم الدفن

وأراد أن يسبق خالد بخطوة حينما أوقفه قائلا بنبرة محذرة:

-اسمع عليك أن تكون حذرا

تساءل في قلق:

-هل تشك في بكر؟؟

تأفف خالد وهو يقول:

-الآمر لا يعني بكر بل أنور

-ماذا تقصد؟؟

ازدرد خالد لعابه بصعوبة وهو يصرح قائلا:

-هناك إشاعة تقول أن أنور ينوي إدخالك للسجن

أجاب مستنكرا:

-ماذا هل جننت؟؟

كان رد خالد هادئا وواثقا:

-لا ليس بعد لكن ما أقوله لك هو ما يجول الآن في الحي، وقد أرسلت قاسم ليتأكد من الأمر

هز صلاح رأسه في استخفاف وهو يقول:

-هراء

أوقفه خالد وهو يقول بنبرة حازمة

-كن حذرا لا اطلب منك المستحيل

عاد يستنكر مرة أخرى:

-إنه آخي يا خالد هل تفهم ذلك؟؟

-افهم جيدا أنه لا يمكن الوثوق في أي كان يا صديقي، لكل منا جانبه المظلم..

وتركه وحده يتصارع مع تلك الأحاسيس التي انتابته

نفس تلك الكلمة، أجل لقد قالها ذات يوم لخالد "لكل منا جانبه المظلم"

مر أسبوع بعد وفاة "أبو سكة" وعفاف وسرعان ما بدأت تعود الأيام كما كانت، وبدا

الجميع يتعود رحيل أبو سكة عنهم..

ليسقط الكثيرون في حملة بين يدي الشرطة، وكل من له سوابق يحقق معه في لاشيء

وفي كل شيء روتين الحياة كلما لم يجد الشرطة عملا لهم، يلقون القبض على أصحاب

السوابق كالمتاجرة بالحشيش، و التعرض بالسلاح الأبيض للمارة، واللصوص ومخترقي

الحواسيب، وحتى بائعات الهوى لم يكن يسلمن من تحقيقات الشرطة معهن، لذلك حينما

يعلم الجميع بأن هناك حملة جديدة يتوقف نشاطهم، ويغيرون حرفتهم..

ويهدأ الحي..

كانت الساعة السابعة حينما كان صلاح عائدا من عمله، وليلى تخرج من بيتهم، التقى بها

عند عتبة الباب ليقول بصوت دافئ:

-أرى أني محظوظ دائما ألتقي بك هنا

ابتسمت وهي تدفعه قائلة:

-أنا غاضبة منك

رفع حاجبيه في دهشة مصطنعة وهو يقول:

-خير إن شاء الله

رمقته بنظرة معاتبة وهي تقول:

-كنت مريضة ولم تفكر أبدا في السؤال عني

هذه المرة بدا مهتما وهو يتساءل:

-خير؟؟ أقسم لم أكن اعلم بذلك بما كنت تشعرين؟؟

ابتسمت وقد لاحظ شحوب وجهها لأول مرة، وهي تقول:

-يبدو أني أكلت شيئا لم يناسبني

-وهل ذهبت للطبيب؟؟

لوحت بيديها وهي تقول:

-لقد جلب لي أبي طبيبا للمنزل

قال مستغربا:

-طبيبا للمنزل؟؟

ضحكت وهي تقول ببراءة:

-أجل تصور لقد تكبد عناء الطبيب ومصاريفه، لحد البيت" وتابعت بخبث" هل أدركت كم

أنا غالية لديه؟؟

-لديه فقط؟؟

شعرت بحمرة وهي تحني رأسها حياء فسأل باهتمام:

-ومن أين حصل على هذا المال؟؟

بدا الحزن عليها وهي تقول:

-لقد تدين من رئيس العمل وسيخصمه له من راتبه

بدا العطف على ملامح صلاح وهو يقول:

-ألف لا بأس عليك..مسكين عمي إنه رجل رائع

ابتسمت وهي معاتبة:

-لن أقبل بأقل من زيارة خاصة لي في المنزل فأنا كنت سأموت لولا رحمة الله

ابتسم وهو يجيبها

-تأكدي ستكون الزيارة عما قريب

ابتسمت وقد شعرت بالخجل، وهي تتركه..

تأملها وهي تتهادى بثوبها الصيفي الجميل، والبسيط، لينتبه أخيرا لهاتفه الذي يرن،

إنه بكر..

لقد اتفقوا على أنهم لن يتصلوا ببعض إلا إذا كان هناك جديدا

ترى ما الجديد الذي تحمله لنا يا بكر؟؟؟

العواء الخامس

تأمل الشاشة الصغيرة للهاتف أمامه، ورفعها أخيرا ليقول بهدوء:

-الو بكر؟؟

جاءه الصوت من بعيد وكأنه من قاع بئر عميق:

-صلاح أرجو أن نلتقي الليلة بعد صلاة العشاء..

نظر لساعته وهو يومئ برأسه قائلا:

-حسنا ما رأيك أن نلتقي في مقهى الطنجاوي؟؟

بدا بكر مشتتا ففكر أن شخصا كبكر تربى في بيئة نقية، لم يكن ليعرف هذه المقهى الشعبية

فغير رأيه قائلا:

-اسمع لنلتقي في مقهى ميلانو

هذه المرة عرفها بكر بسرعة وهو يجيب:

-حسنا إذن لنلتقي هناك..

بعدما اقفل الخط دخل للمنزل، ليجد أنور قابعا هناك مادا رجليه على الطاولة بتكاسل، وهو

يشاهد مباراة لكن وكما يبدو أنه في واد غير واد المباراة، ألقى تحيته لكنه لم يجبه، ربما

لأنه لم يسمعه، أو أنه لا يزال غاضبا منه فمنذ تلك اللكمة وحينما طرد من البيت ليلة الحفل

لم يتحدث إليه صلاح أبدا، فزيادة على انه لم يكن له الوقت طوال هذه الأيام، فهو في

الواقع كان يفضل ألا يحتك بأخيه الأكبر، ربما هو كان شعورا بالخوف، الذي لطالما لم

يفارقه لحظة واحدة، هل فعلا يجرؤ أنور على إدخاله السجن؟ هل يستطيع أن يلفق له تهمة

ويلصقها بظهره، حتى يزجه في السجن؟؟ لكن لم؟؟ كل هذه التساؤلات كانت تدور في عقل

صلاح وهو لا يزال واقفا يتأمل أخاه، لم يكن أبدا أنور في السابق هكذا، فقد كان ابنا وأخا

رائعا، ما الذي غيره؟؟

هل البيئة التي عشنا فيها، أعرف أننا تربينا في حي فقير ومعدم، بين نفايات متناثرة في

كل مكان، و مجاري المياه المتفجرة أمام كل بيت، في حي يعتبر أرضا خصبة لكل الكوارث

الطبيعية والصناعية، وقلة الشغل بل انعدامه، فما إن يرى المشغل بطاقة الشخص فينا

ويعلم أننا من هذا الحي، حتى تجده يرفض تشغيلك...

لست أدري لكن أنور فعلا لم يكن هكذا، لا زلت أتذكر حينما كنت صغيرا أعود للبيت أبكي

فلقد كنت أتعرض للضرب كثيرا، من أبناء حيي والذين والحمد لله كانوا يدافعون عني دائما

إذا ما تعرضت للضرب من أبناء حي آخر..وعلى رأي المثل الذي يقول "نضربك ولا نترك

من يضربك" تربيت مع أبناء حيي هكذا، لكن أنور كثيرا ما خرج للدفاع عني، حتى أطلق

علي في فترات كثيرة من حياتي "ابن أمه" وكانت هذه الكلمة تزعجني فكنت أفضل أن

أتعرض للضرب كل يوم بدل أن أسمى بهذا الاسم..لذلك طلبت منه عدم التدخل في حياتي،

لست أدري إن اقتنع بكلامي، أم أنه هو أيضا في تلك الفترة كان يحتاج لأن يبتعد عني

ويتخلى عن حمايتي ودور الأب، والظهر الذي نستند عليه، منذ ذلك الوقت تباعدت بيننا

المسافات، وتغير أنور وأصبح كما الآن لا يجد نفسه إلا بين أسوار السجن، وأصبح

عنيفا جدا، حتى أنه وصل به الخبث لأن يفكر مثل هذا التفكير..

-هل ولدت واقفا؟؟

أفاقه سؤال أنور الساخر والذي نبهه أنه ظل واقفا كتمثال هناك كثيرا، رفع رأسه إليه وهو

يحاول أن يركز عقله، قبل أن يسأله في خفوت:

-هل تحاول إدخالي للسجن؟؟

توترت عضلات أخيه، وقد بدا الارتباك عليه وهو يجيب بوقاحة:

-صدقني لن أهنأ قبل أن أفعلها..

ابتسم صلاح لا بل ضحك أجل ضحك في وجهه، وهو يجيبه بلامبالاة:

-حسنا فلتفعلها، يا أنور

لم يكن ليفكر للحظة واحدة أن أنور يستطيع أن يفعل ذلك بأخيه، استلقى فوق سريره،

الصلب والذي وكأنه مصنوع من الحديد، بدل الصوف..عليه أن يطلب من سمرا أن تأخذ

صوف لحاف الغرفة الصغيرة، وتعيد حشو هذا السرير وتخيطه..

لا هل جننت فسمرا تكاد تقسم ظهرها ما بين تنظيف المنزل، و الاعتناء بوالدتك..؟؟

حدث نفسه قبل أن يخلع التشرط الأزرق الذي كان يلبسه:

-ليتني كنت أحظى بمكيف في الغرفة، كالذي يحظى به عمي البشير في مكتبه..

لكن المكيف يحتاج لأزيد من ثلاث ألاف درهم، وهذا المبلغ كبير جدا، بالنسبة له قد يحل

الكثير من الأزمات، فمثلا يمكنه أن..

نفض هذه الأفكار من رأسه ودخل للحمام، ليترك الماء البارد ينعش جسده..

بعدها لف خصره بفوطة وخرج ليغير ملابسه..

حينما دخل لغرفة الجلوس، لم يجد أنور، كان قد خرج، فتساءل عن والدته وسمرا أين

هما الآن؟؟ وقبل أن يحتار سمع صوت المفتاح ودفعة قوية للباب من سمرا التي كانت

تضحك بصوتها الرنان، لتتبعها والدتها بخطاها الضعيفة كالعادة، وليلى التي تجعل من

البيت بستانا يحمل بين تربته أجمل وأغلى الورود، تجاوزت عيونه أخته ووقفت قليلا أمام

والدته ثم ما لبثت أن هربت نحو ليلى التي كانت تعدل من فستانها كعادتها كلما رأته، وهي

تشعر بخجل كبير..

ابتسم لها..وكذلك فعلت..

كان هذا في ثوان معدودة، لكني أحب أن أقف أمام أحداث ليلى كثيرا، وأعيدها وأعيد معها

ملامحها الجميلة، الهادئة، والطيبة..

بادرت أخته بالحديث بعدما ألقت تحيتها وانتظرت عبثا أن يجيبها، أما والدته فألقت نفسها

على أقرب كنبة وهي تلتقط أنفاسها، بصعوبة قبل أن ترتشف من قنينة الماء المصبوغة

بالقطران والتي تحملها في حقيبتها الصغيرة أينما ذهبت شأنها شأن علب الأدوية الكثيرة

التي لم تعد تتذكر لم تنفع، أو بمقدارها اليومي، فهي كلما شعرت بمكان يؤلمها تخرج دواء

من تلك الحقيبة التي جلبتها لها إحدى جاراتها حينما حجت قبل ثلاث سنوات، وتشربه،

وهكذا الآن فعلت، فحذرها صلاح من ذلك لكنها لم تكن لتسمع النصيحة أبدا، والمشكلة

أنها إذا ما زارتها إحدى الجارات، وبعدما ينهيان جولة النميمة الصغيرة التي يبرعان فيها،

وتفرغ كل منهما جعبتها، والأحاديث الفارغة التي كانت تحملها، تبدأ فقرة النصائح الطبية

، والتي يتم فيها تبادل الأدوية، فمثلا الجارة لديها دواء يصلح للروماتزم، وصفه أحد

الأطباء لابنة عمتها والتي وصفته لها بدورها، ووجدت راحتها عليه، لتصفه لأم صلاح

أيضا، وهي بالتالي تعطيها علبة من علب دوائها الكثيرة، إما لمعالجة الصداع أو القلب، أو

الظهر بل حتى داء السكري، فوالدته على رأي سمرا صيدلية متنقلة..

وغالبا ما كانت والدتها تناديها من المطبخ، لتقرأ لها اسم الدواء ولم يصلح، فتقول لجارتها

-أرأيت ألم أخبرك؟؟ جربيه فقط وستدعين لي

تقلب الجارة في الدواء جيدا وبعدها تدسه في حقيبتها وهي تتمتم بدعواتها بالشفاء لها

وللزواج لسمرا، لتتنهد قائلة:

-رحم الله موتانا ولا أدخل مسلما لمستوصف أبدا...

غاب صلاح كعادته عن عالم الجميع هذه المرة حتى عن ليلى، التي كانت تراقبه بشدة وهو

شارد تماما عن أحاديث سمرا المعتادة، عن المستوصف وعن الممرضة التي كانت تحتله

ولا تزال، كانت تلاحظ انفعالات وجهه وتحرك شفتيه، وكأنه يتحدث مع شخص لا يروه..

أخيرا تنهدت بعدما عرفت أنها لن تحظى بابتسامة أخرى، لتقول في يأس:

-سأذهب الآن تصبحون على خير

اندهشت سمرا من وقوفها المباغت وهي تسألها:

-لم يا ليلى لا يزال الوقت مبكرا..؟

ألقت نظرة أخيرة على وجه صلاح الغائب الحاضر ثم قالت:

-علي أن أجهز العشاء لوالدي سيعود بعد الصلاة وعليه أن يتناول شيئا..

كانت قد وصلت للباب الخارجي، حينما عادت وهي توجه كلامها لسمرا:

-اخبري صلاح أن خالد يريده

فهمت سمرا أن ليلى غاضبة منه، فابتسمت لها وهي تحول بصرها لصلاح الذي كان لا

يزال في عالم غير الذي يوجدون هم فيه:

-صلاح..صلاح..

انتبه أخيرا لصوتها المرتفع قبل أن يقول:

-ماذا هناك يا سمرا؟؟

قالت بنبرة متهكمة:

-خالد ينتظرك

هز رأسه وابتسم لها فأشاحت وجهها عنه، وقبل أن يخرج بعثر شعرها وهو يطلق ضحكة

مرتفعة..

بدأ وقت الملل المعتاد لدى سمرا، فوالدتها بعد قليل تجدها نامت وهي جالسة في مكانها

المعتاد، واضعة رأسها على الحائط البارد، ومهما حاولت سمرا أن تطلب منها الاعتدال في

نومها إلا أنها كانت ترفض ذلك..

فتركتها ودخلت لغرفة صلاح، كانت هذه الغرفة في السابق هي غرفة نوم والديها، بينما

صلاح وأنور كانا يتشاركان الغرفة بينهما، لكن بعد وفاة الوالد، وتزايد المشاكل بين صلاح

وأنور بسبب النور، أو ترتيب الغرفة ارتأت الوالدة أن تمنح غرفتها لصلاح، والذي وجد

راحته فيها كثيرا، ابتسمت سمرا وهي تمرر أناملها الرقيقة على حافة المكتب الصغير،

الذي كان يقبع في غرفته وعليه أكوام كثيرة من الكتب، أغلبها مقررات دراسية على مر

السنين التي درس فيها صلاح، لم يكن كبعض أبناء الحي والذي فور حلول الصيف، يمتهن

مهنة بيع الكتب الدراسية، فيبدأ بكتبه وبشراء كتب الجيران، بثمن رخيص فيعيد فيهم

البيع مرة أخرى، بعدما يتم تغليفهم جيدا، ومنحهم منظرا ملائما، فصلاح كان يحب كثيرا

الاحتفاظ بكتبه، لأنه يعلم جيدا أن سمرا ستدرس من خلالها..

حملت كتابا عن القانون المغربي لسنة 2004 وتأملته، وفتحت إحدى صفحاته، والتي كانت

تمتلئ سطورها بكلمة حق المواطن...، حق المواطن..، حق المواطن...،

ابتسمت وهي تعيده لمكانه، لتساءل هل هناك في الضفة الثانية من يعلم أن

في حي كهذا تقبع العديد من الأسر في الفقر والعدم؟؟

تذكرت ذلك الاجتماع الذي أقيم في منزل فاطمة العرجاء، حينما قدم مسئول برلماني كبير

بطنه تسبقه، وبذلته البيضاء الأنيقة، وحذاءه الملمع الأنيق، وهو ينفث سيجارته ويقلب

بعينيه في المكان ليهز رأسه، أوقف السيارة الكبيرة لينزل منها مع ثلاث رجال من أتباعه

كان الجميع يصطف في بهو فاطمة الواسع، لكل منهم أحلام حملها معه، بعدما أنهكته، لكل

منهم طلب جاء ليضعه بين يدي هذا المرشح، والذي كان بالنسبة لنا كقطرة الماء في موسم

القحط، تأهبنا حضوره، وما إن تسللت لأنوفنا عطر هادئ وجميل عرفنا أنه يتقدم نحونا،

علت الزغاريد يومها ووزعت الحلويات، الجميل كان أننا أكلنا حلوى محشوة باللوز كانت

تلك المرة الأولى والأخيرة التي تذوقت فيها تلك الحلوى، كما كانت المرة الأولى والأخيرة

التي أرى فيها ذلك الناخب الذي وعدنا بتجهيز مياه الصرف، وتأسيس المدارس لأبنائنا،

وتوفير الشغل المناسب لنا، وكذا محاربة المتاجرة بالمخدرات، ووعد بالكثير فلم يترك

لنا مجالا لننشر أحلامنا على حبل الأماني أمامه، كان وكأنه منا يعلم ما نحتاجه قبل أن

نقول، أو ربما لأننا كنا مفضوحين لدى الجميع إلا أنفسنا..

وعدنا بالتغيير للأحسن بانتشالنا من هذا العدم، ووعدناه بالتصويت له والوقوف بجانبه

حتى آخر لحظة، ووفينا بوعودنا، لكنه لم يف بأي وعد من وعوده..

دعكت وجهها بكلتا يديها وهي تحاول أن تعيد ترتيب الغرفة، لتقتل الوقت والملل وتسكت

ذلك الشيطان الذي يوسوس لها بحديث لا طائل منه..

تأملت الحائط الذي تناثرت على جنباته بقايا الصباغة البيضاء من شدة البرودة، صورة

ذات إطار أسود عليها صورة والدها وهو يضم صلاح وأنور، وثلاثتهم تعلوهم الابتسامة

تذكرت ذلك اليوم الذي خرجوا فيه رحلة إلى غابة هرهورة مضت الرحلة رائعة ترقرقت

الدموع في عينيها، وهي تتذكر كيف أن والدهم كان يعدهم، أنه حينما سيحصل على

التقاعد، سوف يبيع المنزل ويضيفه على المبلغ الذي ستمنحه إياه الدولة، ويشتري بيتا

صغيرا، في حي هادئ، حي يليق بولده المهندس، وابنته الطبيبة، وابنه المعلم..

هكذا كان يرسم لكل منهم مستقبله، وكان يتمنى أن يتحقق له هذا الحلم، لكن أحدا لم تسعفه

الحياة ليفي اللهم إلا صلاح، فبعد وفاة والدهم تدهورت صحة زهرة وتغير حال أنور كثيرا،

واضطرت سمرا للخروج من الدراسة، حتى يتسنى لها رعاية والدتها والاعتناء بالبيت..

أوقف خالد السيارة أمام المقهى، ليتأفف متذمرا:

-كم اكره هذه المقاهي الراقية

ابتسم صلاح وهو يعلل:

-لقد أخبرته أن يكون اللقاء في مقهى الطنجاوي لكن وكما يبدو لم يعرفها

علق خالد وهو يخرج من السيارة ليفعل صلاح مثله:

-وماذا كنت تنتظر من شخص مدلل كبكر؟؟

تنهد صلاح وهو يعاتب خالد:

-خالد أرجوك لا تبدأ الآن اتفقنا؟؟

هز رأسه في لا مبالاة وهو يشير له بالتقدم:

-حسنا لنعرف أولا السبب لاتصاله...

كان بكر جالسا وأمامه كأس عصير منعش، يرتشفه بين حين وحين ويبدو انه لم يلاحظهما

إلا بعدما حجب جسد خالد الضوء عنه حينما وقف أمامه، أخيرا رفع رأسه لهما وهو يقف

ليسلم عليهما..

بعدما أنهوا طقوس المجاملة والسؤال عن الحال والأحوال،

سأله خالد بنبرة مترفعة:

-والآن لم استدعيتنا؟؟

نظر إليه بكر بعدائية ثم صرف بنظره عنه ليتأمل الشارع الواسع الذي يظهر له من

الزجاج، كان المارة يتهادون بمشيتهم البطيئة وعيونهم معلقة، على زجاجات المحلات

الراقية، الكثير منهم لا يملكون نصف مبلغ أرخص بذلة معلقة هناك، لكن لا ضير من

السؤال و التقصي والتأمل..

ثم ألقى ببصره على أحد باعة الجرائد وهو يفرش معروضاته على الأرض، لتكون محطة

لكل متسول للثقافة، يقف بدعوى أنه يبحث عن موضوع مهم، لكنه يقرأ العناوين والسطور

الأولى، قبل أن يكتشف البائع خدعته ويطرده كما يطرد القط من دار العرس..

العاصمة إنها ملاذ كل ماض وكل حكاية، وكل دمعة، وفرحة..

حلم كل قروي، كل فقير، كل متشرد، وكل رحال..

كل الأجناس تجتمع فيها، وكذا اللهجات واللغات، لا أبالغ حينما أقول هذا الكلام، في أحيائها

الراقية سكنت أناس آخر همهم هو المال، وفي دروبها الضيقة وبجوانب أرصفة طريقها،

وعلى أبواب أسواقها صفت العديد من الحكايات الليلية، ومن الأحلام الوردية..

أناس أكبر همهم هو المال..

عصر جبهته وكأنه في امتحان صعب قبل أن يقول في نبرة شاردة:

-لقد توفي طفل صغير بنفس طريقة عفاف

اندهش كل من صلاح وخالد وهما يتبادلان النظرات فيما بينهما قبل أن يبادر صلاح

بالسؤال:

-أين وقع هذا؟؟

أشاح بوجهه مرة أخرى وكأنه يكبت دمعة في عينيه:

-في الحي المحمدي بالدار البيضاء

ارتشف خالد من قهوته التي كانت قد وصلته لتوه هو و صلاح، وقد فكر أنها سيئة

بالمقارنة مع التي يصنعها عبد القادر بمقهى الطنجاوي..ثم قال:

-وكيف عرفت ذلك؟؟

ابتسم بارتعاش وهو يجيب:

-لقد كان الطفل يشاهد مباراة كنت قد خضتها في الملعب مع فريق هناك، لست أدري لكن

فجأة انقلب المدرج، اعتقدنا في المرة الأولى أنه شجار بين مشجعي كلا الفريقين، لكن

فوجئنا بسيارة الإسعاف يحملون طفلا صغيرا وقد كان يتخبط فوق اللوح..

وبدأ يصف لهما تلك الحالة التي شعر صلاح أنها شبيهة جدا بحالة عفاف..

وبعدما أنهى كلامه، بدا كل من خالد وصلاح عاجزا عن تركيب كلمة مناسبة للرد، فارتأيا

الصمت، لمدة طويلة..

مدة كانت كافية لكل منهما في التفكير بروية

أخيرا تنهد خالد بصوت مسموع وهو يرخي نفسه على الكرسي ويقول:

-هل رأيت تقرير الأطباء؟؟

هز رأسه نفيا في شرود، وكاد الصمت يلفهما، قبل أن يتابع:

-الأمر جد مخيف، اعتقد أن هناك سرا وراء كل هذا

أجابه صلاح بشرود أكبر:

-المشكلة رغم كل شيء ليس لدينا خيط نبدأ منه

هز بكر رأسه إيجابا وهو يتابع في حسرة:

-لقد عانت عفاف بكثرة وهي في اللوح لقد رأيت الطفل ونظراته اليائسة، خوفه وارتعاشه،

لم يكن إلا طفلا لم يبلغ بعد العاشرة من عمره..

لم يكن إلا طفلا لا يزال يريد أن يلعب، أن يفرح..

لم يقتلوه هكذا؟؟لم يفعلون بنا هذا؟؟

حاول صلاح تهدئته خصوصا بعدما بدأت عيون المتطفلين، بالتقصي عن سبب كل هذا

الانفعال، أخيرا خفض صوته وهو ينزع محرما ورقيا يمسح به عرقه الذي امتزج بدموعه

الساخنة، ويقول بصوت مرتعش:

-لقد اشتقت إلى عفاف، إلى ضحكتها، و حيائها، حتى غيرتها المجنونة اشتقت إليها..

لقد حرموني منها..لم يمنحوني فرصة لأخبرها بأسفي، عفاف لم تكن لتفعل شيئا مشينا

كهذا..ودفن نفسه فوق الطاولة سامحا لعباراته أن تسيل كنهر جار..

لم يوقفه أحد منهما وكم تمنى خالد أن يبكي نفسه التي ماتت وسلبت منه، كم تمنى أن

ينوح هو أيضا، ويصرخ ويندد، لكنه لم يكن ليستطيع فعل ذلك..

أما صلاح فقد كان يفكر، فيما لو طالت يد الشبح القاتل، أسرته، أنور أو سمرا..وقد لا تسلم

الوالدة أيضا منه، ماذا لو فقد يوما ما ليلى..

اكفهرت ملامحه وتصلبت عضلاته، أيستطيع أن يكون مكان بكر يبكي فقدان حبيبته؟؟

أيستطيع أن يغالب شوقه إليها، وهي في عالم بعيد عنه؟؟

أيستطيع أن يدثر نفسه بذكرياتها، والتي ستنمحي مع الأيام؟؟

أيمر عليه يوم وهو حي، في حين يعلم أن ليلى، قد سرقها الموت منه؟؟

بدا التوتر عليه فبادر بكر بعد أن هدأ بسؤاله في اهتمام:

-فيما تفكر يا صلاح؟؟

فتح فمه ثم عاد ليطبقه مرة أخرى، لن يستطيع أن يخبر أحدا بما يختلج صدره من نوازع

فكرية تسقيه المر وهي تنقل له تلك الصور وكأنه يشاهد مجزرة حقيقية في نشرة

إخبارية..

-علينا أن نزور أهل الطفل

تبادل خالد و بكر نظرات ملؤها الحيرة، قبل أن يسأل خالد:

-لم يا صلاح؟؟

اقترب منهما وكأنه سيخبرهما سرا:

-اسمعا نحن لا زلنا لحد الساعة لم نعرف من هو عدونا، أعتقد أننا كمن يغرق في البحر..

ويمني نفسه بالنجاة..وهذا الشبح يقضي علينا الواحد تلو الآخر..علينا أن نعمل بسرعة

كبيرة، قبل أن يصل إلينا..

-يمكننا السفر الليلة إن شئتما

-اسمعا ستسافران أنت وخالد فقط...

-وأنت؟؟

-أنتما تعلمان لدي عمل لا أستطيع التغيب عنه، ولدي أسرة أيضا..

بدا بكر وكأنه لم يرتح لسفره مع هذه الكتلة الضخمة، فوجود صلاح يخفف من حدة

النزاعات القائمة بينهما..والتي يجهل سببها للآن..

لكنه يعزو ذلك لغروره وتكبره..

لا حظ صلاح وجهيهما فحذرهما قائلا:

-اسمعا لا تنسيا كلاكما فقد شخصا عزيزا عليه، لذلك عليكما أن تتحدا معا ولا تضيعا الوقت

في النزاعات كما النساء..

نظر إليه بكر ثم هز رأسه وهو يقول:

-ما يهمني في الوقت الراهن هو أن اكتشف الحلقة المفقودة في هذه القضية، لأثبت براءة

عفاف..

-وأنا أيضا علي أن أريح صديقي في تربته..

ابتسم بكر في سخرية وهو يقول:

-صدقني آخر ما يشغل بال صديقك الآن هو من قتله، فلديه تاريخ إجرامي أعرق من

مصر..وقد حان الوقت ليدفع الثمن..

وقبل أن يرد خالد الصاع صاعين بادر صلاح قائلا:

-اسمعا لسنا هنا لنحاسب أحدا على أخطائه لكل منا نصيب، لكننا هنا لننقذ أناسا قد

يروحون ضحية هذه المخدرات، إن كانت فعلا هي ما تسبب لهم ذلك..ما ذنب الطفل

الصغير الذي رأيته يا بكر، ما ذنب عفاف التي كانت تتمنى أن تزف لك عروس، بدل أن

تكفن بالثوب الأبيض، وحتى أبو سكة إن كان هناك من عليه أن يحاسبه فهو القانون في

الأرض والله عز وجل في دار الحق، لا احد يملك الحق في أن يسلب حياة شخص بدون

وجه حق..

تراجع خالد وقد كان غاضبا، حانقا لم يتصرف معه بكر ألانه متعلم؟؟ أم لأنه غني؟؟

ولم يشغل نفسه بهذا الصرصور؟؟

عاد صلاح ليقول مرة أخرى:

-اسمعا حاولا أن تسافرا الليلة، وحاولا ألا تزرعا الشك في قلب أسرته أو أي شخص

حولكما، "والتفت إلى بكر وهو يقول"اسمع ادع أنك جئت لتسأل عن حال أسرة الفقيد،

خصوصا وأنه مات في المباراة وبحكم انك رأيته، وحاول أن تعرف أكثر عنه وهل هو من

النوع الذي يتعاطى للمخدر، أو مادة السليسيون، أو أي نوع آخر..

هز بكر رأسه موافقا، بينما ظل خالد عاقدا يديه على صدره قبل أن يلتفت له صلاح وهو

يقول:

-وأنت يا خالد رافقه وكأنك من عائلته، أو صديقه، "ورفع سبابته متجاهلا تلك الابتسامة

الساخرة التي علت شفتي كل من خالد وبكر، وهو يقول" لا تتدخل إلا للضرورة أنت

تفهمني طبعا..

-حسنا لا تقلق" ونهض ليقول في سخرية"هيا يا ابن عائلتي علينا أن نجهز نفسنا..

لم يكن صلاح مطمئنا لهذه الرحلة التي سيقوم بها خالد وبكر، لكنه لم يكن يستطيع الذهاب

معهما، فلديه عمل في الصباح الباكر..

كانت الساعة وقتها تشير للعاشرة والنصف، حينما مر بكر على خالد الذي جاهد كي يكون

في منظر يليق ببكر الغني، ارتدى سترة خفيفة بيج كان قد اشتراها من سوق الخردة،"

أسواق شعبية تكون مختصة في بيع الملابس والأحذية وكذا الأواني والأثاث المنزلي،

القديم والذي يجلب من أوربا، وتباع بثمن رخيص، وقد أصبحت في السنوات الأخيرة تهدد

انتاج المغرب لأن الإقبال عليها أصبح بكثرة وحتى من الطبقات الميسورة، والغنية أيضا

وذلك نظرا لجودة تلك الملابس والتي تكون اغلبها ماركات عالمية.."

مع تيشرط بني غامق وسروال جنز أبيض وحذاء بني، وقد حلق وجهه، وتعطر لأول مرة،

-أين وقع هذا؟؟

أشاح بوجهه مرة أخرى وكأنه يكبت دمعة في عينيه:

-في الحي المحمدي بالدار البيضاء

ارتشف خالد من قهوته التي كانت قد وصلته لتوه هو و صلاح، وقد فكر أنها سيئة

بالمقارنة مع التي يصنعها عبد القادر بمقهى الطنجاوي..ثم قال:

-وكيف عرفت ذلك؟؟

ابتسم بارتعاش وهو يجيب:

-لقد كان الطفل يشاهد مباراة كنت قد خضتها في الملعب مع فريق هناك، لست أدري لكن

فجأة انقلب المدرج، اعتقدنا في المرة الأولى أنه شجار بين مشجعي كلا الفريقين، لكن

فوجئنا بسيارة الإسعاف يحملون طفلا صغيرا وقد كان يتخبط فوق اللوح..

وبدأ يصف لهما تلك الحالة التي شعر صلاح أنها شبيهة جدا بحالة عفاف..

وبعدما أنهى كلامه، بدا كل من خالد وصلاح عاجزا عن تركيب كلمة مناسبة للرد، فارتأيا

الصمت، لمدة طويلة..

مدة كانت كافية لكل منهما في التفكير بروية

أخيرا تنهد خالد بصوت مسموع وهو يرخي نفسه على الكرسي ويقول:

-هل رأيت تقرير الأطباء؟؟

هز رأسه نفيا في شرود، وكاد الصمت يلفهما، قبل أن يتابع:

-الأمر جد مخيف، اعتقد أن هناك سرا وراء كل هذا

أجابه صلاح بشرود أكبر:

-المشكلة رغم كل شيء ليس لدينا خيط نبدأ منه

هز بكر رأسه إيجابا وهو يتابع في حسرة:

-لقد عانت عفاف بكثرة وهي في اللوح لقد رأيت الطفل ونظراته اليائسة، خوفه وارتعاشه،

لم يكن إلا طفلا لم يبلغ بعد العاشرة من عمره..

لم يكن إلا طفلا لا يزال يريد أن يلعب، أن يفرح..

لم يقتلوه هكذا؟؟لم يفعلون بنا هذا؟؟

حاول صلاح تهدئته خصوصا بعدما بدأت عيون المتطفلين، بالتقصي عن سبب كل هذا

الانفعال، أخيرا خفض صوته وهو ينزع محرما ورقيا يمسح به عرقه الذي امتزج بدموعه

الساخنة، ويقول بصوت مرتعش:

-لقد اشتقت إلى عفاف، إلى ضحكتها، و حيائها، حتى غيرتها المجنونة اشتقت إليها..

لقد حرموني منها..لم يمنحوني فرصة لأخبرها بأسفي، عفاف لم تكن لتفعل شيئا مشينا

كهذا..ودفن نفسه فوق الطاولة سامحا لعباراته أن تسيل كنهر جار..

لم يوقفه أحد منهما وكم تمنى خالد أن يبكي نفسه التي ماتت وسلبت منه، كم تمنى أن

ينوح هو أيضا، ويصرخ ويندد، لكنه لم يكن ليستطيع فعل ذلك..

أما صلاح فقد كان يفكر، فيما لو طالت يد الشبح القاتل، أسرته، أنور أو سمرا..وقد لا تسلم

الوالدة أيضا منه، ماذا لو فقد يوما ما ليلى..

اكفهرت ملامحه وتصلبت عضلاته، أيستطيع أن يكون مكان بكر يبكي فقدان حبيبته؟؟

أيستطيع أن يغالب شوقه إليها، وهي في عالم بعيد عنه؟؟

أيستطيع أن يدثر نفسه بذكرياتها، والتي ستنمحي مع الأيام؟؟

أيمر عليه يوم وهو حي، في حين يعلم أن ليلى، قد سرقها الموت منه؟؟

بدا التوتر عليه فبادر بكر بعد أن هدأ بسؤاله في اهتمام:

-فيما تفكر يا صلاح؟؟

فتح فمه ثم عاد ليطبقه مرة أخرى، لن يستطيع أن يخبر أحدا بما يختلج صدره من نوازع

فكرية تسقيه المر وهي تنقل له تلك الصور وكأنه يشاهد مجزرة حقيقية في نشرة

إخبارية..

-علينا أن نزور أهل الطفل

تبادل خالد و بكر نظرات ملؤها الحيرة، قبل أن يسأل خالد:

-لم يا صلاح؟؟

اقترب منهما وكأنه سيخبرهما سرا:

-اسمعا نحن لا زلنا لحد الساعة لم نعرف من هو عدونا، أعتقد أننا كمن يغرق في البحر..

ويمني نفسه بالنجاة..وهذا الشبح يقضي علينا الواحد تلو الآخر..علينا أن نعمل بسرعة

كبيرة، قبل أن يصل إلينا..

-يمكننا السفر الليلة إن شئتما

-اسمعا ستسافران أنت وخالد فقط...

-وأنت؟؟

-أنتما تعلمان لدي عمل لا أستطيع التغيب عنه، ولدي أسرة أيضا..

بدا بكر وكأنه لم يرتح لسفره مع هذه الكتلة الضخمة، فوجود صلاح يخفف من حدة

النزاعات القائمة بينهما..والتي يجهل سببها للآن..

لكنه يعزو ذلك لغروره وتكبره..

لا حظ صلاح وجهيهما فحذرهما قائلا:

-اسمعا لا تنسيا كلاكما فقد شخصا عزيزا عليه، لذلك عليكما أن تتحدا معا ولا تضيعا الوقت

في النزاعات كما النساء..

نظر إليه بكر ثم هز رأسه وهو يقول:

-ما يهمني في الوقت الراهن هو أن اكتشف الحلقة المفقودة في هذه القضية، لأثبت براءة

عفاف..

-وأنا أيضا علي أن أريح صديقي في تربته..

ابتسم بكر في سخرية وهو يقول:

-صدقني آخر ما يشغل بال صديقك الآن هو من قتله، فلديه تاريخ إجرامي أعرق من

مصر..وقد حان الوقت ليدفع الثمن..

وقبل أن يرد خالد الصاع صاعين بادر صلاح قائلا:

-اسمعا لسنا هنا لنحاسب أحدا على أخطائه لكل منا نصيب، لكننا هنا لننقذ أناسا قد

يروحون ضحية هذه المخدرات، إن كانت فعلا هي ما تسبب لهم ذلك..ما ذنب الطفل

الصغير الذي رأيته يا بكر، ما ذنب عفاف التي كانت تتمنى أن تزف لك عروس، بدل أن

تكفن بالثوب الأبيض، وحتى أبو سكة إن كان هناك من عليه أن يحاسبه فهو القانون في

الأرض والله عز وجل في دار الحق، لا احد يملك الحق في أن يسلب حياة شخص بدون

وجه حق..

تراجع خالد وقد كان غاضبا، حانقا لم يتصرف معه بكر ألانه متعلم؟؟ أم لأنه غني؟؟

ولم يشغل نفسه بهذا الصرصور؟؟

عاد صلاح ليقول مرة أخرى:

-اسمعا حاولا أن تسافرا الليلة، وحاولا ألا تزرعا الشك في قلب أسرته أو أي شخص

حولكما، "والتفت إلى بكر وهو يقول"اسمع ادع أنك جئت لتسأل عن حال أسرة الفقيد،

خصوصا وأنه مات في المباراة وبحكم انك رأيته، وحاول أن تعرف أكثر عنه وهل هو من

النوع الذي يتعاطى للمخدر، أو مادة السليسيون، أو أي نوع آخر..

هز بكر رأسه موافقا، بينما ظل خالد عاقدا يديه على صدره قبل أن يلتفت له صلاح وهو

يقول:

-وأنت يا خالد رافقه وكأنك من عائلته، أو صديقه، "ورفع سبابته متجاهلا تلك الابتسامة

الساخرة التي علت شفتي كل من خالد وبكر، وهو يقول" لا تتدخل إلا للضرورة أنت

تفهمني طبعا..

-حسنا لا تقلق" ونهض ليقول في سخرية"هيا يا ابن عائلتي علينا أن نجهز نفسنا..

لم يكن صلاح مطمئنا لهذه الرحلة التي سيقوم بها خالد وبكر، لكنه لم يكن يستطيع الذهاب

معهما، فلديه عمل في الصباح الباكر..

كانت الساعة وقتها تشير للعاشرة والنصف، حينما مر بكر على خالد الذي جاهد كي يكون

في منظر يليق ببكر الغني، ارتدى سترة خفيفة بيج كان قد اشتراها من سوق الخردة،"

أسواق شعبية تكون مختصة في بيع الملابس والأحذية وكذا الأواني والأثاث المنزلي،

القديم والذي يجلب من أوربا، وتباع بثمن رخيص، وقد أصبحت في السنوات الأخيرة تهدد

انتاج المغرب لأن الإقبال عليها أصبح بكثرة وحتى من الطبقات الميسورة، والغنية أيضا

وذلك نظرا لجودة تلك الملابس والتي تكون اغلبها ماركات عالمية.."

مع تيشرط بني غامق وسروال جنز أبيض وحذاء بني، وقد حلق وجهه، وتعطر لأول مرة،

بدا وسيما مقارنة بالمعتاد...

رمقه بكر وهو يبتسم ابتسامة واسعة أبانت عن أسنانه البيضاء الجميلة:

-هل أنت على موعد مع فتاة؟؟

احمر وجهه خجلا وقد وجد أنه ربما بالغ في منظره، فقال متذمرا:

-هذا جزائي لأني أحاول أن أبدو وكأني من عائلتك

ابتسم له وهو يتطلع إليه ليقول:

-حسنا كنت امزح تبدو رائعا..

ابتلع ريقه وهو يجيب:

-شكرا لك

بعدها ركبا السيارة وانطلق بكر بسرعة، قبل أن يشغل أغنية لأحد المغنيين الغربيين،

واستغرب حينما بدأ خالد يردد الكلمات بعفوية ويحرك جسده القوي مع الموسيقى، أراد أن

يسأله لكنه لم يكن يريد أن يحرجه، فكيف لشخص كخالد يكون ملما باللغة الانجليزية..

أخذت منهما الطريق حوالي ساعة ونصف، لم يتوقفا خلالها، وحينما وصلا كانت الساعة

وقتها تشير إلى متصف الليل، فدخلا إلى مطعم هناك راقيا، تناولا أكلهما فيه، ثم بعد ذلك

قال بكر:

-اعتقد أنه لن نستطيع الذهاب في هذا الوقت إلى هناك، ما رأيك أن نبيت هنا ليلتنا وفي

الصباح نتوجه إلي بيته..

دعك وجهه بيديه وقد شعر أن عضلاته بدأت تتشنج، من الجلوس ثم قال بهدوء:

-حسنا

هز رأسه وهو يتجه نحو السيارة، فتبعه خالد الذي أحس أنه لا يزال يشعر بالجوع فأكل

المطاعم لا يلائمه أبدا قطعة لحم محروقة، وصلصة سوداء تصب عليها، وبعض حبات

الأرز والذرة، وخضر صغيرة مصلوقة في الماء، يقولون أنها سلطة، هراء..

إن لم تكن جلسة طاجين فلا أسمي ذلك أكلا أبدا..

كان يحدث نفسه ساخرا، حينما بدت له عربات الأكل التي تصطف أمامها طاولات صغيرة

يقدمون أكلات شعبية، هناك يجتمع من هم في طبقات خالد، من هم لا يحبذون المطاعم إما

لغلائها، أو لأن أكلها ليس بلذة هذا الأكل الذي يكون غالبا دسما..

-توقف هنا

"نظر إليه بكر مستغربا حينما توقف، فتابع خالد وهو يمرر يديه على بطنه"سأنزل لتناول

العشاء

"وأقرن القول بالفعل"

صرخ بكر حينما رآه يبتعد عنه قاصدا تلك العربات التي تصلهم رائحة طواجنها إلى موقف

سيارتهم:

-هل جننت؟ لقد تعشيت لتوك

لم يكن خالد أبدا ليجيبه، فقد كان يتابع سيره قاطعا الطريق نحوهم..

فلم يجد بكر سوى أن يتبعه إلى هناك، هو عالم على أية حال جديد عليه لا ضير في

استكشافه..

توقف خالد أمام الرجل المسن، الذي يكتب على تلك العربة، عدة عبارات ترحيبية مثل

"مرحبا بكم عند البهجة" البهجة اسم يطلق في الغالب على المراكشيين، وذلك لخفة

دمهم، ولأن المعروف عن أهل مراكش أنهم أهل نكتة، وعبارات دينية أخرى "كهذا من

فضل ربي"، وأيضا عبارات تحذيرية، "كممنوع الطلق والرزق على الله" على العموم هي

عبارات تجدها هنا كثيرا، وفي كل العربات التي تصطف هنا وقد عرف أنه مراكشي فعلا

من لهجته حينما سأله عن الطواجن الجاهزة، فأجابه وهو يفتح كل طاجين على حدة:

-هذا طاجين "السمك"، وهنا تجد طاجين "الكرعين" وهنا تجد طاجين اللحم بالفاصوليا

الخضراء، كما يوجد طاجين الدجاج بالزبيب..

كان قد وقف بجانبه بكر، وهو يتطلع إلى الطواجن التي اصطفت كل بجانب الأخر، وهو

يسمح لتلك الروائح المختلفة، بالعبور نحو أنفه، وإثارة شهوة بطنه التي لم تكن مقتنعة

هي أيضا بذلك العشاء..لكنه ما كان يستطيع أن يلبي رغبتها، فهو غير متعود على مثل

هذا الأكل الدسم بالليل وخصوصا في أماكن هذه، حتما سينتهي به الأمر في المستشفى

تأفف وهو يجر خالد من سترته:

-خالد يكفي لا تقل لي أنك ستأكل من هنا

لم يعره خالد انتباهه وهو يخاطب صاحب تلك العربة، قائلا:

-اسمع أعطني طاجين السمك وزود الفلفل الحار فيه،

وأخذ مقعدا هناك أمام العديد من الرجال، الذين تختلف أعمارهم، كانت كل مائدة مغطاة بما

يسمى "المشمع"وهو قطعة بلاستيكية كبيرة، تغلف بها الموائد حتى يسهل مسحها من

بقايا الأكل، الذي يتركه الزبائن، يتوسطها قنديل صغير، والذي على ضوئه يوضع الطاجن

ودخانه يتراقص وكأنه مجموعة من الأفاعي أثارها صاحبها بنايه، في ساحة جامع الفنا،

الجو كله كان شبيها بمراكش وتلك الأجواء الحميمة فيها،وخبز ساخن، وصحن

صغير به مختلف أنواع الزيتون الأسود والأبيض والأحمر، وبعض من قطع الخضر

المخللة، وحفنة من الشطة والتي تسمى بالدارجة"الهريسة" وهي حارة جدا..

خلع خالد سترته، وذهب لمكان قريب ليغسل يديه ويشمر على ساعديه، و يشطر الخبز

نصفين، ويضع أحدهما أمام بكر الذي ابتعد وقد بدا مقترفا من تلك الأكلة..

حاول أن يشغل نفسه بتأمل المكان، بينما كان خالد منهمكا في غمس قطع الخبز بالهريسة

وفصل الزيتون عن العظم، لغمسها مرة أخرى في مرق الطاجين ويتلذذ طعمه..

كان المكان عبارة عن ساحة كبيرة، تتواجد في أحد الأسواق وهي الوحيدة التي تبقى لما

بعد منتصف الليل، يتوافد إليها الكثير من الباعة، وأيضا مروجي الحشيش الصغار، وكل

مدمني المدينة، وأيضا المسافرون الذين يتوقفون للاستراحة، ولإسكات بطونهم التي

تعوي من الجوع..

ابتعد قليلا عن تلك الساحة التي تكون ملاذا رائعا للكلاب والقطط التي تتجول ليلا تحت

أقدام الزوار، وهناك من يركلها مبعدا إياها عنه، في حين أن هناك من يعطف عليها

ويطعمها من أكله، كما أن المكان لا يخلوا من المتسكعين والمتسولين الذين يطالبونك

بمنحهم درهما، حتى يشترون خبزا، هم في الغالب يكذبون، فالخبز في هذه الأماكن يكون

مجانيا هو وبقايا الأكل، فحينما ينتهي أصحاب العربات وتختفي الأرجل القادمة نحوهم،

ويفرغ المكان، تقدم بقايا الأكل وكذا قطع الخبز للمساكين والمتسكعين، أما الذين يدعون

أنهم يريدون المال لشراء الخبز، فهم في الواقع يجمعون المال لكي يستطيعوا أن يعدلوا

مزاجهم ليلا إما بالحشيش أو السليسيون،" السيليسيون هي مادة لاصقة توضع على قطع

من الخرق أو في كيس بلاستيكي ويدمن مستعملها على شمها كثيرا" أو الكيف، وهناك

من يمزج كل هذه الأنواع ويستعملها كلها، هنا من النادر استعمال الكوكايين، نظرا لثمنه

الغالي جدا، وتوفره فقط في الأماكن الراقية بكثرة، لكن هنا يعدل المزاج كما قلت سابقا،

بالحشيش أو السليسيون، أو أنواع الخمور الرخيصة جدا، والكيف..

والمكان لا يخلو أيضا من أطفال لم يتجاوزوا العاشرة، ممن هربوا من منازلهم إما لفقر أو

تسلط من زوجة الأب، أو أن الوالد مدمن ويضرب أبناءه وكذا زوجته، لكل من هؤلاء

الأطفال لهم قصة حفظوها عن ظهر قلب وأضافوا عليها بعضا من ألامهم، وحزنهم،

وحتى النساء لهن نصيب من النوم في العراء، ومن التعرض للاعتداءات الجنسية يوميا

حاولت الدولة جاهدا أن تجمع هؤلاء المتشردين، لكن الأمر أكبر وأعظم من مجهوداتها

اليومية، نظرا لأن الكثير ممن يوكل لهم الأمر، هم في الحقيقة أناس من غير ضمير..

تقدم نحوهم طفل قد يكون في الأغلب في التاسعة من عمره، يحمل خرقة حمراء يشمها

بقوة، ليقول بصوت مترنح:

-أعطني درهم

رفع خالد رأسه إليه، ثم تابع أكله دون أن ينتبه إليه

في حين تأمله بكر بصمت، وهو يستجديه ويدعوا له بالتوفيق والدخول للجنة، وحفظه من

كل شر، وحفظ والديه له، طول العمر..كلمات ودعوات لطالما رددها الطفل أمام كل من

يجلس هنا، أو عند السيارات حينما تقف عند إشارات المرور، كان يلبس قميصا أزرقا

باهتا تلاعبت به أمطار الشتاء، وحرقته أشعة الشمس فتغير لونه بالكامل، كما أن النوم

على الأرض جعل لونه أحمرا أجوريا، نزعت صدفاته ليظهر نصف صدره الصغير،

وسروال جنز أسود، مقطع من الركبة، وشعره الأشقر قد أصبح أسودا من أوساخ الهواء،

والأرض التي يفترشها كل ليلة، هو طفل ككل الأطفال وجدوا نفسهم في الشارع لسبب من

الأسباب، هم بعيدون عنها كل البعد، فما ذنبهم في خلاف والديهم، أو دخول والده للسجن

وتخلي والدته عنه، أو...العديد من الأسباب التي لا تعد ولا تحصى، والتي تنتج لنا في

العام ألاف المجرمين من كل نوع، وآلاف القتلى أيضا...

دس بكر يديه في جيبه، وهو يتأمل ذلك الطفل الذي لم ييأس بعد، وهو يدعو له، بالخير

والسداد، ليخرج قطعة نقدية تساوي خمسة دراهم وهو يضعها في يد الطفل..

بعدها تركوا المكان، وقد كان خالد يتهادى في مشيته من شدة التخمة، أما بكر فقد ترك

نصف مشاعره وعقله هناك حيث يوجد عالم أخر، لم يكن يراهم إلا على شاشات التلفاز

ليعقد ساعديه وهو يقول:

-هراء إنهم يبالغون

اليوم عرف بكر أنهم لم يبالغوا بل قصروا في إيصال الصورة لنا، فلا أحد مهما كان

يستطيع أن يصف أولائك الناس..

وها هو الصباح يأتيهم بعد تلك الليلة، وتتوسط الشمس غرفهم، لينهض كل منهما منهكا،

من شدة التعب،

كانت شقة بكر التي تتواجد في شارع غاندي، بالدار البيضاء، راقية جدا، رغم تلك

البساطة التي فرشت بها..

أخبره أمس أنها كانت ستكون عش زواجهما هو وعفاف، لكن الحلم لم يكن ليتحقق

غسلا وجههما وبعدها تناولا الفطور في عجالة، حتى يلحقا الدفن اليوم، ويلحقا أيضا

حقيقة موت الطفل...

هناء

العواء السادس

-ليلى هل سترافقينني أم لا؟؟

لعبت ليلى بخصلات شعرها الأشقر، وهي تتأمل وجهها على مرآتها الطويلة

ثم قالت في خفوت:

-هل صلاح بالمنزل؟؟

هزت سمرا رأسها نفيا، وهي متضايقة لتجاهل صديقتها لسؤالها، ثم تنهدت

بعمق وهي تقول:

-ليلى صلاح لم يعد كما كان

التفتت إليها ليلى وقد اغرورقوا عيناها العسلية، قائلة:

-كفى أرجوك لا تقولي ذلك..

ابتسمت سمرا في تكلف وهي تتابع:

-عليك أن تتحدثي إليه

هذه المرة لم تعد تستطيع ليلى حبس دموعها أكثر، وهي تتساءل في

سخرية رغم صوتها المخنوق:

-وماذا أخبره؟؟ أرجوك تزوجني فانا كما الغبية لا أستطيع نسيانك

لو كانتا في ظروف أخرى لضحكت صديقتها لكنها لوت شفتيها بدل ذلك،

وهي تتساءل في حيرة كبيرة:

-لست أدري ما الذي جعله يتغير فجأة؟؟

حملت مشطا من أمامها ومررته بعصبية على خصلاتها الشقراء، وهي

تجيب:

-لقد تعرف على أخرى تناسبه أكثر، متعلمة مثله، ماذا سيفعل بواحدة أنهت

الباكلوريا، ولم تدخل للجامعة حتى..

شعرت سمرا بالاهانة لكلام صديقتها فقالت معاتبة إياها:

-ليس صلاح من يفعل ذلك، يا ليلى أنت تعلمين أنه يحبك كثيرا، وكان يعلم

منذ البداية أنك لم تتابعي دراستك نظرا لظروفك، مثلي أنا أخته والتي لم

أحصل على الباكلوريا كما تعلمين، لأعتني بالبيت وبأمي المريضة..

-لست أدري يا سمرا لم أعد أستطيع التفكير، بعقلانية،

ربتت على ذراعها وهي تجيبها:

-أشعر بك يا صديقتي، لكن الحال من بعضه حتى نحن أصبحنا نكاد لا نراه

إلا نادرا..

وابتسمت في حماس قائلة:

-والآن هل سترافقينني؟؟

حركت رأسها وهي تنهض قائلة بعصبية مصطنعة:

-هيا أيتها اللحوحة، لن أتخلص منك إلا إذا رافقتك

وبعدما جهزت طاولة الأكل لوالدها الذي سيعود في الرابعة عصرا من

شغله، ووقتها فقط يتناول غذاءه بعد الصلاة، ثم ارتدت جلبابا مغربيا،

وخرجت رفقة سمرا للسوق، يمتعان أعينهما بمختلف البضائع الموضوعة..

توقفتا كثيرا أمام دكاكين مختلف للعطارة، والأثواب، وتجهيزات المطبخ،

وملابس النساء، وكذا بدلات الرجال الرسمية..

أخيرا توقفتا أمام شخص يبيع مواد غذائية..

همست سمرا في أذن ليلى مشيرة لعلب العصير قائلة:

-إن ثمنها مناسب جدا

وكزتها ليلى وهي تحذرها قائلة:

-انتبهي يقول والدي أن هذه العصائر تكون قد انتهت مدة صلاحيتها، يا سمرا

قلبت سمرا عيونها وهي تقول:

-أوووه كفي عن سماع ذلك يا ليلى اقرئي لا يزال شهر على انتهاء

الصلاحية..

والدك عجوز يهذي..

ضربتها ليلى وهي تعاتبها:

-لا تقولي ذلك على والدي..

-حسنا لن أقول والتفتت إلى الشاب الذي يبيع تلك العصائر سائلة إياه عن

ثمنها

-خمس دراهم..لا غلاء على مسكين..

ضحكت لعبارته وهي تتساءل في خبث:

-قلي لم هنا تباع أرخص بكثير من البقال..

ضحك الشاب وهو يجيب:

-البقال يا أختي يضيف إلى ثمنها ضريبة الدكان، وثمن الكراء والماء

والكهرباء

وأيضا العمال الذين يعملون عنده..أما نحن فكما ترين السماء فوقنا

والأرض أرض الله..لا تابع ولا متبوع وكل ما نحصل عليه من ربح فهو

فضل من الله عز وجل..

-فتحت محفظتها وأخرجت قطعة نقدية منها، وهي تساومه قائلة:

-دعني آخذها بأربع دراهم فقط..

-أووه لا يا سيدتي سأخسر الكثير معك..

-حسنا أعطني علبتين من فضلك..

ولف لها العلبتين في كيس بلاستيكي، وتابعت مسيرتها مع ليلى وهما يقفان

عند كل بائع يسألانه عن الثمن، ثم بعد ذلك يتركا له بضاعته بين أيديه،

ليتمتم بغضب:

-بما أنكما لن تشتريا فلم تتعباني بكثرة الأسئلة..

توقفت حينما رأت أنور وهو يجلس مع جماعة من الشباب، وهم يلفون

سجائر الحشيش، فأمسكت ليلى من يديها وهي تسرع بخطاها، لم تستطع

ليلى إلا أن تحاول أن تساير سرعتها، وقلبها يلهث..

وقد حمدتا الله حينما لم ينتبه لهما أنور، وإلا لكان أزعجهما كما العادة..

بعد ما تعبتا من اللف في السوق، عادتا في طريقها للبيت..

ارتفعت دقات قلب ليلى وضغطت بيديها على يدي رفيقتها، التي لم تعرف

كيف ستتصرف وهو يتقدم نحوهما بهدوء..

ألقى تحيته، فلم تجبه ليلى بل نفضت يديها بقوة من يدي صديقتها التي

كانت تحاول أن تحكم قبضتها عليها، حتى تقف، وأسرعت بخطواتها..نحو

منزلها

وقبل أن تفتح الباب أوقفها وهو يسألها:

-ما بك يا ليلى؟؟

تأملته وحينما أدركت أنها ستبكي، فتحت الباب ودخلت تاركة إياه في ذهول

عاد لينظر لأخته التي ظلت تقف هناك تراقبه، ثم تابعت سيرها هي أيضا

نحو منزلها المقابل لمنزل ليلى..

تبعها صلاح وهو يتساءل في حيرة:

-ماذا حل بكما؟؟ ألا تريدان الحديث معي؟؟

تنهدت بعنف وهي تجيب:

-ماذا يا صلاح؟؟

حرك عينيه بعجز وهو يتساءل في خفوت:

-ما بها ليلى؟؟

فتحت البراد ووضعت فيه علبتي العصير، ثم التفتت إليه وهي تتساءل:

-صلاح أ تحب ليلى؟؟

بدا الارتباك عليه، صحيح أنه يعتبر سمرا كصديقة مقربة له، وليست أختا

لكنه لم يعتد أن يتحدث معها بموضوع ليلى أبدا..

حينما بدا له ذلك الشك الذي طفا عيونها، أجاب بثقة:

-أجل يا سمرا أحبها، وظننت أن الأمر باد علي..

ابتسمت بخفوت وهي تجيب:

-إنه باد يا أخي لكن ليلى تعتقد أنك..

ابتسم وهو يجيب:

-اعرف كيف تفكر تلك الغبية، التي أحببت أخبريها أنه ليس هناك سواها،

فقط علي أن أحصل أولا على عمل يليق بها، وسأزورهم في المنزل..

ضمته إليها وهي تقول:

-لقد أسعدتني بهذا يا أخي..

ابتسم وهو يداعب شعرها قائلا:

-هكذا إذن كان علي فقط أن أخبرك بحبي لصديقتك حتى أحصل منك على

هذه الحب الكبير...

ضربته على صدره وهي تقول:

-تعرف أني أحبك، ثم إنك لن تجد أجمل منها أبدا

قطب حاجبيه وهو يقول في استنكار:

-لن أجد أجمل منها؟؟؟

أجابت في عناد كما الأطفال:

-اجل لن تجد أجمل منها..

قال في عناد أكبر:

-ما رأيك أنه في حياتي من هي أجمل منها؟؟

قطبت حاجبيها في غضب وهي تقول:

-هيا أخبرني من هذه القبيحة التي تقول إنها أجمل من ليلى

قبل خدها وهو يقول:

-إنها أنت..

كتمت ضحكتها وهي تنظر لوجهها في المرآة الصغيرة بالبهو قائلة

بإعجاب:

-في هذا لديك حق أنا أجمل منها..

تمتم قائلا:

-لا تصدقي نفسك

وحينما بدت له وهي تبحث عن شيء مناسب تضربه به، أسرع مبتعدا

عنها..

وجدتها والدتها وهي تتوعده، فابتسمت وهي تقول:

-ألن تكفا عن تصرفكما الصبياني؟؟

سارعت سمرا بضم والدتها، وهي تقول:

-اووووه يا أمي قريبا سيملأ أولاد صلاح البيت بشقاوتهم

مسدت والدتها شعر ابنتها وهي تقول في حنان:

-وأولادك أيضا يا سمرا

ضحكت سمرا وهي تقول:

-ليس قبل أن أجد والدهم..

رفعت الأم حاجبيها وهي ترمق ابنتها، بنظرة جانبية حتى أشعرتها بالخجل

فازدردت لعابها، وهي تتجه بعيدا عن عيون والدتها..

رمت نفسها على سريرها، وهي شاردة في نقطة غير مرئية في سقف

الغرفة، ترى كيف سيكون زوجها؟؟ وهل أصلا ستتزوج؟؟

في تلك الأثناء اخترقها صوت بكر، حينما همس بحب لها أحبك..

لوت شفتيها وهي تعبث بعنف بخصلات شعرها الأسود، حينما تذكرت حقيقة

ترفض الاعتراف بها، فبكر لم يكن يعترف لسمرا، بقدر ما كان يعترف

لعفاف..

تنهدت بعمق، وهي تنهض من جديد، عليها ترتيب غرفة أنور بما أنه تركها

مفتوحة، ستكون فرصة مناسبة لإعادة ترتيبها وغسل ملابسه التي يتركها

هناك..

-أووه لا لقد كانت مجرد فكرة مجنونة، أحببت أن ازرع خوفه فقط..

لف صديقه سيجارة، ليعبئ بها صدره قبل أن يمنحها لأنور، وهو يجيب:

-عليك أن تمرغ وجهه في التراب، إنه يتحامى بالذئب، لكن ليس عليك أن

تسكت..

تأمل دخان السيجارة المعبأة بحشيش، جاء خصيصا من كتامة، كهدية له،

من صديق..وقد جلب له كمية كبيرة..كمية تجعل صلاح يقضي مدة طويلة

حتى يتعفن بالسجن..

أجاب بتخوف:

-لا إنه أخي..

مد له عباس الصديق الثالث الذي يجلس معهما كأس شاي وهو يقول:

-كأس صحراوي

-بوركت..

قال بتردد وهو يلقي نظرة متخوفة على صديقهم الثاني:

-أعرف أنه ليس لدي الحق في التدخل، لكني أجد أن ما يقوله لك إسماعيل

هو جنون فكيف ستطاوعك نفسك..

قاطعه إسماعيل وهو يقول بنبرة مهددا إياه:

-فلتصمت قبل أن تنعم بزيارة سويسرا قبله.."سويسرا اسم يطلق على السجون"

"ونهض من مكانه بعد أن دفع صينية الشاي بقدميه"إن كانت مشاعرك لا

تزال هشة فعليك أن تعلم أنك لا تصلح أبدا لتكون بيننا..

وترك أنور يقبع في صمته مفكرا في كلام إسماعيل وعباس..

عليه أن يختار إما الانضمام لعصابة إسماعيل، ويصبح له شأن هو أيضا في

المدينة، ويعمل له ألف حساب، أو العدول عن تهديده لأخيه، وتقبل سخرية

الجميع منه، خصوصا و أن الخبر بدأ بالانتشار..

منذ أن سافرا خالد وبكر معا، ليلة أمس لم يعرف عنهما صلاح أي شيء..

وقد بدأ يقلق عليهما، فقد تمت صلاة العشاء قبل ساعة، والمفروض أن

يكونا هنا..

ارتأى دخول المقهى الذي بالحي لمعرفة المزيد من الأخبار، وما إن وقف

أمام عتبتها حتى بدت له سيارة بكر الفارهة تشق الطريق تاركة وراءها

سيلا من الغبار، تنهد ارتياحا، ورعبا مما يحملانه من أخبار، ثم عقد

ساعديه أمامه وهو يبتسم بنصف ابتسامة على منظر صديقه المرتب، ليمد

يدا قوية مصافحا إياه ثم ضمه إليه بقوة، وهما يربتان على ظهر بعضهما

بحنان، يتمتمان بعبارات التحية، ضحك خالد ملئ فمه وهو يستنشق هواء

الحي:

-كم اشتقت إليك يا مدينتي..

تقدم بكر بخطوات رشيقة نحو صلاح ومد يده إليه مصافحا إياه...

ثم بعد ذلك بدت الجدية على صوت خالد وهو يقول:

-هيا يا رفاق علينا التحدث في مكان آمن..

''وتوجه بهما إلى سيارة بكر وهو يقول موجها كلامه إلى بكر" سيرافقك

صلاح إلى المرسى حيث نجلس هناك عادة..وأنا سأتبعكم بسيارتي

رمقه صلاح بنظرة عاتبة،فغمز خالد له وهو يبتسم بطفولة ..

بعد مدة لا بأس بها كان ثلاثتهم على متن قارب بشاطئ المدينة..

لم يعد يستعمله أصحابه منذ زمن، فااتخده الصديقان كمتنفس يرتاحا فيه،

ويفضفضان لبعض عن أسرارهما..

وضع صلاح أمام كل منهما كأس شاي بدون نعناع، وارتشف بدوره من

كأسه وهو يقول في حب:

-لا شيء يعيد لي مزاجي سوى كأس كهذا..

ضحك خالد وهو يخرج قطعة من الحشيش من جيبه، ويشهرها أمامهم

بعد أن طبع على جبينيها قبلة حارة:

-ولا شيء يعيدني للحياة سوى قطعة كهذه..

ابتسم بكر لكنه لم يعلق وتابع خالد بعينيه وهو يحرق تلك القطعة ثم يفركها

بين يديه، ليمزجها بتبغ سيجارته..

-الطفل يا أخي لم يكن يتعاط لأي نوع من المخدرات..

بلع صلاح ريقه بصعوبة، وهو يرد على صديقه قائلا بدهشة:

-ماذا تقصد؟؟

تراجع خالد للوراء، وهو ينظر لبكر حتى ينقذه ويأخذ على عاتقه مهمة إخبار صلاح:

-حينما ذهبنا قابلنا أسرته، كانوا أناسا طيبين وقد كان بدر طفلا يشهد له بأخلاقه الطيبة

رغم أنه يعيش في حي فقير، لكنه طفل مجتهد بدروسه ويؤدي أيضا بجانب والده فقيه

المسجد فروضه الدينية، لا أحد هناك يصدق أن الطفل يتعاط لأي نوع من المخدرات سواء

الرخيصة منها أو الغالية، بل حتى رفقاؤه كانوا على دين وخلق..

وحينها ترقرقت دمعة لدى بكر الذي جاهد وهو يقول:

-لقد كان الطفل مهووسا بكرة القدم وخصوصا فريقي، لم يتركه والده ليذهب ليشاهد

المباراة إلا بعدما أدى صلاة العصر، جماعة و ساعد أخوه في سقي الحديقة العامة بالحي،

وقد كان يشعر بالسعادة كلما ربح الفريق "وهنا مسح بعضا من دموعه وهو يتابع"كانت

صورة لي في الغرفة معلقة هناك..

بدأت الأمور تزيد صعوبة أمام صلاح، هل ما يبحثون عنه هو مجرد سراب؟؟ أي مجرم هذا

الذي لا يترك أثرا بعده؟؟ أي مجرم هذا الذي يقضي على أناس أبرياء كل ذنبهم أنهم ربما

كانوا في الوقت الخطأ والمكان الخطأ...

**********

بدت لها حبيبات العرق تتساقط من جبينه كالندى، كان يحكي بغير هدى حتى أنها شكت في

أنه طرف بعينيه..لو كان لها الوقت لأحبت كثيرا ألا يسكت فقط تسمع صوته الذي يخترق

سمعها بعذوبة..لم تر فيه صورة المجرم، لم تر في تلك الأيادي القوية يد قاتل قتل أزيد من

عشر شخص في ساعة واحدة..حتى تسمى جريمته بالمجزرة..

شعره الداكن وقوته وتلك الوسامة الرجولية التي تكتنف قسمات وجهه الأسمر، تجعل منه

بطلا للأفلام الأجنبية بلا منازع..

علمتها الحياة قبل أن تعلمها مهنتها، ألا تنخدع بما يرسمه لنا الآخرون، أو بمعنى أصح

بما يردوننا أن نراه منهم، تماما كبائعي حلوى التفاح والتي ترى فيها تلك الواجهة

المدهونة بالعسل فتلتف حولها كما يلتف النحل حول الزهر..غير عابئ بمدى طراوة وجودة

التفاح المستعمل بها..

عليها ألا تنخدع بنظراته ولا مبالاته ولا حتى بجاذبيته، فبالأول والأخير هو مجرم وتحت

كلمة مجرم عليها أن تضع ثلاث خطوط عريضة..

كي تتعامل مع قضيته بشكل مريح..

تأملت أظافره التي كانت نظيفة جدا بالمقارنة مع باقي المجرمين الذين تعرفت عليهم

وقابلتهم سابقا، أخيرا استطاعت أن تقول بصوت جاهدت كي يبدو عاديا:

-اسمع أنت الآن تحكي لي الكثير من التفاصيل، والتي لن تساعدني كي أغير الحكم..

ضرب الطاولة بعنف، حتى تراجعت للوراء وقد كانت ستضغط على زر الإغاثة، لولا أنه

قال بهدوء:

-ومن أخبرك أني أريد أن أعيش، أريدك فقط أن تسمعيني..

عدلت نظارتها وهي تنظر للساعة بيديها لا يزال ساعة إلا ربع على انتهاء الجلسة لهذا

اليوم، لا بأس ستحاول ألا توقفه حتى يتسنى لها معرفة المزيد عن سمرا في حياته، فما

عرفته من وسائل الإعلام والتي وجدت في قصته الكثير من الإثارة حتى تزيد من دراهم

جرائدها، وتثير جلبة حول الموضوع غير كاف..بسطت يديها وهي تومئ له برأسها..

-في تلك الأثناء تاه الجميع بمن فيهم صلاح، كان الأمر بمثابة بحث عن إبرة في قاع البحر،

كل منهم يفكر بطريقته، ليعود إلى نفس النقطة..

ومضت السويعات وتملكهم النوم وهم على حالهم، ليس هناك من حل..

كان بكر أول من استأذن فقد غاب عن والدته دون أن يعلمها وحتما ستكون خائفة عليه

وبقي صلاح وخالد الذي تمدد على لوحة خشبية مغطاة بثوب خشن، واضعا إحدى قدميها

على الأخرى وهو يحرق صدره بدخان الحشيش:

-ستصلني غدا شحنة من الحشيش من كتامة، أعتقد أنها ستكون مربحة إذا لم يتدخل

"الحناش" فيها أوووه يا صاحبي أول عملية بعد موت أبو سكة، رحمه الله كان يقول دائما

أفديك بروحي أيها الذئب'حينها لاحظ أن صلاح في واد غير واد خالد فقال بتأفف' إيه أيها

الذئب إلى أين وصلت؟؟

ابتسم صلاح وهو يقول:

-لعالم ما ليس فيه إلا أنا و..

"بتر كلماته حينما بدت له تلك النظرة الكسولة من صديقه، والتي يخفي وراءها ضحكة

ساخرة..فنهض وهو يتابع"سأذهب للنوم قبل أن أهشم أسنانك حتى تنسى الطريق

للضحك..

علت ضحكة خالد أكثر وهو يقول:

-أخبرني فقط ماذا كنت تفعل مع السنيورة وحدكما في ذاك العالم..؟

هز صلاح رأسه استخفافا ليسأله بعدما قفز من القارب:

-ألن تعود لبيتك؟؟

-أوووه لا فزوجتي تنام ليلتها عند أهلها..سأقضي الليل هنا..

ضحك صلاح وهو يقول:

-عليك أن تطلقها أو تتزوج عليها، حتى لا تفكر في المبيت بعيدا عنك..

نفث دخانه ببطء حتى كون مجموعة من الدوائر في الهواء، هذه عادته حينما يكون

منتشيا، يحبس الدخان في حنجرته قليلا ثم يخرجه ببطء فيكون بذلك مجموعة من

الدوائر..

-أنا ضد تلك الفكرة، وضد أولائك الأزواج الذين يمنعون زوجاتهم من المبيت عند أهلهن..

-بالمناسبة ألا تفكر جديا بالزواج؟؟

رمقه بنظرة جانبية قائلا:

-اذهب للنوم يا صاحبي..

عاد صلاح وهو يقول بجدية:

-لا أيها الذئب أخبرني ألا تفكر في الزواج، عليك أن..

تنهد خالد وهو يعدل من جلسته بعدما استعان بيد صلاح، فقد أثقله الحشيش، ويبدو أن

جودته عالية هذه المرة..

جمع قبضته وهو يتأملها، وتأملها صلاح جيدا، تلك اليد القوية، وتلك الأظافر البيضاء،

التي تعلوها، وتلك الخطوط الواضحة والمحفورة كأنهار شقت طريقها بعنف وسط غابة

كثيفة فتكسر بذلك كل ما يأتي بطريقها..

-روحي أقبضها بين يدي، وأهبها في أي لحظة لبارئها فكيف لي أن أقبض روحين..

وجمع قبضة اليد الثانية ليصبحا متوازيتين أمام ناظريهما..

قرب صلاح بين قبضتي صديقه وهو يقول:

-حينما يجتمعان روحان تسعى كل منهما لحماية الروح الثانية..

ابتسم له خالد وهو يقول:

-وهل لديك عروس؟؟

استغرب من سؤاله وهو يقول:

-لا على الأقل ليس الآن، لكن سأبحث لك

مسح خالد على شعره وهو يقول:

-إذن حتى ذلك الحين الذي تجد لي فيه عروسا، أقفل الموضوع أرجوك..

ابتسم صلاح وقد أحس أنه جرح خالد صديقه حينما فتح الموضوع معه، فارتأى أن يصمت

مكتفيا بقول:

-تصبح على خير..

لم يجبه خالد بل اتكأ على جنبه، بعدما دهس سيجارته بالأرض، ونام..

في الصباح وكالعادة نفس العمل الروتيني، انشغل العمال ومن بينهم صلاح، وكريم، في

حمل الصناديق وإدخالها للمخزن..

لم تكن الشحنة ذلك الصباح كثيرة، فانتهيا حوالي العاشرة والنصف، ليستغرب الجميع

ويتجمعوا كمجموعات، ويكثر لغطهم كل يتكلم في وقت واحد، إلى أن جاء الحارس للمخزن

وهو يقول بصوت غليظ:

-اسمعوا عليكم أن تحملوا الصناديق التي بالمخزن، كلها وتشحنوها لتلك الشاحنات التي

في الساحة، "التفت الجميع حيث أشار هناك لعدد كبير من الشاحنات، المصطفة ثم تابع

يقول بصوت عال خشن" أريد رجالا تشق الجدران، عملا قويا وسريعا، ومن تعاني بألم

في مفاصلها فلتعد لمنزلها..

تعالت الضحكات وقتها، مما زاد من غضب الحارس الذي كان يهدف لإهانتهم لكن حتى

الاهانة أصبحوا يستقبلونها كما تستقبل النكتة..

بعدها توجهوا لمتابعة العمل الجديد في المخزن ونقل الصناديق للشاحنات، وكان عملهم

ثنائيا، وكالعادة اشتغل صلاح مع كريم على مجموعة اختارها كريم،

وبهمة كما المعتاد حملا الصناديق للشاحنة الثالثة، وقد كان صلاح يستمتع بصوت كريم

العذب وهو يدندن أغنية لنعمان الحلو وتلك الكلمات الرائعة التي يعشقها..

بلادي يا زين البلدان...... يا جنات على حد الشوف

يا أرض كريمة مضيافة...... و جمالها ناطق بحروف

ناسها نخوة و ظرافة...... وكرمهم شايع معروف

اشحال يا بلادي و لافة...... و اللي سال يجي و يشوف

بلادي يا قرة الأعيان....... و الشمس ضوات عليها

عروسة ما بين الشطان..... و الجبال تغني ليها

يا اللي هارب من الأحزان.... زور بلادي تتشافى

طبيعة و دواء للإنسان...... واللي شرب مائها يتعافى

بلادنا يا دار السلوان..... يا شربة من نبع الصفا

كان صوته جميلا وهادئا، يطرب الأذن، وكم كان يستمتع صلاح بدندناته حينما يكون

مزاجه جيدا، وبينما هما كذلك رن هاتف كريم ليمنح صندوقا على عجل لصلاح وهو يقول

بفرحة:

-ربما هو نداء عمل يا صاحبي

بدت السعادة على محيا صلاح وهو يقول:

-حظا موفقا يا صاحبي..

وتابع ترتيب السلع بالشاحنة، قبل أن يتمتم بعدم رضا:

-كم مرة أقول له ضع الصناديق بشكل أفقي، يا إلهي أين يكون عقله هذا، وانشغل فوق

سطح الشاحنة وهو يرتب تلك الصناديق ويعيدها لوضعيتها الأصلية:

-صلاح ماذا تفعل؟؟

انتبه أخيرا لصوت عمه البشير الذي كان يتحدث إليه:

-اووه عذرا عمي لقد كنت منهمكا في عملي..

بدا الضيق على ملامح العجوز وهو يقول له بنبرة غاضبة رغم محاولته في إخفائها:

-تعال يا صلاح..

نفض يديه ومسح عرقه بذراعيه، وهو يلحق بالبشير للمكتب..

سارا بخطى منتظمة، وبصمت مطبق لا تسمع فيه إلا أصوات تنفس العم المجهدة، ليدخلا

بعد ذلك لمكتب أنيق، مزود بتكيييف، يشعرك بالبرودة والانتعاش بدل تلك الحرارة التي

توجد خارجا، وتجعل ملابسك ملتصقة مع جلدك حتى تصبح لا تفرق بينهما..

أخذ مكانه وراء مكتبه ذو الخشب الأسود اللامع، واضعا يديه على ذقنه، بعدما أشار له

بالجلوس ليقول بعد ما جلس صلاح:

-صلاح أنت تعلم مقدار معزتي إليك..

"هز صلاح رأسه وهم أن يقول شيئا لكن إشارة البشير تلك منعته من الكلام، ليتابع العم

كلامه"وأنا لا أشك أبدا في مقدار حبك لي، لكن ألا تعتقد أن أولاد الناس عليهم الدخول

من الأبواب بدل تسلق النوافذ؟؟

فتح صلاح فاه بدهشة، بل بعدم تصديق لما يسمعه، أيرمي العم لحبه لليلى؟؟

لكنه تمالك نفسه وتغلب على دهشته ليقول ببرود:

-لم أفهم ما تقصده يا عمي

تراجع للوراء مسندا ظهره على ظهر الكرسي صاحب الجلد الناعم، ليقول كمن يتعمد حرق

أعصاب الشخص الذي أمامه:

-بلى أنت تفهمني جيدا..

ازدرد لعابه بصعوبة وهو ينفي قائلا:

-لا زلت لم أفهم شيئا، لذلك أتمنى أن توفر علي..

-ليلى

ارتعشت أوصال صلاح لذكر ليلى وهو يتساءل بخفوت:

-ما بالها ليلى؟؟

مال بجسده إليه وهو يقول:

-علمت ليلة أمس أنكما تحبان بعض..فما رأيك أنت؟؟

ابتسم صلاح لذلك الخبر وهو يؤكد قائلا:

-يبدو أنك تعلم أكثر مما أعلمه، فما أعلمه هو أني أنا من يحبها لكني لست أدري عنها..

عاد الأب ليتراجع للوراء قائلا:

-لم ألستما على علاقة؟؟

بدا الغضب على وجه صلاح وهو يقول:

-ما عدا الله إن كنت لا ترضاها لابنتك فأنا لا أرضاها لمن ستحمل اسمي..

تنهد البشير وهو يقول:

-لقد اعتقد..

قاطعه قائلا:

-عمي أنت بمثابة أب لي، و أنت تعلم كم احترمك وأحترم ليلى وقد كنت أنتظر الفرصة

المواتية لأفتح معك الموضوع..

ابتسم العم وهو يقول:

-اعتبر أن الفرصة جاءت و أنك فتحت الموضوع وأن الأب سينتظرك في نهاية الأسبوع

ولا تأتي وحدك..

ونهض من مكانه تاركا صلاح في دهشة وفرحة تكاد تخنقه وقبل أن تطأ قدم البشير عتبة

المكتب خارجا، انتبه صلاح لنفسه وهو يتساءل:

-ماذا تقصد؟؟

لم يلتفت إليه البشير وهو يقول:

-من الغد صباحا ستصبح المهندس المسئول عن قسم الالكترونيات، ولن تعود لك حجة

تمنعك من زيارتي أنت والوالدة..

في المساء وبعد انتهاء العمل، كان خالد أول من زف له صلاح الخبر، لكنه تجاوزه ببضع

خطوات ليقول صلاح بضيق:

-ألست سعيدا؟؟

لم يلتفت إليه وهو يجيب بسؤال:

-وهل أبدو لك سعيدا أيها الذئب؟؟

وتابع سيره وهو يقذف كل ما يعترض طريقه، كقوارير الخمر الرخيص، و علب العصائر

وعلب المشروبات الغازية، وكذا الأحجار الغليظة

أوقفه كلام صلاح الذي قال:

-وهل اعتبرها غيرة؟؟

التفت ببطء وهو يقول:

-اجل يا صلاح غيرة لكنها غيرة عليك وشدد على كل حرف من كلماته حتى ظهر الصدق

فيها وظهرت بعض الدموع الخفيفة على عينيه..وهو يمضي بسرعة بعيدا عن صديقه...

كان قد ابتعد عنه بخطوات كبيرة حينما صرخ صلاح بغضب:

-ماذا حصل لكل هذا؟؟ أليس من حقي أن أعيش حياتي، لست مثلك يا خالد ولن أكون أبدا

مثلك، لست ذئبا وأنت تعلم ذلك..لن أخوض معكم هذه القضية..فلتحترقوا بغاز كلكم "أبو

سكة وعفاف والطفل أيضا، وحتى أنت أيها الذئب فلتذهب للجحيم، واصطحب معك ذاك

الثري.."

قاطعه هذه المرة صوت ذلك الرجل السكير الذي يقضي ليله ونهاره، في شم خرقات من

السليسيون وهو يقول بصوت متقطع:

-فليحترق العالم كله، ولتحترق أمريكا..وليسقط الاستعمار..ليعيش المغرب حرا

ضحك صلاح رغما عنه وهو يتأمل ذلك الرجل الذي عاد بذاكرته لزمن ولى، ثم التحق

بصديقه الذي كان يتابع سيره ببطء، لف ذراعيه حول عنقه وهو يقول:

-آسف أيها الذئب..

"لم يجبه بل كان منشغلا بقذف كل ما يصادف طريقه..فوكزه صلاح وهو يقول"فليكن قلبك

أبيضا وسامحني..ألست صديقك؟؟

هز رأسه ببطء نفيا، فأبعد صلاح يديه وهو يقول بنبرة عاتبة:

-حسنا كنت أعتبر نفسي صديقا لك

وتجاوزه هذه المرة صلاح ليقول خالد بنبرة متهكمة:

-كنت أحسبك أخا لا صديقا.."وبسط يديه بطريقة مسرحية وهو يتابع" أرأيت الفرق بيننا

أيها المهندس...لست مجرد صديق مهما كان غاليا فسيعوض بآخر، لكن لا أحد يعوض فقد

الأخ..

عاد صلاح إليه فاتحا ذراعيه وهو يقول:

-وأنت تعلم كم أعتبرك غاليا..فأنت نعم الأخ..

ابتسم خالد وهو يقول:

- تأكد يا صلاح لن أدع أحدا يؤذيك حتى آخر رمق لي....

ابتسم صلاح بتردد وهو يسأله:

-هل علمت شيئا عن أنور؟؟

مسح خالد شعره وهو يقول:

-لا كما تعلم فقد كنت منشغلا هذه الأيام، لكن ما عرفته من سعد أنه يتحامى في عصابة

إسماعيل

عقد صلاح حاجبيه وهو يتساءل بسخرية:

-وهل إسماعيل كون عصابة؟؟

-اجل هل كنت لتصدق ذلك؟؟

بعد أسبوع، من ذلك اليوم والذي كان صلاح منشغلا فيه بشكل رهيب، ما بين عمله الجديد

ومكتبه الأنيق، لتجهيزه لليلة الخطوبة التي اتفق عليها مع والدته، وسمرا اللتان كانتا

ستموتان من الفرحة، ولم تسعهما الأرض حينما سمعا ذلك، أما ليلى فقد شعرت أنها تكاد

تختنق وسمرا تزف لها الخبر..وقد استمتعت برؤية صدرها وهو يعلو وينخفض، وجفاف

شفتيها التي تحاول عبثا أن تبللهما، تساءلت لعدة مرات:

-هل صحيح ذلك؟؟ هل سيتزوجني اخيرا..يا إلهي لك الحمد وفجأة غطت وجهها بيديها

وهي تبكي بحرقة، اقتربت منها سمرا وهي تسألها بخوف:

-ما بك يا ليلى ؟؟

ضمتها إليها وقد زاد نحيبها وهي تقول بصوت متقطع:

-لكم تمنيت أن تشاركني والدتي هذه الفرحة

-أوووه يا حبيبتي ، لابد أنها سعيدة وسعيدة جدا لأنك ستتزوجين من تحبين، لقد سمعت ان

الاموات يحسون بمن يحبون..

مسحت ليلى عينيها التي بدأت تتورم بسرعة، وهي تحاول ان ترسم على شفتيها ابتسامة..

ثم بعد ذلك قالت بحماس:

-اسمعي علينا ان نذهب للسوق لنختار فستانا يليق بي..

وسرعان ما تناست شوقها لوالدتها رحمها الله وهي تغرق في حديث مشوق مع سمرا،

حديث لطالما كان حلما تمنته من أعماقها، حلما كان يبدو لها في كثير من الأحيان قريبا

قرب الموت للإنسان، وأحيانا مستحيلا استحالة الخلود في الدنيا..

لكنه هاهو الآن بدأ يقترب منها، يخطو بخطواته نحوها..

لم يعد يفصلها به إلا أياما قليلة ..قليلة جدا...

العواء السابع

تأملت وجهها بالمرآة الطويلة، والابتسامة تزين شفتيها المصبوغة، بلون زهري،ثم أبعدت

خصلة من شعرها الأشقر وهي توسع عينيها لتعدل من الماسكرا قليلا، في حين تأملتها

المصففة وهي تقول:

-تبدين آية في الجمال يا ليلى، سبحان من صورك

ابتسمت بخجل، فهي تحتاج لمثل هذه الكلمات التي ترفع من معنوياتها، ثم تساءلت في عدم

اقتناع:

-ألا تجدين أن لون القفطان لا يتناسب مع بشرتي؟؟

ضحكت المصففة وهي تقول:

-لم أر في حياتي عروسا مثلك يا ليلى هيا كفي عن تصرفاتك ولا تجنيني كما فعلت ليلة

خطوبتك..

ضحكت وهي تقول:

-من حقي أن أتشرط كما أرغب فأنا العروس..

وقبل أن تجيبها سمعت بوق السيارة يرتفع معلنا عن وصول خالد الذي تعهد بإيصالها

لقاعة الأفراح..

تسمرت ليلى في مكانها فقد أحست أنها لم تعد تستطيع المشي بقدميها، وقلبها يكاد يخترق

حنجرتها اليوم سيعقد قرانها على صلاح..

يا إلهي حلم سيتحقق بعد أقل من ساعتين..

ابتسمت المصففة لسمرا التي كانت قد قدمت مع خالد وبكر الذي رأته اليوم لأول مرة،

وهي تزغرد وتصلي على النبي، صلى الله عليه وسلم والتي حينما رأت صديقتها وهي تكاد

يغمى عليها من شدة الخوف قالت :

-يا إلهي أراهن أن أخي سيخطفك قبل أن يتم العرس من شدة هذا الجمال اللهم صلي وبارك

على المصطفى خير الأنام..

-هل ...هل...هل؟؟

علت ضحكات سمرا وهي تنقذ صديقتها من تلك الهلهلة التي أربطت لسانها وهي تقول:

-تبدين كالأميرات إن لم تكوني أجمل..لا تقلقي..

تنهدت بارتياح نوعا ما وهي ترمش بعينيها وتأخذ نفسا عميقا قبل أن تخطو أولى

خطواتها..

طوال الطريق وليلى تضغط بيديها على سمرا، والتي كانت عيناها معلقة بالمرآة ليس لترى

وجهها كيف يبدو، ولكن لأن المرآة كانت في صفها ونقلت لها بعضا من ملامح بكر..

-لا عجب في أن عفاف أحبته، تبدو أوسم من الممثل يا سين أحجام..

أسرت لنفسها بهذا، قبل أن يرمقها خالد بنظراته الغاضبة، فأحنت رأسها حياء، يا إلهي أي

جنون هذا يا سمرا، اخفضي بصرك وإلا سيقتلع خالد عينيك، وما شأنه خالد بي، ليس لا

أخي ولا أبي فلم أخشاه؟؟

وحتى بعدما حاولت أن تشجع نفسها إلا أنها لم تستطع أن تختلس المزيد من النظرات،

فمنت نفسها بأنها هي من لا يرغب بذلك..

منذ أن رأته وهي تشعر أنه يسحب الأوكسجين من كل مكان يتواجد فيه، حتى يتركها

كسمكة أخرجت من بحرها..

-ها قد وصلنا أيتها الجميلات.."والتفت إلي العروس وهو يقول"ألف مبروك آنسة ليلى..

احمرت ليلى خجلا وقد ارتعشت شفتيها وهي تقول:

-ش ك ر ا لك

ابتسم لسمرا و عاد يركن سيارته أمام قاعة الأفراح...

كان مدخل القاعة رائعا، تفرش أرضه ببساط أحمر طويل، وعلى حوافه اصطفت بنات

ترتدي اليوني فرم الخاص بممولي الحفلات وكل واحدة منهن تحمل صينية بها التمر

والحليب، تستقبل به الضيوف..

لم يمنع خالد نفسه من الوقوف لارتشاف الحليب المنسم بالزهر واكل التمرة المحشوة

باللوز في حين تبعت سمرا بكر وتركت ليلى التي احتارت ماذا تفعل فوقفت تنظر للجميع

والذين كأنهم ارتاحوا لإيصالها لباب القاعة..

سارعت إليها عائشة وهي تزغرد وتحاول أن تظهر وكأن شيئا لم يكن، وهي تحث النسوة

على التقدم وإدخال العروس..

في تلك اللحظة أحست ليلى بحاجتها لوالدتها، وقد تألمت من تصرف سمرا، وقد لاحظت

افتتانها بذاك الشاب..لكن ذلك لا يمنحها عذرا لتصرفها..

وتساءلت بخفوت:

-أين صلاح؟؟

همست عائشة وهي تشير بسبابتها نحو شاب فارع الطول، يقف بجانب والدها أمام الباب

ينتظران تقدمها:

-إنه هناك يا صغيرتي ينتظرك وابتسمت لها بود..

علت دقات قلب ليلى وهي تنظر لصلاح يتفحصها، كان يشعر بمدى ارتباكها وكعادتها مدت

يديها لخصلات شعرها تضعها وراء أذنيها، واقترب منها ليمسك يديها ويدخلا معا للقاعة..

وعلى إيقاع عيساوة دخلا العروسان، والزغاريد تملأ الأرجاء والصلاة والسلام على النبي،

وأوراق الزهور ترش عليهما من قبل البنات ، حتى جلسا على كرسييهما اللذان خصصا

لهذه المناسبة..أحس صلاح بارتعاش يديها فأمسكها يطمئنها، وكم راقته تلك النقوش التي

بيديها، وكم تمنى لو أنه حضر ليلة أمس للحناء، لكنها تكون مختصة للبنات فقط ولا يسمح

للرجال حتى العريس بالاقتراب من المكان..

وحينما تقدم العدول للقاعة وهو يصلي ويسلم على النبي، ويبارك للعروسين ارتعشت ليلى

وهي تنظر لوالدها، الذي بدا قلقا، فغياب أنور طوال تلك المدة إنه لشيء يقلق، رمشت

بعينيها، أمام المصور الذي كان يلتقط لهما صورا ستظل ذكرى، للعروسين والعائلة،

وبيدين مرتجفة وقعت على العقد وكذلك فعل، صلاح الذي همس لها بحب:

-الآن لم يعد يستطيع أي شخص تفرقتنا..أليس كذلك؟؟

تسمرت عيناها، وأحست بدقات قلبها قد توقفت، فجأة حينما بدا أنور وهو يدخل للقاعة..

وقف خالد وتقدم بخطوات سريعة نحو أنور، وعانقه وهو يهمس محذرا إياه:

-إذا ما تصرفت بتهور، ستكون أولى جرائمي بالقتل...

تراجع أنور وقد بدا حزينا بتلك اللحية التي نمت بطريقة عشوائية، وجنزه الباهت الذي لا

يليق أبدا لتلك المناسبة، كان قد غاب عن الحي طوال تلك المدة منذ أن علم بأن أخاه خطب

ليلى وأن ليلى أصبحت محرمة عليه، طوال حياة أخيه..بعدما عقد قرانهما..

ربتت يد ضعيفة أضعفها الزمن، وأنهكها المرض فاستدار أنور و الدموع تملأ مقلتيه

كم اشتاقها، ذاك الوجه المجعد الذي قهرته السنين، وارتعاشة الشفتين، ودموع لطالما

نزلت بسخاء ولطالما كان احد أسباب دموعها..وهاهو اليوم أيضا سيدمر فرحتها، وقد

يقتلها إذا ما علمت بما ينوي فعله...

لم تسمح له بالمزيد من الحديث النفسي الذي يخوضه، وهي تضمه إليه بقوة وكأنها تريد

أن تخبيه بين أضلعها...

ابتسم لها بتردد قائلا

- آسف يا أماه...

وبينما هي تتصارع مع صوتها كي يظهر، شهقت شهقة وهي تسمع صوت سيارة الشرطة

لتقول متسائلة برعب:

-ماذا فعلت يا أنور؟؟

بدا وكأنه لم يفهم السؤال، وهو يلتفت في دهشة إلى ثلاث رجال من الشرطة اقتحموا

القاعة وتجاوزوا بخطاهم الواسعة تلك الحشود التي وقفت كما وقفت تلك الموسيقى،

وأخرست الزغاريد..فجأة..

نهض صلاح أما ليلى فقد شعرت أن قدميها لم تعد تقوى على الوقوف، فجحظت بعينيها،

وقد جف حلقها..

أخيرا تقدم نحوه ضابط، في حين وقفا الشرطيين الثانيين، ضاقت عيون خالد وبدأ أنفه

يتسع غضبا، وهو يراقب ذلك الضابط، لا بد وأنه أخطأ المكان..

-نرجو أن تأتي معنا سيد صلاح..

اهتزت شفة صلاح السفلى رعبا وهو يرمق ليلى التي بدت شاحبة، ونظراتها معلقة عليه..

جلس بجانبها وهو يمسك أناملها ليقبلها، ماسحا على شعرها الأشقر:

-لا تقلقي حبيبتي، لا بد أنه خطأ ما..

ابتسامة الشرطي لم تكن تنم عن خير، لكنه مع ذلك حاول أن يبدو هادئا وهو يسأله:

-هلي أن أعرف السبب سيدي؟؟

بدا وكأنه تعمد أن يكون صوته مرتفعا، حتى يسمع كل من في القاعة:

-سيد صلاح لدي مذكرة بتوقيفك، فأنت متهم بالمتاجرة بالحشيش..

هل أحس أنه سيغمى عليه؟؟

أجل لقد شعر بذلك...

قال خالد بصوت غليظ يميزه دائما:

-لا بد أن هناك خطآ ما..

-التفت إليه وقال وكأنه سيراه لأول مرة:

-أوووه الذئب هنا...'وبنبرة محذرة تابع' ستكون التالي بإذن الله..

وأشار للشرطيين باعتقال صلاح..

ومع وضع الحديد على يديه، تبعهما دون أن ينطق بكلمة..

تعالت صرخات الوالدة قبل أن يغمى عليها، وتبعته سمرا وهي تبكي بحرقة، متمسكة ببذلته

الأنيقة:

-أخي قل شيئا....إلى أين تأخذونه..قل لهم إن هذا كذبا..

أحنى رأسه ولم يجبها..

وقبل أن يدخل لسيارتهم ألقى نظرته على ليلى التي كانت لا تزال جالسة على كرسيها

بقفطانها، شاردة في نقطة ما...

لحق بكر وخالد بسيارة الشرطة:

-هل صلاح..؟

قاطعه خالد وهو يقول:

-هل أثر فيك المشروب؟؟ لابد أنه سوء تفاهم، ولن أعتق الشرطي من العقاب أبدا، لأنه

أفسد ليلة الذئب..

عدل بكر من المرآة، حتى يبدو له وجه خالد الأسمر، وضوء القمر ينعكس على ملامحه

الرجولية متسائلا:

-لم تناديه بالذئب؟؟

ابتسم خالد وهو يجيبه بسؤال:

-ومتى ناديته بالذئب؟؟

رد سريعا:

-الآن قلت أفسد ليلة الذئب..

ضغط على حروفه قائلا:

-قصدت ليلتي اليوم فقد كنت سعيدا، قصدتني أنا

هز بكر رأسه وهو يوقف السيارة أمام مركز الشرطة، وكان قد وصل صلاح ويديه مكبلة

بالحديد..بدا جزعا لم يسبق له وأن عاش مثل هذا الإحساس حتى في كوابيسه..

توقف أمام خالد متوسطا رجلين من الشرطة، وهو يقول لخالد بنبرة متوسلة:

-أرجوك لا تؤذه..يا خالد..

وقبل أن يجيبه خالد دفعه الرجلان ليتقدم في سيره..ودلفا به إلى مكتب المدعي العام..

وقف أمام الرجل الأربعيني، والذي كان يتأمل بعض الأوراق التي كانت أمامه، وهو يقول:

-ماذا أيها المهندس؟؟

كان صلاح يدعك معصميه بيديه، بعدما أزاحوا عنه تلك الأصفاد، وهو يقول بنبرة هادئة،

لا تتناسب مع الوضع:

-هلي أن أعرف تهمتي؟؟

-حيازتك للمخدرات، ومائة حزام للعقاقير النفسية، مع عدد لا بأس

به من المحاضر المسجلة عليك..

لم يستغرب إلا من المحاضر المسجلة عليه..

-لست أفهم شيئا مما تقوله سيدي، لا بد أن هناك خطآ ما..

اقترب منه الضابط وهو يقول بصوت هادئ:

-لقد تم التبليغ عنك ولدي هنا –ألقى نظرة على أوراق أمامه- عدد لا بأس به من

المحاضر، كما أن الشرطة التي فتشت غرفتك وجدت فيها نسبة كبيرة من المخدرات ما

تجعلك تاجرا لها وليس مجرد مستهلك.

-سيدي أنا لا أتعاط لأي نوع من المخدرات

زفر الضابط بنفاذ صبر وهو يقول:

-أنصحك أن توكل محاميا..

والتفت لمحرر المحضر وهو يقول:

-وقد قررنا نحن الضابطة القضائية، محمد بنكيران، إقفال المحضر في يومه وساعته،

والتحفظ بالمتهم صلاح بنزينة إلى حين عرضه غدا صباحا على النيابة العامة

قفل المحضر...

-يرى الضابط وجوب توكيل محام..

نفث خالد سيجارته، وهو يقول من بين أسنانه:

-والتهمة..؟؟

بدا صلاح عاجزا وهو يلوح بيدين مرتعشتين:

-لست أدري يقول انه قد سجل علي عدة محاضر، و حيازة لكمية من المخدرات

-اسمع لا تقلق يبدو أنها تهمة ملفقة لك، يا صديقي..

مسح على رأسه وهو يقول:

-لست أدري كيف استطاع أن يفعلها أنور بي..

أجاب خالد من بين أسنانه:

-تبا له لن أفوتها له..

أجابه بتوسل:

-لا أرجوك خالد لا تؤذه..

أمسك قبضته بعنف وقبل أن يعترض سمع صوت سمرا وهي تسرع بخطاها لتعانقه بقوة

ودموعها تنزل على خدها..

مسح على شعرها الأسود وهو يقول في حنانه المعتاد:

-لا تبك يا غالية تعلمين أني لا أطيق صبرا لدموعك..

كانت تحاول جاهدة أن تسيطر على تلك الدموع، التي منعتها من رؤية ما حولها وهي

تجيب بصوت مخنوق:

-ما ذا وقع لكل هذا يا صلاح أخبرني؟؟

-سوء تفاهم ليس إلا يا حبيبتي..

ودفعه الضابطان ليتقدم في سيره، لم يمنحه الوقت للسؤال عن ليلى، أو والدته بل حتى

عمه البشير لم يأت ليدخل للزنزانة الموجودة بالمركز بالمدينة، وسط عدد لا بأس به من

المجرمين..

أهنا سيقضي ليلته بدل فندق هيلتون؟؟ حاملا معه كل هذه التساؤلات ؟؟

كيف تجرؤ يا أنور على فعل ذلك؟؟

وسط تلك الدموع القوية، التي اختلطت بكحلها حتى شكلت خطا أسودا شاهدا على معاناتها

صرخت بوجهه صرخة أدمت قلبه..

-أنت السبب أيها الحقير..أنت من فعل كل هذا بأخي..

تبادل نظرات رعب مع بكر الذي كان يقف مشدوها دون حراك فتقدم إليها محاولا تهدئتها:

-أرجوك اهدئي يا سمرا سيكون كل شيء..

دفعته بقوة لم تكن تعلم أنها تمتلكها، وهي تصرخ بهستيرية:

-كان يجب أن تكون أنت مكانه، وليس أخي كيف استطعت أن تفعل هذا به

كان يحاول وضع يديه على كتفها لتهدئتها لكنها كانت تدفعه كنمرة ألقوا بها داخل قفص

-لا تلمسني أيها الحقير عديم المروءة...أكرهك

أحس بألم في معدته، وبرغبة قوية بصفعها لكنه بدل ذلك سحبها من معصمها وهو يقول

ببرود:

-هيا يكفينا فضائح

تنصلت منه وهي تتلوى كأفعى لتبعد خصلات شعرها الأسود بتمرد:

-قلت ابتعد عني والفضيحة هي ما سأفعله إن لمستني مرة أخرى..

مرر يديه على شعره بعصبية، ثم نزع الكرافات التي كانت تشعره بالاختناق ليقول بحنق:

-فلتفعل شيئا يا بكر لا تقف هكذا كما الجماد..

أخيرا انتبه إليهما وكأنه كان في عالم آخر بعيد عنهما..

ليلتفت لسمرا التي كانت تبكي وجسدها يرتعد بقوة:

-سمرا تأكدي أنه مجرد سوء تفاهم وغدا سيتم الإفراج عنه صدقيني..

لم تجبه سمرا فقد سارعت لتضم عمها البشير الذي كان يتقدم ببطء ووجهه الشاحب يدل

على أنه سيقع في أي لحظة..

-أوووه عمي سيدخل صلاح للسجن

ربت على كتفها بحنان وهو يقول:

-لا تقلقي لقد اتصلت بصديقي وهو محام، سيأتي في أي لحظة..

قاطعه خالد بعنف وهو يقول:

-لقد وكلت له محام وهو..

لم تشعر سمرا بنفسها إلا وهي توجه له ضربات على صدره القوي، والتي لم تحركه أبدا

ولا حتى حاول أن يوقف ضرباتها إليه..

-فلتغرب عن وجهي أيها الحقير لم تجلب صحبتك إلا السوء لأخي..

-كفي عن ذلك يا سمرا تمالكي..

والتفت لخالد وهو يقول في تفهم:

-لا تغضب يا خالد أنت تعلم حب سمرا لصلاح، إنها في حالة نفسية صعبة الآن..

لم يبد على خالد الاهتمام بكلام العم البشير وهو يشعل سيجارته بعصبية لينفث دخانها في

الهواء وهو يتابع ذلك الدخان الذي اكتسح مساحة من فضائهما..

كم هي غريبة هذه الحياة، لم أكن أتصور أن يزج يوم بصلاح في السجن، والسبب

المخدرات..؟؟

إنها مهزلة كبرى..

وسمرا لكم تثيرين جنوني، وهذياني ليتك تتقبليني يوما، لكنت أرضى موتي تحت قدميك..

ليتك تعلمين كم يحترق صدري عشقا وحبا لك..ليتك تعلمين أن ما احمله لك من نار تسعر

بداخلي تستطيع ان تحرق الدنيا بكل ما تحمله من بحار وأنهار..

لكم تمنيت الموت ياغالية ألف مرة، على ان أرى دمعة من عينيك، تذرف..

لكم تمنيت ألف رصاصة تخترق صدري بكل وحشية، على ان أرى غضبك علي..

ليتك تعلمين ...ليتك تعلمين..ليتك تعلمين..

حينما وصل ذلك المساء، للمقهى كان الجميع يتأهب لعواء الذئب..

كان الجميع على اتم استعداد للهرب لمخبئه ريثما تمر هذه الزوبعة

التي ستحرق اليابس والاخضر..

بصوته الغليظ الذي بدات تخاف منه حتى قطط الحي..صرخ وهو يدفع باب المقهى

الخشبي..

-أنــــــــــــــور..

اتجهت كل العيون إلى ذلك الشاب الملتحي، الذي يفترش الأرض في ركن من أركان المقهى

بصمت تلك الأيام التي قضاها بعيدا عنهم، بصمت ذلك الحب الذي اتقد بقلبه اتجاه حبيبة

أخيه، بصمت تلك الجروح التي تئن بداخله، وذلك السر يأكله كما تأكل النار الحطب..

بصمت الجوع، وبصمت الفقر وبصمت الآه في قعر الصدر..

كان يضم ركبتيه لصدره، كما ضم ألمه وحزنه وحبه لمن لا تدرك بوجوده بين المتعلقين

على مشجب النسيان..

وقبل أن يسمح له خالد برفع بصره الدامع إليه، ركله كما تركل الكلاب الجربة، ليتأوه ألما

لم يستطع احد التدخل فخالد حينما يغضب يكون كالرياح العاتية، تقتلع كل ما يعترض

طريقها..

اكتفوا بالصمت وذلك الشاب تتطاير دماءه لتلوث ثيابه الباهيتة، كان يتلقى ضربات خالد

بعجز، ربما لأنه يعلم جيدا أن دفاعاته ستهزم، اور بما لان الألم الذي يشعر به هو أكبر

وأعمق من تلك الضربات..

كان يركله على بطنه بقوة حاجزا إياه في ركن، بالمقهى وأنور يحاول إخفاء وجهه عبثا..

وخالد يصرخ بقوة، وغضب في وجهه:

-لم أيها الحقير، لم تدبر له مثل هذه المكيدة..تبا لك..

انهار أنور وسط دموعه كما تنهار المرأة لفقد ولدها، الوحيد..لكن ذلك لم يشفع لخالد

ولولا أنه يحترم وعده لصلاح لكان قد قتله الليلة..

أشعلت نيران الغضب في قلبه، وهو يجد نفسه عاجزا لأول مرة على الوفاء بعهوده

فلم يجد مايشفي فيه غليله سوى تلك الكراسي والطاولات الهشة التي يتخذها كل العاطلون

وانصاف الرجال ممن يسعدون بقتل الوقت في المقاهي، والترزق من أكتاف زوجاتهن

اللواتي يعملن في البيوت، لتباهون في كل نهاية أسبوع بقنينة خمر رخيصة وقطعة

حشيش يعدلون مزاجهم بها..

كسر كل شيء أمامه وبعدها ركع أرضا، فقد أتعبه العجز، وهو يفكر بصلاح كيف ستكون

ليلته...

ليتني مكانك يا أخي...

كان صلاح يقف بلباسه الرسمي بعدما نزع حزامه، وكذا ساعته، وخيوط حذائه،

والكرافات السوداء، وهو يتأمل تلك الغرفة التي تنبعث منها رائحة البول والبراز..

يا إلهي أي مكان هذا الذي سأقضي فيه ليلي..

وبينما هو كذلك انضمت إليهم مجموعة من المتهمين، لتصبح تلك الغرفة أضيقا،

وتلك الرائحة النتنة التي اجتمعت برائحة العرق أكثر اكتساحا للهواء..

نقل بصره بالمكان، حتى استقر أخيرا على ركن صغير يجلس فيه، فافترش الجاكيت

السوداء ليريح ظهره ويغفوا..

ولم يفق إلا حينما امتدت يد إليه توقظه،

فرك عينيه بصعوبة والنعاس يغالبه، لقد نام كثيرا، واهتزت رموشه للشخص الذي

أيقظه من نومه...

لابد أنه يحلم..أجل لا بد أنه يحلم..

العواء الثامن

انقلب الحي رأسا على عقب، لم يستطع أحد من الساكنة تصديق ما حصل، لكنهم كالعادة

سيقفون بجانب بعضهم البعض، ويساندون صلاح في محنته..

بدت زهرة واجمة حينما أفاقت وهي تحاول جاهدة تذكر ما حصل..

لم تستطع حبس دموعها، ولا كتم صرخة الفقدان، وهي تنهار من جديد

حاولت جارتها عائشة أن تصبرها وتذكرها بذكر الله واحتساب الأجر، لتهدأ أخيرا

وحال لسانها يتمتم بدعوات لله عز وجل..

تقدم إليهم والدموع تمنعه من الرؤية أمامه، وقد اختلطت بدماء وجهه، كان الألم يعتصر

قلبه وتلك النظرات تلاحقه من كل صوب...

وبشفتين مرتعشتين همس لها:

-أمي..

لم تشعر زهرة بنفسها إلا وهي تبصق على وجهه، وبقوة أنهكتها المحن، ركلته بعيدا عنها

وهي تصرخ بصوت مشروخ:

-أغرب عني قلبي غضبان عليك ليوم الدين..

ودفنت وجهها بين يديها وهي تشيح به عنه

كان الألم يعتصر قلبه وهو يركع أمام قدميها يبللهما بقبلاته ودموعه متوسلا إياها:

-أمي أنا لم أفعل شيئا أقسم لك..

لم تكن زهرة في حالة تسمح لها بسماعه، فتوجهت إليه عائشة مشفقة على حاله وهي

تقول له:

-قم يا بني دعها الآن وبعد أن تتحسن يمكنك الحديث معها..

كان يشعر أن العالم أصبح أضيق حتى كاد يطبق أنفاسه، وبعجز حاول أن يتحدث أن يصرخ

بما يعتمل قلبه:

-أ قسم يا خالتي أنا لم أفعل شيئا لصلاح..أقسم لك

حاولت تهدئته رغم ما تشعر من غضب اتجاهه فالجميع يعلم انه كاذب، ربما قد ندم الآن

لكن ندمه أبدا لن يشفع له:

-حسنا حاول أن تعود بعد أن تهدأ الأمور..اذهب أرجوك الآن..فوجودك..يصعب الأمر أكثر

أحنى رأسه بيأس وهو يتطلع لوالدته وسمرا بجانبها،ثم قال:

-حسنا سأذهب..اعتني بهما أرجوك..

*******

-ماذا يا دكتور؟؟ ما بها ابنتي؟؟

-لا تنس لقد تعرضت لصدمة قوية، على العموم لقد أعطيتها مهدئا، ووصفت لها هنا بعض

الأدوية'منحه وصفة الدواء' ستنام للصباح بعدها ارجوا أن تحاول أن تتحدث إليها بهدوء..

-حسنا أشكرك كثيرا

-هذا واجب..

بعدما دفع أجرة الطبيب دخل لغرفة ليلى ابنته الوحيدة، وهي نائمة بهدوء تبدو كالملاك..

كانت حالتها صعبة جدا، لم يسبق له أن رآها هكذا حتى حينما توفت والدتها، في ذلك

الحادث المروع..

لم ينس وقتها كيف ضمته ليلى بصمت، وهي تقول:

-لقد قتلوا أمي..

ربما لم يكن قتلا كما اعتبرته المحكمة أيضا، لكن ما ألمني كثيرا وقتها هو استهتار السائق

فلو توقف لحظتها وحملها للمستشفى على الأقل لبردت ناري، لكنه تركها هناك تعاني ألمها

وحدها، بدون شفقة ولا رحمة..

وهاهي ابنتي الآن تجرع من نفس الكأس، لكني لن أتخلى عنها أبدا، سأخلصها من هذا

العذاب لن أسمح بأن تستمر هذه الزيجة مهما كلفني الأمر..

لم تشرق شمس ذلك الصباح إلا بعدما كان سيقتلهم الانتظار، حينما فتحت ليلى عينيها بثقل

أخيرا، كانت الدموع تبلل رموشها وقد اختلطت بالكحل، لم تستطع أن تنهض فسارع والدها

إليها لتضمه بصمت وهي تبكي..

صمتها كان يقتله..لم تنطق بكلمة أبدا، ليتها صرخت أو كسرت أي شيء أمامها لكنها أبت

أن تقول شيئا أو تريح والدها..

********

اليوم سيمر صلاح أمام المحكمة

وحينما أعلنت الساعة العاشرة، صباحا كان الجميع يجتمع حول المحامي الذي وكله السيد

البشير لصلاح..

كان يحاول أن يطمئن الجميع، وهو يتطلع إلى تلك الأوراق..

-اسمعي سيدتي سأحاول أن أقوم بوسعي..لا أستطيع أن أعدك بشيء

لأول مرة يشعر خالد بعجزه، وبالضعف والخوف..

هو يستمد قوته من وجود صلاح بجانبه، كيف يستطيع العيش بدونه؟؟

كيف يستطيع الاستمرار وهو يعلم جيدا أن صلاح يقبع في زنزانة متعفنة، يقضي سنينه

بين جدرانها بسبب جنحة لم يرتكبها..

كانت قضية صلاح هي القضية الثالثة ذلك الصباح، والتي لم يتم نطق الحكم فيها إلا الثانية

بعد الزوال،لتقرر المحكمة بعد الاطلاع على كل الأوراق والاستماع لشهود الإثبات وكذا

شهود النفي..وإلى أقوال المتهم الذي أصر على النفي طوال فترة استنطاقه، الحكم عليه

بسنتين نافذة..

أكدت محكمة الاستئناف الحكم الأول على صلاح وبالتالي فقد الأمل في رؤية النور قبل

سنتين...

لم يقل شيئا، بدا هادئا كعادته، وهو ينظر لليلى التي كان جسدها يهتز ودموعها تنزل

بهدوء..كهدوء أنفاسه وهو يتطلع إلى تلك الزوجة التي أحب ولم يكن القدر في صفه حتى

يعترف لها بكل ما يختلج صدره..

ضم خالد الذي اعترض طريق الضابطين

لم يشعر بمدى حبه لهذا الصديق إلا الآن، وهو يعلم أنه لن يستمع لمشاكساته، لسنتين..

كم تبدو بعيدة جدا...

فقضاء عشر سنوات في السجن ظالما، أهون من قضاء يوم واحد مظلوما..

عاد الجميع ذلك الصباح، إلى منازلهم كل يحمل ألمه..

ليلى تبكي فقد الزوج الذي لم تتمنى طوال حياتها سواه..

سمرا تبكي الأخ الذي كان سندا وظهرا لها..

خالد يبكي الأخ الذي فقد والحبيبة التي لم يضعف قلبه سوى حبها، وهاهي الآن تحقره

وتلومه على كل الذي حصل..

أما زهرة فبكت ولديها معا صلاح الذي ذهب ضحية أنانية أخيه، وأنور الذي ذهب ضحية

نفسه الأمارة بالسوء..

ليس هناك ما يوجع القلب أكثر من فقد الولد...

لا بد أني أخطأت في شيء ما، مع أنور حتى حولت ابني لوحش يستطيع أن يدمر أخاه

بدون شفقة ولا رحمة..

كنت اعلم جيدا أن أنور يكره صلاح، لم تكن الأمور غيرة فقط لكني لم أتصور قط أنه

يستطيع أن يفعل شيئا كهذا..

كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحا حينما أفاق الحي على صرخات أنور، وهو يقذف

بقوارير الخمر بعدما حشا عقله بكمية كبيرة من الحشيش الذي جاءه هدية من صديق له

في كتامة..لم يكن يستطيع أبدا الوقوف على قدميه وهو يترنح من شدة الثمالة طارقا باب

المنزل بقوة:

-أمي أرجوك افتحي الباب..افتحي يا سمرا أنا لم أفعل شيئا..أقسم أني جئت لأودعكم ليلتها

فقط..

حاولت سمرا أن تسرع إليه وتفتح الباب، لكن والدتها منعتها:

-دعيه لقد تبرأت منه وصرخت 'بأعلى صوتها حتى يتسنى له سماعها'هل تسمع يا أنور

قلبي بريئ منك إلى يوم الدين..

لم يكن يبدو عليه سماعها وهو يضرب رأسه بالباب ووسط دموعه الحارقة يقول:

-أمي أقسم لك لم أفعل شيئا لصلاح..

ظل يردد هذه الجملة وهو يضرب رأسه بحائط المنزل حتى أشرقت شمس الصباح

ليطل السيد البشير وهو يحاول الخروج لعمله، فوجده نائما على الأرض..حركه قليلا وهو

يقول بشفقة كبيرة:

-يا إلهي يا أنور لقد تبولت على نفسك..انهض يا بني هيا..

لكنه كان بلا حياة..أطرافه باردة جدا وقد اكتستها زرقة الموت..

ودماء غزيرة تسيل من رأسه، ارتعش قلب البشير لذلك المنظر الرهيب..

وهو يحمل هاتفه النقال ليتصل بالشرطة..

بعدها طرق باب السيدة زهرة، لينقل لها الخبر..

أسرعت لولدها البكر، تتلمسه بيديها المرتعشتين، كاتمة أنفاسها، وتلك الغصة تحرق

حنجرتها، ألن تراه بعد الآن؟؟ ألن تخبره أنها تحبه وأنها ما كانت لتتبرأ منه مهما فعل،

أيحرق كبدها عليه لهذه الدرجة؟؟ ألن تستطيع أن شعر بوجوده في حياتها بعد اليوم؟؟

-قم يا أنور، لا تدعي ذلك..أعلم أنها إحدى خدعك، حتى أسامحك..

انهض يا بني لقد سامحتك..انهض يا حبيبي..

حاول السيد البشير أن يقترب منها وهو يهمس لها من بين دموعه:

-هيا يا زهرة لقد مات..

شهقت وهي تحاول عبثا أن تكتم تلك الصرخة التي فرت منها،نافية قوله بهستيرية:

-لا لا تقل ذلك إنه ابني وأنا أعرفه..إنه يدعي ذلك فقط حتى يجعلني أسامحه لطالما ادعى

ذلك وهو صغير..أجل لطالما فعلها..وإلا أي ذنب هذا الذي فعلته حتى أعاقب بهذا الشكل..

-هس لا تقولي ذلك استغفري ربك..لله ما أعطى ولله ما أخذ..

حاولت عائشة أن تهدئها وبسكون ضمتها وهي ترى سيارة الاسعاف تحمل جثة أنور

ذلك الابن البكر الذي ربته زهرة وقضت حياتها تحاول أن تجعله غنسانا صالحا، لم يكن

كذلك أبدا هي لاتعلم كيف أصبح على هذا النحو لكن ماتعلمه جيدا انه لم يكن كذلك..

ألقت سمرا ببعينيها بعيدا عن خالد الذي كان يجهز لمراسم الدفن، لتقترب منها ليلى

وهي تهمس بخفوت:

-هل ستخبرون صلاح؟؟

التفت إليها سمرا والدموع تتحجر بعينيها، لتمسح العرق المتصبب من جبهتها وهي تتنهد

قائلة:

-لست أدري لكن أعتقد أنه عليه أن يعلم بذلك..وغطت وجهها بيديها ويه تقول بصوت

مخنوق"لم يعد لنا احد يا ليلى ..

قاطها صوت خالد الذي وهو يتقدم إليها بخطوات سريعة:

-كيف تقولين ذلك ياسمرا، وأنا أين ذهبت..؟؟

أشاحت بوجهها بغضب وهي تقول من بين أسنانها:

-فلتذهب للجحيم..

شهقت ليلى شهقة خوف فمامن احد يجرؤ لقول مثل هذا للذئب، وينجوا

هذه المرة طفح الكيل ولن يتحملها أبدا:

-اسمعي ياسمرا ليس لدي الوقت لهذا عليك أن تعلمي انه لست أنت من يقرر ذلك

كانت تنظر إلي عينيه الغاضبتين، بينما ليلى تحاول تهدئتها وهي تربت على ذراعيها

بلطف.

بعدما لم يصله ردها..التفت إلى مصطفى وهو يمنحه المال للبدء بمراسم الجنازة...

لو لم يكن الواجب لما دفع فلسا واحدا في جنازته، لم اقترفه في حق أخيه..

لكن نفسه لن تطاوعه على التخلي عن مساعدة أهله..

نفس العادات ونفس التقاليد المتبعة في أحيائهم، وكما أقيمت جنازة أبو سكة سابقا

هاهي جنازة أنور كذلك..

أخيرا هدأ الحي إلا من صوت القطط، وصراخ ذلك السكير الذي يتشاجر كل ليلة مع عجوز

بالحي..

عاد خالد متاخرا كعادته من المقهى، وهو يجر رجليه بتثاقل، يعيد ذكر تعرفه بصلاح

وكيف كان يشتاق لمعانقته، حينما حمل نفسه من الدار البيضاء ليحط الرحال هنا بمدينته

الصغيرة حيث ولد في نفس الحي ، الحي الذي لايعترف بالقوانين..كل يصنع قانونه الخاص

بقوته..

كانت قوته التي منحه الله إياها أحد اهم الأسباب في بقائه حيا، حتى هذه الساعة، وحماية

صلاح هي الدافع الوحيد لاستمراره في هذه الحياة..

كم تاق إليه وإلى تلك الأيام التي كانا يقضيانها بالجبل، كل نهاية أسبوع..

لقد مرت الأيام بسرعة كبيرة، حتى لم نشعر بها أبدا..

لم اكن أتوقع انا صلاح بهذه القوة أبدا، خصوصا بعدما كنت اسمع انه يتعرض للضرب

دائما، وان من يدافع عنه هو انور، حينها فقط أقسمت الا يصيبه مكروه طالما انا حي

أرزق، وساحافظ على عهدي ماحييت..

وها انا اليوم اعيش أيامي بدون أن أسمع خطاه بجانبي..

ليتك تتعفن في قبرك يا أنور ..

قاطع حبل أفكاره بكر الذي اوقف سيارته وترجل منها بهدوء..

ماالذي جاء به في هذا الوقت؟؟؟

وكأن بكر قرأ افكار خالد، حينما قال بصوت هادئ:

-هل قرات الجرائد اليوم؟؟

عقد خالد ذراعيه القوية ببعض، وتلك النظرة الكسولة تكتسي عينيه، وابتسامة ساخرة

تكاد تنفلت منه :

-هل تكبدت كل هذا العناء لتسأني؟؟

تأفف بكر بعصبية وهو يقول متجاهلا سؤال خالد الساخر:

-لقد كتبت الصحافة عن تزايد الموت الغريب في عدد كبير من المملكة هذه الأشهر القليلة

وهي تعزو ذلك لتعاطي المخدرات..

اقترب منه خالد حتى يستنى له سماعه، فالحشيش هذه الليلة كان ثقيلا وقد شعر بأنه عطل

أجهزة السمع له..ثم قال بتثاقل:

-هل هناك مايدعوا الشك؟؟

مرر بكر يديه المرتعشة على شعره الأسود وهو يجيبه:

-لست أدري لكن اليوم وانا أقرأ الاحصاء الذي قامت به إحدى الصحفيات، لا حظت ان

الضحايا هم من فئة عمرية متقاربة حيث اغلبهم شباب أو أطفال كما من بيئة متقاربة جدا..

الطبقة الكديحة او المتوسطة..

يكاد خالد يجزم انه لم يفهم الكثير مما قاله بكر، ليس لأنه يفتقر للعلم، لكن تلك الكمية الي

شرب اليوم كانت كافية لتجعله يبدو كالأطرش في الزفة..لكنه حاول مسايرته حتى لا يبدو

بمنظر الغبي أمامه..

-حسنا سأحاول أن أبحث في الموضوع انا أيضا غدا بحول الله..

-حسنا..

ظل كل منهما ينظر لنقطة ما من الفضاء، قبل أن يتساءل بكر :

-كيف حال سمرا؟؟

تغير لون خالد فجأة رغم أنه حاول ألا يظهر ذلك وهو يتنحنح قليلا ليقول في اختصار:

-بخير..

لم يبد على بكر أنه لاحظ تغير ملامح خالد، حيث انه تابع يقول:

-مسكينة هذه الفتاة كيف ستتحمل كل هذه المعاناة؟

تجاوزه خالد ببضع خطوات فلحق به بكر وهو يسأله:

-ما بك خالد؟؟

تنهد ببطء وهو يجيب بشرود:

-لا شيء..لاشيء يا بكر

ظلا معا تلك الليلة مطولا، يتحدثان في كل شيء، حكى له بكر عن علاقته بعفاف ثم عن

والده وكيف عاش طفولته، كان خالد يستمع إليه بهدوء، وبكر يثني على والده رحمه الله

وكيف انه رباه جيدا، وعلمه، وكيف كان طيبا شخصا يقتدى به..

تمنى لو أن له ابنا، يستطيع أن يتحدث عنه كما يتحدث بكر عن والده..

وابتسم لذلك الحلم الجميل..

-هل تحب الأطفال؟؟

ندمت على طرح هذا السؤال الذي بدا لها غبيا، وهي ترى تلك الدموع لأول مرة تتحجر

بعيونه، لكن لم يبق على المرافعة سوى عشرة أيام، وملفها غير جاهز بعد، ويبدو أن

الذئب غير مستوعب لهذا، ففي كل جلسة معه، يبدأ بالسرد دون توقف، حتى تنسى نفسها

وسط ذلك التشويق الذي يغلف الرواية، لو أنها لا تعرفه ولم تقرأ عنه، والأكثر من هذا

اقتربت من لحظات صدقه لقالت انه يتعمد فن التشويق في حديثه، ككاتب رواية يسعى

لجذب القارئ..

تراجعت للوراء وهي تمسح نظارتها الطبية، منتظرة كعادتها أن يمن عليها بالجواب..

والذي كالعادة يكون مقطعا من روايته التي يسردها على مسامعها..

تقاسيم وجهه توحي بالقوة، لا تدري هي لا تحب أن تنجرف بأي مشاعر خاصة اتجاهه

لكن وجهه يجبرها على ذلك، وهدوئه يحثها على طرح ألف سؤال..

لكنها لا تجرؤ ذلك على الأقل الآن..

-أحببتها كثيرا، فوق تصور أي مخلوق، لم أكن اعلم أني أحبها بهذا الشكل إلا حينما رأيتها

جثة هامدة أمام عيناي..

التفت حول الغرفة بعينيه، كاتما أنفاسه داخل حنجرته لبرهة قبل أن يطردها من فمه...

ليتابع بلامبالاة:

-أحب الأطفال كثيرا، وكنت أتمنى فعلا أن يكون لي طفل منها..

تأملته منى مطولا وهي تتساءل في قرارة نفسها، كيف كان سيكون ابنه، لو كتب له

الحياة؟؟؟

وأخيرا تساءل ببلاهة:

-هل أستطيع المتابعة؟؟

ابتسمت له بعذوبة وهي تومئ برأسها إيجابا..

ليتابع بنفس ذلك الهدوء، والصمت الذي يلف المكان إلا من طقطة أصابعه على الطاولة،

في ذلك الصباح التقى الجميع أمام مركز السجن، لزيارة صلاح، بدا هادئا بنفس ذلك

الهدوء المعتاد، وأنيقا جدا عكس كل أولئك السجناء الذين معه، سارع إلى خالد وهو يبتسم

له ببطء رغم ذلك الحزن الذي لف عينيه إلا انه كان يصر على عدم إظهار ذلك خصوصا

لسمرا..التي تعلقت بيديه تلثمهما بقبلاتها، وتلك الدموع تلفهما..

تساءل با ارتباك:

-أين والدتي ألم تأتي؟؟

أحنت سمرا رأسها بحزن وهي تجيبه من بين دموعها:

-لقد توفي أنور..

للوهلة الأولى اعتقد أنها ستقول أن والدته توفيت، نقل بصره بينها وبين خالد الذي كان

يعقد ذراعيه، على صدره، ثم عاد ليتساءل في شك:

-أنور مات؟؟ لم؟؟ أقصد كيف ذلك؟؟

-لا نعلم لكنه ليلتها جاء إلينا وهو يبكي، طالبا أن يقابل والدتنا، لكنها رفضت ذلك..

وغطت وجهها بيدها حتى تخفي تلك الدموع..

مرر يديه المرتعشة بين خصلات شعره الأسود، وهو ينظر لخالد بعجز قبل أن يحاول تهدئة

سمرا:

-حسنا لا تبك تعلمين أني لا أتحمل دموعك..فليغفر له الله..

مرت الزيارة بشكل سريع، حاول خلالها أن يسأل عن الجميع، وعن ليلى التي علم أنها لم

تستطع المجيء...

يعرفها جيدا لن تستطيع تحمل رؤيته في هذا الوضع..

كان الأمر موحشا جدا، أن تشعر أنك مقيد كل الأشياء تتغير من حولك بسرعة كبيرة وأنت

لا تستطيع أبدا أن تفعل شيئا..

-كيف حالك يا صلاح؟؟

رفع رأسه وهو يمسح ذلك العرق المتصبب من جبهته كما الندى وهو يجيب بابتسامة

خافتة:

-بخير يا سيد ابراهيم..

ربت على كتفه وهو يجيبه بمرح:

-ألم أخبرك أننا هنا متساوون؟؟

-أوووه لا وهل يعلى الحاجب على العين يا سيدي..

هذه المرة كان جوابه يحمل مغزى كبيرا لم يستطع صلاح تفسيره أبدا:

-أجل في بعض الأحيان يعلو.. يا صلاح

ابتسم له بارتباك ثم أخذ مكانا بجانبه ليرتاح من عناء الحفر، مظللا جسده القوي ، تحت

إحدى الأشجار الموجودة بالساحة الواسعة حيث يعمل كل السجناء على حفر أرضها..

ثم قال بهدوء:

-اخبرني كيف وصلت إلى هنا يا سيد ابراهيم؟؟ في تلك الليلة التي أيقظتني فيها لم أستطع

أن أصدق أنك حي ترزق وبالضبط في هذا المكان..

علت ضحكة ابراهيم وهو ينفث دخان سيجارته في الهواء قائلا بسخرية:

-إنه القدر يا بني نفس القدر الذي حملك إلى هنا..

أجاب بسخط:

-إنه أخي يا سيدي هو من حملني إلى هنا..

اتكأ ابراهيم على تلك الشجرة الكبيرة، التي تتوسط تلك الساحة، وهو يتأمل وجه صلاح

وكأنه يرى فيه ماعجز عن رؤيته في نفسه..

ارتبك صلاح من نظراته، ثم تمتم بخفوت قائلا:

-لكن أخبرني يا سيد ابراهيم، ماهي حكايتك؟؟

ابتسم له العجوز وهو يعيد تلك الذكرى الأليمة، حينما كان عائدا من العمل، ليلتها كان

يشرف على الشحنة التي وصلت لتوها من اسبانيا، وذلك اليوم أيضا اتصل به أحد الجيران

يخبره أن زوجته أنجبت طفلا والحمد لله صحتها جيدة..

لم يكن يستطيع أحد ان يصف تلك السعادة التي شعر بها يومها، وهو قادم بشوق

للمستشفى حاملا باقة من الورد، مختارة بعناية وكيسا من الفاكهة الطازجة مما تحب

زوجته، وفجأة توقفه الشرطة طالبة تفتيش الكيس، لم يدرك سبب ذلك حتى أخرج أحد

الشرطيين أكياسا صغيرة شفافة، بها مسحوق أبيض سرعان ما عرفها ابراهيم، إنها

الهروين كان مصطفا بعناية، تحت الفاكهة..بعض البرتقال والموز والأجاص وأدرك اللعبة

القدرة التي قاموا بها، حتى يخرسوا لسانه..لكنه أبدا لن يسكت على حقه..وسينتقم منهم

بدأت الأمور تسير ببطء بعد ذلك، كل الأيام تتشابه على صلاح حتى أصبحت سيان بالنسبة

له، لم يعد يعرف بداية الأسبوع من نهايتها، حتى يفاجأ بزيارة له ليعرف أنه يوم الأربعاء..

غالبا ما يزوره خالد..وبكر وسمرا..وأحيانا قليلة تأتي زهرة، بخطواتها الثقيلة تصارع

الزمن للبقاء..أنهكها المرض، وصحتها بدأت تتدهور شيئا فشيئا..

لكن ليلى لم تزره يوما، مل من السؤال عليها حتى لم يعد يتساءل بعدما كان يلمح نظرة

التردد في عيون كل من يزوره، كثيرا ما كان والدها يزوره كل خميس، مستغلا معارفه

لزيارته..

لكنه لم يخبره يوما عنها، اشتاق لسماع صوتها..وتلك الحركة التي تقوم بها دافعة شعرها

الأشقر وراء أذنيها، كلما شعرت بالخجل..

لم يكن خالد يشعر بالراحة من وجود بكر، المستمر معهما وزيارته المستمرة لبيت سمرا،

وتقديم المساعدة لهما..والأدهى أنها كانت ترفض الحديث مع خالد، ومساعداته أيضا..في

حين تبدو أكثر سعادة وهي تتحدث إلى بكر..

هل هي الغيرة يا خالد؟؟

لست أدري لكني أشعر بشعور غريب، يتملكني كلما رأيت نظراتها إليه، أو حديثها معه..

أنهت اتصالها وكالعادة ضمت الهاتف إلى صدرها، فباغتتها والدتها وهي تقول:

-هل بكر من تحدث إليك يا سمرا؟؟

ارتبكت..هل أصبحت مشاعرها مفضوحة هكذا؟؟

-أجل يا أمي يسأل إن كنا نحتاج لشيء

تنهدت الوالدة بارتياح وهي تقول:

-انه ابن حلال يا سمرا..

تخضبت وجنتاها خجلا وهي تؤكد كلام والدتها:

-اجل يا أمي انه طيب..

توجهت الوالدة إلى لحافها الذي يتوسط البهو، وتمددت كالعادة كلما شعرت بالتعب لتلحق

بها سمرا، واضعة رأسها على قدمي والدتها وهي تمرر يديها برفق عليهما وتقول بحب:

-أمي؟؟

أجابت بصوت ضعيف:

-نعم يا سمرا

-هل تعلمين بكر شخص طيب، منذ وفاة أنور، ودخول صلاح للسجن لم يتركنا لحظة واحدة

-أجل إنه طيب..

-هل تعلمين أعتقد أنه لم يعد يتذكر عفاف تلك.."استدركت قولها بسرعة" أقصد رحمها

الله طبعا..لكنه لم يعد يأتي على ذكرها..حتى انها لم تعد تطفو على عينيه..

ابتسمت زهرة وهي تنصت لابنتها الوحيدة ثم تساءلت بضعف كبير:

-وكيف كانت تطفو على عينيه؟؟

هزت كتفيها دلالة جهلها ثم قبلت قدم والدتها بحب..بينما كانت زهرة كعادتها تمرر أصابعها

على شعر سمرا ..هي عادة تحبها سمرا كثيرا، منذ صغرها..

-لست أدري لكني دائما كنت أشعر بوجودها معنا، دائما ماكنت أرى صورتها في عينيه

رغم أني لم أرها يوما..لكنها كانت موجودة..

-يوما ما ستجدين رجلا يحبك بجنون..يا سمرا

ابتسمت سمرا بغنج، وهي تتساءل:

-كحب صلاح لي؟؟

ضحكت والدتها بتثاقل وهي تجيب:

-حب صلاح مختلف جدا..لكني أتحدث عن الحب الذي..

قاطعتها سمرا وهي تجيب:

-أجل يا أمي أعرف ما تقصدين لكني لا اعتقد أن هناك من سيحبني أكثر من صلاح..

تنهدت الوالدة وهي تجيبها:

-أدام الله حبكما يا ابنتي..

-آمين..لكن ليلى لا تستحقه..أبدا..رفضت أن تلتقي به..لقد أخبرتني أنها لا تريد رؤيته أبدا

لقد صدقت أنه قد يفعل شيئا كهذا..

إنها جاحدة..حسنا دع الخلق للخالق..أمي؟؟

لم توقفت عن تخليل شعري..أتعبت بهذه السرعة؟؟

لم يصلها رد من والدتها..فضحكت وهي ترفع رأسها متصنعة الغضب:

-هل نمت كالعادة وأنا أتحدث إليك؟؟

كان رأس زهرة كعادتها وهي نائمة مسندا على الحائط، وكعادة سمرا..رفعته قليلا..

حتى تريحه على الوسادة..لكنها هذه المرة شعرت بثقل جسدها..وبرودته..شعرت بدقات

قلبها تتسارع وهي تحرك جسد والدتها النحيل المنهك..

بعد مدة قليلة، بعدما استطاعت سمرا أن تدرك ما حصل لوالدتها...

تسارع الجيران إليها حينما هزت صرختها أركان الحي..

في أقل من شهر واحد، يسجن صلاح، ويموت أنور وهاهي زهرة الآن..تفارق الحياة تاركة

سمرا وحيدة..تصارع الحياة..وصلاح يتخبط داخل أسوار السجن..مقيد اليدين..

تركت سمرا محط كل ذئب بشري قد يطمع في وحدتها..وقلة حيلتها..وتركت صلاح ذاك

الشاب الذي كان يعيش تحت ظلها..

لم تستطع زهرة تحمل موت ابنها وهو يعتقد أنها بريئة منه، فرحلت حاملة معها سرها

الوحيد..رحلت قبل أن تعترف بما كان يكتم أنفاسها..

كانت عقارب الساعة تتحرك في أرجاء الكون كله، إلا على صلاح وسمرا..كل منهما يشعر

أن الوقت ضده..أعلن انسحابه من ساحتهما..

الآن لم يعد شيء يشغله سوى سمرا..

كيف ستعيش؟؟ من سيحميها بعده؟؟

أجل يا صلاح لقد حان الوقت لفعل هذا..

لن تجد أنسب منه، زوجا لها..يحمها..ويخاف عليها..

لطالما شعرت بحبه الدفين لها..لكنه كان يبعد نفسه عن عالمها، حتى لا يخاطر بتلك

المشاعر وصداقتكما..

ظل صلاح طوال الشهر الذي مر وهو يفكر في الموضوع وفي كل مرة يحاول فتحه مع

سمرا..

التي كانت تحاول دائما أن تخفي معاناتها..لكنه كان يغير رأيه، ويلبس الصمت..

بعدما انتهت ذكرى الأربعين لوفاة والدته..كان يعلم جيدا أن البيت سيخلو على سمرا..

وستشعر بالخوف الشديد..وحدها..بالبيت..فكان عليه أن يأخذ قراره..

وجاء يوم الأربعاء..ذلك الصباح ولأول مرة يتخلف خالد عن الحضور..لتلتقي سمرا ببكر..

الذي أوقفها أمام باب السجن قبل أن يدخلا معا..

-سمرا..هلي أن أتحدث إليك..؟؟

ارتعشت سمرا وهي تخفض رأسها ربما كانت تشعر بما سيخبره بها، وربما لان ذلك هو ما

كانت تتمناه دائما منذ أن سمعت صوته وهو يعترف لعفاف بحبه، ربما هو ضرب من

الجنون لكنها تمنت فعلا لو كانت الكلمة موجهة لها..

أخيرا استطاعت أن تجيب بعدما بللت شفتيها بلسانها:

-أجل يا بكر أنا أسمعك..

لم يعرف في البداية بكر كيف سيخبر سمرا، قد تكون والدته شجعته كثيرا، فمنذ أن رأت

سمرا في جنازة أنور وهي تثني على أخلاقها وجمالها الهادئ..

كما لا ينكر أنها وفي مدة وجيزة استطاعت أن تحتل مكانة كبيرة بقلبه، ولن تكون هناك

زوجة أنسب له منها..رغم كل الظروف والفوارق بينهما..

تنحنحت قليلا ربما كي تحثه على الكلام أو ربما لأنها شعرت بالحرج من صمته..

-لقد أردت أن أطلب يديك من صلاح..لكني قلت لنفسي ربما يكون لك رأي آخر..

سأكون ممتنا لو سمعته منك..

لا تنكر أن الخبر أسعدها كثيرا، لكنها كانت تتوقع أن يكون أكثر رومانسية، لا تدري..

كان يركع أمامها ويفتح لها علبة مخملية، بها خاتم ماسي كما الأفلام الغربية القديمة.

.

لكن أن يطلب يدها بهذا الشكل وأمام باب السجن يبدو أنه فأل سيء للغاية..

يا لغبائك يا سمرا..ألم يكن هذا حلمك؟؟ والآن تنتقدين كل شيء فقط لتفسدي هذه

اللحظات..

أخرست ذلك الشيطان الأحمق الذي يحدثها، ثم أخفضت رأسها هذه المرة حياءاُ

صاحبه ابتسامة طفيفة رسمت على حواف شفتيها الزهرية..

وهي تجيبه:

-أعتقد أن رأيي لن يختلف عن رأي صلاح..

حك شعره وهو سعيد بإنهاء نصف المهمة، فطبعا صلاح لن يرفض بكر عريسا لأخته..

أجابها والابتسامة تزين ملامحه الوسيمة:

-حسنا فلندخل ونعرف رأيه الآن...

كان خالد أول من يسأل عنه صلاح هذه المرة، فأخبرته سمرا بانزعاج انه تخلف عن

موعده لهما..هذا الصباح..وتذمرت من تصرفه لأنها اضطرت للمجيء وحدها..

تنهدت وهي تقول بغضب:

-لست ادري أين أصبح يذهب هذا الرجل..

قطب صلاح حاجبيه وهو يغمز بكر الذي كان كعادته بنفس ذلك الهدوء ينظر إليهما..

في حين تساءل صلاح بخبث:

-هل هي غيرة ياسمرا؟؟

شعر بكر بدوار بمعدته، وهو يسرع بنظرات متشككة لسمرا، التي هداته وهي تنفي قول

صلاح باستغراب واضح:

-غيرة؟؟ هل جننت؟؟ ولم أغار فأمره لا يعنيني..

امسك صلاح يديها وهو يقبلهما بحب، قائلا بصوت منخفض ودافئ:

-سمرا يجب أن يهمك أمره من الآن فصاعدا..

ارتجفت سمرا وقد شعرت فجأة بالبرد، وهي تتساءل:

-صلاح خالد ليس طفلا صغيرا يحتاج لمن يهتم لأمره، يستطيع أن يتزوج ونرتاح منه..

وأطلقت ضحكتها وهي تفكر في هذه التعيسة التي ستتزوج خالد..

كان الله في عونها..

لم تستطع منع نفسها من موجة الضحك الهستيري الذي أصابها، وهي تتخيل خالد يجر

زوجته المسكينة وراءه، في حين يستعرض هو عضلاته بالحي...

قاطع صلاح حبل أفكارها وهو يقول بنبرة تحمل مغزى كبير..

-لقد حان الوقت لزواجك يا سمرا...

علت ابتسامتها وهي تنظر بنصف عين لبكر، الذي كان يتأهب للحديث لولا أن صلاح تابع

يقول:

-لن تجدي أنسب من خالد يرعاك يا سمرا..

تراجعت بضع خطوات للوراء، وهي تعيد كلماته في ذهول:

-لن أجد انسب من خالد؟؟

بلى يا أخي وجدت انسب منه بكثير..

ظلت هذه الجملة تتردد في صدرها، لكنها لم تستطع أن تخرجها..

ربما لأنها لاحظت صمت خالد المطبق، وعجزه عن الدفاع عنها..أو ربما لأنها

لا تستطيع أن ترفض طلبا لصلاح..

لم تشعر بنفسها إلا وهي تقبل يد صلاح والدموع تنهمر من عينيها لتحرق وجنتيها كما

حرق قلبها:

-أرجوك صلاح..لا تفعل بي هذا..أقسم أنك ستقتلني..

مسح على شعرها الأسود، وهو يجيبها بحنانه:

-لا يا سمرا صدقيني ذلك أفضل لك..

مسحت دموعها وهي تتساءل في حنق:

-أفضل لي ؟؟

-خالد سيحميك يا سمرا..

-خالد سيدمرني..ستدمرانني يا صلاح.. بهذه الزيجة..

يعرف نفسه جيدا لن يتحمل رؤيتها تبكي بهذا الشكل الفظيع، لذلك كان عليه أن يحسم أمره

وهو يقول بنبرة حازمة، تدرك سمرا أنه لا مجال للتراجع فيها...

-سيكون عقد القران إن شاء الله يوم الخميس..

لم ينطق بكر بكلمة واحدة، ظل يعتصر ذلك الألم لوحده ويتخبط بين مشاعره، وما يراه

صلاح مناسبا لأخته..

أما سمرا فقد شل لسانها، ليس لما أمرها به صلاح فقط، بل لأن الشخص الذي أحبته

لم يستحقها، لم يستطع حتى أن يدافع عنها..وعن حبهما..

أخيرا تمتمت في خضوع:

-حسنا يا أخي...

********

لم تكن سمرا في مزاج لسماع بكر وتبريراته، فلم تشعر بنفسها إلا وهي تومئ له بالصمت

فلبى طلبها، كانت تبدو غاضبة ودموعها تسبقها، يا لسخرية القدر...

سينتهي بي المطاف زوجة للذئب..

سأقضي حياتي بين هلع أن تلقي الشرطة القبض عليه، أو تنهي حياته رصاصة طائشة

من عصابات المخدرات..أو ربما سأتبعه في كل سجون المملكة، حاملة له سلل الأكل..

أهذا هو الزوج المناسب يا أخي لي؟؟

أهذا من تعتقد أنه سيحميني؟؟

قاطع تساؤلاتها بكر وهو يقول:

-سمرا أنا آسف..

رمقته بنظرة غاضبة ثم قالت باستهزاء:

-لا عليك اعرف أن حظي قليل في هذه الدنيا، لكني لم أكن أعرف انه بهذه القسوة

قاطع خالد تفكيرهما وهو يسرع بخطاه إليهما متسائلا:

-هل رأيتم صلاح؟؟

لوت سمرا شفتيها امتعاضا لصوته الغليظ الذي بدأت تكرهه وبشدة خصوصا بعدما علمت

أن بكر يحبها، ويرغب بالزواج منها..لكنها ستزف إلى الذئب...

لا حظ وجومها فتساءل:

-ما بك يا سمرا ؟؟ هل أنت بخير؟؟

اختلط صوتها بمزيج من الغضب والاستهزاء والتذمر وهي تجيب:

-لا شيء أيها الذئب..

التفت في حيرة لبكر الذي كان يدس يديه في جيبه، وينظر إليهما بنفس ذلك الهدوء..

فتساءلت عينا خالد عن الموضوع..

أخيرا أخرج بكر يديه في تخاذل وهو يربت على كتف خالد قائلا بنبرة ساخرة:

-ألف مبروك يا عريس..

استغرب خالد من قول بكر، الذي لم يمنحه فرصة الشرح، بل تجاوزه بخطوات سريعة

في حين تبعته سمرا تجر خيبتها...

-ماذا؟؟؟؟

لم يستطع خالد أن يصدق ما يسمعه من رفيقه، الذي تابع يقول بهدوئه المعتاد:

-كما سمعت لن أأمن على سمرا مع غيرك أبدا...

هز خالد رأسه في عدم تصديق وهو يجيبه:

-لا يا صلاح إن ما تطلبه مني هو المستحيل بعينه..آسف يا صاحبي لن أتزوج سمرا

أبدا..

تم البارت بعون الله القاكم في العواء القادم

العواء التاسع

لم يعد يتذكر أخر مرة وقف فيها هكذا، يتأمل نفسه ويحرص على أن يبدو وسيما..كما أنه

ولأول مرة يشتري باقة ورد ويختارها بنفسه..لطالما عرف أنها تحب الياسمين..لذلك أصر

أن تكون الباقة من النوع الذي تحبه..

هو اليوم ليس كالأمس..، ولن يعود كما كان أبدا..

أجل الليلة سيعقد قرانه على سمرا، ربما قد تكون موافقته أخيرا، ضربا من الجنون..لكن

أليست حياته كلها جنونا؟؟

عدل بذلته السوداء التي توسطها قميص ناصع البياض، صحيح أنها كلفته كثيرا هي

والحذاء الأسود الذي هو من ماركة معروفة لم يعد يتذكرها، لكن هذا لا يمنع أنه فعلا يبدو

كأبطال السينما المعروفين..جرب ابتسامة أمام المرآة، وقد بدت له فكرة تبييض أسنانه

عند الطبيب فكرة جيدة، وقد كان ممتنا لصديقه مصطفى الذي تكلف بأمره..

التف حول نفسه بفخر وهو يلقي نظرته على ساعته..إنها الثامنة إلا ربع..عليه الذهاب

الآن..

كان ينزل السلالم المؤدية للشارع الرئيسي حينما توقفت سيارة سوداء أمام قدميه..حتى

كادت تلامس أطراف حذائه..وقبل أن يصرخ بالسائق ترجل منها رجلان..

كانا يلبسان بدلات رسمية سوداء..كما يضعان نظارتين سوداء..

ابتسم لمنظرهما فقد ذكراه بأفلام جيمس بوند القديمة..

-هل تسمح بدقيقة من وقتك؟

حملق فيهما باندهاش قبل أن يجيب في هدوء:

-أخشى انه ليس لدي وقت كاف..

بدت نبرة الرجل الطويل..السمين تزداد قوة وهو يقول:

-نعرف أنك عريس..لكننا نحتاج للحديث معك..

ألقى نظرته على ساعته والتي كانت تشير إلى الثامنة إلا خمس دقائق..حتما سيتأخر،

وهذان الرجلان لا ينويان الانتظار أكثر..

-حسنا..أسمعنني باختصار..ماذا تريدان؟

يبدو أني أتعس إنسانة بالدنيا..كيف لي أن أتلق عرضي زواج في يوم واحد ليحييني

العرض الأول ويقتلني العرض الثاني.

كيف استطعت أن تفعل بي هذا يا صلاح؟؟

لطالما اعتقدت انك تحبني أكثر من حياتك..فكيف تلقي بي في جهنم، كيف ستطرف عينيك

وأنت تعلم أن أختك الوحيدة ستتعذب كل ثانية..

تنهدت بعمق وهي تنظر لهاتفها النقال الذي أعلمها بوصول رسالة جديدة..

كانت من بكر، الذي قال:-آسف-

ابتسمت بسخرية والدموع تكاد تعمي بصرها،

-آسف- أهذا ما استطعت فعله؟؟

لم يكن ليجيبها أحد على تساؤلاتها سوى زغرودة طويلة أطلقتها عائشة فرحا بوصول

العريس..

مرت مراسيم الزفاف بشكل سريع، وبسيط، وهادئ..بدا فيه خالد سعيدا جدا، وبدت سمرا

واجمة شاردة وعيناها تتعلق بشاهد زواجها..الذي كان يقف بهدوء تام..

ترى من أين جئت بهذا الهدوء يا بكر؟

مرة أخرى لم يجبها أحد على سؤالها، اللهم إلا تلك الآهات التي كانت تطلقها بين حين

وحين..

شعرت بأنفاسها..تكتم عليها وكأن أحدا يطبق على صدرها..وهي تركب سيارة بكر..الذي

سيقلها لبيت خالد..

طوال الطريق وخالد يتحدث مع نفسه..

لم يكن بكر في هذا العالم..وكأنه يلوم نفسه على سكوته..

لا يدر لم يشعر أن خالد أحسن منه، من أين جاءته هذه الفكرة، هو لا يعلم؟

هل خالد أحق بسمرا يا صلاح؟؟ حتى تأمنه على أختك؟؟

ابتسم خالد وهو يقول بمرح:

-ها قد وصلنا يا جميلتي..

انقبضت معدة بكر وصدى كلمات خالد يكاد يثقب طبل أذنيه..

الليلة ستكون سمرا بين يدي خالد..وستصبح له..

لم يعد له مكان بقلبها الآن.

كم أنت جبان يا بكر..

ترجل خالد من السيارة والسعادة تكاد تنطق حروفا من وجهه..ليفتح الباب لسمرا بطريقة

رومانسية..جعلتها لأول مرة تبتسم في وجهه، رغم كل الغضب والرفض الذي يمتلئ بهما

صدرها..

الذئب رومانسي..لم أكن أعلم ذلك أبدا..

سبقته ببضع خطوات على القدر الذي يسمح به كعبها العالي..

حينما سمعت بكر وهو يقول بصوته الهادئ:

-خالد هل تسمح؟

قطب خالد حاجبيه في تصنع للغضب وهو يجيبه:

-ماذا هناك..؟

كانت وقتها سمرا قد ابتعدت عنهما مسافة لا تسمح بسماع حديثهما..

عدل بكر من ربطة عنق خالد، بسخرية وهو يقول بصوت لا يخلو من استهزاء مبطن..

-أرى أنك صدقت نفسك أيها الذئب؟

لعق خالد شفتيه ببطء متعمد وهو يحاول جاهدا أن يكون هادئا، وهو يتساءل باستهزاء

أكبر:

-وما الذي سيمنعني من التصديق؟ ألم تكن شاهدا على زواجي؟

علت ضحكة بكر وهذا ما استطاعت أن تسمعه سمرا..

في حين عاد يعدل من ربطة العنق، لكن هذه المرة كانت قبضة خالد القوية في انتظاره،

ليزيح يديه وهو يقول بنبرة محذرة جدا:

-إياك أن تعبث معي..يا بكر "وهم بالمغادرة إلا انه استدار وهو يتابع" آه وإن كان لديك أي

اعتراض على الزواج فأبشرك أنه قد تم..وليست هناك أي قوة في الأرض تستطيع أن تغير

هذه الحقيقة.."وبلامبالاة تابع" تصبح على خير يا صديقي..

كان قد ابتعد بأكثر من خطوة حينما قال بكر بصوت عال استطاعت أن تسمعه سمرا

بوضوح:

-أتمنى أن تهنأ بزواجك يا عزيزي..

لم يلتفت خالد إليه بل سارع ليباغت سمرا -التي كانت تحاول أن تفك لغز بكر المحير-وهو

يحملها بين ذراعيه..

صرخت صرخة فزع..قبل أن تدرك ما الذي فعله خالد..الذي تابع برومانسية لم يكن يعلم

حتى هو أنه يملكها..

-أتمنى أن تعجبك مملكتك الجديدة..

أشاحت بوجهها عنه، رافضة أن تحيط يديها حول عنقه..فادعى أنها ستسقط منه أرضا،

لتصرخ من جديد وهي تلف يديها بقوة حول رقبته..

ابتسم بعذوبة لأول مرة ترى وجهه عن قرب..يبدو وسيما..وسيما جدا..

-هكذا أفضل-وغمز بعينيه..

عادت لتشيح بوجهها وهي تقول بنبرة آمرة:

-أنزلني..

ابتسم دون أن تظهر أسنانه وهو يجيبها بعناد:

-لا لن أنزلك حتى الطابق العلوي..وفي غرفتنا الخاصة..

فتحت عينيها ذهولا وهي تعيد الكترونيا كلمته:

-غرفتنا؟؟

هز رأسه إيجابا..وهو يشم عطرها الهادئ..

لم يكن يصدق أنه أصبحت زوجته..في حين كانت سمرا غارقة في تفكير آخر..تصارعها

نوازع أخرى..

يا إلهي لم يسبق لي أن شاركت غرفتي مع أي شخص..

فما بالك بالسرير..ومع رجل كخالد؟

لا حظ تغير ملامحها، وللحظة كان سيسألها عما أصابها لكنه غير رأيه..ربما قد شعر أنها

ستنفجر غضبا عليه..أو قد تصرح له أنها تقلبت هذه الزيجة فقط لأنها تحترم أخوها صلاح

أنزلها برفق..حينما وصلا لغرفتهما..

عدلت من قفطانها الأبيض..وسمحت لعينيها أن يتجولا حول الغرفة الواسعة..لا تنكر أنها

قد ذهلت تماما..

فالبيت مقارنة مع الحي يبدو رائعا جدا..كما أنه نظيف جدا..صحيح أنها لم تره جيدا..لكن

الغرفة الأنيقة التي تتواجد بها الآن تدل على ذلك..

كانت غرفة واسعة جدا، يتوسطها سرير ذو لحاف أحمر أجوري تعلوه أكثر من خمس

وسائد صغيرة، تتدرج ألوانها ما بين الأحمر والبيج وقدر فرشت أرضيتها بسجادة مغربية

أصيلة بلون البيج، متناسب جدا مع لون أطراف اللحاف والوسائد..وعلى اليمين وضعت

طاولة صغيرة، بها صورة ذات إطار أحمر لخالد وصلاح يأكلان في محل شعبي..يبدو أن

الصورة لها أزيد من عشر سنوات..

وعلى الحائط علقت لوحة كبيرة عليها آية الكرسي..

ابتسمت سمرا وهي تراها، آية قرآنية في بيت الذئب؟؟

هذا ما لم تتوقعه أبدا..

كانت تتأمل الغرفة جيدا في حين كان خالد يعقد يديه بين ذراعيه وهو ينظر إليها..

وحينما شعر بأنها انتهت من جولتها الصغيرة بالغرفة بادرها بسؤال:

-هل تريدين أن تغيري أي شيء؟

التفتت إليه وقد بدت مستغربة جدا من بروده المفاجئ قبل أن تجيب بخفوت:

-لا.. الغرفة جميلة جدا..

تثاءب في تكاسل وهو يقول:

-حسنا إذن يا سمرا..سأذهب لأنام هل تحتاجين لشيء؟؟

فتحت فمها بشكل مضحك..لكنه كتم ضحكته حتى لا يحرجها،

أحست بتصرفها فخللت شعرها الأسود بأصابعها، وهي تقول:

-أشعر بالجوع..

لا ادري لم قلت ذلك وقتها..ربما لأني أحببت أن أظهر له أني سأكون زوجته، فلا داعي

للتصرف معي بهذه الطريقة، أو ربما لأنه اختار بمحض إرادته عدم النوم في غرفة واحدة

معي..وهذا مس أنوثتي..وكبريائي..حتى وأن كنت وقتها لا أحبه..لكني اعتقد أن كل النساء

تكره الإحساس بالرفض..من أي رجل حتى لو كانت تكره ذلك الرجل..

ارتبك خالد وهو يلتفت حوله في دهشة..باحثا عما يقوله لهذه الجميلة التي عادت تقول في

إلحاح:

-خالد أشعر بالجوع..لم آكل شيئا طوال النهار..

في ذهول أجابها:

-حسنا لنخرج ونتناول شيئا..سأجلب حقيبتك من تحت، تكونين أنت قد مسحت تلك

البهرجة التي بوجهك..وتابع في "قرف" كم أكره هذه الأشياء الغريبة التي تضعها النساء

معتقدة انه تزيدها جمالا بينما هي تزيدها قبحا..

احمرت وجنتاها غضبا..وقد تراكم لديها إحساسها بالرفض.

لطالما شعرت أنه يحبني، هل كنت أتوهم ذلك؟؟ هل هو أيضا مجبر على الزواج مني؟؟

لم تستطع إلا أن تطيعه في صمت متوجهة إلى الحمام بحثا عن أي كريم يساعدها على

مسح ماكياجها..

كان الحمام واسعا جدا..زينت جدرانه بزليج مغربي قديم بالأحمر والأبيض تتوسطه مرآة

صغيرة رصت عليها مجموعة من ماكينات الحلاقة، وعطور رجالية..وعلبة لجل الشعر..

هي متأكدة أنه لم يسبق لها وأن لاحظت خالد واضعا جل لشعره أبدا..

أجفلها صوته وهو يتساءل:

-ألم تجهزي بعد؟

تجاوزته في غضب متجهة إلى حقيبتها وهي تجيب:

-لم أجد في حمامك ما يساعدني على مسح ما سميته بالبهرجة..

قالت كلمتها الأخيرة في سخرية..

لم يسبق له أن تعامل مع النساء، معلوماته عن هذا الكائن تكاد تكون منعدمة، فلطالما

تعامل مع الرجال لا غير، حتى أنه كاد يصعق حينما أخبره أبو سكة رحمه الله أن ما يشعر

به اتجاه سمرا هو حب..

حب رجل لامرأة..

لقد احتاج وقتا كبيرا، حتى يعترف أن كلامه صحيح.

نفث دخان سيجارته العذراء في الهواء مسندا ظهره على حائط البهو في الطابق السفلي،

حينما شعر بيد باردة تلمس كتفه، وسرعان ما جذبتها مرة أخرى.

شعر بحرارة تدب في تلك المنطقة التي لمستها..

ابتسمت بعذوبة وهي تقول:

-أنا جاهزة..

أنهى سيجارته ليرميها على الأرض، وبدون أن يرفع رأسه إليها، انحنى مرة أخرى

لينتشلها محدثا نفسه، أنه لم يكن معتادا على هذا..

لقد اضطر لشراء كل شيء جديد..واستخدام عاملات قمن بتنظيف البيت وترتيبه ..

أخذت مكانها بجانبه، وقد بدت السيارة التي اقتناها خالد مؤخرا، مريحة جدا، قبل أن

يقول:

-والآن إلى أين تحبين الذهاب؟

هزت كتفيها دلالة جهلها، واستغنت عن إضافة شيء آخر، مكتفية بتقليب صفحات الجريدة

وكمحاولة منه لطرد شبح الصمت، شغل أغنية للفنان المرحوم محمد الحياني،راحلة.

هذا الصوت يشعره بالهدوء، لطالما كان يستمع إليه رفقة صلاح بالقارب حينما يحل الظلام

ويستمتعان بتجهيز كؤوس الشاي، كم كانت تلك الأيام رائعة.

ألقى نظرة جانبية على سمرا، التي كانت تسند رأسها إلى زجاج النافذة، وهي تتأمل

شوارع العاصمة،الهادئة في هذا الوقت المتأخر.

كم تبدو الشوارع خالية، إلا من بعض المتسكعين الذين لا يزالون يمشون جنب الحائط رغم

أن لا أحد يوجد سواهم.

تنفست بعمق لم يسبق لها، وأن خرجت في هذا الوقت من الليل..

-ها قد وصلنا..

تأملت واجهة المطعم وقد كان يبدو مطعما فاخرا..

-هل سنأكل هنا؟

بدا وكأنه سؤال غبي، لكنها ملت الصمت فعلى أحدهما أن يكسر هذا الحاجز، الذي بينهما

على الأقل بالحديث مع بعضهما..

-ألا يعجبك؟

-على العكس إنه جميل جدا..

وصاحب جملتها ابتسامة دافئة، تترجم حبها للمكان.

أخذا ركنا هادئا له إضاءة خافتة، ويطل على حديقة كبيرة تنبعث منها مجموعة من

الروائح، استطاعت سمرا أن تميز رائحة الياسمين التي تحبه..

طلبت لنفسها لحما مبخرا على الطريقة المغربية، مصاحبا للملح والكمون، وسلطة أما هو

فاكتفى بسلطة وزجاجة فودكا..

أحس بتوترها وفور ذهاب النادل لجلب طلبهما، ابتسم ولأول مرة يمسك يديها في حب، ولم

تحاول أن تسحبهما، بل أحست بالدفئ يسري بجسدها، إثر لمسته وهو يقول:

-لا تقلقي مجرد كأس صغيرة..

أومأت برأسها وهي تبعد يديها ببطء، لتستند للكنبة التي تجلس عليها.

بعد مدة قصيرة،كان النادل يضع طلبهما أمام كل واحد منهما، ويتمنى لهما عشاءا طيبا،

وسهرة ممتعة، قبل أن ينصرف..

ارتشف من كأسه، ثم مال برأسه نحوها، بمسافة سمحت لعطره أن يقتحم أنفها ويخدر

باقي أعضاء جسدها، وهو يقول بصوت دافئ:

-عينيك جميلة، جدا

هربت من نظراته، وقد شعرت بأن جسمها كله يهتز ودقات قلبها تتسارع، حتى خيل إليها

أن قلبها سيخرج من حنجرتها.

حاولت أن تسيطر على مشاعرها، حينما رن هاتفها، ابتسمت نصف ابتسامة وهي تفتش

عنه في حقيبتها لتتأمل شاشته قبل أن تجيب، لكن أحد لم يرد على صوتها..

قطعت الاتصال لتضع الهاتف متعمدة بينها وبينه، وتتابع أكلها..

توقعت أن يسألها أو يرفع الهاتف ويفتش فيه، خصوصا بعدما رن مرة أخرى، ويبدو أنه لا

أحد يريد الحديث..

-هل سيتمر هكذا طوال الليل؟؟

سأل سؤاله وهو يلعق أخر قطرة بالزجاجة، وبعدما رن الهاتف لأكثر من ست مرات، وفي

كل مرة تجيب ليرد الصمت عليها..

أجابت في حنق:

-أردت أن أغلقه لكنك رفضت..

رفع نظره إليها، وقد بدأت تكسو عينيه حمرة طفيفة، وبتثاقل نهض وهو يقول:

-هيا فلنذهب للبيت.

طوال الطريق كان الصمت سيدهما فقد استغنى خالد عن تشغيل الموسيقى.

حينما وصلا لم تشعر سمرا بنفسها، إلا وهي تثور في وجهه وتصرخ بهستيرية:

-من تحسب نفسك، حتى تعاملني هكذا..

تأفف خالد بعنف وهو يحاول أن يكون هادئا:

-سمرا استعيذي من الشيطان واذهبي لغرفتك..

رفعت سبابتها محذرة إياه وهي تجيب في عناد:

-اسمع أيها الذئب، لن اسمح لك أن تحتقرني بهذا الشكل، كلانا مجبران على هذه الزيجة،

ريثما يخرج أخي..وبعدها كل منا يذهب إلى حال سبيله..

أحس خالد أن رأسه يكاد ينفجر، وان سحابة سوداء تكاد تمنعه من الرؤية، وسمرا تصر

على الصراخ والتهديد..

زفر في عنف وهو يخلل شعره ويفك أزرار قميصه الأبيض بعدما تخلص من ربطة العنق

فور انتهاء مراسيم الزفاف، ليتجاوزها بخطوات سريعة متجها لغرفته بالطابق العلوي..

لم يصلها منه إلى صوت الباب وهو يغلق بعنف كبير حتى كاد يثقب طبلة أذنيها، وبعدها

بمدة وجيزة سمعت صوت زجاج يرتطم بالأرض..

سارعت بخطواتها بعدما تخلصت هي أيضا من كعبها العالي، لفتح الباب وتجد يد خالد قد

كستها الدماء..

شهقت شهقة ذعر وهي تسرع إليه، بدا الجرح عميقا وسيحتاج إلى تخييط..لكنها أولا

أسرعت إلى درج ملابسه وسحبت قميصا نظيفا منه، مزقته بصعوبة، وحاولت تنظيف

الجرح، وإخراج بعض قطع الزجاج العالقة به، لم ينبس أي منهما بكلمة واحدة..إلا بعدما

أنهت سمرا تنظيفه، وربطته برباط من نفس القميص لتقول بحذر شديد:

-عليك الذهاب للمستشفى، فالجرح عميق..

أبعد يديه بعنف وهو يقول:

-لا عليك إنه جرح بسيط

صرخت بوجهه وهي تستنكر قائلة:

-كيف تقول أنه جرح بسيط، إنه يحتاج ل..

قاطعها وهو يقول من بين أسنانه:

-فلتخرجي يا سمرا..

نظرة الصدمة والخوف قبل أن تطأطئ رأسها وتخرج بصمت، منعته من النوم طوال الليل

كان يدرك أن عناده الغبي، في الذهاب للمستشفى سيجعل من الجرح ألا يلتئم بسرعة ،لكنه

الآن بحاجة لجرح جسدي على الأقل ليلهيه عن الجرح النفسي والذي سببته له سمرا

هذه الليلة.

هل يعقل أنها على علاقة ببكر؟؟

أوه لا كيف تسمح لنفسك بأن تفكر في هذا، إنها سمرا التي تربت أمامك وأنت تعلم جيدا

كيف نشأت، لا يعقل أن تفعل هذا..لكن كيف تفسر تلك الاتصالات التي كانت تردها..من..

نفض هذه الأفكار السوداوية من رأسه وأشعل سيجارة بعدما أحرق قطعة حشيش ونثرها

فوق تبغها ليلفها مرة أخرى..

لم يكن ليل خالد وحده الذي بدا طويلا كليل الشتاء، وإنما سمرا أيضا لم تستطع النوم

خصوصا، بعدما طردها خالد من غرفته، وهي التي هرعت وكأنها غارقة في حبه، إليه..

كان غرضي المساعدة لا غير..

حاولت أن تقنع نفسها بهذا قبل أن تلف الغطاء حولها، وكأنها تحتمي به، أو تجد في

معانقته سلوى لها ..

أما في الطرف الآخر من المدينة فقد كان بكر يراقب عدد النجوم التي تكونت ببطن

السماء..وهي تراقص ضوء القمر الساطع..

لم يكن يعرف أنه يحب سمرا إلا حينما، أصبحت ملكا لرجل آخر،

وها قد خطفها منه كما خطف الموت عفاف منه سابقا..

لكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، لن يدع خالد يهنأ بسمرا،

أقر لنفسه بهذا قبل أن يتوجه ليستحم، ويخلد للنوم..

توالت الايام بعد ذلك، وخالد لا يرى من سمرا إلا مايريح قلبه ويسر عيينه، قائمة

بواجباتها المنزلية، لكن ذلك الهدوء الذي يلفها كان يشغل باله، فكان حديثها قليلا،

حاول عدة مرات أن يخرجها من ذاك الصمت لكنه فشل، فالحاجز بينهما كان يكبر يوما بعد

يوم، ألقى برجليه على الطاولة التي أمامه وادعى انه منشغل بمشاهدة الأخبار، بينما كان

يختلس بين الفينة والأخرى، نظرة إلى سمرا التي كانت عينيها تلتهم سطور رواية جديدة

كعادتها بالمساء قبل أن تدخل لغرفتها.

أما سمرا فقد كان آخر همها روبرت الذي لم يستطع النوم هذا الليلة بسبب مافعلته سارة،

والتي لاتزال تبكي بحرقة في غرفتها، بعدما أغلق روبرت هاتفه،فقد كان عقلها بعيدا كل

البعد عن القصة التي تدور أحداثها بلندن والتي اكتست ساحاتها ثوبا أبيضا، بمناسبة حلول

الشتاء.

هل ستستمر الحياة بهذا الشكل؟

كانت تعلم جيدا انها إن لم تحاول أن تكسر هذا الصمت فلن يفعل خالد، خصوصا بعد تلك

المحاولات المتتالية منه، والتي كانت تلقاه بالرفض،

أغلقت الرواية، غير عابئة بما سيحصل لروبرت وسارة، ووضعتها بجانبها على الأريكة

التي كانت تستلقي فوقها، لتحول بصرها إلى خالد الذي كان لايزال يتعلق بالشاشة، والتي

لا يعلم عما يدور بها.

بهدوء ورزانة قالت:

- إلى متى سنظل هكذا؟

لم تتوقع ان يجيبها بهذه السرعة، ودون ان يدعي أنه لم يفهم عما تتحدث، فيبدو انه هو

أيضا كان هذا الوضع يخنقه، ويشغل تفكيره:

-لست أدري ياسمرا..

درات ببصرها على غرفة الجلوس وكأنها تراها لأول مرة، قبل أن تقول:

-خالد اعرف أنك مضطر من الزواج مني..

-كان سيقاطعها ليخبرها، أنه لم يضطر أبدا للزواج منها، بل تزوجها لأنه يحبها، ولهذا

السبب وحده، فقط لكنها تابعت تقول بسرعة كبيرة-كما اني مضطرة للزواج منك، لكن هذا

لا يمنع من ان نعيش حياة طبيعية على الأقل أمام الناس..

هل أحس انه قلبه يبكي؟؟

أجل في ذلك الوقت شعرت وكان قلبي طفل صغير،رآى والده يقتل أمامه، تمنيت لو أني

أستطيع ان اذرف الدموع، لكني اعلم أن الله قد عاقبني منذ زمن بعيد، فلم اعد أستطيع أن

أذرف دمعة واحدة..

لم تكن سمرا مجرد حب، فأنا لم اكن كأي إنسان لديه من الناس من يحب، فالحب الوحيد

الذي عرفته، كانت هي، والذي عشته كانت هي، والذي ساموت لأجله..

يومها ابتسمت وأنا أخبرها أني ساحاول ان اجعل حياتنا تبدو طبيعية، ليس أمام الناس

فقط، بل حتى أمامنا..

لذلك اقترحت عليها، أن نسافر قليلا، سعدت كثيرا، بتلك الفرحة التي ارتسمت على

وجهها، وهي تتعلق حول كتفي كطفلة صغيرة، وعدها والدها بشراء لعبتها المفضلة،

ومنذ ذلك الحين وعدت نفسي إن لم تكن زوجتي، فقد حظيت بها طفلة، لطالما

تمنيت أن تكون لدي طفلة، جميلة، لكني لم أتوقع أن تكون بجمالها..

ذلك الليل لم ننم باكرا، فقد كانت منشغلة بالحديث معي، عن لوازم السفر، والمكان الذي

سنذهب إليه، تبدو صعبة الارضاء، فبعد جهد جهيد استطاعت أن تختار السفر إلى أصيلة،

وبعدها ذهبت للنوم، كنت متاكدا بانه تلك الليلة عل الأقل لن تحلم ببكر فحماسها للسفر،

جعلاني متأكدا من ذلك.

-ألم تنتهي بعد؟

أطلت عليه من الحمام، وهي تضع اللمسة الاخيرة، على وجهها، لتلقي نظرة مطولة عليه،

قبل أن تقول باعجاب:

-تبدو وسيما جدا..

حك رقبته كعادته حينما يحصل على اطراء، وهو يقول ليغيظها:

-إنها عادتي..

تجاوزته وهي تمشي بخيلاء، لتحمل حقيبتها، وهي تدعي الحزم قائلة:

-هذه آخر مرة تحصل فيها مني على كلمة جميلة..

حمل حقيبة السفر وهو يقول في توسل مصطنع:

-لا أرجوك كنت امزح لاغير..

كانت هذه اول مرة يثرثران مع بعضهما في ذلك الصبح الباكر، وكانهما زوجين حقيقيين..

بل كانت المرة الوحيدة التي تركب معه سمرا بعد زواجهما السيارة دون أن تحمل كتابا أو

رواية، لتقرأها..وتنشغل عن عالمه.

سارعت سمرا فور وصولها للحمام، فقد شعرت بأن حرارة ذلك الصيف، تآمرت عليها،

فألصقت ثوبها الشفاف على جسدها، حتى خالط جلدها، وغير لونه، ليصبح ازرقا..

تركت الماء الدافئ يداعب خصلات شعرها الأسود، ورغوة الصابون تدغدغ مسامها، كم

تعشق رائحة التفاح المنعشة في سائل الاستحمام هذا؟

كانت تجفف شعرها حينما خرج خالد، بعدما أستحم هو أيضا، راقبته ببطء وهو يلف

الفوطة حول خصره، وراقبت تقاسيم جسده القوية، وصدره العاري، وأحست بقوته

شعرت بخجل شديد، حينما ابتسم لها، واقترب بشكل حميمي جدا، أخذ قلبها يسارع في

الخفقان، وأحست بجسدها يتعرق فجأة، رغم نسيم البحر الذي كان يضفي جوا جميلا على

الغرفة، أبعد بعضا من خصلات شعرها وتأمل وجهها الأسمر، الجميل..

سميت بسمرا، لبشرتها السمراء، وعينيها العسليتين كلون العسل المحروق، وشعرها

شديد السواد.

اقترابه منها يكاد يشل أعصابها، ويجمد أفكارها، فلا شيء يسيطر عليها سواه، رائحته

الرجولية..

التفتت بصعوبة لمصدر هذا الصوت الذي انتشلهما بصعوبة من هذا الخدر..

ليقول خالد برزانة، وكأنهما لم يختبرا هذا الشعور الجميل قبل قليل:

-سأرد أنا يا سمرا..

تنهدت بعمق، وهي تمنحه مساحة ليمر إلى الطاولة الصغيرة التي تتوسط الغرفة، والتي

وضع عليها الهاتف الصغير، قبل أن يجيب:

-الو من المتحدث؟

لم يسمع سوى أنفاس متقطعة وكأن صاحبها قطع مسافة خيالية عدوا، ولم يعد يستطيع أن

يسيطر على انتظام أنفاسه.

لم يزد خالد كاملة واحدة، وهو يقفل الخط، ليبتعد بخطوات سريعة..

أي لعبة قذرة تلعبها يا بكر؟؟

ومن سيجيبه على هذه الأسئلة سوى تلك الأمواج الصاخبة، التي تعالى صوتها، وكأنها

تطالب برأس بكر الذي حاول أن يعبث مع الرجل غير المناسب في الوقت غير المناسب

أيضا، وهل يا ترى سمرا تستطيع أن..

لم يكن يستطيع أن ينطق تلك الحروف السامة، التي كلما حاول أن يستسيغها تبدو له

كالعلقم، هو يعلم سمرا ككف يده السمراء، تربت علي يديه، وبين أعينه، لم يسمع أو يرى

ما يريبه من جهتها..

تأمل ساعته وكانت قد وصلت للخامسة بعد العصر، لا بد أنها قلقة جدا عليه..

نفض رمل الشاطئ من سرواله، ونهض ليعود للبيت الذي استأجره خالد، وقد أصر أن

يكون يطل على البحر، لعلمه أن سمرا تعشق البحر..

كانت خطواته نحو غرفة النوم متثاقلة، كحثيث الأفعى، لا يسمع لها صوت، من شدة

شروده، وتعبه النفسي، حينما تبادر لمسمعه صوت سمرا التي كانت تقول بنوع من الحذر:

-حسنا لا تقلق لن أخبر أحدا، وفور عودتي يمكننا أن نلتقي في منزلك..، لا أعتقد أن خالد

سيشك بالأمر، لا تقلق سأتدبر أمري..

تراجع بخطوات ميتة، لينزل السلم ببطء ويدير سيارته نحو أقرب محل تجاري، مرخص

ببيع الخمر..

قبل أن يستقر به الحال، على صخرة تلعنها أمواج البحر المالحة، فتصيبها بلعناتها دون

ملل أو كلل..

تم هذا الجزء، باذن الله نلتقي بالجاي

العواء العاشر

لم يكن في نيته تلك الليلة أن يعود إلى المنزل، لكنه وجد نفسه رغما عنه يقف بخطوات

ضائعة أمام باب المطبخ، يتأملها وهي ترتب المشتريات التي جلبتها من المركز التجاري،

نظرت إليه نظرة متشككة لتسأله، وهي تضع اللحوم بالبراد:

-هل أنت سكران؟؟

ضحك بأعلى صوته، قبل أن يقول بصوت منخفض:

-لا أنا خالد..

هزت رأسها في استخفاف، ثم لفت خصلات شعرها بمشبك كبير، بعدما انتهت من عملها،

ثم حاولت تجاوزه، لكنه امسكها من معصمها، وهو يتساءل:

-لم تحرمينني من حقي الشرعي؟؟

تنصلت منه ونظرة الغضب تعتريها، لتجيب بحنق:

-حينما تعي ما تقوله يمكننا وقتها الحديث..

عاد ليمسكها بقوة أكبر، وهو يقول من بين أسنانه:

-ليس هناك ما نتحدث عنه، إنه حقي..

دفعته بكل ما أوتيت من قوة، وهي تحاول أن تهرب منه، بعدما شعرت بأنه لن يتركها

الليلة، فالمشروب قد أذهب عقله، وجعله يبدو كما الذئب، وليس خالد الذي عرفته في هذه

الفترة، وقد بدأ يحوز على إعجابها، وبدأت تتقبله في حياتها، لكنه تبعها ليمسكها من

شعرها..

تأوهت بألم وهي ترجوه قائلة:

-خالد، دعنا نتحدث في الغد، وأعدك أني سأمنحك ما تريد..أتركني أرجوك..

لم يكن خالد في وضع يسمح له، بسماعها، ولا الإشفاق عليها، من الألم الذي يسببه لها،

فكلماتها وحدها، وهي تعد بكر بالذهاب إلى منزله، بعد عودتها، واستهتارها بمشاعره،

واستغفالها له، كانت ترن بأذنه، وتغلي برأسه..

بعدما تركها أخيرا، دفنت رأسها بين كفيها، وبدأت تبكي بحرقة، منكبة على قدميها، نفض

يديه من بعض خصلاتها التي تطايرت بالهواء، ثم صفق الباب من وراءه، وعاد إلى حيث

كان..

حاولت سمرا أن تنهض بصعوبة كبيرة، فرأسها كان يؤلمها، كثيرا، وقد جعلها لا ترى

أمامها..وبعدما استقرت على إحدى الكنبات بالبهو، دفنت وجهها في جلدها البيج

البارد،وغفت من شدة الإرهاق، والتعب.

حينما استيقظت في الصباح التالي، كان البيت يبدو لها موحشا جدا، فهي لم تتوقع أن

يسوء الوضع، بينها وبين خالد لهذه الدرجة، وهي التي كانت عازمة على إصلاح الوضع

بينهما، واغتنام فرصة السفر لمصلحتها، لكن يبدو أنه لن يتغير، سيظل إنسانا همجيا،

وجاهلا..

تثاءبت وهي تدعك عينيها، المتورمتين، من شدة البكاء، ثم أتبعتهما برقبتها التي تؤلمها

بشدة، فالنوم على الأريكة، شيء مرعب.

بعدما استحمت، نزلت لتعد لنفسها، فطورا، فهي لم تأكل منذ أن تناولا وجبة الغذاء، حينما

توقفا في طريقهما أمام مطعم صغير، ومعدتها الآن ترسل أصوات الاستغاثة..

-يا ربي ما هذا؟

-كان هذا أول ما صرخت به سمرا، وهي تفتح البراد، لتفاجأ بصندوق تصطف به أعداد

كبيرة من زجاجات الكحول..

- لقد جن فعلا، من يحسب نفسه؟

كان الغضب يغلي بصدر سمرا، ولم تتمالك نفسها، وهي تحمل تلك الزجاجات لتفرغها في

حوض المطبخ..وتلقي بها في سلة الأزبال.بعدها نظفت المكان جيدا، وغسلت يديها، ثم

جهزت لنفسها فطورا،..

كانت ترتشف قهوتها السوداء، في الشرفة المطلة على البحر حينما سمعته يصرخ

باسمها، سارعت إليه فإذا به كالثور الهائج يلقي بما في بطن البارد، على الأرض،

صرخت بوجهه مستنكرة:

-ماذا تفعل هل جننت؟؟

صفق باب البراد بعنف وهو يمرر أصابعه السمراء، على شعره، ليصر على أسنانه قائلا:

-أين زجاجاتي التي كنت أضعها هنا يا سمرا؟

عقدت يديها على صدرها وهي تقلب شفتيها بسخرية لتجيب بهدوء، أغاظه:

-تخلصت من..

لم تشعر إلا بيده وهي تنزل بقوة على خدها، لتمنعها من اكمال جملتها، حتى أوقعتها

أرضا، وقبل أن تكتشف ما الذي فعله خالد، او تقوم بأي ردة فعل، سحبها من شعرها

ليصفعها من جديد.

انهال عليها بالضرب حتى لم تعد تقوى على المقاومة، وعبثا حاولت ان تمنعه بيدي

ضعيفتين، إلى أن كف من نفسه عن ضربها، ليحمل سترته الخفيفة ويخرج من جديد،

بكت كما لم تبكي من قبل، كانت هذه اول مرة تقع يد على وجهها، بكت نفسها، لانها بدات

تحب خالد، بكت أخاها الذي وثق فيه وأمنه عليها، بكت نفسها كثيرا..

لم تشعر بنفسها إلا وهي تمشي بخطوات حثيثة نحو الشاطئ في ذلك المساء، بغير هدى،

تشم النسيم وعيون الفضوليين عليها، فعينيها المنتفخة والتي اكتست لونا أزرقا قاتما،

وأثار الضرب على كتفيها السمراء، العارية، كل هذا يوحي بأنه مورس عليها عنف ما..

رمت الكرة الصغيرة التي توقفت أمام قدميها وابتسمت لذلك الصغير الذي لوح لها بحب،

وتذكرت تلك الليلة التي طلب منها خالد ان يسافرا، حلمت بانه لديها طفل منه، وأنهما على

الشاطئ يبنيان قصرا جميلا من الرمال، قبل ان ينخطف الطفل من بين يديها، ويهدم

القصر، ويختفي خالد.

حاولت أن تبعد هذه الأفكار السوداوية من عقلها، وتتامل الامواج، الصاخبة، الغاضبة،

وكأنها تخبرها بأنها في صفها تتألم لالمها، وتشعر بشعورها..

تنهدت بعمق ثم شعرت بيد تربت على كتفيها، ليأخذ بعدها مكانه بجانبها، لم تنبس بكلمة،

بل تابعت تأملها لتلك الأمواج، التي بعثت في نفسها الطمانينة، أو ربما وجوده بحد ذاته

مبعث للامان؟

-سمرا أنا آسف جدا..

-تمتم بتلك الكلمات الضعيفة، وهو يعبث بحبات الرمال الذهبية، قبل ّأن يتابع بحسرة- لقد

شعرت بالغيرة الشديدة حينما سمعتك تتحدثين إليه، لم أستطع أن أتماك نفسي وانا أسمعك

تعدينه بالذهاب ّإلى منزله، إن الامر مرعب..

قاطعته وهي تنهض من مكانها لتنفض عنها تلك الرمال التي علقت بثوبها الأبيض، وتقول

بحزم:

-ليلى تعاني من حالة نفسية صعبة، وقد وعدت عمي البشير أن أزورها- ثم التفتت إليه،

لترى وقع كلماتها عليه، كانت الدهشة هي ما يرتسم على ملامحه، لدرجة انه فتح فمه كما

الأبله، وقد بدت لها رغبة قوية في الضحك لكنها تمالكت نفسها وهي تتابع- هو يعلم انك

لا تحبه، وقد خاف ان تمنعني من مساعدتها، لذلك جعلني أقطع عليه وعدا بألا اخبرك..وقد

فعلت..

لم تترك له مجالا ليجيب أو يقول شيئا، أما هو فقد شعر بانه أغبى رجل في هذا العالم

وبان الأرض ستتبرأ من إنجابه..

تدارك الأمر وهو يسرع نحوها، ليلف يديه حول رقبتها وهو يطبع قبلة على عينيها

المتورمة، ليتساءل:

-هل تؤلمك؟

هزت رأـسها إيجابا، فعاد يطبع قبلة تلو الاخرى، إلى ان ابتسمت وهي تلف يديها حول

رقبته، لتغرق في لون عينيه..

لم تكن تتوقع ان تسامحه على مافعل أبدا، لكنها شعرت انه رجل غيور، وقد سمعت ذات

يوم أن الرجل الغيور كثيرا مايصبح غبيا، غبيا جدا، لذلك يتوقع منه أي شيء..

في الصباح التالي،حينما استيقظت ووجدته يستلقي بجانبها بهدوء، ابتسمت وهي تزيح

الغطاء من عليها لتتوجه على رؤوس أقدامها للحمام، وتجهز له الفطور..

لم يعد زوجها وحسب منذ اليوم، إنه حبيبها الذي لم ولن تحب سواه..

قضيا ثلاث أسابيع بين التنقل على الاسواق، والاستلقاء على البحر، ولعب الكرة مع

الأولاد، وتناول السمك في المطاعم البحرية الصغيرة، وشراء الملابس، والسهرات بالليل،

حتى لم يشعرا بمرور الوقت وانقضت الإجازة، تحايل خالد عليها كثيرا، ليظلا أسبوعا

آخر، لكنها رفضت فليلى حالتها تزيد يوما بعد يوم وعليها أن تكون بجانبها، و لاتدعها

وحيدة..

كانا قد وصلا إلى المدينة حينما رن هاتف خالد، وقد كان المتصل سعد، ربما لديه جديد

حول عملية هذا المساء-أسر لنفسه بهذا قبل أن يجيب:

-ألو سعد هل هناك من أخبار؟

لاحظت سمرا تغير لونه، وهو يطفئ جهاز الموسيقى ليقول بحزن شديد-إن لله وإن إليه

راجعون، متى حدث هذا؟حسنا سأكون هاك انتظرني..

وسرعان ما غير اتجاه السيارة للجهة الشمالية من المدينة، لتسأله سمرا في حيرة:

-ماذا هناك يا خالد؟

بدا وكأنه اكتشف وجودها لاول مرة ليقول بعد لحظة صمت بدت لها دهرا وكل التوقعات

السيئة، تأكلها كما تأكل النار الحطب، ليضرب المقود بعنف وهي يطلق شتيمة من بين

أسنانه، ازداد هلع سمرا، وهي تعيد سؤالها بتوسل:

-بالله عليك ياخالد اخبرني ما الذي حصل؟

كان قد توقف على جانب الطريق يخفي رأسه بين ذراعيه، المتكئة على مقود السيارة، وقد

بدا صوته ضعيفا جدا:

-لقد مات كريم ياسمرا، وجدوا جثته في غرفته..

لم يزد على كلماته هذه، وهو يامرها بالنزول لتاخذ سيارة اجرة، وتذهب للمنزل، ريثما

يعود، لم تجد بدا من معارضته، فلبت امره، ولم يدر السيارة إلا حينما تاكد من انها بخير،

وقد ركبت السيارة، التي ستقلها للمنزل، كما اوصى السائق ألا يركب غيرها، وقد دفع له

أكثر مما يستحق بكثير، شعرت بمبالغته من الخوف عليها، لكنها لم تقل شيئا، بل اوصته

أن يعتني بنفسه، وأن يتذكر دوما أنها تنتظره، فأومأ برأسه إيجابا، وهو يبعث قبلة على

الهواء..

حينما وصل هاله ذلك الزحام، بين شرطة، واهل لكريم، وجيران وفضوليين،شق طريقه

بصعوبة، ليلتقي سعد الذي كان يقف مع اأحد أبناء الجيران وهو شرطي تخرج حديثا، ألقى

السلام ثم بعدها سأله قائلا:

-ما الذي حصل بالضبط؟

ربت سعد على كتفيه وهو يجيب وقد غلفه الحزن على الفقيد:

-لقد اتصلت إحدى الجارات بالشرطة حينما انبعثت رائحة كريهة من غرفته وقد حاولت أن

تخبره عدة مرات، لكنها لم تكن تجده، فقد كانت تطرق الغرفة كثيرا، ولم يكن يجيبها،

وحينما قررت الذهاب إلى عمله، ظنا منها انها ربما كانت تتخالف معه في الاوقات،

اخبروها انه لم يات للعمل منذ ثلات أيام، فراودها الشك، خصوصا انه لم يكن معتادا ان

يتغيب بهذا الشكل، فاتصلت بالشرطة التي حينما حضرت وفتحت الباب وجدته منكبا على

وجهه، وقد كان للاسف ميتا..وجثته، كانت..

وبدا يجهش بالبكاء، فربت خالد على كتفيه، وهو يتنهد بعمق..

مر أسبوع كامل وكل الحي، ليس له أي حديث سوى تلك الحادثة الفظيعة،ومنظر جثة سعد

لم تجعل الكثيرين ينامون، لقد كان شابا طيبا، لم يؤذ احدا، او يسبق له ويتشاجر مع احد،

كان يقطن تلك الغرفة الوحيدة، والتي يتقاسم سطحها مع عائلة الحاج التهامي، وهو رجل

معلم متقاعد، له ست اطفال، بعدما لم يترك له التقاعد، والمرض ما يمنحه بيتا يليق

بعائلته اضطر لاستئجار غرفتين، صغيرتين بذلك السطح، وقد كان كريم نعم الجار.

*****************

-لم يكن يستحق تلك الميتة البشعة..

كانت تلك كلمات صلاح حينما زاره خالد، والذي حاول بشتى الطرق ان يخفف عنه الأمر،

لكنه كان يفشل فصلاح كما الاسد في قفص، لا يسمع سوى صوت مخالبه التي تحفر

الأرض بدون كلل لعلها، تستطيع الخروج منه.

تنهد بعمق وهو يجيبه:

-اجل يا صاحبي، لم يكن يستحق تلك الميتة أبدا..

-أتساءل ما الذي اكتشفه كريم، حتى يقضوا عليه بتلك الطريقة؟؟

-الغريب في الأمر أنهم وجدوا نسبة عالية من الكوك بدمه..

-نفس الطريقة..

كانت الأيام تسير ببطء شديد، وصلاح ينتظر اليوم الذي يستطيع فيه الخروج، من هنا

لا بد أن كريم قد عرف شيئا له علاقة بالشركة وإلا لم يقتل وبهذه الطريقة المشينة، فهو لا

يتعاط أي نوع من المخدرات..

لم يجد من سيساعده سوى العم إبراهيم، لعله لا يزال يخفي عنه الكثير من الحقائق حول

الشركة، ونشاطها أو ليس هو من كان المشرف عن الشحنات؟؟

بحث عنه مطولا ليسأل عنه أحد السجناء الذي أخبره أنه في الجانب الأخر من الساحة التي

يعمل فيها السجناء، فتوجه إليه مباشرة، ليجده يجلس مع رجلين وقدا بدا مستغرقا معهما

بالحديث، وكأنهما يناقشان قضية مهمة..

اقترب منهم ليلقي التحية.

رفع العم إبراهيم رأسه قبل أن يشير له بالجلوس معهم، لم يقولوا شيئا مهما، فقد بدوا

وكأنهم قد انهوا الحديث، أو ربما لم يرد العم إبراهيم أن يتحدث أمامه ، نهضا الرجلان معا

وبوقت واحد ليقول أحدهما:

-حسنا ستكلف بكل شيء..

هز إبراهيم رأسه موافقا ليعودا أدراجهما بخطوات رزينة..بعدها التفت إلى صلاح وهو

يتساءل في مرح:

-ماذا هناك أيها البطل؟؟

ابتسم صلاح في تردد وهو يزدرد لعابه بصعوبة، قبل أن يقول بنبرة حازمة:

-ما الذي تعرفه عن الشركة؟؟

****************

أدارت محرك سيارتها الصغيرة وهي غارقة فيما سمعته اليوم من الذئب، لا تدر لم ألغت كل

مواعيدها واعتذرت عن بعض القضايا، والتي أوكلتها لزميلها بالمكتب، لتفرغ لهذه

القضية الكبيرة، تعلم جيدا، أنها قد تخسرها لكنها رغم كل ذلك فهي مقدمة عليها بحماس

كبير.

لم تشعر بنفسها إلا وهي أمام شقتها بالرباط، حيث استقرت اخيرا مع والدها هنا، منذ سنة

تقريبا والتي تم فيها انفصالها عن ابن عمها، ذلك الشخص الذي لم تحب سواه يوما، لكنها

تحمد الله أنها اكتشفت مدى اختلافهما عن بعض، قبل الزواج، أو بالأحرى مدى استغلال

حبها له لمصلحته الشخصية.

لازالت تتذكر تلك الليلة الممطرة والتي قدم فيها إلى بيتها، ليخبره والدها انها بغرفة

المكتب تراجع بعض القضايا المهمة والتي ستترافع عنها بالغد، دخل مكتبها الصغير،

ليجدها غارقة لحد أنها لم تشعر بوجوده، إلا حينما عبث بخصلات شعرها، فرفعت رأسها

إليه وهي تبتسم بإعياء، سألته وهي تمدد ذراعيها في الهواء، بعدما أحست انهما تقلصتا

من التعب:

-ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟

عبث بإحدى الأوراق التي أمامها، وهو يخبرها بكل وقاحة:

-بيديك مستقبلي ياحبيبتي

عقدت ذراعيها إلى صدرها وهي تتراجع لتستلقي على كرسها، وتزيح نظارتها الطبية من

عينيها، تاركة لنفسها فرصة التخمين في كلامه، ثم ما لبثت أن تساءلت:

-ماذا تقصد لم أفهمك؟

التف إليها ليجلس القرفصاء أمامها وهو يقول بصوت دافئ قلما كانت تشعر به:

-اسمعي مديري السيد احمد غسان لديه..

ضاقت عيني منى غضبا فور سماعها لهذا الاسم، وقد فهمت مغزى كلام حبيبها وخطيبها

وابن عمها وهي تتابع ما بدأ:

-ابن متورط في قضية مخدرات، وتكوين عصابة تتاجر فيها..

لوح بيديه وهو يجيب:

-اووه يا منى تتحدثين وكأنك في مرافعة، اسمعي يا حبيبتي انسي ما تلقيته بالجامعة

وأسدي لحبيب عمرك هذه الخدمة،

-أي خدمة ما الذي تطلبه مني بالضبط؟

نهض من مكانه وهو يحك رقبته ثم التفت إليها وهو يقول:

-أن تخففي من مرافعتك، وتحاولي ان تظهريه وكأنه مستهلك وليس تاجرا،

أريد أن تبدو مرافعتك ضعيفة جدا، -وفتح عينيه وكانه شهد للتو هدف فريقه المفضل،

ليتابع- واعدك أن السيد أحمد سوف يقدر ما فعلته من اجله..

ابتسمت وهي تسأله:

-وأنت ما الذي سيفعله من أجلك؟

ارتبك وهو يزدرد لعابه ليستجمع قوته بعد ذلك وهو يجيب بحماس اكبر:

-تصوري أن زوجك سيصبح المدير المسؤول عن اكبر شركة في المغرب، وسوف..

قاطعته وهي تزيحه خاتمه الذهبي من بنصرها، وتمسح دمعة ساخنة خانتها وهي تنزل

بهدوء لتحرق خدها، وتودعه كفه الأبيض:

-لازلنا لم نصبح زوجين يا ابن عمي لحسن الحظ..

بدا مندهشا لتصرفها وقد شعر بالكلام يقف بحلقه، ثم ما لبث أن أخذ الخاتم من يديها، وهو

يقول بنبرة مهددة:

-حسنا يا منى أنت من اخترت..

ورحل..

لم تبك يومها رغم الرغبة الشديدة التي كانت لديها لتبكي، لكن عملها المتراكم منعها من

أن تهدر المزيد من الوقت على البكاء من اجل رجل لا يستحقها، حاولت أن تؤجل حزنها

لما بعد المرافعة، لكنه بعدها تناسته ولم يعد له من لزوم، ومن تم حاولت أن تشق طريقها،

بدون حب..وتمنح وقتها، وجهدها وتفكيرها لعملها لا غير، ورسالتها السامية..

ألقت التحية على حارس العمارة، الذي سارع ليأخذ منها مفاتيح السيارة، ويدخلها

للمستودع الخاص بسكان العمارة..

كالعادة والدها بانتظارها، يجلس على الكنبة الصغيرة التي بغرفة الجلوس، خافضا ضوء

الغرفة وهو يستمع لعبد الهادي بالخياط، انساب إليها ذلك الصوت الدافئ، وهي تغلق باب

الشقة لتسرع إليه وتقبل جبينه، ضمها إليه وهو يزيح نظارته الطبية قائلا بحنان:

-أهلا يا صغيرتي، كيف كان يومك؟

خلعت سترتها وحذاءها العالي، لتجيب:

-رائع..

كان يعلم أن هذه الكلمة تعني أنها، كانت اليوم في جلسة مع المتهم الجديد، الذئب، والذي

لم يعد لابنته حديث سواه..

نهض ببطء وهو يقول:

-جيد سأجهز لك الطعام حالا، ريثما تستحمين..

طبعت قبلة على خد والدها، وهي تسرع نحو الحمام..

لم يتبق سوى أسبوع واحد، على أول جلسة لها في القضية، والتي يحاول غريمها أن

ينهيها في جلسة أو جلستين، والذئب غير عابئ بما يجري حوله، في كل مرة تحاول أن

تجعله يخضع لقانونها، لكنها تجد نفسها منجذبة لطريقة حديثه، وحركاته، كل شيء فيه

يوحي بالقوة، والغموض، حتى طريقة حبه لزوجته.

كانت تجفف شعرها حينما سمعت والدها يتحدث مع صوت رجالي غريب، تساءلت عن

صاحبه، لكنها لم تتعرف عليه..

لقد سبق وأن سمعت هذا الصوت، أين؟ هي لم تعد تتذكر.

لم يطل بها الأمر حتى طرق والدها باب غرفتها، ليخبرها أن هناك ضيف في انتظارها:

-ألم يخبرك باسمه؟

-بلى قال إنه زميلك السيد شوقي..

نزل عليها وقع الاسم كالصاعقة التي زلزلتها، وقد تغير لون وجهها مما جعل والدها

يتساءل في ريبة:

-هل أنت بخير يا منى؟

بدت شاردة وبعض قطرات العرق تتصبب من جبينها، وكأنها تنذر بحمى وشيكة.

تنهدت وهي تحاول ربط جأشها، لم تعد الطالبة ولم يعد الأستاذ، وهذه ليست أول قضية

يلتقي فيها الطالب والأستاذ..

ألقت نظرة سريعة على منظرها بالمرأة وقد بدا شعرها المبلل، يوحي ببساطة امرأة قد

تخوض قضية شائكة كهذه..

-حسنا أخبره أرجوك أني قادمة..

رفع حاجبيه وهو يتساءل هل كانت تحتاج لكل هذا الوقت حتى تقول هذه الكلمات؟

وأغلق الباب وراءه..

لتلتحق به بعد فترة قصيرة، كانت كافية ليشرب قهوته، وما إن رآها تتقدم نحوه حتى

نهض وهو يتأملها بوقاحة الرجل الأربعيني، الذي يعتقد أنه قد تجاوز سن اللوم على

تصرفاته..

مدت يدا قوية تخالف ما تشعر به الآن ثم جاء صوتها محايدا، لا تستطيع أن تخمن

نبرته، وهي تقول:

-مرحبا بك سيد شوقي، شرف لي زيارتك اليوم..

صافحها وهو يعتذر قائلا:

-آسف أولا لأني جئتك بدون موعد مسبق..

أشارت إليه بالجلوس وهي تجامله قائلة:

-أوه!! لا عليك يمكنك زيارتي متى شئت..

-شكرا لك

ران صمت خيل إلى منى أنه دهر قبل أن يستطرد كلامه، بارتباك واضح:

-منى

-هزت رأسها نحوه تاركة حاجبيها يستفهمان منه، ليتابع هو-كيف تسير قضيتك الجديدة؟

(هكذا إذن جئت من أجل القضية!!)

أسرت لنفسها بهذا وهي تمرر يديها على شعرها مجيبة:

-تسير على خير ما يرام..

نظر مباشرة لعينيها الواسعة، محاولا أن يكتشف ما تخفيه عنه، تماما كما كانت وهي

طالبة، لكن هذه المرة اعترضت طريقه سحابة من الغموض، منعته من اكتشاف خباياها..

ترى أين تعلمت فن الإخفاء يا منى؟؟

تنهد بعمق وهو يمسك يديها ليقول بصوت رخيم:

-منى لا تنسي هذه أولى قضاياك الحقيقية والتي ستخوضينها وحدك، إنها قضية كبيرة جدا

وستخسرينها كما تعلمين مسبقا، فلم تعرضي مستقبلك للضياع..؟

-تابع بنبرة فيها استهزاء مبطن-وكما تعلمين أنه قد سبق وخسرت أمام أقل المحاميين

خبرة في قضية ابن السيد أحمد غسان..

هذه المرة ضحكت منى بملء الفم وهي تجيب ببرود:

-أنت تعلم يا أستاذي أن طالبتك خسرت أمام من تقول عنه انه أقل المحاميين خبرة ليس

لأنها تفتقر إلى الدفاع الجيد، أو ينقصها الإلمام بفصول القانون، بل لأن من أوكلت له

مهمة الفصل بين الناس في تلك القضية رجل مرتشي، وأعتقد أن الجميع كان يعرف جيدا

أن قاضي تلك القضية قد أسكته السيد أحمد غسان بمبلغ محترم جدا، جعله يتنازل عن

احترامه بسهولة..-أراد أن يقول شيئا لكنها أوقفته بإشارة من يديها وهي تتابع-أعلم جيدا

انك رجل قد سمي بقلب القانون لكن لست أنا من تغرها الألقاب، وقضيتي أومن بها

وسأدافع عنها، حتى آخر لحظة..إنها القناعات سيدي..

ابتسم لها، وهو يتساءل ترى كم طالب درس له نفس هذه الروح التي تمرح في جسد

منى..له نفس هذا الإيمان الذي يغلف قلبها ويحصنها..تمنى أن يحضنها كما لم يحضن ابنته

يوما..لكنه وجد نفسه يقول:

-سنلتقي إذن يوم الاثنين القادم..

مدت يدا تصافحه وهي تجيب:

-سعيدة بهذه الزيارة، وجهز ملفك..لأننا سنلتقي بإذن الله..وستكون لكل منا كلمته..

هز رأسه متفهما، قبل أن يقول:

-تصبحين على خير، بلغي سلامي واعتذاري عن هذه الزيارة لوالدك..

ورافقته حتى الباب..

هي لا تعلم من أين جاءتها هذه القوة..؟؟

بل إنها تعلم جيدا..من أين جاءتها..

*************

استيقظت هذا الصباح وهي تشعر بنشاط قوي، لدرجة أنها استحمت ونزلت للمطبخ لتجهز

الفطور لوالدها الذي كان لا يزال نائما، يبدو أنها بكرت اليوم..

عانقته بحب حينما اطل عليها وهو يتساءل بمرح وحب:

-علينا أن نسجل هذا اليوم في كتاب غينيس، منى تجهز الفطور وا عجباه!!

تناولا فطورهما ذلك الصباح، وقد تحدثا كثيرا عن أشياء كثيرة مختلفة، لكنها لم تتطرق

لموضوع الذئب، وقضيته، بدا ذهنها صافيا ذلك الصباح.

شربت عصيرها جرعة واحدة، وهي تنهض لتقبل خده، وتقول:

-لقد تأخرت علي الذهاب، لا تنتظرني للغذاء..

ضحك وهو يسر لنفسه، أنه رغم ذلك فهو سيظل ينتظرها، إلى أن ينسى تناول وجبة الغذاء

بدونها..

شغلت الراديو، وأدارت محرك سيارتها الصغيرة، بعدما ألقت بحقيبتها المكتبية بالمقعد

الخلفي..

وتوجهت لسجن القنيطرة كعادتها كل يوم.

هذه المرة بدا هادئا، مريح النظرة، وفي عينيه بسمة فريدة، كبسمة العاشق

تساءلت في قرارة نفسها، عن سبب هذا التغيير، المفاجئ لكنه بادرها بالحديث

قبل أن تخرج ما في جعبتها من أسئلة:

-لقد اقتربنا من خط النهاية..

هزت رأسها موافقة إياه ثم تنهدت وهي تجيب:

-لكننا لا زلنا ندور في حلقة مفرغة..

ليشرد بعيدا عن منى وتذمرها اليومي، وتنبيهها له بأنها لا تزال ترغب بسماع المزيد،

وفقط ما يفيدها بالقضية حتى تستطيع تخفيف الحكم عليه..

هو لم يعد يرغب بالحياة، فما جدوى الحياة بدونها..

اقتربت منه بهدوء وهي ترفع ذقنه بسبابتها، حتى يتسنى له رؤيتها قائلة بحزم:

اليوم أيها الذئب أريد الفصل الأخير..

نفس البرود الذي يكتسبه دوما ونفس الهدوء، حيث لا يصلها منه سوى رماد أنفاسه التي

توحي لها أنه لا يزال حيا..

اليوم أيها الذئب، حدثني عنك وعنهم لم أعد أطيق صبرا..

-على أية حال لقد وصلنا للفصل الأخير..

ولتسمعيه يا سيدتي..

-كلي أذان صاغية..فقد ألغيت كل مواعيدي لأكون معك اليوم...

تم الجزء يا رفاق