الفصل الثاني
تسلّق ابن الصالح إحدى شجرات الزيتون في أرضه المقابلة لبيت ابن الأحمد بحثاً عن الأغصان اليابسة، ليقطعها ويريح منها الزيتونة. نظر إلى بيت ابن الأحمد، فظهرت لـه المصطبة الترابية التي أمام البيت، وظهرت لـه الأغراض المنتشرة في جنباتها، وظهر لـه البساط المفروش على امتداد المصطبة تقريباً...
لمح سمراً بنت ابن الأحمد وأختها رباباً وهما تقشران حبات البطاطا استعداداً لإحضار الغداء.
لم يلبث ابن الصالح على حاله طويلاً حتى باغته صوت ابن الأحمد القوي كالصراخ، وهو ينادي زوجته:
-يا زهوة... يا زهوة...
ردّت زهوة من جهة البيت الشرقية، حيث كانت تجمع العيدان اليابسة لتجعلها وقوداً للتنور في المساء:
-نعم... ماذا تريد؟
-أنا هنا عند الدكان.
-أنا قادمة إليك.
قمطت زهوة رأسها بمنديلها الحريري المرقع، واتّجهت مسرعة عبر الدرب الترابي المؤدي إلى الساقية، فالدكان حيث جلس ابن الأحمد.
صوت سمر ورباب كان مسموعاً بالنسبة لابن الصالح وهو يقطع عيدان الزيتونات اليابسة. قالت سمر: أنا خائفة يا رباب!..
لم تجبها رباب لأنها لا تعرف أن تجيب، فهي تفهم بقشر البطاطا وحمل الماء من النبع وشرب الشاي، أما أن تعطي رأياً بالخوف من المستقبل والأيام، فذلك أمر لا علاقة لها به، ولعلها لم تتعلم في عمرها أية كلمة من هذا القبيل...
رباب عكس سمر تماماً، عاشت سنواتها معزولة عن القراءة والكتابة والدنيا والآخرة، فهي لا تعرف أبعد من النبع وبيت أبي يوسف... تذهب إلى النبع لتملأ الجرة ماء، وإلى بيت أبي يوسف لتشتري البيض من أم يوسف، أما سمر فقد قرأت مع أولاد القرية ونجحت في صفوف الدراسة الأولى، وانتقلت إلى المرحلة الثانية.
وهي زيادة على ذلك صبية الصبايا، وهي كما تقول عنها أم يوسف: "سمر سبقت عمرها بجمالها ولباقتها ومعرفتها بشؤون الدنيا، لكن والدها قاسٍ في طباعه، ولا يعرف الشفقة لا عليها ولا على رباب ولا على بقية إخوتهما".
بيت ابن الأحمد محاط بأشجار المشمش والزنزلخت ومصطبة بيته واسعة، لكن قسوته وصرامة ملامحه لا تسعد جليسه، ولا تريح أولاده، ولا تترك لهم أن يعيشوا كأولاد الجيران.
نهضت سمر ونظرت إلى جهة الدرب لترى إن وصل والدها، فبدت لها شجرة توت أبي يوسف... ظهرت لها ملء المدى... ولمحت أبا يوسف قادماً من جهة الساقية الجنوبية حيث أرض وبيت ابن الصبرة وأرض وبيت ابن الصالح... لمحته يمشي كعادته متمهلاً وفي يده لفافة التبغ المشتعلة...
قالت سمر في سرها: "شجرة التوت تتصدر أفق القرية بأغصانها وعصافيرها وزهوها وفتنة الجلسة إلى جوارها، وأبو يوسف قامة تزرع الدروب بهجة، ومعاشريه شعوراً بالارتياح. قرب شجرة التوت يلتقي الجيران، ومن أمامها تمر الدروب وأكثر من هذا هي ذاكرة لا تنسى شيئاً، وعلامة فارقة في تاريخ القرية وأحداثها وتغيراتها. نادى ابن الصالح بأعلى صوته:
-يا ابن الصبرة.
-نعم يا ابن الصالح.
-ماذا تشتغل عندك؟
-أفلح أرض الزيتونات.
أبو يوسف سمع صوت ابن الصالح وابن الصبرة لكنه لم يقف، بل تابع مشيته المتمهلة باتجاه شجرته ومصطبته وبيته. على بعد أمتار من أرض ابن الصالح بيت ابن الأحمد وبعده مباشرة الدرب المنطلق باتجاه شجرة أبي يوسف وبيته...
ابن الصالح يعرف سمراً جيداً، ويعرف أنها من الناجحات في الدراسة ويعرف أنها صبية يتمناها أي شاب في القرية. أشجار المشمش والزنزلخت والمصطبة تجعل من بيت ابن الأحمد متميزاً في القرية لكن ابن الأحمد قاسٍ... وقسوته تذهب بكل جمال..
بقيت سمر واقفة ترقب أبا يوسف وهو يتقدم باتجاه شجرة التوت... وقد تمنّت أن تقترب منه وأن تسمع حكاياته عن السفر وعن الأيام... وأن تجلس على المصطبة قرب جذع الشجرة الراسخة... إنها منذ كبرت وشبّت، أحبت عشرة أبي يوسف وشجرة التوت المجاورة لبيته، ومثلها كل الأولاد وكل الجيران أحبوا عشرة أبي يوسف وشجرته البرية...
حمل ولد يوسف بوحمود صاحب الدكان سلة قصبيّه، واتجه شرقاً عبر الدرب المنطلق من أمام بيت كريم... نادى ولد كريم:
-يا حسان!
-خرج حسان مسرعاً:
نعم يا سلمان ماذا تريد؟
-ما رأيك بالذهاب إلى شجرات التين؟
-أذهب معك... انتظرني قليلاً...
دخل حسان إلى الغرفة الترابية الوسيطة، حمل سلة قصبية صغيرة كانت فوق المصطبة وخرج باتجاه رفيق الطفولة وأيام المدرسة سلمان ولد يوسف بوحمود...
مشى سلمان ومن ورائه حسان عبر الدرب الضيق المؤدي إلى زاوية أرض شجرة التوت الشمالية الغربية... عند طرف الدرب الضيق القصير المؤدي إلى زاوية أرض التوتة تنتشر بعض أشجار الزنزلخت الصغيرة، وبعض شجيرات التوت...
قبل أن يصلا إلى الزاوية حيث الدريب المؤدي إلى ساحة شجرة التوت، والدروب، لمحا ولد ابن الحمودة، وتمنّيا أن يذهب معهما، لكنهما قدّرا أنه منشغل برعي البقرة، أو بإصلاح حذائه المنكوب...
قال حسان:
-ولد ابن الحمودة مشغول إمّا برقع حذائه وإمّا برعي بقرة والده...
قال سلمان:
معنى كلامك أن لا ننادي عليه ليذهب معنا إلى شجرات التين التي في أرضكم أو أرضنا...
تابع حسان وسلمان السير عبر الدرب حتى بلغا زاوية أرض شجرة التوت، كما سمتّها القرية كلها بنسائها ورجالها وأولادها وبذاكرتها...
الدرب القادم من جهة بيت كريم والد حسان ومن جهة بيت يوسف بوحمود والد سلمان يلتقي عند زاوية أرض شجرة التوت، بالدرب القادم من جهة بيت ابن الحموده ومن جهة الساقية الشمالية والدكان. سلمان وحسان انعطفا إلى جهة شجرة التوت عبر الدريب الصغير، وبقي الدرب القادم من جهة الساقية وبيت ابن حمودة مقفراً إلا من بعض الطيور التي راحت تبحث عن شيءٍ تنقره إما لتأكله، وإما لتحمله في منقارها لتبني به أعشاشها...
قال حسان: أبو يوسف نائم على الحصير المفروش على مصطبة شجرة التوت، وأم يوسف موجودة في البيت.
-تكون أم يوسف نائمة في البيت على المصطبة الداخلية.
-في هذا اليوم الحار تنام على المصطبة مثل أبي يوسف.
نظر حسان إلى أبي يوسف، وهو نائم وقال:
عينا أبي يوسف النائمتان كم يبدو عليهما التعب يا سلمان...
-هو شقي كثيراً في حياته يا حسان.
-لكنه رغم تعبه القديم في الفلاحة والسفر ورغم فقره فهو لا يمرض، ولا يترك الدخان وشرب الشاي وأكل /القمحية/ المتبلة باللبن.
عبر حسان وسلمان شجرة التوت وأبا يوسف إلى حيث شجرات التين دون أن يحدثا أية ضجة أو فوضى، حتى إنهما أسرعا في مشيتهما دون إصدار أية أصوات قوية خشية أن تخافهما العصافير التي على أغصان التوتة، وتطير مسرعة، فتصدر بخفق أجنحتها صوتاً قد يوقظ أبا يوسف ويزعجه...
عندما وصلا إلى شجرة تين أنزلا سلتيهما القصبيتين، وراحا ينظران في جهات الأغصان بحثاً عن الثمرات الناضجة...
قال سلمان:
-انظر إلى ابن الصبرة، إنه يفلح أرضه القريبة من ساقية المراعي... ومعه ولده حمدان...
-حمدان يزيدني سنتين... وأنت كم سنة يزيدك؟؟
-يزيدني سنة ونصف السنة، لكنه لا يزيدني في الدراسة إلا صفاً واحداً... هو في الحادي عشر وأنا في العاشر...
-وسمر بنت ابن الأحمد كم تزيدك؟؟
-تزيدني سنة فقط، وهي في صف ولد ابن الصبرة.
-لكن من يراها يعجب من أمرها وأمر حسنها، فهي صارت صبية كبيرة وجميلة.
-وهي تسبق ولد ابن الصبرة بالعلامات... والنجاح.
-وابن الحمودة كم يزيدنا؟؟
-ابن الحمودة يزيدنا أربع سنوات تقريباً وهو الآن في الجامعة...
انقطع حديث سلمان وحسان لأن صوت ابن الأحمد جاء قوياً ناقماً وهو ينادي سمراً...
-يا سمر أين أنت؟
-أنا هنا عند أمي أساعدها بتقريص العجين.
تعالي واغلي الشاي بسرعة.
نظر حسان وسلمان إلى جهة بيت ابن الأحمد، فألفيا سمراً تقبل مسرعة باتجاه والدها...
قال حسان:
والد سمر صعب في حياته، وصوته قوي يا سلمان.
-ولا يطعم أولاده من الأكلات التي يحبها.
قالت لي سمر: "تصور يا حسان: أن والدي يضع علبة الحلاوة في صندوق الأحذية، ويقفل عليها كي لا نأكل منها... ولا يسمح لأحد منّا أن يشرب الشاي إلا في حضوره، ويضربنا ضرباً قوياً إذا علمَ أن واحداً منّا أكل حبة مشمش واحدة، عن شجرات المشمش دون رغبته وإرادته وأوامره"...
وصلت سمر إلى حيث جلس والدها وابن الحمودة، وهي خائفة أشد الخوف من أن يضربها لاعتقادها أنها تأخرت في الركض إليه.
قال لها بصوت متوسط القوة:
-أسرعي واغلي لنا إبريقاً من الشاي.
-قال لـه ابن الحمودة:
-لا داعي للشاي ولا لغيرها.
كان المساء يحبو كسولاً، وكانت دجاجات أم يوسف تأخذ دربها باتجاه ساحة البيت، حيث نثرت أم يوسف لها بعض حبات القمح وراحت تنادي...
تعاه تعاه تعاه... بيتي... بيتي... بيتي...
وكانت الدجاجات تلبي النداء راكضة باتجاه أم يوسف... بعضها ركض عبر الدريب المنسرب بين حفاف أرض التوتة وبين جرن قشر القمح والمصطبة، وبعضها لم ينتظر أن يعبر من هذا الدريب المغطى بأغصان التوتة والمحوط بحفاف الأرض وحفاف المصطبة، بل تراكضت من جهة المصطبة الشرقية، تاركة (مصعها) على المصطبة كهدية رمزية للجيران أو لأم يوسف، التي ستقوم بكنسه...
وكان شعر سمر يتأرجح كغابة سوداء صغيرة مع النسيم وهي تساعد أمها بالخبز، على التنور، المجاور لشجرة الزيتون الكبيرة، والقريب من الدرب الواصل بين بيت ابن الأحمد وبيت ابن الحمودة وشجرة وبيت أبي يوسف...
وكانت زوجة ابن الحمودة تسعى في جهات الأرض القريبة من البيت بحثاً عن شيء أضاعته، أو عن طائر سقط من أفق شجرة التوت... في هذا الوقت كان سلمان وحسان ملأا سلتيهما تيناً، وعادا باتجاه الدرب وشجرة أبي يوسف.
قال سلمان:
ما أشهاها رائحة الخبز الساخن، المخبوز على نار الحطب!!
رد حسان:
-وتزداد رائحته طيباً، إذا كانت سمر ترققه بيديها...
صمت سلمان، وراح يتأمل كلمات حسان، قال في سره: "فعلاً سمر تطيّب الخبز إذا رققته بيديها، وتزيده لذة... لكن الذي يحيرني في كلمات حسان... أنها كلمات عميقة وقد يكون قرأ رسالتي التي وضعتها لها في الكتاب منذ أيام"...
قال حسان:
مالك يا سلمان لا تتكلم... ها قد وصلنا إلى تخوم بيت أبي يوسف... وها شجرة التوت خضراء وارفة الأغصان، والعصافير منتشرة في جهاتها... وصوت أبي يوسف مسموع:
-أنت يا بن الصالح قصتك مع زوجتك قصة، تختلف معها على كل شيء...
-أنا لا أتحمل ولا أصبر مثلك يا أبا يوسف... سمعته أم يوسف فجاء صوتها كالبارود:
-أنت با ابن الصالح لا تستحق النعمة... زوجتك خير الزوجات، لكنك أنت لا تشكر...
قال أبو يوسف بصوت خفيض:
-اسكت أحسن من أن تنال حسابك من لسانها...
-لو عرفت أنها مستيقظة لما تكلمت كلمة وحدة عن أموري مع زوجتي...
-وأنا مثلك اعتقدت أنها نائمة، وهي ربما كانت نائمة، لكنها كالخلد تسمع وهي مغمضة عينيها، وخاصة إذا كان الكلام يخصها أو يخص أي واحد من أقربائها...
قطع حديث أبي يوسف وابن الصالح سلام حسان وسلمان:
السلام عليكما:
قالها سلمان وحسان معاً
ورد ابن الصالح وأبو يوسف السلام معاً أيضاً:
-وعليكما السلام
وزاد أبو يوسف:
وطيب الكلام، وتفضلا بالجلوس قرب ابن الصالح المقدام، الذي لا يضام، إلا من زوجته حين تنام، ومن عمتها أم يوسف التي لا ينقطع صوتها كالحمام... وقبل أن يجلسا جيداً، خرج صوت أم يوسف:
-أنت يا أيا يوسف لا تعرف أن تسكت... خاصة وقت يكون ابن الصالح.
فقال لها أبو يوسف: -عندي الآن ابن الصالح، وسلمان ولد صاحب الدكان وحسان ولد كريم اليقظان، ومعهما من التين سلتان ممتلئتان، فهل لك أن تأتي وتأكلي وتريحي من صوتك الأنام؟!.
اقترب حسان وسلمان من أبي يوسف، فبدا لهما وجهه المتعب، وبدت تجاعيده، وبدت عيناه الضيقتان، وشفتاه المشققتان ويداه المرهقتان.
قدما لـه سلتي التين. قال لـه حسان:
-نتمنى أن تأكل من سلتينا وأن تحكي لنا...
-سآكل بعض الثمرات الناضجة، لأن أسناني لم تعد قادرة مثل أسنانكم على أكل الثمرات الفجة غير الناضجة، وسأحكي لكما ولابن الصالح عن ابن الأحمد وقصتي معه ومع الطيور والدبق...
ابن الأحمد منذ شبابه المبكر لا يعرف أن يعيش إلا كما يعيش الآن، يشتري بكل ما يملك ويأكل فيه، وعندما لا يجد شيئاً يأكله، يحمل قضبان الدبق ويتجه إلى أشجار التوت لينشر فيها الدبق، ويمسك العصافير ويذبحها، وينتفها ويطبخها بالزيت ويأكلها وحده لامع أحد من أهل بيته ولا من أهل ضيعته إلا مع من يوافق طبعه طبعهم...
في يوم من أيام بؤسه الشديد وإفلاسه وجوعه، حمل قضبان الدبق واتجه إلى هنا إلى شجرة التوت...
سألته: أراك تحمل قضبان الدبق، معنى ذلك أنك لا تملك ما تشتري به حلاوة أو غيرها...؟
-أنت أدرى بحالي يا أبا يوسف.
-وما الذي جاء بك إلى هنا، وأنت تعرف أن شجرة التوت هذه برية، وعصافيرها أقل من عصافير سواها من الأشجار...
وهل مثلاً جربت طيور أشجار الدلب التي على الساقية؟!..
جربتها مرات عديدة، وكنت لا أوفّق كثيراً، في إمساك الطيور، لأن النبع قريب منها، والقادمون إلى النبع لا ينقطعون...
-وهل تعتقد أن القادمين إلى شجرة التوت سينقطعون؟...
-ربما يحالفني الحظ عندك وأمسك ببعض الطيور الكبيرة، فتكون طعاماً شهياً لأخيك ابن الأحمد...
-سأسمح لك بنشر قضبان دبقك على مضض يا ابن الأحمد.
-ولماذا على مضض؟؟
-لأنني لا أتمنى أن تقتل عصافير شجرة التوت هذه، فالطير خير وبركة، وأنا أرتاح للتغريد في الأصباح والهواجر والإمساء...
لكن ابن الأحمد يا ابن الصالح ويا سلمان ويا حسان نفذ رغبته، نزع حذاءه الجلدي من قدميه، وتسلق جذع التوتة بصعوبة، وغامر ونشر قضبان الدبق في أنحاء شجرة التوت، ونزل وجلس على المصطبة... لف لفافة دخان عريضة، وأشعلها وراح يعب منها أنفاساً عميقة وينظر إلى القضبان والطيور.
بقيت القضبان منشورة أكثر من ساعتين، لكنها لم تمسك العصافير.. ومن بين الطيور التي كانت في جهات شجرة التوت طائر أخضر الجناحين كبير، بقي طوال الوقت، يحلق في سماء التوتة ويغرد تغريداً بعيداً حزيناً ثم يعود وينظر إلى قضبان الدبق، ومن ثم يحلق ويغرد تغريداً حزيناً...
وعندما يئس ابن الأحمد من قضبان الدبق، تسلق الجذع وجمع القضبان، وانتعل حذاءه وراح محزون البال تعيس الحال، والطائر الكبير أخضر الجناحين حلق بعيداً، واختفى أياماً متتابعة، لا يقترب من التوتة، لا نسمع تغريده ولا نرى جناحيه، ويومها قلت لابن الأحمد:
بقضبان دبقك خسرنا الطائر الكبير وتغريده الحنون وجناحيه الكبيرين الأخضرين.
فرد عليّ يومها ابن الأحمد:
أنت تفسر أمور الطيور وشجرة التوت وكأنها مثل الأنبياء... طول بالك يا أبا يوسف!
غياب الطائر الكبير ليس قضية القضايا...
-لا يا ابن الأحمد... لا تتسرع في إطلاق أحكامك... ولا تجعل من بطنك محط اهتمامك وشغلك الشاغل...
***
-هل شاهدت، الآليات التي جاءت،وبدأت تسد الساقية الشمالية يا أم يوسف؟
-سمعت أصواتاً قوية وغريبة لكنني لم أعرف ما هي هذه الأصوات، ولا من أين جاءت...
-إنها أصوات الآليات التي تسد الساقية...
دار هذا الحديث السريع بين أم يوسف وزوجة ابن الحمودة، وأصوات الآليات التي تحفر الساقية وتردم التراب لتجعله سداً في وجه الماء قوية ترج وتمزق هدأة وطمأنينة قرية شجرة التوت ومراعيها وينابيعها كما جاء على لسان ولد ابن الحمودة...
أم يوسف وزوجة ابن الحمودة أخذهما حديث السد الجديد على الساقية الشمالية، وولد ابن الحمودة وابن الصالح وابن الصبرة أيضاً أخذهم الحديث عن أيام الساقية والينابيع وأحمال الحطب، والسد الذي سيحقن وراءه الماء.
سأل ولد ابن الحمودة أبا يوسف:
-ما رأيك أبا يوسف بهذا السد الجديد الذي سيجمع الماء وراءه؟
-هذا السد يا بني أمره عجيب مثل بطن ابن الأحمد...
نظر ابن الصالح وابن الصبرة بدهشة إلى أبي يوسف...
سأل ابن الصبرة:
-ما علاقة السد ببطن ابن الأحمد؟؟
-بطن ابن الأحمد إن امتلأ ارتاح، وإن لم يمتلئ فقصته قصة وغصته غصة، لكنه في أيام كثيرة لا يمتلئ إلا بالطيور المطبوخة بالزيت، التي يحرمنا من أنسها وتغريدها، والسد لا يمتلئ إلا بعد أن يحرمنا من ماء الينابيع وقد تنتشر فيه الأفاعي، وقد يغرق فيه بعض أولادنا...
سمع ابن الصبرة وابن الصالح وولد ابن الحمودة كلمات أبي يوسف، وامتلؤوا بصداها ورنين حروفها، وأخذتهم هواجسهم بعيداً... وخافوا خوفاً شديداً من خراب الينابيع وانتشار الأفاعي...
زوجة ابن الحمودة قالت لأم يوسف:
-أنا غير مطمئنة لهذا السد يا أم يوسف.
-طولي بالك، واطلبي الخير ولا تطلبي الشر.
***
امتلات القرية بضجيج الآلات وغبار حفرها، وخافت هواجس جيران شجرة التوت... وصارت عيونهم معلقة بجهة بيت أبي يوسف وشجرته.
زوجة ابن الحمودة قالت لأم يوسف:
-صرت لا أتجه إلى أية جهة أو إلى أي بيت قبل أن أعاين شجرة التوت، خوف أن يصيبها غبار الحفريات.
-أنت مثل أبي يوسف تحسبين لهذه الشجرة حسابات غريبة وعجيبة.
-لا أعرف لماذا أنا متعلقة كثيراً بهذه التوتة، بأغصانها برائحة أوراقها بالطيور التي تجيء إليها... حين سافر ولدي لم ينس أن يودع أبا يوسف وشجرة التوت... وقال لي قبل السفر بيوم واحد:
أتمنى يا أمي أن تحدثيني عن شجرة التوت وعن أبي يوسف:
"أنا يا ولدي لا أعرف هذه التوتة إلا كبيرة وواسعة الأغصان، ولم أشاهدها في يوم من أيام الصيف إلا ممتلئة بالطيور، ولم أشاهد مصطبتها إلا مزدحمة بالجيران... إن لم يكن عند أبي يوسف ابن الصبرة وابن الصالح، يكون عنده ابن الأحمد ويوسف بوحمود وأبوك...
أبو يوسف يا ولدي –في شبابه- كان يلقى الرجال ولا يهاب، وكان يجلب صيده من كف الوحوش، وكانت حالته تعيسة، وكان يركض الليل والنهار وراء اللقمة ورغيف الخبز، وكانت شجرة التوت يفيء إليها الناس في الصيف وتعطي الضيعة صورة حسنة.
والدك وابن الصبرة وابن الصالح وابن الأحمد ويوسف بوحمود وكل الجيران لا يعرفون هذه الضيعة إلا وشجرة التوت موجودة فيها، وأغصانها تملأ الأفق.
ابن الأحمد من أقسى الرجال وأصعبهم، وهو لا يذهب إلى بيت أحد في القرية، لكنه، يزور شجرة التوت، ويقعد مع أبي يوسف ويسمع أحاديثه وفي الأيام التي ينزل فيها إلى المدينة لشراء الحاجات، لا يصل إلى بيته إلا بعد أن يرتاح عند التوتة وأبي يوسف على المصطبة الترابية".
درب ليس واسعاً تحف به أغصان الزيتون والتين يصل بيت ابن الأحمد ببيت ابن الحمودة وبيت أبي يوسف وبقية البيوت...
انطلق ابن الأحمد عبر درب القرية من خلفه زوجته المصونة، تحمل على كتفها اليمنى كيساً أبيض مملوءاً بالتفاح وعلب الحلاوة، وبحذاء وشحاطة ذات قد ومد.
اشتهر ابن الأحمد بهذه الطريقة الغريبة بالعيش، وبإحضار الحاجات، والاحتفاظ بها. قد يجمع في كيس واحد التفاح والأحذية، وقد يخبئ في صندوقه الخشبي العجيب علبة حلاوة وحذاء أتت عليه يد الخراب.. بعد وقفات قصيرة مع الجيران الذين صادفهم ابن الأحمد وصل إلى مصطبة شجرة أبي يوسف جاره العتيق، ووصلت معه زوجته:
-قال أبو يوسف:
-أهلاً بابن الأحمد وزوجته المعذبة بأكياسه.
رد ابن الأحمد:
-هذا قدر من يحبون بطونهم.
-وماذا جلبت اليوم في هذا الكيس؟؟
-جلبت التفاح والحلاوة وحذاء وشحاطة... قال ابن الصبرة:
-ابن الأحمد لا يعيش إلا على كيفه.
نظرت زوجة ابن الأحمد إلى ابن الصبرة نظرة عاتبة، وكأنها قالت لـه بعينيها:
لماذا لا تعيش أنت مثل ابن الأحمد بما أنك معجب بحياته وعيشه؟!.
قال أبو يوسف:
-ابن الأحمد مثل أم يوسف طباعه صعبة، ونفسه قاسية لا تعرف اللين.
قال ابن الصبرة:
-معنى ذلك أن أم يوسف متحكمة بك كيف تشاء.
-لا يابن الصبرة... صدور الرجال أعند من الصخور، فكيف إذا كان واحد من هؤلاء الرجال هو صاحب شجرة التوت البرية العتيقة؟!
أنت على حق يا أبا يوسف.
سألت زوجة ابن الأحمد:
-أين أم يوسف؟
-ذهبت لمشاهدة بنت أخيها زوجة ابن الصالح... قال ابن الأحمد:
-معنى ذلك أننا لن نشرب الشاي؟
-نشرب الشاي، وإذا أردت نأكل التفاح من كيس ابن الأحمد. ضحك ابن الصبرة ضحكاً عالياً ومثله ضحكت زوجة ابن الأحمد، لكن ابتسامة ابن الأحمد تعثرت بقسوته الدائمة، وعادت إلى مخبئها خائبة.
قال ابن الأحمد:
-فكي الكيس يا زهوة واطعمي أبا يوسف وابن الصبرة من التفاحات.
-وأنا وأنت؟
-من نسي بطنه أضر نفسه...
فكَّت زوجة ابن الأحمد الكيس، وأخذت بعض التفاحات واتجهت إلى الجرة الكبيرة المستندة إلى حائط الساحة... غسلتها وعادت بها إلى الجالسين.
أرض ابن الأحمد متاخمة لأرض كريم والد حسان من جهة، ولأرض يوسف بوحمود من جهة أخرى وقد سيجها ابن الأحمد بسياج من العيدان والحطب، وجعل للسياج أبواباً خشبية يسيرة يمكنه أن يدخل ويخرج منها...
سمر وسلمان ولد بو حمود جلسا على المصطبة، دون أن يعطيا لجلستهما أي مظهر يوحي بالحب... سمر رغم أن سنها يقارب سن سلمان نضجت أنوثتها وتفتحت روحها على أنسام الحياة والهوى أكثر من سلمان... وصارت مبعث دهشة ولهفة وهيام سلمان، فصار يراها في نومه، ويناديها بأوصاف يتمنى لو يجرؤ على لفظها في يقظته... حتى في الرسالة التي بعثها لها، لم يجرؤ على كتابة أية كلمة من تلك الكلمات التي يمتلئ فمه وصوته بها أثناء نومه... وسمر تعرف تمام المعرفة ما يختزنه في صدره من حب لها، وهي تشعر بالحب لـه وبالارتياح.
جلس سلمان على طرف البساط بعيداً عن سمر....
قال سلمان:
-هنيئاً لك يا سمر... الجميع يحبونك...
لم تجبه بأية كلمة، مما جعل وجنتيه تزدادان احمراراً... بقي سلمان على جلسته، وسمر بقيت ملتمة على نفسها، رأسها على ركبتيها وشعرها الأسود الطويل تدلى فأخفى كامل وجهها كقمر وضاء أخفاه الليل.
من بعيد نادت رباب:
-يا سمر يا سمر.
-نهضت سمر خائفة وأسرعت إلى جهة سلمان وقالت لـه بصوت منخفض:
-والدي صار بين أشجار المشمش... اخرج من جهة أرض ابن الصالح.
* * *
بيت ابن الأحمد والدرب المؤدي إليه يوحيان بأن ساكنه يخلو من القسوة، لكن الحال على خلاف ذلك، فنفس ابن الأحمد... معذبة مطعونة، وروحه مزدحمة بالشقاء والتعاسة، وهذا ما جعله يميل إلى العزلة والقسوة وظلم أولاده... ويبدو أنه ورث النكد والفقر والطباع السيئة من دنيا غنية بهذه الحاجات.
الدرب الواصل بين بيته وبيت أبي يوسف درب متميز، أنفق أياماً في هندسته، واقتلاع أشواكه حتى غدا خالياً من الشوك، حنوناً تحيط به الأغصان.
أبو يوسف في أيام نادرة، يزور ابن الأحمد... يترك مصطبة التوتة وينطلق باتجاه بيت ابن الأحمد.
من بعيد نظر سلمان إلى بيت ابن الأحمد فألفى سمراً منشغلة بغسل الصحون وألفى رباباً قد حملت الجرة وانطلقت إلى نبع ساقية المراعي حيث الدلباب، ونظر إلى بيت أبي يوسف فألفى أبا يوسف يمشي وئيداً باتجاه المساء وبيوت الجيران، وألفى بيت ابن الحمودة المجاور لبيت أبي يوسف يغرق شيئاً فشيئاً في غبش المساء.
قالت سمر في نفسها:
"لو نجلس أنا وسلمان عند أبي يوسف... ونسمع أحاديثه، ونعاين وجهه وملامحه ونمتلئ بصوته ورائحة شجرة التوت ومساءاتها"...
كم أتمنى أن يهرب بي المساء إلى مصطبة أبي يوسف وشجرة التوت، فأستريح من قسوة والدي وغضبه"...
يئس أخيراً سلمان من أن يعود ثانية إلى حيث سمر أمام البيت، وصوت والدها ينشر الخوف في أرجاء نفسها، واتجه غرباً إلى جهة بيت أبي يوسف، ومنه إلى حيث يشاء. شاهدت سمر سلماناً وهو يمشي متحيراً باتجاه بيت أبي يوسف وشجرة التوت... وشاهدت البيوت وهي تغرق في ظلمة العشاء، وبقي صوت والدها ينشر الخوف حولها كسياج من الأشواك متين...
أصوات قليلة بقيت تخرج من أنفاس ليل قرية شجرة التوت... وبقيت سمر تسمعها وترى الطيور وهي تتجه مسرعة إلى أعشاشها...
قالت لأمها وهي تتجه إلى المصطبة:
-ألم تري بيت أبي يوسف إنه لا يختفي في الليل، لأن شجرة التوت تبقى واضحة وضوء سراجه يبقى متوهجاً... وصوت أبي يوسف يبقى مسموعاً.
-أبو يوسف وشجرة التوت من أقدم الذين عاشوا في قريتنا يا سمر... وأنا أعرف أبا يوسف... إنه أحسن من أم يوسف بألف مرة.
-كادت سمر تضحك لكنها كتمت ضحكتها، خوف أن يسمعها والدها وهي تضحك فيطلق صوته عبر الأفق فيذهب بهجة حديثها مع أمها عن أبي يوسف.
قالت أمها:
هل شاهدت أم يوسف وهي تلم البيض أو وهي تصف حاجات الناس... إنها تسبب البلوى بين الناس... إنها يوم تزورنا تسبب لي الشقاء، لأنها تصف أشياءنا بأنها لا نفع منها، وتقول لوالدك: ما هذا البساط؟... لماذا أخطأت زوجتك بشبكه، وما هذه الطراحة، وما هذه المخدة؟.. وتبقى تسأل حتى تسبب الخلاف بيني وبين والدك.
* * *
-هل نجحت سمر في صفها يا سلمان؟.
-سمر لا ترسب في أي صف من صفوف المدرسة، ولولا قسوة والدها لكانت الأولى في المدرسة يا حسان.
-وأنت ألم تنجح؟
-حتى الآن لم تظهر نتائج امتحاناتنا.
دار هذا الحديث بين حسان وسلمان وهما يتقدمان من جهة السد باتجاه بيوت القرية. بيت سمر هو أول بيت يظهر للقادم من جهة السد.. قال حسان:
هاقد وصلنا إلى جهة بيت ابن الأحمد لكن سمراً ليست موجودة على المصطبة يا سلمان؟!.
تكون ذهبت لزيارة أختها التي في المدينة.
أختها الكبيرة جوهرة؟؟
-هكذا قالت لي في الأمس... قالت لي: سأزور أختي الكبيرة جوهرة وربما أنام عندها إذا سمح لي والدي.
أنا لم أشاهد أختها جوهرة إلا مرتين، مرة كانت تزوركم ومرة كانت تزور أم يوسف...
-هل سمعت أوصاف أم يوسف لها عندما تزورها وتحضر لها المأكولات والثياب؟
-لا لم أسمعها.
أنا سمعتها مرة وهي تحكي لزوجة ابن الحمودة. كنت جالساً عند أبي يوسف تحت أغصان التوتة وكانت أم يوسف وزوجة ابن الحمودة جالستين في البيت، قرب العمود الكبير.... يومها قالت أم يوسف لزوجة ابن الحمودة: ضيع ابن الأحمد بقسوته بناته: جوهرة من أجمل البنات لكنها هربت من والدها وتزوجت رجلاً معمراً، ليحميها ويؤمن لها مصاريفها، وبقيت فترة طويلة لا تزور القرية، ثم سمح لها والدها بزيارة البيت.
وأنت يا سلمان ألا تخاف على سمر من أن تضيع مثل جوهرة؟
أطرق سلمان إطراقة المحاصر بالأسى والخيبة ولم يتكلم.
قال حسان:
انظر إلى شجرة أبي يوسف إنها تفرش أغصانها فوق المصطبة وسطح البيت وفوق الدرب، وتكاد أن تصل إلى شجرات التين التي في أرضنا.
والأكثر من هذا أنها تجمع الجيران وتلم البعيدين منهم والقريبين.
أتصور أن أغصانها ستصل ذات يوم إلى جدار بيت ابن الحمودة الجنوبي.
نحن نذكر شجرة التوت وأبا يوسف وبيت ابن الحمودة، وزوجة ابن الحمودة عند أم يوسف تحت التوتة.
نظر سلمان إلى جهة التوتة فظهرت لـه زوجة ابن الحمودة بخمارها الضارب إلى السواد وظهر منديل أم يوسف وقد قمطت رأسها به بطريقة هندسية متداخلة، لا يدركها إلا أم يوسف وبعض نساء القرية، وظهرت الدجاجات تسرح في ساحة البيت بحثاً عن حبات القمح، والجرة الكبيرة المستندة إلى حائط الساحة الغربي.
قالت أم يوسف:
رائحة ماء هذا السد لا تريح البال...
-أنا مثلك أشم رائحة سيئة تجيء من جهته...
قالت لي زوجة ابن الأحمد إنها رأت فيه أفاعي سوداء.
-ماذا يمكننا أن نفعل مع السد والأفاعي إلا الحذر والخوف من القدر؟!.
لم تكمل أم يوسف وزوجة ابن الحمودة حديثهما لأن صوت ابن الحمودة قطع عليهما متابعة الكلام إذ نادى زوجته...
-أنا سأذهب يا أم يوسف، لأن ابن الحمودة يكون جائعاً أو يكون معه ضيوف... زمّت أم يوسف شفتيها ونطقت كلمة أو أ كثر في وداع زوجة ابن الحمودة، وعادت إلى جلستها... مدت يدها إلى منديلها، لتتأكد من سلامة ربطته... ثم انحرفت قليلاً باتجاه ساحة البيت لتعاين واقع حال الدجاجات.
صوت ابن الأحمد أفزع أم يوسف، ومشت عبر دريب البيت المحاط بجذع التوتة وحفاف المصطبة وحفاف الأرض، وانطلقت عبر الدرب المتجه شرقاً... لتخبر زهوة بخبر وصول ابن الأحمد إلى الساقية...
وقفت أم يوسف عند طرف البيت الشرقي فلمحت زهوة خارجة من باب السياج الخشبي... قالت في نفسها: سمعت زهوة صوت ابن الأحمد... وهل يبقى أحد في القرية لا يسمح صوته إذا نادى...
* * *
وجود شجرة التوت في القرية علامة خير لكل الجيران، تحت أغصانها يجتمعون، يحكون حكايات حياتهم... ويشربون الشاي وماء النبع البارد... شجرة التوت البرية ليست شجرة عادية. تتبدى للناس في حالات مختلفة، ولكل حالة دلالة بعيدة ووقع عميق في القرية... إن بدت خضراء، فذلك دلالة خير وإن بدت شاحبة ذابلة فذلك نذير سوء...
ابن الصبرة نظر إليها من أرضه المجاورة للساقية فألفى أغصانها ذابلة.
قال لزوجته:
-يا أم محمود... أنا خائف هذا اليوم.
-لماذا أنت خائف... البقرات بخير والدجاجات لم يصبها مرض الخناق... وشجرات الزيتون جيدة الحمل هذا العام؟
-لا أدري ما سبب خوفي... منذ شاهدت شجرة أبي يوسف ذابلة؟!.
-طول بالك يا أبا محمود واحمد حظك ودنياك.
بيت ابن الصبرة يشرف على الساقية القادمة من المراعي، ومن أمام مصطبته يمر الدرب المنطلق من الساقية إلى بيت ابن الصالح وبقية البيوت القريبة...
جلس ابن الصبرة على المصطبة، وأسند رأسه إلى وسادة عالية، بينما أم محمود ذهبت بالبقرات إلى الساقية لتسقيها...
فكّت حبال البقرات من شجرات التوت والزنزلخت وأطلقت لها العنان شرقاً نحو نبع الساقية... تذكرت كلمات زوجها عن شجرة التوت وأبي يوسف "أنا خائف يا أم محمود من ذبول أغصان التوتة".
نظرت أم محمود إلى جهة بيت أبي يوسف فلمحت أبا يوسف قادماً باتجاه المصطبة، ولمحت زوجة ابن الحمودة قرب الدرب، ولمحت أم يوسف وهي تميل ميلاتها المعهودة وسمعت صوتها تنادي الدجاجات:
تعاه... تعاه... تعاه...
بوزهره... بوزهره... بوزهره...
وسمعت صوت زهوة زوجة ابن الأحمد وصوت بنتها سمر ورأت ابن الأحمد وهو يخرج من باب السياج الخشبي ويتجه غرباً إلى مصطبة أبي يوسف... شجرة توت أبي يوسف تظهر جيداً لكل الجيران، ويظهر الجالسون على مصطبتها، وتظهر الدجاجات التي تسرح في ساحة البيت إلى جوارها، لأن أرضها مرتفعة ومشرفة على البيوت والكروم... أم محمود شاقها أن تسقي البقرات، وتربطها وتنطلق بعد ذلك إلى مصطبة شجرة التوت وتقشر بعض القمح في الجرن، وتسمع أحاديث القرية وتطمئن إلى سلامة حال شجرة التوت.
غفا ابن الصبرة غفوة سريعة، لكنها قلقة ومزعجة، إذا ازدحمت رأسه بالرؤى المخيفة... رأى نفسه وسط المرعى ومعه بقراته، وإذ بوحش يهجم عليه وعلى بقراته، ولولا أنه رأى أبا يوسف مصادفة لقتله الوحش وقتل بقراته.
استيقظ خائفاً، نظر حوله ونظر إلى البقرات، فلم يجدها، فاعتقد أنها سرقت أو قتلت، لكنه اطمأن عندما رأى أم محمود تعود بها من الساقية.
أسند ابن الأحمد ظهره إلى الحائط، بعد أن وضع لفافة الدخان العريضة في فمه... قطَّب حاجبيه وقال:
-هل تعلم يا أبا يوسف أن رائحة السد قاسية جداً؟!
رد ابن الحمودة مؤكداً:
-فعلاً رائحة سيئة وصعبة المعاشرة كما يقول ابن الأحمد.
قال أبو يوسف:
-هذا قدر حلّ بقريتنا.
نظر ابن الأحمد إلى جهة الساحة، فرأى بعض دجاجات أم يوسف تسرح في جهات الساحة. نحنحة الحمامات والأفراخ في أعشاشها فوق العتبة كانت تؤنس صمت الجالسين، وتعطي الهاجرة تحت أغصان شجرة التوت نكهة حنونة.
قال ابن الحمودة:
في الليل الفائت سمعت صوتك وخفت من أن تكون غضبت على بنتك سمر، وفكرت بأن أدق الباب على أبي يوسف من أجل ذلك.
-لا لم أكن غاضباً على سمر ولا على زهوة... بل كنت غاضباً على /بوزهره/.
قال ابن الحمودة مندهشاً:
اوف اوف اوف... من شر /بوزهره)... إنه لعنة لا تنتهي.
منذ يومين وأنا أمشي قرب الساقية والمراعي لمحت عدداً من /بوزهره) وخفت على دجاجات أم يوسف يومها وخفت على دجاجات كل الجيران، ويومها عدت مسرعاً إلى البيت لأطمئن على حال الدجاجات. ابن الأحمد نأى بهواجسه عن أبي يوسف وابن الحمودة، عاد إلى كلمات ابن الحمودة: "خفت من أن تكون غاضباً على سمر" وقال في سره: "وماذا يعني ابن الحمودة أغضبت أم لم أغضب على سمر... وما علاقته بذلك؟؟.. وهل يعقل أن غضبي على أولادي صار حكاية الجيران؟!".
مد ابن الحمودة يده إلى علبة دخان أبي يوسف، أخذ منها ورقة بيضاء ناعمة الملمس، وملأها بالدخان ولفها، وجعلها بين شفتيه، وأشعلها... سحب منها نفساً عميقاً، ثم حرك عجيزته لتستقيم جلسته على حصير المصطبة:
نظر إلى أرض شجرة التوت المزروعة بالتبغ:
-دخان أرضك قليل يا أبا يوسف!
-أنا وأم يوسف يكفينا أي شيء.
-ابن الأحمد لم يزرع هذه السنة إلا البندورة...
قال أبو يوسف:
-شجرات مشمش ابن الأحمد ترد عليه بموسمها هذه السنة ما يكفيه ويكفي زوجته والأولاد.
قال ابن الحمودة:
-أنا سمعت من أم يوسف أن جوهرة بنتك الكبيرة ستأخذ سمراً لتدرس عندها في المدينة؟!.
-يا ابن الحمودة... أعطني علبة دخانك، لألف سيكارة، واسترح من قصة سمر وجوهرة وغضبي.
-تفضل... جرّب دخان علبتي.
قدّم ابن الحمودة علبة دخانه... وسكت... لأن كلمات ابن الأحمد جاءت قاسية عليه فأسكتته... لم تستمر جلسة ابن الأحمد وابن الحمودة عند أبي يوسف هانئة مطمئنة، لأن صوت ابن الصبرة جاء قوياً ومباغتاً ومعذباً:
ثعلب/ بوزهره/ قتل نصف دجاجاتنا.
***
أقبل الصبح ثقيلاً حاراً، وشجرات مشمش ابن الأحمد أثقلها اصفرار ثمارها... فراحت تتساقط بفعل الحر الشديد.
جمعت سمر ثيابها القليلة في حقيبة سوداء صغيرة، وارتدت ثوبها الزهري فبدت بهية نضرة، وسرحت شعرها الطويل فكاد يصل إلى عجيزتها...
قالت لوالدها:
-أنا ذاهبة... ماذا توصيني؟
-خذي معك سلة المشمش لأختك جوهرة، وارجعي بعد أسبوع إلينا...
شاهدت قرية شجرة التوت سمراً وهي تخرج من باب السياج الخشبي وفي يديها سلة ملأى بالمشمش وحقيبة جمعت ثيابها بها... نسيت سمر أن تودع أبا يوسف وشجرة التوت، حتى إنّ أم يوسف قالت لزهوة عندما علمت بعد يومين بذهاب سمر:
-تمنيت أن تمر سمر عليّ، لأعطيها البيضات التي جمعتها لتأخذها لجوهرة.
-سترجع إلى البيت بعد أيام معدودة.
-أبو يوسف ليس هنا اليوم أين هو؟؟.
-قد يكون ذهب إلى دكان بوحمود أو يكون قصد بيوت الأولاد في المدينة... ليستطلع أخبارهم.
أولاد أبي يوسف عاشوا في البيت الترابي، حتى كبروا، وسارت أمورهم على ما يرام، وتزوجوا، فتركوا البيت الترابي، وسكنوا بيوتاً أو غرفاً ضيقة في المدينة نزولاً عند رغبة زوجاتهم... المصونات... لكن أبا يوسف منذ البدء أكّد لهم أنه لن يترك شجرة التوت والمصطبة والبيت الترابي... وهو غني عن بيوتهم وعيشهم في المدينة...
عادت أم يوسف إلى انشغالها بإطعام الدجاجات... وبالبحث عن أفراخ الحمام: أهي موجودة في أعشاشها أو طارت في أرجاء البيت، أو أن أبا يوسف ذبح بعضها وأطعمه لجيرانه، أو أخذه دون معرفتها لأولاده في المدينة؟.
زهوة زوجة ابن الأحمد جلست على المصطبة وأسندت ظهرها إلى جذع التوتة... لكنها لم تبقَ وحيدة لأن زوجة ابن الحمودة وصلت...
-شايفتك هنا اليوم... ابن الأحمد ليس في البيت.
-ابن الأحمد في المدينة يشتري بعض الأغراض والحاجات.
-قال لي ابن الحمودة: إن سمراً ذهبت إلى بيت أختها جوهرة؟!.
-ذهبت من يومين وستعود بعد أيام.
جوهرة لم تأخذ سمراً من أجل الدراسة... بل من أجل أمر آخر رتّبته في ذهنها جيداً... وسلسلت أحداثه قبل حدوثها...
الحياة علّمت جوهرة أن الغيوم لا تمطر إلا في الفصول الغنية بالمواسم، وعلّمتها أن العيش في بيت والدها أمرُّ من الشقاء، وأن المرأة الجميلة يجب أن تتزوج رجلاً غنياً لينفق عليها كما تشاء...
منذ اليوم الأول قالت لسمر:
-اهتمي بنفسك جيداً... واشترت لها بعض الثياب، وحاولت أن تشعرها بأن الحياة في المدينة نعمة لا بعدها ولا قبلها... لكن روح سمر لم تستطع أن تعشق المدينة بسرعة، وبقيت شجرة التوت تشدها بألف خيط... وبقي أبو يوسف وحكاياته وأيامه ملء خيالها...
في اليوم الثالث سألت جوهرة أختها:
كيف ترين الحياة هنا يا سمر؟؟ ألم تفرحي بحياتنا في المدينة؟؟.
صمتت سمر... ولم تجب حتى بالإشارات...
-عادت جوهرة وسألتها:
-مالك ساكتة هكذا... قولي لي، ألم تعجبك حياتي؟؟.
-لا أعرف يا جوهرة إن كانت حياتك تعجبني أو لا تعجبني، أنا الآن أتمنى أن أعود إلى القرية.
-أنت لا تعرفين الحياة ولا تعرفين كيف يعيش الناس.
-أنا الآن أفكر في حياة قريتنا، وأذكر أبا يوسف وشجرة التوت، وأتمنى لو أنني ودّعته، وودّعت أم يوسف وكل الجيران... أنا خائفة يا جوهرة...
-من ماذا خائفة؟؟.
-لا أعرف... لكنني أتمنى لو أنني جلست عند أبي يوسف وسمعت حكاياته قبل أن أجيء إلى عندك. سكتت جوهرة، ولم تضف أية كلمة، لأنها تعرف أبا يوسف، وتعرف شجرة التوت الواسعة التي أمام بيته، وتعرف أم يوسف وتزورها كلما قصدت القرية، لكنها لم تألفه ولم تتعلق به كما تعلقت به سمر... قالت في نفسها:
"أبو يوسف –فعلاً- عجوز حنون، عشرته حنونة، وشجرته حنونة، لكن الزواج من الأغنياء يخلص المرأة من الحاجة".
عادت سمر إلى الحديث:
أنت يا جوهرة غبت عن القرية منذ سنوات طويلة، وقد تكونين نسيت أبا يوسف وشجرة التوت، أمّا أنا فلم أنسَ لا أبا يوسف ولا شجرة التوت... أنا أتمنى أن أجلس عند أبي يوسف يوماً كاملاً، استمع لـه وهو يحكي عن أيامه وشغله، وسفره وفلاحته، وعن أم يوسف وأيامها معه، وعن الينابيع والأشجار والطيور.
أبو يوسف إلى اليوم يخبئ البيضات عن أم يوسف ويعطيها للأولاد، ويعطيهم الفرنكات... ويجلسهم على مصطبته في الهواجر والمساءات...
إنه يشبه نبع الساقية عندما يتدفق في الصيف... وليت أبي مثله... ليته يكون رحيماً بنا، ليته لم يشرّدنا كأوراق غصن يابس... ليته كان كأبي يوسف، وليت أشجارنا كشجرته، لكان رحمنا من البؤس والضياع والعار...
قالت جوهرة بحسرة:
-آه يا سمر... أراك كبرت بسرعة، وأراك تفهّمت وضع حياتنا مع والدنا بشكل جيد... المدرسة علّمتك ونفعتك...
كان البحر لطيفاً كأطفال يلعبون مع الريح، وكانت رائحة ذكريات قرية شجرة التوت ملء أنفاس جوهرة وسمر... وكان الصيف مزدحماً بالناس والمساء، لكن سمراً وجوهرة بقيتا في دنيا شجرة التوت وأبي يوسف وأيام العيش المريرة... عادت جوهرة إلى حديثها:
أنت يا سمر تعلمت في المدرسة، ونجحت، أما أنا فلم أقترب من المدرسة، ولم أحمل دفتراً أو كتاباً في حياتي... أيامي مع والدي كانت أقسى من أيامك ويومها كانت شجرة التوت وكان بيت أبي يوسف، لكن أبا يوسف كان مسافراً... مرت علي أيام وليال لم أجرؤ على النوم في البيت خوفاً من والدي، كنت أحاول الذهاب إلى بيت أبي يوسف لأنام عند أم يوسف، لكن أم يوسف ليست كأبي يوسف، لتحميني وتساعدني... أذكر إلى اليوم أنني في يوم من أيام البرد والمطر خفت من والدي، فلم أرجع إلى البيت، وذلك لأمر بسيط يتعلق بسلة مشمش... في الليل ذهبت إلى عند أم يوسف، كانت وحيدة في البيت... نمت عندها على المصطبة الداخلية، لكنها في اليوم الثاني ذهبت إلى والدي وراحت تنصحه وتحضّه على ضربي وإزعاجي وطردي من البيت...
قالت سمر:
-حياتنا مع والدي صعبة يا جوهرة... لكنك أنت أخذت أكبر نصيب من عذاب العيش معه.
عادت جوهرة إلى الحديث:
-تصوري يا سمر رغم أن أم يوسف كانت توصي والدي وتنصحه بأن يضربني ويطردني فقد أزورها وأحمل لها الأغراض، ليس من أجلها، بل من أجل شجرة التوت وأبي يوسف...
-أنا مثلك أطمئن بالجلسة على مصطبة شجرة التوت، وبالاستماع إلى أحاديث أبي يوسف...
قالت سمر:
أنا أذكرك وأذكر تعذيب والدي لك، وأذكر يوم تركت البيت وغبت، وراحت أم يوسف تسأل عنك وتبحث، لكنها لم تجد لكِ أثراً... وأخيراً سمعت أنّك تزوجت في المدينة...
-تعرّفت إلى زوجي مصادفة، فأعجبته وطلب مني الزواج، وقبلت دون سؤال أو جواب لأنني كنت دون بيت، كنت كغصن مقطوع من شجرة لا أرض لي ولا دار ولا أهل ولا أحد...
وزوجي ليس عظيماً أو رجلاً بكل معنى الكلمة، لكنه يحترمني، ولا يتركني محتاجة لشيء... سكتت سمر. لم تتكلم، أخذتها هواجسها إلى حيث شجرة التوت وسرحت بها في دروب القرية ومرت بها على البيوت والساقية وبيت ابن الصبرة، وابن يوسف بوحمود... تساءلت في نفسها: سلمان هل يمكنه أن يتزوج الآن؟ وهل يمكنه أن يؤمّن لي حاجاتي؟ إنه شاب... وحبيب... لكن الحب عند والدي يموت، وتذوي أغصانه... وتنتهي حياته سريعاً...
قطعت جوهرة على سمر رحلة تأملاتها:
-بماذا تفكرين الآن؟..
-بالعودة إلى القرية.
-لماذا... للعيش مع الشقاء والغضب والفقر؟
-معك حق يا جوهرة... لكنني أحب القرية وشجرة التوت وأبا يوسف، أشعر دائماً بأنها علامة خير وحياة لكل القرية... أراها أحياناً في نومي... أخاف عليها من الرياح القوية ومن العطش الشديد، وأتمنى أن أزورها وأجلس قربها كل يوم...
-أنا معك في أن تزوري شجرة التوت وأبا يوسف، لكن ما رأيك في الزواج؟
-أوف... أوف... ما أتعس الحياة وأضيقها لا... لا... أنا الآن لا أفكر بالزواج.
-بماذا تفكرين إذن؟
-لا يوجد تفكير الآن بالزواج... أفكر بالدراسة... وبأمي وبالجيران... الزواج لم أفكر به حتى اليوم...
-ادرسي عندي، وعيشي عندي، وعندما تنتهي الدراسة تفكرين بالزواج... ما رأيك؟
صمتت سمر... أخذتها ريح التذكر والتأمل وابتعدت بها عن أختها: هل يعقل أنني أفكر بالزواج؟ والدراسة التي حلمت بها طويلاً... وكلمات أبي يوسف: "أنت يا سمر من الجيدات في القراءة والحفظ، وقد وهبتك الدنيا جمالاً وحسناً... لكن والدك صعب والعيش معه مر، وأنا أخاف عليك من غضب والدك".
* * *
زوجة ابن الحمودة بعد أن أنهت عملها في البيت والأرض المجاورة للبيت.... فكرت بأن تذهب إلى بيت أبي يوسف، لتجلس عند أم يوسف، وتستطلع منها أحوال الناس والدنيا... لكنها ما أن أسندت ظهرها إلى حائط البيت حتى غفت، ولم يوقظها إلا صوت ولدها العائد من المدينة حيث يدرس:
-أمي... أمي... أمي... مالك تتكلمين وأنت نائمة؟
-بارك الله بك يا ولدي... لأنك أرحتني من حلم مخيف وصعب...
-فعلاً... كنت تتنفسين تنفساً ضيقاً، وتتكلّمين كلاماً غير مفهوم... وتحاولين أن تصرخي، فلم تستطيعي... ماهو هذا الحلم الصعب يا أمي؟
-أنساني أن أسألك عن نفسك وأمور دراستك.
-قولي ما هو؟
-صدقني يا ولدي أنني شاهدت شجرة التوت تهوي، تقتلعها ريح قوية. وتهدم بيت أبي يوسف... ورأيت الجيران يحاولون أن يوقفوا انهدام البيت أو يسندوا جذع التوتة، أو أن يحضروا الألحفة ليمنعوا البرد عن أبي يوسف...
تصورت نفسي مع الجيران... أحاول أن أساعد أم يوسف... لتجمع الدجاجات، وتحميها من المطر... وكثيراً يا بني حاولت أن أنادي الناس ليأتوا... وأن أدعو للتوتة بالبقاء ولأبي يوسف وبيته بالخير والدوام، لكنني كنت لا أستطيع، كما رأيتني أنت حين وصلت وأنا نائمة.
نظر ولد ابن الحمودة إلى أمه فوجدها مبللة بالعرق وخائفة إلى حد بعيد... ووجدها تنظر إلى جهة شجرة التوت بلهفة وشوق، وكأنها لم ترها منذ سنة أو أكثر... ونظر إلى جهة شجرة التوت، فرآها تتسع في الأفق، وتمتد في الجهات ورأى الطيور تسعى إليها، وقد استوقفه الطائر الأخضر الجناحين الكبير الذي خاف من قضبان دبق ابن الأحمد وانقطع أياماً على أثر ذلك، لا يزور التوتة، ثم عاد إلى أفقها وأغصانها وإلى تغريده حتى إن ولد ابن الحمودة مطّ رقبته قليلاً فبانت لـه مصطبة التوتة، وبان عليها ابن الأحمد وابن الصبرة وابن الصالح وأبو يوسف، وحديثهم كان مسموعاً:
- هل تعلم يا أبا يوسف أنني كلما نظرت إلى أرض النبع أحزن.
-أنت على حق يا ابن الأحمد، في أن تحزن على أرض والدك وأرضك من بعده التي سلبها ابن الحسن منك بالحيلة والمكر والنفاق والرشوة.
قال ابن الصالح:
-أنا أذكر منذ سنوات بعيدة وكنت حينها طفلاً، أذكر والدك يا ابن الأحمد، وأذكر الكوخ القصبي، الذي كان مبنياً في أعلى الأرض.
ردّ ابن الصبرة:
-معنى ذلك أنك كنت صغيراً يا ابن الصالح لأن والد ابن الأحمد منذ سنين طويلة غاب...
قال أبو يوسف:
-والد ابن الأحمد من العتيقين في قريتنا، وكان كريماً ويحب عشرة الطيور وصيدها، وقد بنى منذ بدأ يزرع أرض النبع كوخاً من القصب، وكان يستريح فيه، وفي أيام التين ينام فيه.
قال ابن الصبرة:
-مرة "ركض ورائي ووراء ابن الحمودة ووراء يوسف بوحمود، لأننا مررنا من قرب دلبة الساقية الكبيرة، ورفعنا أصواتنا، ففر طائر كبير كان قضيب الدبق أمسك به".
عاد أبو يوسف إلى الحديث:
-عادة ابن الأحمد في إمساك العصافير بالدبق ورثها عن والده.
سأل ابن الصبرة:
-وعادة الغضب على أولاده والانعزال عن الجيران من أين جاءته؟
-إنها نقمة الفقر تجر على الإنسان الشقاء والغضب والتعاسة... ولا ننسى يا ابن الصبرة أن أرض ابن الأحمد أخذت منه بالقوة، ولم يستطع إعادتها...
صمت ابن الصبرة ومثله ابن الصالح...
قال ابن الصبرة في سره: "أبو يوسف يعرف أسرار الأمور ويفسّرها... كيف غاب عني أن ابن الأحمد أخذت أرضه التي ورثها عن والده؟
* * *
الجرن كان فارغاً من القمح، والدجاجات في ظل أغصان التوتة... وصلت رباب إلى أول دريب البيت، واتّجهت عبره باتجاه الساحة، لم تسمع أي صوت، ولم ترَ أحداً على مصطبة البيت... فقدّرت: أم يوسف عند زوجة ابن الحمودة، لكنها قبل أن تفكر بالذهاب إلى بيت ابن الحمودة بحثاً عن أم يوسف جاءها صوتها من الداخل:
-من أنتِ... سمعت خطوك؟؟
سمعت خطوات رباب لكنها لم ترها...
ردّت رباب بسرعة:
-أنا رباب...
اتّكأت أم يوسف على يدها اليمنى ونهضت حتى استوت قاعدة على المصطبة قرب العمود، مسحت وجهها بكلتا يديها، وشدّت منديلها... ونظرت إلى جهات البيت بحثاً عن الحمامات والأفراخ... ونادت:
-ماذا تريدين يا رباب:
-أريد أن أشتري بعض البيضات لوالدي...
-تعالي... ادخلي...
دخلت رباب بثوبها الباهت وبنطلونها القصير قليلاً، حتى يظن من يراها لأول مرة أنها شمّرته لتتفادى تلوثه بالغبار أو بسواه...
قالت أم يوسف لها منذ رأتها بباب البيت:
-هل جلبت من والدك ثمن البيضات التي ستأخذينها... قولي بصراحة... ولا تحاولي أن تخبئي عني، فينالك حسابك من والدك، وأنا سآخذ كامل ثمن البيضات قرشاً قرشاً...
* * *
وهج الهاجرة كان قاسياً، ورائحة ماء السد لم تسعد أنفاس ولد ابن الحمودة وسلمان وحسان... ولا أنفاس سمر التي جلست على مصطبة البيت في ظلال شجرات المشمش هرباً من لهيب الهاجرة.
نظر سلمان إلى بيت ابن الأحمد، فلمح رباباً تفتح باب السياج الخشبي، وتخرج.. فقدّر أنها قادمة إلى أم يوسف لشراء البيض...
سأل حسان ولد ابن الحمودة:
-هل أنهيت دراستك في الجامعة؟؟
-بعد شهرين أو ثلاثة أنهي آخر الفصول في الجامعة.
-وبعد أن تنتهي من الجامعة ماذا ستعمل؟
-علمها عند القائمين على الأمور والقاعدين عليها، وقد تعلم ذلك شجرة أبي يوسف، فهي أدرى بالأمور. وأنت وسلمان في أية سنة صرتما في الدراسة.؟؟
-أنا صرت في الجامعة في السنة الأولى، أما سلمان فقد شغله الحب عن كل أمر، وأنساه أن يقرأ، فرسب ولم ينجح إلا بالعشق...
* * *
تلعثمت رباب بالكلام، ولم تنفذ حيلتها بإخفاء بعض الفرنكات عن أم يوسف لعلمها الأكيد أن أم يوسف لن تتساهل بتحصيل حسابها، وذلك سيجر عليها الويل من والدها... لأنه إذا علم من أم يوسف أن ثمن البيضات ناقص سيتأكد من أن رباباً أخذت الفرنكات الناقصة، وسيفرض عقوبة شديدة بحقها، ولهذا دفعت رباب كامل الفرنكات لأم يوسف فور وصولها إلى المصطبة...
أخذت أم يوسف الفرنكات من رباب، ونظرت إليها وتبيّنت عددها، وقالت لرباب:
-جلبت معك فقط عشر فرنكات معنى ذلك ستأخذين ست بيضات..
-نعم يا أم يوسف، هذا ما قاله لي والدي:
اذهبي إلى أم يوسف واجلبي لنا من عندها ست بيضات، لكن: قولي لها أن تعطيك من البيضات الطريّات.
-اسم الله على والدك وعليك... وهل يبيت عندي بيض، حتى يوصيني والدك بأن أرسل لـه من البيضات الطريات؟
-أنا أعرف أن الجيران يشترون من عندك البيض كل يوم.
-لا... يا رباب الفهيمة... اسم الله عليك: أنا أبيع كل البيضات التي أجمعها للدكان. حارت رباب، وخافت من أن تتكلّم أية كلمة أخرى، لأن أم يوسف لن توافقها على أية كلمة تقولها، وستؤنبها، في كل الأحوال سواء تكلمت أم صمتت...
قامت أم يوسف بعد أن زمّت شفتيها، ودقّقت النظر إلى رباب والفرنكات... مشت عبر البيت باتجاه /العرزال/... لاحقتها رباب بنظراتها، واستوقفتها طريقة أم يوسف العجيبة بالمشي وشمر أثوابها المتراكمة على جسدها الضائع بين الثياب...
من تحت العرزال أخذت أم يوسف وعاء من القش مملوءاً بالبيض، وعادت خطوات قليلة باتجاه رباب، قالت لها:
خذي... هذه هي البيضات، وانتبهي إليها ولا تكسريها، أثناء مشيك على الدرب.
خرجت رباب على مهل، وانطلقت عبر ساحة البيت المزدحمة بالدجاجات والديوك وأفراخ الحمام... لم تجرؤ رباب على الالتفات طويلاً إلى الساحة ودرج البيت ولا شجرة التوت والمصطبة...
كادت تصطدم بحفاف المصطبة وبجذع التوتة، ولم تجرؤ على النظر خوفاً من أن تراها عينا أم يوسف... وكادت تصطدم بزوجة ابن الحمودة، دون أن تراها...
لكن زوجة ابن الحمودة بادرتها بالكلام.
-أين كنت يا رباب؟
-كنتُ عند أم يوسف أشتري البيض.
-انتبهي إلى البيضات وأنت تمشين على الدرب...
انطلقت رباب عبر الدرب باتجاه بيت والدها، وزوجة ابن الحمودة احتمت بسرعة بأغصان شجرة التوت من حر الهاجره الشديد... قبل أن تنعطف عبر درب بيت أبي يوسف، نظرت إلى جهة أرض وبيت ابن الصبرة، فألفت زوجته أم محمود تهيئ التنور وتجمع الحطب استعداداً للخبز في المساء..
شاهدت رباب سلمان وحسان وولد ابن الحمودة وهم يتجهون إلى جهة السد، لكنها لم تقدّر في تلك اللحظات ما سبب ذهابهم إلى السد...
دفعت باب السياج الخشبي إلى الأمام، ودخلت صادفت، أختها عند السياج، تتسلى بأفكارها وهواجسها:
-ألم تشاهدي سلمان؟
-أين هو؟
-انظري إلى جهة السد...
رفعت حاجبيها ونظرت إلى حيث أشارت رباب، فظهر لها سلمان وحسان وولد ابن الحمودة... قالت رباب:
-أين يذهبون في هذه الهاجرة الحارة؟
-لا أعرف... وقد شاهدت زوجة ابن الحمودة ذاهبة إلى بيت أبي يوسف...
* * *
-في الليل الفائت كان سراج بيتكم منطفئاً يا أم يوسف، ألم تكونا في البيت لا أنت ولا أبو يوسف؟
-أنا تأخرت عند بنت أخي زوجة ابن الصالح، وأبو يوسف كان عند أولاده أو عند الجيران.
-صدقيني يا أم يوسف أنني أقلق وأشعر بالانقباض والحزن عندما ينطفئ ضوء بيتكم...
-ترى هذه النظرة عند كل الجيران.
-يوم يتأخر أبو يوسف في إشعال السراج أحس بالتعاسة، وأقول لابن الحمودة:
أين ضوء بيت أبي يوسف؟
إنّه منطفئ؟!...
سكتت أم يوسف.. لا لسبب، إلاّ لأنّ النعاس سرقها، فغفت.. نادتها زوجة ابن الحمودة:
-يا أم يوسف أأنت نعسانة؟؟
-نعم... أنا نمت...
-هل تعلمين يا أم يوسف أنني كنت أتمنى لو شاهدت أبا يوسف، لأنني منذ يومين أو ثلاثة أو أكثر رأيت في نومي رؤيا صعبة.
-تأملي الخير... وما هذه الرؤيا؟
-رأيت شجرة التوت تهوي، تقتلعها ريح عاصفة، ورأيت الجيران مجتمعين، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء... وحاولت أن أنادي، فلم أقدر، بل أحسست أنني سأختنق... لم يستمر حديث زوجة ابن الحمودة وأم يوسف لأن ضجة عالية جاءت من جهة السد ومن كل الجهات:
اسمعي يا أم يوسف صوت حسان:
أسرعوا يا جيران... ساعدونا على حمله، وأرسلوا من يجلب السيارة.
-قومي أختي قومي... لنعرف ما الخبر؟
قمطت أم يوسف رأسها بمنديلها الحريري العتيق، واستندت إلى حفاف المصطبة، ونهضت، وزوجة ابن الحمودة سبقتها... مشت مسرعة عبر الدريب الضيق... وقفت عند طرف البيت ورفعت حاجبيها ونظرت إلى جهة السد، فرأت الناس مجتمعين، وعند بيت ابن الأحمد لمحت رباباً وسمراً وزهوة وابن الأحمد...
فرأت أن تمشي إليهم لتستطلع منهم الخبر... لكنها قبل أن تصل السياج الخشبي عرفت أن ولدها غرق في السد وأسعفه الجيران... ضربت على رأسها ضربة قوية وضاعت في دوار شديد... حتى ارتمت مغشياً عليها قرب سياج أرض ابن الأحمد.
* * *
-هل تعلم يا ابن الصبرة أن شجرة التوت رغم قدمها في دنيانا ورغم عشرتنا الطويلة معها فهي إلى اليوم غريبة عنّا في أطوارها وأفعالها وطيورها وأغصانها.؟؟!!
-أنت على حق يا ابن الحمودة... شجرة التوت غريبة الأطوار والأحوال، وتظهر بأشكال وهيئات مختلفة، وأحياناً مفرحة... أنا من هنا من أمام بيتي أراها، وأعرف حالة أغصانها إن كانت ذابلة، وإن كانت خضراء... إني أراها علامة العلامات وشجرة الأشجار... فكم يوجد من الأشجار والمصاطب، لكنني أراها مختلفة، وأرى الجلسة على مصطبتها عند أبي يوسف مختلفة عن الجلسة على أية مصطبة في قريتنا.
-أنت من هنا تراها رغم الكروم التي تمتد بينها وبين بيتك، فكيف أنا وأغصانها تتجاوز سطح بيت أبي يوسف وتصل إلى بيتي وصوت أبي يوسف أسمعه وهو يتكلم كما أسمعك الآن، وضوء سراجه يبشرني بالخير عندما ألمحه من شق صغير في الجدار المقابل لبيتنا، أو عندما يبدو شعاعه من على المصطبة.
-أنا مثلك أرى ضوء سراج بيت أبي يوسف وأفرح، لكنني لا أسمع أبا يوسف إلا حين أزوره.
-انظر إلى أبي يوسف إنه عاد من عند أولاده، انظر إليه إنه دخل إلى ساحة البيت...
-ما رأيك أن نسهر عنده الليلة ونستمع إلى أحاديثه ونحكي له؟؟
-هو قد يذهب إلى بيت كريم، ليسهر عنده أو إلى بيت يوسف بوحمود، ولهذا أسرع في ربط بقراتك وإطعامها، لنتمكن من الوصول إلى بيته قبل أن يذهب إلى بيت أحد الجيران...
-وبيت ابن الأحمد ألا يسهر فيه؟؟
-أحياناً يزوره ويسهر عنده، لكن ابن الأحمد كما تعرف يغيب عن بيته أحياناً أو ينام مبكراً كالدجاج.
* * *
كان المساء يحبو لطيفاً كحلمٍ حنون بعيد، وكان ابن الصالح يعبر الساقية باتجاه بيته، وكانت أم محمود منشغلة بالخبز تساعدها زوجة ابن الصالح... ... ... وكانت ريح المراعي محمّلةً برائحة العشب وطعم الصدّاح، والأصوات الخافتة... والطيور تهيم.
نظر ابن الصبرة وابن الصالح وابن الحمودة إلى جهة بيت أبي يوسف فلمحوا ضوء السراج وشجرة التوت التي لم يضعها ظلام العشاء...
أقبل ابن الصالح على مصطبة التنور حيث جلست زوجته، وحيث وضعت أم محمود الأرغفة المشوية الساخنة... فسارعت إلى أنفه رائحة الخبز الحنونة، فسارعت يده إلى رغيف، راح يأكله بشهية... بعد عضات متتالية للرغيف المشوي، عاد إليه رشده وانتبه إلى ابن الحمودة الواقف بانتظار أن يقدم لـه رغيفاً مشوياً... فعاجل ابن الصالح إلى طبق الأرغفة وأخذ منه رغيفاً أسمر شهياً وقدمه لابن الحمودة.
ابن الصبرة لم ينتظر ابن الصالح ليعطيه رغيفاً من طبق الأرغفة، بل سارع إلى الطبق وتناول منه رغيفاً مشويّاً شيّاً جيداً، وراح يمزّقه بأسنانه بتلذّذ...
أم محمود لم تقف بباب التنور حاسرة الرأس، بل وضعت على رأسها منديلاً أبيض مرقعاً، تفادياً لوقوع ما يتطاير من شرر التنور في شعرها، ومثلها فعلت زوجة ابن الصالح، قمطت رأسها بمنديل رمادي. سحبت أم محمود /محراك/ التنور وأسندته إلى حفاف التنور الشمالية، ورفعت بيدها المنديل قليلاً عن عينيها وسألت ابن الصبرة:
-إلى أين ذاهب؟
-مع ابن الحمودة وابن الصالح إلى بيت أبي يوسف.
-هل أطعمت البقرات وسقيتها؟
-نعم...
قال ابن الصالح:
أنتما اسبقاني وأنا ألحق بكما بعد قليل... مشى ابن الحمودة وابن الصبرة باتجاه الساقية والكروم، بينما ابن الصالح انطلق إلى بيته.. قالت لـه زوجته قبل أن يبتعد عن التنور كثيراً:
-لا تنسَ أن تسقي البقرة والخواريف.
-لا تقلقي... لكن لا تبقي عندك طويلاً... أنا جائع.
ابن الصالح أكثر شباباً من ابن الحمودة ومن ابن الصبرة، وهو أصغر منهما سناً، وزوجته أصغر من زوجتيهما... حين وصل ابن الصالح ركض ولده وبنته الفتيان لملاقاته. قال لـه الولد:
-رعينا البقرة والخواريف في المراعي.
-أنتم ومن من الأولاد كنتم في المراعي؟
-كان معنا ولد ابن الأحمد الأعرج، وولد ابن الصبرة...
-هل سقيتما البقرة و /الخواريف/؟
-نعم... سقيناها من الساقية.
ارتاح ابن الصالح لأخبار ولديه عن رعيهما البقرة والخواريف وعن سقيهما، لأنهما بذلك قد أراحاه من مهمة لا يحبذها.
قال لولده:
-هات أعطني كرسياً إلى هنا!!
ركض ولده وأحضر لوالده كرسياً خشبياً متوسط الارتفاع عن سطح اليابسة...؟ أخذه وجلس عليه تحت أغصان شجرة البلوط الكبيرة. نظر إلى جهة بيت أبي يوسف فظهر لـه شعاع ضوء السراج، وظهرت لـه قامة أبي يوسف المعتدلة، المحنية قليلاً وظهرت لـه أم يوسف وهي تميل ميلاتها المعهودة وهي تمشي... ظهرت لـه وهي تغلق باب بيت الدجاجات الخشبي... كان أبو يوسف يهيّئ نفسه للذهاب إلى بيت ابن الأحمد، لأنه وعده أن يسهر عنده منذ أيام. وقف إلى جوار جذع التوتة واستند إليه استناداً يسيراً، وراح يلف لفافته على مهل حتى انتهى منها... مدّ يده إلى جيب /جاكيته/ وسحب منها قداحة... أشعل بها اللفافة... وأخذ منها نفساً عميقاً... وراح يغني:
"صاح ابن شعبان
ريدوني لكم غني.. بطل غناكم وهرجكم عني"
حلق صوته بعيداً في جهات القرية... فسمعه الكثيرون من الجيران... سمعته زوجة ابن الحمودة وقالت في نفسها: "هذا المساء خير علينا، لأن أبا يوسف مسرور الخاطر ومنشرح الصدر".
وسمعه ابن الأحمد وسمعته زهوة وسمر ورباب. صوت أبي يوسف حنون كطعم اللقاءات على مصطبة شجرته... يجيء هادئاً رناناً ممتلئاً برائحة الأيام والذكريات البعيدة... وهو يغني حين تهز وجدانه ريح التذكر والمساءات الحميمة والشقاء، أو حين تبدأ الأحاديث في السهرات.
أعاد صوت أبي يوسف لزوجة ابن الحمودة ذكرى رحيل ولدها... وذكّرها بحكاية ابن شعبان القديمة... لكنها لم تبتعد عن شجرة التوت وضوء بيت أبي يوسف الذي ظهر لها من شق صغير في الجدار المقابل لبيتهم...
لم يستمر أبو يوسف بالغناء، لأن صوت ابن الحمودة وابن الصبرة جاء من جهة الكروم منادياً:
-بوزهرة اقترب من البيت يا أبا يوسف.
بلغ صوت ابن الحمودة سمع أم يوسف، فهّبت واقفة وأسرعت في الخروج من البيت، لتعاين باب بيت الدجاجات الخشبي... إن كان مفتوحاً... ولتتأكّد من سلامة عيدانه، ومن وجود جميع الدجاجات. حين خرجت، كان أبو يوسف واقفاً قرب جذع التوتة، وعيناه متنبّهتان إلى كل الجهات خوفاً من ثعلب /بوزهرة/. وصل ابن الحمودة وابن الصبرة مسرعين إلى حيث وقف أبو يوسف:
-السلام يا ابن الكرام.
-وعليكما السلام
-قال ابن الصبرة:
-مساؤك خير يا أبا يوسف.
-ومساؤك يا ابن الصبرة ويا ابن الحمودة. سمعت زوجة ابن الحمودة صوت زوجها، وعرفت أنه جاء وابن الصبرة إلى عند أبي يوسف، ولهذا نهضت، ولبست /حدوتها/ السوداء الشقية، وانطلقت عبر الدرب المؤدي إلى بيت أبي يوسف.
الدرب الواصل بين بيت أبي يوسف وبيت ابن الحمودة ليس طويلاً... يمر من أمام بيت ابن الإسماعيل ووراء جدار بيت أبي يوسف الشرقي... خطوات يسيره عبر درب صغير محفر قليلاً يمشيها القادم من بيت ابن الحمودة إلى بيت أبي يوسف... حتى في الليل ليس صعباً على زوجة ابن الحمودة أن تمشي عبر الدرب المؤدي إلى بيت أبي يوسف... فضوء البيت يصل إلى الدرب تماماً...
ابن الأحمد وزهوة وولدهما الأعرج نظروا إلى جهة بيت أبي يوسف فرأوا ضوء السراج، وسمعوا أصوات ابن الصبرة وابن الحمودة وأبي يوسف. قال ابن الأحمد:
أبو يوسف لن يسهر اليوم عندنا، لأن ابن الصبرة وابن الحمودة ساهران عنده. على البساط القشي جلس الثلاثة، ابن الصبرة وابن الحمودة وأبو يوسف، وقريباً منهم على طرف من أطراف البساط جلست أم يوسف وزوجة ابن الحمودة. ضوء السراج كان ينتشر في جهات المصطبة، وأغصان التوتة تتسع وتبتعد في عشاء القرية... وكان ابن الأحمد وزهوة يريانها جيداً، ويلمحان أوراقها... ومثلهما رآها كريم وولده حسان ويوسف بوحمود وولده سلمان الذي حزن أشد الحزن لسفر سمر الطويل إلى أختها في المدينة...
***
إذا صدق ظني سمر بنت بن الأحمد لن تعود إلى أهلها إلا متزوجة وزواجها ليس موفقاً يا أم يوسف!.
كان الصبح بهياً، وتغريد الطيور يملأ أفق التوتة، وكان صوت ابن الأحمد عالياً غاضباً على ابنه الأعرج وعلى زوجته، وكان ابن الصبرة منشغلاً بفلاحة أرضه القريبة من الساقية... وكان ابن الحمودة وزوجته في الأرض المجاورة للبيت يلمون أوراق التبغ اليابسة وكان صوت أسعد الشحاذ يحلق في سماء القرية قادماً من جهة الدكان... قال أبو يوسف كلماته وعاد إلى التأمل، وفنجان الشاي ولفافة الدخان المشتعلة... لكن أم يوسف رغم انشغالها بإطعام الدجاجات أخذتها كلمات أبي يوسف بعيداً... وتركتها في دهشة، وحيرة لا تنتهيان، ولهذا عادت مسرعة إلى الكلام:
-ما الذي جعلك تقول إن سمراً تزوجت وزواجها غير موفق؟
-شجرة التوت يا أم يوسف.
-الله أكبر يا أبا يوسف... وهل تنطق شجرة التوت؟
-لا لا تنطق، لكنها تظهر لي بأشكال وأشكال، فأعرف منها أموراً كثيرة وأقدّر أموراً كثيرة...
-وكيف رأيتها حتى عرفت أن بنت ابن الأحمد تزوجت وزواجها غير موفق؟
-رأيتها بين ساقيتين، وكل ساقية فيها وحش. وشجرة التوت بعيدة عنها... ناديتها كثيراً: يا سمر... يا سمر... أنا هنا... اقتربي مني... شاهدي شجرة التوت... لكن سمر لم تسمعني أو أن خوفها من الوحشين منعها من سماع صوتي... ورأيتها تهرب لكن إلى جهة مخيفة، يبدو فيها الظلام ويسمع فيها صوت البكاء والصراخ.
-يا ستر الله يا أبا يوسف... ما هذه الرؤيا؟
-هذا ما رأيته يا أم يوسف في نومي، وحين استيقظت صباحاً، نظرت إلى جهة بيت ابن الأحمد فألفيت أشجاره ذابلة، وألفيت ولده الأعرج يخرج باتجاه الدكان لا أدري لماذا... وشجرة التوت أراها على غير حالها من الخضرة وطيب الرائحة.
***
أم يوسف لم تستطع أن تهدأ بعد سماعها حديث أبي يوسف، بل انطلقت شرقاً إلى بيت ابن الأحمد، لتعرف من زهوة الخبر الأخير عن سمر وحياتها عند أختها.
مشت كعادتها متمهلة الخطوات، ولم تنسَ أن تميل مع كل خطوة ميلة، وأن تنظر إلى جهة المراعي حيث يبدو مرعاها الخاص بها، لتقطع من عيدانه الأشجار ولتجمع من جهاته الطيون والحطب، من أجل إشعال التنور في المساءات، ومن أجل إشعال النار في الأثفية تحت برميل الماء، وتحت قدور الطعام. تناهى إلى سمع أم يوسف صياح ديك الدجاجات وتناهى إلى روحها وقع الخوف من مصيبة مرتقبة... أحست أن خيلاً تركض وراءها وهي لا تقدر على الركض، وأحست أن الساقيتين اللتين حكى لها عنهما أبو يوسف موجودتان قربها، وأن الوحشين ينشران الخوف في جهات القرية وأن شجرة التوت سيصيبها اليباس، أو ستبتعد هي وأبو يوسف عن عشرتها قسراً...
كادت تجتاز بيت ابن الحمودة دون أن تسلم على ابن الحمودة وعلى زوجته... أخذها الخوف بعيداً، وأضاعها عن شجرة التوت... ولولا أن زوجة ابن الحمودة كلّمتها لبقيت سارحة مع خوفها وهواجسها المرعبة إلى أن وصلت إلى بيت ابن الأحمد...
نادت زوجة ابن الحمودة:
-يا أم يوسف يا أم يوسف... أين أنت سارحة؟
انتبهت أم يوسف من ذهولها...
-نعم نعم يا زوجة ابن الحمودة... أنت هنا ولم أرك... الإنسان معرّض للسهو والنسيان.
-تفضلي... لنجلس عندنا.
-سأزور بيت ابن الأحمد... لأستخبر عن حال بنتهم سمر...
-وهل حصل لها شيء؟
تقدمت أم يوسف باتجاه بيت ابن الحمودة على مهل: لا أعرف عن أمرها شيئاً حتى الآن، لكن أبا يوسف حكى لي عن رؤيا رآها في نومه فخفت منها وحسبت لها حساباً صعباً...
-أجارنا الله من مصيبة ستحل في القرية... وما هي هذه الرؤيا يا أم يوسف؟
-قال لي: إنه شاهد سمراً بنت ابن الأحمد بين ساقيتين وكل ساقية يوجد فيها وحش... ورأى شجرة التوت بعيدة عنها، ونادى باسمها أكثر من مرة لكنها لم تسمعه أو أن الخوف من الوحشين منعها من أن تسمعه... ولم تقترب من شجرة التوت... ورآها تهرب إلى جهة معتمة...
-معنى هذا أن خطباً ما قد أصاب سمر...
-هل تكون جوهرة زوّجتها من رجل قريب من زوجها؟؟
-جوهرة ذاقت المر من والدها ولهذا تكون فكرت إذا زوجت سمراً تريحها من عيشها مع أبيها وغضبه.
***
لم يمضِ نهار ذلك الحلم، حتى كانت قرية شجرة التوت بأكملها سمعت بما رأى أبو يوسف، وتساءلت عن مصير سمر بنت ابن الأحمد...
أم سلمان ولد يوسف بوحمود لم تحملها نارها، حين سمعت خبر ما رأى أبو يوسف وسارعت إلى زهوة لتسألها:
-كيف حال سمر، وهل ستبقى عند أختها؟
-سافر أخوها إلى المدينة ليستخبر عنها وعن حالها، وحتى الآن لم يرجع...
***
وصل ولد ابن الأحمد إلى المدينة ظهراً، سأل كثيراً عن الحي الذي تقطنه أخته جوهرة وأخيراً وصل إلى بيتها... من بعيد عرفت جوهرة أخاها، عرفته من مشيته العرجاء، لكنها لم تقدّر سبب مجيئه إليها...
-مرحباً أختي جوهرة.
-أهلاً وسهلاً... كيف عرفت أن تصل إلى بيتي... وأنت لم تزرني قبل اليوم؟؟
-استدلّيت من الناس حتى وصلت.
-كيف والدتك ووالدك وكيف رباب وسمر؟
-تغيّرت ملامح قرميد واسوّدت، وبان عليه الحزن الشديد... سألته جوهرة:
-ما لك أخي قرميد... أخبرني، هل طردك والدي من البيت، أم ماذا؟؟
-لا لم لم يطردني، لكنه أرسلني إلى هنا لأستخبر عن حال سمر...
-عن حال سمر...!!؟؟ هي منذ خمسة أيام تقريباً تركت البيت، ولم تعد، بحجة أنها ذاهبة إلى القرية.
-معنى هذا أن خوف والدي في محله...
-الله، يا قرميد... هل تكون تزوجت وهربت؟
-هذا ما نحن خائفون منه.. خاصة أن والدي شاهد في نومه أن شجرة التوت مقطوعة، وأن بيت أبي يوسف مهجور.
لم تستطع جوهرة أن تتخيل أن شجرة التوت مقطوعة، لكنها خافت خوفاً شديداً، لأنها تعرف تمام المعرفة أن شجرة التوت غريبة وعجيبة بأطوارها وأغصانها وتبدلات حالها... ولأنها تعرف أن بيت أبي يوسف علامة خير على القرية كلها، وإذا أصابته مصيبة، أو انهدم، فذلك نحس كبير وشرّ وضرر...
ابتعدت جوهرة عن أخيها قرميد إلى ذاكرتها... إلى شجرة التوت وبيت أبي يوسف، وتاهت في دروب القرية باحثة عن حكايات أبي يوسف ورائحته وأغانيه... لكن صوت قرميد سحبها من دنيا هواجسها وذهولها:
-آه على سمر خسرناها يا جوهرة!
-هذا حظ كل من ولد في بيتنا يا قرميد!
-أنت محقة يا جوهرة، لكن ما الحيلة؟؟
-لكن ما الحيلة فعلاً يا قرميد؟
-أنا سأعود إلى القرية لكنني لا أعرف ماذا سأقول لوالدي وللجيران ولأبي يوسف وشجرة التوت...
-أبو يوسف يكون تنبأ قبل الجميع بمصير سمر يا قرميد... هل تعرف أنه أول من أخبر القرية بخبر غيابي عن القرية: حين تركت البيت، منذ سنوات. يومها رأى في نومه أن شجرة من الشجرات المحيطة ببيتنا غابت، وأخبر أم يوسف بما رأى، وقال لها: جوهرة بنت ابن الأحمد هربت من البيت يا أم يوسف... وهذا ما حصل فعلاً يا قرميد...
***
-اسمعي صوت أسعد الشحاذ... إنه يغني يا أم يوسف... وأظنه سيجيء إلينا قبل أي أحد...
-أذكر الديب وحضّر القضيب... أسعد صار عند زاوية أرض التوتة.
-نظر أبو يوسف إلى جهة الدرب فرأى أسعد، حاملاً كيسه العجيب فوق كتفه، نظر أسعد إلى الساحة وبيت الدجاجات الخشبي وإلى عتبة البيت، ليتأكد من وجود أو عدم وجود أم يوسف، لأنه يعرف طباع أم يوسف ولهذا يغيّر في حال وجودها من سلوكه: يركن إلى عقله ومسكنته، بينما إذا كانت غائبة فذلك يسمح لـه بأن يطلب من أبي يوسف الأكل وبعض الفرنكات والقمح... لم يطل أسعد النظر إلى جهات الساحة والبيت، حتى بدت لـه أم يوسف وفي يده تنكة متوسطة الحجم، وفي حلقه كلام يريد أن يقوله لأبي يوسف. أسعد صديق قرية شجرة التوت منذ سنوات وسنوات، فهو لا ينقطع عن زيارتها أكثر من أسبوعين أو ثلاثة... وإذا تأخر يسأل جيران شجرة التوت عن سبب تأخره... وهو لم يتزوج ولن يتزوج، لأن حظه من الجمال كحظه من الغنى، وحظه من الدنيا كحظ أولاد ابن الأحمد من السعادة، جهة وجهه اليمنى مائلة ميلاناً شديداً حتى يخاله الناظر إليه لأول مرة أنه صفع صفعة قوية، أو أن الجوع أكل بعض وجهه، وعينه اليسرى لا تصلح لشيء إلا كعنوان من عناوين الشقاء المرير... وساقه اليسرى تضامنت مع عينه تضامناً بعيداً، فهي عرجاء عرجاً مهماً في تاريخ الفقر والتعاسة والشحار والتشرد، وأهميته تأتي من شجاعته في اجتياز الغابات والمسافات المقفرة...
عندما وصل إلى حفاف المصطبة، أنزل عن كتفه الكيس، ووضعه والتنكة قرب جذع التوتة، وأقبل على أبي يوسف مصافحاً بكلتا يديه...
ضحك أبو يوسف، وهو يرى أسعد يسلم عليه بيديه الاثنتين ويحاول أن ينحني تعبيراً عن كثرة الاحترام...
-كيف حال أخينا أبي يوسف؟
-بخير يا أسعد، لكن لماذا تسلم علي بيديك الاثنتين، وكأنك خائف علي من أن أهرب من بين يديك.
والانحناء، لم أرك تتعامل به معي قبل اليوم هل ورثته عن أبيك أو تعلمته من دنياك أو قلدت به أحد محبي الانحناء.
***
خرجت من البيت وفي يدها إبريق الشاي والفناجين، فعلم أسعد أن أم يوسف خصته، بفنجان من الشاي. قام أسعد وأدى التحية من قريب إلى أم يوسف وعاد إلى مكانه سالماً معافى... قبل أن تنهي أم يوسف ملء الفناجين بالشاي، قرر أسعد أن يبدأ الحديث عن سمر وزواجها من ولد قحموص العامودي... ليرضي دهشة أم يوسف ويضمن عدم غضبها عليه... أخذ أبو يوسف رشفة من فنجانه، وأشعل لفافته، وقدم لأسعد لفافة عريضة وأشعلها له...
أخذ أسعد نفساً من اللفافة، وبدأ الكلام مع الدخان واللعاب المتطاير من طرفي شفتيه المتباعدتين... قال:
-هل تعلم يا أبا يوسف أين تزوجت بنت ابن الأحمد؟؟
-وهل تعلم أنت يا أسعد...؟؟
دهشت أم يوسف، وشدت جسدها كدجاجة تنتظر أن تأكل أو خائفة من أفعى... قال أسعد:
-نعم أعلم أين تزوجت وأعرف والد زوجها.
-من هو والد زوجها؟.
-قحموص العامودي.
-آخ ثم آخ على حياة سمر إذا كان ولد قحموص كوالده...
-صدقني يا أبا يوسف الولد ألعن من الوالد، ولا أعرف كيف وقعت سمر هذه الوقعة.
-وهل شاهدت سمراً يا أسعد؟
-نعم شاهدتها وحمّلتني لك ولأم يوسف أطيب السلام. أضاف أسعد من عنده سلاماً لأم يوسف طمعاً في فنجان شاي لاحق...
-وأين شاهدتها؟
-شاهدتها في بيت قحموص العامودي... وهي نادمة، لكنها قالت لي: وقعت بين نارين، والدي من جهة وأختي من جهة، واعتقدت أن ابن قحموص جيد... لكن الحظ لم يخدم، وضاعت حياتي.
-قالت أم يوسف بتعجب:
-سبحان معطي العباد الفراسة والعلم... كيف تنبأت بكل هذا يا أبا يوسف قبل أن تسمع أي خبر عن سمر... كيف عرفت أن سمراً تزوجت زواجاً غير موفق، وكيف عرفت أن أختها جوهرة كانت تفكر بتزويجها من قريب من أقرباء زوجها...
-يا أم يوسف، من يعش مع شجرة التوت البرية كل هذه السنين، يعرف الريح من أين تهب قبل هبوبها، ويعرف الطائر من أين يجيء... ويعرف أن سمراً ستضيع حياتها وأيامها قبل أن تظهر شمس النهار...
***
سكنت سمر وزوجها في غرفة أو شبه غرفة ترابية.. هي في الأصل مستودع للتبن... ولا بد لسمر حتى تصل إليها من المرور عبر البيت ومصادفة والد زوجها قحموص وإخوته وأخواته... وأمه. حين دخلت سمر إلى الغرفة المخصصة لها تذكرت حتى البكاء الغرفة الداخلية في بيت أبي يوسف، وتذكرت بابها الواطئ، وتذكرت أن هكذا غرفاً تكون للتبن والحاجات، فهي دون نوافذ، ودون متنفس...
قالت في نفسها: "ما أتعس حظي وما أشقاني... إنه قدري القاصم للظهر... هربت من والدي إلى أختي فطلبت مني أن أتزوج قريب زوجها فهربت منها، فالتقيت بولد قحموص العامودي، فأغراني بشبابه وكلامه وغاب عن ذهني أن حياته مع والده أتعس من حياتي مع والدي... يا ليتني صبرت على الدهر والقهر وتزوجت من سلمان فهو يحبني وأنا أحببته وحياته مع والده وأهله مقبولة... لكن ما الحيلة الآن وقد وقعت...؟
هل يقبلني سلمان زوجة بعد الذي حدث وهل يقبل والده وهل يوافقه جيران شجرة التوت؟
بعد أيام من المكابدة والرعب قرّرت سمر أن تهرب من بيت زوجها... لكنها عادت إلى تساؤلها: كيف سينظر إلى جيران شجرة التوت وأبو يوسف؟ وأم يوسف إذا طلبت أن أنام عندها هل تقبل؟ وزوجة ابن الحمودة كيف ستنظر إلي؟
وسلمان... هل يقبل أن أعود إليه؟ وأهلي كيف سأواجههم؟؟ والدي... وأمي... وأخي وأختي رباب وأختي جوهرة... ليت والدي كان كأبي يوسف رحيماً بالحياة وبنا، وليت أشجارنا كانت كشجرة أبي يوسف تلم الجيران، وتبشر بالخير، وتنبئ بالخطر".
كان المساء حزيناً طافحاً بالشقاء وكانت غيوم السماء تفر من الريح دون مطر... وأجنحة مبعثرة كانت تتوه في الأفق كالأحلام مزّقها الخوف وباعد بين بداياتها ونهاياتها... وكانت سمر تقف أمام بيت قحموص العامودي والد زوجها، وتنظر إلى البعيد، فتظهر لها قرية شجرة التوت كغابة خوف ملمومة الأشجار والدروب والأغاني والمراعي...
حاولت سمر في ذلك المساء المكبل بالوساوس والهموم أن تلمح أغصان شجرة التوت، أن تسمع صوت أبي يوسف لكنها لم ترَ إلا عيون الجيران وهي تنظر إلى بيت والدها نظرات غريبة حائرة متعجبة... ولم تسمع إلا حديث الجيران عن غيابها وزواجها وضياعها وضياع أختها وإخوتها وكل أهلها، وعن غرابة طبع والدها وغضبه الدائم، وعن قصة أرضه التي أخذها ابن الحسن بالقوة والحيلة...
خافت كثيراً أن يطول بها الشقاء في غرفتها الداكنة مع زوجها وأن لا ترى شجرة التوت وأبا يوسف فتضيع آمالها الأخيرة، وتهوي نجمة أحلامها في وادٍ سحيق...
***
-ابن الحمودة وزوجته منشغلان بجمع ما تبقى عندهما من تبن يا أم يوسف.
-وابن الأحمد غائب عن بيته منذ أيام، وزهوة لا تعرف إلى أين يذهب... لأنه لم يخبرها بشيء عن غيابه وسفره، يا أبا يوسف.
-صوت ابن الحمودة وزوجته مسموع إلى هنا، إنهما يحكيان عن غياب ابن الأحمد وعن زواج ابنته سمر غير الموفق.
-هل أنهيت فنجانك، لأدخل الإبريق والفناجين إلى البيت، وبعد ذلك سأجمع البيضات في السلة وسآخذها إلى دكان يوسف بوحمود...
-وأنا قد أذهب إلى عند ابن الصبرة، لأنني سمعت صوته قادماً من جهة الساقية...
-أنت تحب أن تذهب إلى عند ابن الصبرة، سمعت صوته أو ما سمعته.
-الجلسة قرب الساقية والنبع تفرح النفس يا أم يوسف... لكنني أفكر بزيارة بيت كريم قبل الذهاب إلى بيت ابن الصبرة...
بيت كريم يجاور أرض بيت أبي يوسف من الجهة الشمالية الغربية، وهو بيت ترابي يشبه بيت أبي يوسف لكن الأشجار التي أمامه ليست كشجرة أبي يوسف سعة أغصان ورسوخ جذع، وطيب رائحة واخضرار أوراق...
أم يوسف انشغلت بجمع البيضات وترتيبها في السلة من أجل ألا تتكسر أثناء سيرها من البيت إلى الدكان، وأبو يوسف جمع أطراف /قمبازه/ واتجه إلى بيت كريم...
طريق ضيقة قصيرة حملت أبا يوسف من على مصطبته الترابية تحت شجرة التوت وقذفته برفق إلى بيت كريم...
حينما وصل كانت زوجة كريم قد انتهت من طبخ قدر كبير من /القمحية/ وكان حسان ولدها منشغلاً بأوراقه... وكان سلمان ولد يوسف بوحمود يتجه إلى حيث وقف أبو يوسف أمام بيت كريم... سمع حسان صوت أبي يوسف، فأسرع لملاقاته والجلوس معه.
قال أبو يوسف حين رآه ورأى سلمان قادماً ورأى زوجة كريم تعد لـه صحناً من القمحية:
"عليم الله أنني أرتاح عندما أجيء إلى هنا... إنني أشعر بحبي لأولادكم جميعاً، أنسى همومي حين أراكم...
وأحب إلي وأطيب أن آكل الخبز والزيتون، وأن أنام تحت المطر والرعود في هذه القرية، فوق مصطبتي مع نقيق أم يوسف من أن آكل اللحم والمرق في غرف أولادي... والله لا أتمنى أن أهجرها...
في هذه القرية أحس بالفرح، وحين أغيب عنها نصف النهار أشتاق إليها، وكأنني غبت عنها شهراً كاملاً... لا تنبسط مشاعري، ولا تنشرح أساريري إلا في بيتي جوار شجرة التوت... أنام أنا وأم يوسف في عرزالنا وتحتنا مقاقات الدجاجات وقرب سمعنا صوت الحمامات والأفراخ... سافرت إلى تركيا واليمن، وحاربت الأتراك والفرنسيين وشقيت في السعي وراء لقمة العيش، وابتعدت في هذه الدنيا، لكن شجرة التوت بقيت في روحي وحياتي، وبقيت أبحث عن صبح أفتح عيني عليه أمام بيتي قرب جذعها... عشت حياتي كلها أصبر على الجوع، وعندما أشبع خبزاً أحس أنني في نعمة لا تنتهي، أشعر أنني مرتاح ومسرور، فأرى الدنيا واسعة طيبة العيش... كم شقيت في الفلاحة والركض وراء الرزق، كنت أبقى النهار بطوله دون أكل، وفي العشاء حين أعود إلى بيتي وأخلع حذائي وأتمدد قرب شجرة التوت، وبعد قليل تأتيني أم يوسف برغيفين من الخبز وبيضتين مسلوقتين... كنت أنسى تعبي وجوعي ونهاري المرير." حسان وسلمان انشدّا إلى حديث أبي يوسف، وتمنيا أن يستمر فيه لكنه انقطع عنه لانشغاله بلف لفافة التبغ:
-أنتما ألا تلفان من علبتي... أنتما متعودان على العلب الجاهزة.
رد حسان:
-نتمنى أن نتعود على علبتك فهي أفضل من علبتنا.
-الخير فيك يا حسان وفي سلمان الحزين لزواج سمر غير الموفق...
صمت سلمان... وحسان أيضاً صمت لأن أبا يوسف أخذ صحن القمحية الذي قدمته والدته وبدأ يأكله.
بعد أن أنهى صحن القمحية، تناول علبته ولف منها لفافة عريضة، وأشعلها ونهض... قال لـه حسان:
-نتمنى أن تشرب عندنا الشاي.
-في المساء نشربها عند شجرة التوت، والآن سأذهب إلى ابن الصبرة. على مهل انطلق أبو يوسف بقامته الصغيرة التي أتعبتها ضربات الدنيا القاسية... باتجاه بيت ابن الصبرة. قال حسان لسلمان:
تجاعيد وجه أبي يوسف تحكي تفاصيل حياة صعبة وتروي سيرة عيش مرير، لكن عينيه لم تفقدا بريق صباحات شجرة التوت وملامحه لم تخسر بهجة الحنين إلى البراري والوفاء، وفمه محتفظ حتى اليوم بجمال النطق والأغاني القديمة وحكايات الأيام البعيدة...
من بعيد يعرف الجيران المنتشرون في أراضيهم وأمام بيوتهم أين تتوجه خطوات أبي يوسف... ابن الصبرة قال لزوجته وقد رآه ينطلق من جهة بيت كريم:
-قدما أبي يوسف ستقودانه إلينا.
-هو الآن يمشي باتجاه الساقية، لكن لا تعرف إن كان سيتجه بعد الساقية إلى بيت ابن الصالح أو إلى بيتنا؟؟!!.
-لا... سيتجه إلى بيتنا...
تربط ابن الصبرة بأبي يوسف عشرة طويلة، تبدأ تخومها بالفلاحة والشقاء والجوع وشجرة التوت، وتنتهي بالعيش وشجرة التوت.. قبل أن يصل إلى شجرة الزنزلخت التي قدّام بيت ابن الصبرة تأكد من وجود ابن الصبرة... لأن ابن الصبرة مشى باتجاهه...
-أهلاً بأبي يوسف...
-أهلاً بالمؤهل أكثر...
-تفضل...
-الجلسة تحت الأغصان تسرني وتريحني.
-لأنها تذكرك بشجرة التوت...
-سأظل أرى المصطبة وشجرة التوت والرائح والغادي من هنا.
-شجرة التوت تشرف على المروج والمراعي والساقية وكل بيوت الجيران.
-هذا الكلام صحيح... لكني يا أبا محمود في هذه الأيام أشعر بتغير شجرة التوت...
-هذا الفصل حار وهذا هو السبب...
-السبب أبعد من الحر، والعطش... أنا أعرف شجرة التوت خير معرفة، عشت معها دهراً طويلاً... جاء صوت أم محمود من جهة البيت:
-لا تكدّر بالنا على شجرة التوت وعلى حالنا وحال كل الجيران.
-أنا أتأمل الخير ولو كان لغيري فكيف إذا كان الأمر بشأن شجرة التوت يا أم محمود.
-اليوم فكرت بأن أقشر علبة قمح للقمحية في الجرن، لكنني شاهدت أم يوسف منذ الصباح تحمل سلة البيض وتتجه إلى الدكان.
-الجرن ليس لأم يوسف وليس لأحد لوحده، فهو لكل جيران شجرة التوت للبعيدين والقريبين... وأم يوسف كما تعرفين كل يوم أو كل يومين تجمع البيضات وتأخذها إلى الدكان.
***
دكان يوسف بوحمود أو دكان قرية شجرة التوت غرفة واحدة ترابية، لا تتصل بأي بيت إلا بيت سبهة التنورية بطرفها الغربي، لأنها في الأصل لم تكن ليوسف بوحمود، بل اشتراها في سنة مبكرة من سنوات عمره الممتلئ بالشقاء والجوع والبحث عن العيش... اشتراها من /سبهة/ التنورية أخت /صالح التنوري/...
وصلت أم يوسف إلى ساحة الدكان قبل الضحى، فصادفت أول من صادفت قبل دخولها إلى الدكان سبهة التنورية... كانت تسرح شعرها بمشط خشبي طويل الأسنان وتستعيد ذكريات أيامها وحياتها...
كادت أم يوسف تصطدم بسبهة دون أن تنتبه سبهة لها، لأن أم يوسف تمشي مشية عجيبة وكأنها نملة ضخمة تسعى في الدروب، فلا يسمع لخطواتها أي صوت... قالت:
-شايفة سبهة منشغلة بتمشيط شعرها، وكأنها عروس جديدة.
-الله أنت هنا ولم أرك يا أم يوسف...
أهلاً وسهلاً... تفضلي اجلسي.
-سأسلم البيضات ليوسف وآخذ منه المقابل قبل أن تنكسر منها أية بيضة...
-الله عليم أنك لو تمشين على البيض يا أم يوسف لا ينكسر... لأنك تتمهلين حتى لا يسمع لمشيتك أي صوت. لم تتابع أم يوسف حديثها مع سبهة التنورية، بل أسرعت إلى الدكان... رآها بوحمود وهي تتقدم من جهة سبهة باتجاهه... فأهّل بها قبل أن تصل:
قال له:
-أهلاً وسهلاً بأم يوسف...
وبالمؤهل أهلاً وسهلاً يا بوحمود.
-البيضات اليوم كثيرات كما أرى؟؟
-جمعت بيضات الدجاجات البارحة واليوم...
-هات السلة...
-تفضل...
قدّمت أم يوسف السلة القصبية بتأن، وانتباه شديدين، وكأنها تقدم روحها، لكن يوسفاً استلمها بسرعة كعادته، ووضعها على الرف الخشبي الفاصل بين المشترين وبينه، وأخذ يتناول كل بيضة على حدة...
-كل بيضة لوحدها يا أم يوسف!!
-لتعرف أن أم يوسف أنبه من حضرتك.
-أنت على الرأس وأنت ست الكل يا أم يوسف.
-تسلم يا يوسف.
-أبو يوسف أين هو اليوم؟
-وقت بدأت بجمع البيضات كان أمام بيت كريم وكان ولدك سلمان وكان حسان ولد كريم وكانت زوجة كريم، وبعد وقت قصير شاهدته يمشي صوب المروج، فقدّرت أنه سيذهب إلى بيت ابن الصبرة أو إلى بيت ابن الصالح. لم ينته حديث الدكاني بوحمود وأم يوسف، لأن أصوات ابن الصالح وابن الصبرة ارتفعت.
قالت أم يوسف:
-ابن الحسن- اللعنة عليه- أخذ أرض ابن الأحمد- وأنت تعرف بالمكر والحيلة، ويحاول الآن أن يأخذ أرض ابن الصالح...
خرج يوسف بوحمود من وراء الرف الخشبي مسرعاً باتجاه الساحة... وقف على حفاف الساحة ونظر بإمعان إلى جهة أرض ابن الصالح فلمح ابن الصالح وابن الصبرة وأبا يوسف وابن الحمودة ولمح الماكر- ابن الحسن- قال لأم يوسف:
-هذا الماكر ابن الحسن ألا تريحنا الدنيا منه، أخذ بالحيلة أرض ابن الأحمد ودمر حياته وعمره والآن يحاول أن يأخذ أرض ابن الصالح..؟؟!!
-إنه يشبه ثعلب /بوزهرة/.
-قولي: ألعن من /بوزهرة/ وأخطر على الجيران.
-هو بحساباته يفكر أن يأخذ أرض ابن الصالح ويضمها إلى أرض ابن الأحمد.
-وأرض ابن الصالح متاخمة لأرض ابن الأحمد، لكنني أرى أن الضجة قويت، وأن الناس يتراكضون... وأنا سأغلق باب الدكان وأركض إلى مكان اجتماعهم، وفي الغد أحاسبك بثمن البيضات...
-حيف عليك يا يوسف... وكأنني خائفة عليك من أجل البيضات... اذهب وساعد ابن الصالح على مصيبته.
المسافة التي تفصل أرض ابن الصالح، حيث اجتمع الناس، عن الدكان ليست بعيدة، لكنها ليست مستوية... وأحفتها كثيرة ولهذا لا بد ليوسف من أن يتمهل أحياناً... وإلا تتناولـه الأحفة، وتلقي به إلى أحد المروج، فينكسر... وبذلك لا يساعد ابن الصالح، ويصبح بحاجة لمساعدة الآخرين.
تراءى لـه وهو يتقدم عبر المروج ابن الحسن برأسه المفلطحة كحجر الجرن وشعره الأشيب وعينيه المتلفّتتين وشفتيه السميكتين جداً كجلد حذائه...
وقف أبو يوسف بقامته المحنية قليلاً، وراح يراقب ابن الحسن. وصل يوسف بوحمود إلى حيث وقف أبو يوسف واقترب منه.
-ما سبب الخلاف؟؟
-الماكر ابن الحسن...
أخذ أرض المشحر ابن الأحمد وأراد أن يأخذ أرض ابن الصالح، لكنه أخذ نصيبه من الضرب... ابن الصالح رجل وقلبه كالحديد. نظر يوسف إلى المجتمعين... وراح يعاينهم واحداً واحداً، ويستمع إلى أصواتهم العالية...
-أنا هنا في أرضي، ولن أتركها إلا بالرحيل عن الدنيا يا ابن الحسن يا ثعلب يا مكّار... صمت ابن الحسن لأنه عرف أنه إن تكلم ستناله يد ابن الصالح بالضربات، وبعد لحظات فكر بأن يصعد إلى بيته.
قال أبو يوسف:
-انظر إلى أرض ابن الأحمد، كم شقي والده بأشجارها، وكم عاش فيها، كان لا يتركها طوال أيام الصيف... ألا تشاهد مثلي تخمها المغطى بعرائش العنب... والعلِّيق.
-نعم أرى أرض ابن الأحمد وأرى شجرة التوت.
-نظر أبو يوسف إلى شجرته، فألفاها حزينة، وكأنها في حداد لا ينتهي.
بعد وقت قصير ترك ابن الحسن الارض والمجتمعين دون أية كلمة... ومثله فعل ابن الصالح وابن الصبرة وابن الحمودة وأبو يوسف وبوحمود.
***
كعادتها أم يوسف كل يوم تحصي عدد الدجاجات والأفراخ، وتطعمها، وتدخلها إلى بيتها الخشبي وتغلق وراءها الباب. لكنها هذا المساء وجدت بعض الدجاجات مفقودة، فأطلقت صوتها عبر الفضاء:
-الذي سرق هذه الدجاجات يبليه الدهر بالعمى والفقر والتشحير... ومئة لعنة ولعنة عليه وعلى كل أهله... سمع كل جيران شجرة التوت صوت أم يوسف وعرفوا أن بعض دجاجاتها وأفراخها مفقود... سمعتها زوجة ابن الحمودة، ومشت مسرعة باتجاهها:
-خير يا أم يوسف... هل راح من الدجاجات شيء؟...
-غائب ثلاثة أفراخ وأربع دجاجات كبيرات.
-أوف... أوف... المصيبة ليست هينة... عادت أم يوسف إلى سبابها وشكواها:
أنا كيف تركت البيت اليوم لا أعرف... أنا كيف أمنت على دجاجاتي أن أتركها للماكرين وأولاد الحرام...
كان المساء موحشاً، وكانت شجرة التوت على غير عادتها ذابلة... وكانت رائحة الفجائع والمصائب تضج في دنيا القرية... وقت غابت دجاجات أم يوسف... أبو يوسف كان في المدينة عند أولاده أو في مكان آخر، ولم يعرف بفقدان الدجاجات إلا حين رجع وسمع صوت أم يوسف...
قال في نفسه وهو يتجه إلى المصطبة:
"أيكون /بوزهرة/ سرق الدجاجات أم أن أحداً من أولاد الحرام فعل فعلته اللئيمة، أم أن شجرة التوت ليست على حالها من الخضرة وزهو الأغصان؟؟ كل شيء وارد يا أبا يوسف... لكن الأصعب في هذه الأمور هو أن تذبل شجرة التوت أو أن أتركها..."
-أراك غاضبة يا أم يوسف... طولي بالك، والرزق على الأيام.
-أنت دائماً لا يهمك إلا أن تجلس تحت شجرة التوت وتشرب الشاي وتشعل لفافات الدخان، لكن إذا فقدت الدجاجات من أين ستشرب الشاي والدخان؟
-أنت محقة يا أم يوسف /بوزهرة/ لعين... ولا نقدر أن نمسك به.
-أنا لا أرى أن /بوزهرة/ هو الذي أكل الدجاجات.
-لكن بمن تشكين؟
-ابن الحسن- وأنت تعرفه- ماكر كالثعلب، وقد يكون أرسل من يسرق الدجاجات أثناء غيابي وغيابك..
خاصة بعد أن حاول أخذ أرض ابن الصالح ولم يستطع.
-تقديرك للأمر في محله يا أم يوسف... ابن الحسن أراد أن تدب الفتن والخوف في القرية، وبعد ذلك يضعف ابن الصالح، ويأخذ أرضه، ويضمها إلى أرض ابن الأحمد وهو بدأ من دجاجاتنا، لأنه يعرف أننا نعيش من مردود بيضها، وإذا فقدناها سنجوع، وربما نذهب إلى أولادنا في المدينة، وبذلك تضيع القرية، ويبتعد الجيران، وتذهب أرض ابن الصالح... وتيبس الأشجار ويقوى بوزهرة وابن الحسن على الدجاجات وأصحابها، وتصير قريتنا وشجرة التوت ذكرى من ذكريات الأيام.
/بوزهرة/ لعنة على الدجاجات والقرويين... وتسميته مشتقة من هيئته، فهو حيوان صغير، في ذيله بقعة بيضاء ولهذا أسماه الناس /بوزهرة/ والكثيرون منهم يقرنونه بطريقة عيشه وبالأذى الذي يجره بابن الحسن...
أم يوسف قطعت على أبي يوسف ذهوله وحيرته وهواجسه الخائفة:
-صدقني يا أبا يوسف أن ابن الحسن ألعن من ثعلب /بوزهرة/.
***
-في المساء عادت سمر... يا أبا يوسف، وهي لم تذهب إلى بيت أهلها خوفاً من والدها.
-أين ستنام إذا لا تنام في بيت أهلها؟
-ربما في بيت كريم أو بيت ابن الحمودة.
-ولماذا لا تذكرين بيت أبي يوسف، فهل ترفضين أن تنام عندنا في البيت يا أم يوسف؟
-لا أعرف... وقد جاء أخوها الأعرج وسألني عنها.
-ما أشقى حياة أولاد ابن الأحمد... سمر من أجمل الصبايا ومن الحسناوات في حديثهن وعيشهن مع الناس، لكن حظها تعس.
كانت سمر قريبة من صوت أبي يوسف وسمعت أكثر كلامه، ورأت ضوء سراجه يضيء فضاء أغصان التوتة، لكنها لمحت تغيراً أو حزناً أو خراباً بادياً في دنيا القرية كلها... إلا أنها لم تفهم ذلك التغير في ذلك المساء... كانت مأخوذة بضجيج أعماقها وبالخوف الشديد من حياتها. كلما حاولت أن تفكر بشجرة التوت وبأبي يوسف، وتنظر إليهما تصرخ في أعماقها المخاوف، وتضج الانهدامات والفجيعة... لم تكن تبتعد عن البيت أكثر من أمتار، كانت أمام بيت ابن الحمودة عند زوجته، لكن خيبتها كانت تسد عليها الأفق وتبعدها عن دنيا شجرة التوت وأبي يوسف... كان الشعور بأن العار يلف عمرها كأفعى طويلة طول الأيام...
فرشت لها زوجة ابن الحمودة حصيراً ووضعت فوقه فراشاً قرب النافذة المشرفة على شجرة التوت وبيت أبي يوسف... طوال الليل لم تفارقها الأحلام المخيفة، وما أن أخذها النوم لحظة حتى تبدّى لها والدها يحمل عصاه ويركض خلفها وهي تركض في مسافات القرية... ورأت نفسها تحاول أن تهرب إلى شجرة التوت وأبي يوسف، لكنها لم تشاهد شجرة التوت، ولا أبا يوسف، لأن شتاءً عاصفاً هدم طرفاً من أطراف بيته، وبعد ذلك أخذه أولاده إلى المدينة حيث يقيمون، وقطعوا شجرة التوت قطعاً صعباً...
استمر نومها قلقاً ولم تستطع أن تستيقظ إلا على صراخ زوجة كريم القوي:
-يا جيران... لم يترك /بوزهرة/ ولا دجاجة من دجاجاتي إلا قتلها.
***
-الشتاء على الأبواب يا أبا يوسف ألا تفكر بدحل بيتك وتطيينه؟
-الهمة تعبت يا أبا محمود... والشتاء مقيت، لأنه يجبرنا على الدخول إلى البيوت، والجلوس فيها قرب الموقد.
-لكل فصل حال يا أبا يوسف.
-لكن الفصل الذي يتركني قرب شجرة التوت أقرب إلى روحي من الفصل الذي يبعدني عنها. دار هذا الحديث بين ابن الصبرة وأبي يوسف قرب جذع شجرة التوت، وابن الحمودة وزوجته يسمعان كل كلمة، لأنهما كانا أمام البيت يرقبان ملامح الشتاء القادم.
قال ابن الحمودة لزوجته:
-بيت أبي يوسف من البيوت المتينة رغم أنه لا يطينه كثيراً.
-كل شيء في حياة أبي يوسف قوي يا ابن الحمودة، بيت أبي يوسف وشجرة التوت علامتان فارقتان في القرية كلها... ولم يخطر في بال أحد من الجيران أن بيت أبي يوسف سينهدم مهما أتت عليه سنون وشتاءات قاسية، وأن شجرة التوت قد تيبس أو تقطع أو تغيب من دنيا القرية...
***
-هذا الشتاء قاسٍ وعاصف يا أم محمود.
-أنا خائفة منه على أبي يوسف، لأنني لم أره في عمري مثل هذه السنة متخوفاً من كلام أولاده وإلحاحهم عليه، ليذهب معهم إلى المدينة... ويترك القرية... كان صوت الريح قوياً وكان ابن الصبرة يحاول أن يزيد من اشتعال الموقد، وأم محمود إلى جواره تصحو وتستيقظ. تسهو حتى تهدأ الريح ويبتعد صوتها، وتستيقظ خائفة حين تتحرك الريح قوية ويعود صوتها مزمجراً مخيفاً...
بعد إغفاءات متلاحقة قال أبو محمود:
-قومي إلى فراشك يا أم محمود...
-سأقوم... لكن لا تنس أن تنظر إلى بيت الدجاجات، لتتأكد من إغلاقه، ومن أن /بوزهرة/ ليس موجوداً.
نهض ابن الصبرة، لبس معطفه القديم، ولف رأسه بالشملة المخصصة للشتاء... وفتح باب البيت بتأنٍ خوف أن تدفعه الريح وتدخل إلى البيت، وتطفئ الموقد وتنشر جمراته في أنحائه...
نظر إلى بيت ابن الصالح فألفى ضوء قنديله شحيحاً، يكاد لا يبدو...
***
لم يرتعب ابن الصبرة من شدة الريح واسوداد الليل... فقد خبر الشتاءات وعرف رياحها ولياليها الداكنة، لكنه حين أراد أن ينحدر باتجاه بيت البقرات مشى بتمهل حذر أن تنزلق قدمه، أو تصطدم بشيء...
تأكد من أن باب بيت البقرات والدجاجات مغلق، وحاول أن ينظر إلى الدجاجات بحثاً عن /بوزهرة/ فلم يصادف إلا الليل الداكن، والبرد. حاول أن يصغي إلى أي صوت آتٍ من جهة الساقية أو من جهة بيوت الجيران، لكنه لم يسمع إلا صوت صفير الريح... تمنى أن يرى ضوء قنديل أبي يوسف أو يسمع صوته أو يلمح أغصان شجرة التوت، لكن تمنياته ذهبت مع الريح... لأن صوت الريح كان أقوى من أي صوت، وستار الظلمة كان كتيماً، لا يسمح للناظر أن يرى أضواء القناديل البعيدة... قال ابن الصبرة، في نفسه: "لا يمكنني الآن أن أذهب إلى بيت أبي يوسف، لأن الريح عاتية، ولأن السماء ستمطر قريباً، ولأن أم محمود تخاف إن تركت البيت وذهبت في هذا الليل الداكن البارد والريح تعصف بكل شيء.
***
جاء الأولاد ضحى والقرية تنظر بعيون محزونة إلى جهة بيت أبي يوسف الذي دعموه وأعادوا بناء حائطه بسرعة... جاء الأولاد والحائط قد أعيد بناؤه... لكن الريح والشتاء بقيا...
قال الأولاد لأبي يوسف:
-ستذهب معنا أنت وأمنا... وتعيش معنا في المدينة...
-لا يا أولاد لن أذهب معكم، وأمكم لن تذهب...
-تذهب وتبقى عندنا حتى ينتهي الشتاء.
-لا يا أولاد... لم يبقَ من العمر إلا بقية... أحب أن أعيشها حيث عشت عمري كله تقريباً...
-إذا ذهبت معنا يمكنك الرجوع إلى هنا حين يسمح الطقس بالرجوع، وينقطع المطر، وتهدأ الريح...
-إذا ذهبت معكم من أين لي أن أخرج كل صباح إلى الدروب وأزور بيوت الجيران، وأرى شجرة التوت والطالعين والنازلين والرائحين والغادين.
ابن الحمودة وابن الأحمد وابن الصالح ردّوا بلسان ابن الصالح:
-أبو يوسف جارنا وقريبنا من يوم بعيد، ولا نريد أن يتركنا، ونخسره. لكن الأولاد لم يقبلوا بأن يبقوا والدهم في البيت الترابي في الشتاء العاصف الماطر، لأن الناس يلومونهم... حاول الجيران جميعاً أن يمسكوا بأبي يوسف، أن يتعلقوا بثوبه وشملته راجين أن يبقى وتبقى إشراقته السمحة تفتح نهارات القرية، وتنشر في دنياها البهجة، لكن القدر والحظ والشتاء والأولاد... كل شيء كان ضد القرية...
قال للجيران وهو يفكر بالمدينة وعيشها الذي لم يألفه:
-صدقوني- يا جيران- إن قلت: إنّ قلبي متعلق بحجارة البيت والعيدان... بكل صوت يطلع من هذه الضيعة... ولن أهجر بيتي وشجرة التوت وهذه القرية إلآ لأيام قليلة...
***
أخيراً غادر أبو يوسف الضيعة وشجرة التوت وبيت الدجاجات الخشبي والدروب المؤدية إلى بيوت الجيران... حاول أبو يوسف أن يمسك بجذع شجرة التوت التي عاشرها منذ طفولته... والتي عرفت حياته صباحاً صباحاً ومساء مساء، وجوعاً جوعاً، لكن الأيام وتبدلات الدنيا كانت أقوى من أبي يوسف وجعلته يذهب إلى أولاده تاركاً القرية في جلبة لا تنتهي..
***
أم محمود، بعد أن ترك أبو يوسف القرية بشهور، ظلت تأتي بالقمح واللبن وتأكل قرب التوتة في المكان الذي تعودت أن تجلس فيه دائماً، تبكي وتتذكر... حاول الجيران إقناعها بالرجوع عن حزنها وأساها، لكنهم لم يستطيعوا:
-أنا لا أستطيع أن أنساها، وكلما نظرت إليها تمر بقلبي عاصفة من البكاء... إننا بعد ذهابه لم نرَ الخير...
ـ يا الله يا أم محمود... هذه حال الدنيا تتقلب من الفرح إلى الحزن... من الشدة إلى الرخاء... من المصائب إلى الفرج والحمد لله هو بخير وعيشه عند أولاده أفضل لـه من أن يظل تحت الوكف والبرد...
لكن محاولات الجيران ذهبت دون جدوى لجعل أم محمود تنسحب من دائرة حزنها إلى دائرة النسيان... ومثلها كل جيران شجرة التوت بقوا يتذكرون أيام أبي يوسف وشجرته ومصطبتها، ولا شيء يقدر على جعلهم ينسون...
وبقيت التوتة وبقيت أسراب العصافير ترفرف فوقها وتخفق بأجنحتها عبر الأفق، وتغرد أغرودة الحياة والحنين... مع طلوع الشمس تستيقظ فلا تترك أغصانها حتى المغيب، وكأنها تعيد احتفالات مضى عهدها وتستذكر ماضياً موغلاً في العيش والأيام...
***
طائر كبير، جناحاه أخضران يشبهان البحر والبراري كأن عليهما زغباً من عشب نابت بعد مطر طفيف، بقي يحط على الغصن الذي كان يجلس تحته أبو يوسف، ويغرد محزوناً كما قال ابن الأحمد:
ـ ما رأيت أسىً تحمله الطيور، كذلك الذي يحمله هذا الطير. في صوته خشوع العارف بما جرى...
***