الفصل الأول

5 0 00

الفصل الأول

لم يكن يقدّر أني سألقاه قائمة باسمة حين أقبل إليّ في ظلمة الليل يسعى كأنه الحيّة أو كأنه اللص ، ولكنه لم يكد يبلغ باب الغرفة ويتبين شخصي ماثلا في وسطها وعلى وجهه ابتسامة شاحبة كأنها ابتسامة الأشباح حتى أخذه شيء من الذعر ، فتراجع خطوات ثم قال في صوت أبيض جعل يأخذ صوته الطبيعي قليلا قليلا : ماذا ! ألا تزالين ساهرة إلى الآن ؟ أتعلمين متى أنت من الليل ؟ قلت : لقد جاوزت ثلثه وما كان ينبغي لي أن أنام قبل أن ينام سيدي ، فما يدريني لعله يحتاج إلى شيء ،

قال وقد عاد إلى ثباته وهدوء نفسه واستردّ صوته شيئا من وقاحته المألوفة ودعابته البغيضة : ما رأيت قبلك خادما مثلك تحسن العناية بسيدها وتسهر منتظرة مقدمه إلى آخر الليل ، لقد كنت أحسبك نائمة كما تعودت أرى من سبقك في خدمتي ، وكنت أقدّر أني سأجد في إيقاظك بعض الجهد ؛ فلست أدري ما بال نوم الخدم يثقل حتى كأنهم أموات ، قلت : قد أرحت سيدي من هذا الجهد ، وانتظرت مقدمه كما تعودت منذ اصطنعت خدمة المترفين الذين لا يحبون إنفاق الليل في دورهم ، فليأمر سيدي بما يريد ، قال وهو يضحك ضحكا سمجا وقد مدّ إليّ يدا وددت لو استطعت قطعها ، ولكني تراجعت حتى لا تبلغني : فإن سيدك يأمرك أن تتبعيه .

ثم انحدر إلى غرفته ومضيت في أثره .

لبيك لبيك أيها الطائر العزيز ! ما زلت ساهرة أرقب مقدمك وأنتظر نداءك ؛ وما كان ينبغي لي أن أنام حتى أحس قربك ، وأسمع صوتك ، وأستجيب لدعائك ، ألم أتعود هذا منذ أكثر من عشرين عاما !

لبيك لبيك أيها الطائر العزيز ! ما أحبّ صوتك إلى نفسي إذا جثم الليل ، وهدأ الكون ، ونامت الحياة ، وانطلقت الأرواح في هذا السكون المظلم ، آمنة لا تخاف ، صامتة لا تسمع ! إن صوتك إذن لأشبه الأشياء بأن يكون صوتا لروح من هذه الأرواح ليذكّرني روح هذه الأخت التي شهدْت مصرعها معي في تلك الليلة المهيبة الرهيبة ، وفي ذلك الفضاء العريض الذي لم يكن من سبيل إلى أن يسمع الصوت فيه مهما يرتفع ، ولا أن يجيب المغيث فيه لمن استغاث .

لبيك لبيك أيها الطائر العزيز ! ادن مني إن كان من أخلاقك الدنو ، وأنسْ إليّ إن كان من خصالك الأنس إلى الناس ، واسمع مني وتحدث إليّ ، وهلمّ نذكر تلك المأساة التي شهدناها معا ، وعجزنا عن أن ندفعها أو نصرف شرّها عن تلك النفس الزكية التي أزهقت ،

وعن هذا الدم البريء الذي سفك . فلم نزد حينئذ على أن بعثنا صيحات تردّدت في ذلك الفضاء العريض لكنها لم تبلغ أذنا ولم تصل إلى قلب ، وإنما صعدت إلى السماء على حين هوى ذلك الجسم الجميل الممزق في تلك الحفرة التي أعدت له إعدادا ، ثم هيل التراب وسويت الأرض ، وأنت تدعو ولا من يستجيب ، وأنا أستغيث ولا من يغيث ، وامرأة متقدمة في السن قد انتحت ناحية وجلست تذرف دموعها في صمت عميق ، ورجل متقدم في السن قد قام غير بعيد يسوّي الأرض ، ويصب عليها الماء ، ويردها كما كانت ، ثم ينتحي قليلا ويزيل عن جسمه وثيابه آثار الدم والتراب ، ثم يرتفع صوته آمرا أن هلمّ فقد آن لنا أن نرتحل .

منذ ذلك الوقت تمّ العهد بينك وبيني أيها الطائر العزيز على أن نذكر هذه المأساة كلما انتصف الليل حتى نثأر لهذه الفتاة التي غودرت في هذا الفضاء ، ثم نذكر هذه المأساة كلما انتصف الليل بعد أن نظفر بالثأر ، ليكون في ذكرنا إياها وفاء لهذه النفس التي أزهقت ، ولهذا الدم الذي سفك ، ورضا عن الانتقام وقد ألم بالآ ثم المجرم وردّ الأمر إلى نصابه ، وأراح هذه النفس التي ما زالت تطلب الريّ حتى تظفر بالثأر من الذين اعتدوا عليها .

لبيك لبيك أيها الطائر العزيز ! إنا لنلتقي كلما انتصف الليل منذ أعوام وأعوامفندير بيننا هذا الحديث ، أفتدعني أقص أطرافا منه على الناس لعلهم أن يجدوا فيه عظة تعصم النفوس الزكية من أن تزهق ، والدماء البريئة من أن تراق ؟ !