الفصل الثالث

13 0 00

الفصل الثالث

ذات ضحى، انطَلق صلاح وأبوه صوبَ المزرعة التي يقطنها الشيخ محجوب، في منطقة سوق الجمعة بعد أن نجح في إقناع والده بذلك...

انقبض صدر أبي صلاح لدى ولوج سيارتهما بوابة المزرعة المترامية الأطراف، وشعر بضيق في صدره وما لبث أن خامره شعور غريب. استعاذ أبو صلاح بالله من الشيطان الرجيم في دخيلته ولاذ بالصّمت. وما إن وصلا إلى بيت الشيخ حتى وجدا خمس سيارات أمامهم مصطفة في رتل.

وعلى الفور أقبل عليهما رجل عجوز يتهادى، كان رثّ الثياب، قبيح المنظر، كريه الرائحة، عابس الوجه.

سألهما بتجهم عن مُرادهما حال وقوف سيارتهما. ثم أمرهما بركن سيارتهما خَلفَ آخر سيارةٍ في الرتل، وأبلغهما أنّ الشّيخ سيبدأ في استقبال الزّوار بعد سَاعةٍ تقريباً لأنّه في انتظارِ شخصٍ مُهِمّ.

وفي غضونِ نصف ساعة ظهرت سيارة فارهة قادمة من ناحية بوابة المزرعة. وما إن وقفت تلك السيارة حتى أسرع إليها الحاجب مرتبكاً.

نزل الحارس الشخصي الذي كان يجلس بجانب السائق على الفور ففتح باب السيارة الخلفي لتخرج منه امرأة تبدو عليها آثار النعمة والثراء. طأطأ الحاجب رأسه في خشوع تحية لها، ثم رافقها إلى داخل البيت.

أبدى صلاح امتعاضه إزاء ذلك، وقال لوالده:

لا أدري لماذا أحسّ بأنّ كلّ شيء في هذا المكان مريب، وينتابني إحساس غريبٌ!!

وأنا أيضا غير مطمئن يا بُني، وقد أحسست بانقباض في صدري حال دخولنا المزرعة. فما رأيك أن نعود من حيث أتينا، ولا داعي لهذه الزيارة.

لم يتبق إلا القليل من الوقت، وعلينا التحلي بالصبر، لعل شفاءك لديه، ويفتح الله على يديه.

طفق الزوار يدخلون على الشيخ الواحد تلو الآخر كلّ حسبَ دوره، بعد أن غادرت المرأة المزرعة.

وحين جاء دور أبي صلاح طلب الحاجب منه أن يدفع خمسين دينارا. أراد صلاح الدخول مع والده غير أن الحاجب منعه من ذلك، وطلب منه المكوث في سيارته ريثما يعود إليه.

... توجس أبو صلاح في نفسه خيفةً، وانتابه الارتباك حين دخل إلى غرفة مظلمة إلاّ من ضوء خافت، كانت تعبق برائحة البخور تشوبها رائحة كريهة. وقف واجما وهو يرى أمامَه شيخاً في نهاية العقد الخامس من عمره ذا لحية طويلة كثة غير مرتبة يغلب عليها الشيب، لا نور في وجهه ولا ضياء. كان الشيخ قابعاً على أريكة في زاوية من زوايا الغرفة التي تميل جدرانها إلى اللون الرمادي من كثرة الدخان والبخور الكثيف المنبعث من موقد صغير كان يضعه فوق طاولة أمامه، وكان الشيخ يرتدي عباءة سوداء، ويضع فوق رأسه عمامة خضراء. وكانت ثمة كتب قديمة صفراء مبعثرة هنا وهناك على مقربة منه، ويوجد على جانبه الأيسر صندوق مملوء بالأوراق المطوية، والتمائم، والْحُجُبِ المصنوعة من جلود الحيوانات.

وما إن دنا أبو صلاح من الشيخ وتبيّنَ له ملامحَ وجهه الكالح حتى قال في دخيلة نفسه: "يا الله! ما هذا؟ أشيطان أم إنسان؟!".

قطع عليه الشيخ تفكيره وهو يشير إلى موضع أمامه، وقال بصوت أجش:

اجلس أمامي.. وامتثل لأمري، وأصغ لكلامي.

جلس أبو صلاح مرتبكا صامتا...

بادره الشيخ بصوته المتجهم:

على الرغم من أنني أعرف عنك كل شيء يا مفتاح، إلا أنني أفضل أن أسمع منك.

طَارَ عقل مفتاح، وجعل يتساءل في قرارة نفسه: " كيف يعرف عني كلّ شيء ولا أعرفه ولم أره من قبل؟؟!".

أردف الشيخ قائلا:

ـ ما اسمُ أمّك؟ وهل لك إخوة أو أخوات؟؟ وما اسمُ زوجتك؟

أجاب مفتاح مرتبكا:

اسم أمِّي صالحة. ولي أخت واحدة اسمها زكية. أما زوجتي فاسمها زهرية وقد توفيت منذ مدة.

أخبرني باختصار ما هي مشكلتك؟

أطرق الشيخ برأسه، وهو يستمع إلى أبي صلاح يصف مرضه. وما إن أتم حديثه حتى جعل الشيخ يهمهم ثم سأله بحدة:

لِمَ ضيّعتَ وقتك في الذهاب إلى الأطباء في طلب العلاج ولم تأتني؟

صَدَقـْتَ يا شيخنا، لقد ضيعت مالي ووقتي، للأسف، دون جدوى، إذ لم يستطع أحد من الأطباء تشخيص مرضي أو معالجته. ولكن هل لي أن أعرف كيف علمتَ ذلك؟

نهره بشدة قائلا:

هذا ليس شأنك. أنا من يسأل هنا.

وضع الشيخ حفنة من البخور في الموقد الذي كان أمامه فانبعثت منه سحابة كثيفة من الدخان. ولم يلبث أن أخذ يغمغم ويتمتم ويقرأ طلاسم، وكلاما مبهما. فجأة رفع صوته منادياً أسماء غريبة، بعد أن تغيّر منظره إلى صورة شيطانية وجعل يحملق في السقف كأنه ينتظر شيئا. فجأة سقطت ورقة مطوية من سقف الغرفة. تناولها الشيخ وأخذ يصيح وهو يقرأ تعويذات مبهمة بصوتٍ مرعبٍ:

تستووور.. مسحووور.. مسحوور.. مسحووور.. تستووور يا اسيادي...

ردّ أبو صلاح في ذهول وبصوت متلجلج:

ماذا؟ مسحووور؟؟

نعم! لقد أخبروني بذلك.

ومَن هم؟

صاح الشيخ غاضبا:

اصمتْ! ولا تقفُ أثرَ ما لا علم لك به، ولا تسألني عن أشياء إن أخبرتك عنها تضرك.. وتسؤوك.. ولا تسرك.

ومَنْ له مصلحة في ذلك؟

إنني أراها حواليك. وهي منك وإليك...

ثم وضع حفنة أخرى من البخور، وجعل يتمتم...

ولم يلبث أن أردف قائلا بصوت مخيف:

إنها امرأة شقية.. وأفعى مخفية.. تدعى زكية!!!

قال أبو صلاح متوسلا:

أرجوك ساعدني يا شيخ، فقد تعبتُ من المرض، ولم أعد أحتمل المزيد.

أبشر يا مفتاح.. بكرة ترتاح.. الفرج لاح لاح...

ثم حَمْلقَ الشيخ في وجهه ملياً، وهو مذهولا و التقط مجموعة من الأوراق من الصندوق وأناله إياها.. وقال بصوت أجش:

خذ هذه التمائم أحرقها.. وتبخر بها واستنشقها.. وإياك أن تفتحها، أو بنظرة ترمقها...

ومدّ له حجابا مصنوعا من جلد الحيات قائلا:

هذا حجاب في عنقك علقه، يبعد عنك الأرواح الشريرة.. ويقيك الأمور الخطيرة.

ثم سكت هنيهة وأردف قائلا:

وعليك أن تقدم ديكا أسود لسيدي الشعاب، وتذبحه على ضريحه.

حاضر يا سِيدِي الشيخ!

* * * * *

كانت زكية في تلك الأثناء تدور في بيتها قلقة، وبين الفينة والأخرى كانت تلتقط سماعة الهاتف للتأكد أنه يعمل إذ كانت تنتظر اتصالا من صلاح بفارغ الصبر، حيث وعدها بالاتصال بها حال رجوعهما من عند الشيخ محجوب. لم يكن في مقدورها القيام بأي عمل في البيت. إذ أنها كانت تجلس تارةً وتقوم تارةً أخرى.

اعترت صلاحا الدهشةُ حين رأى والده يصعد السيارة وهو في غاية الحزن بعد أن خرج من عند الشيخ.

بادره قائلا بلهفة:

كيف كان الشيخ محجوب؟ وماذا قال لك يا أبت؟

رنا إليه ببصره دون أن ينبس ببنت شفة ثم وضع يده على رأسه ولاذ بالصّمت. زاد ذلك في قلق صلاح فأردف:

- ما بك يا أبي؟

هزّ الآب رآسه وقال باقتضاب:

- لا.. لا شيء يا بني!

كانت نارُ الغضب تتأجج في فؤاد أبي صلاح، وأمواج الظنون والأوهام المتلاطمة تتلاعب بخاطره، كما تتلاعب الرياح بمركب صغير تاه في عرض البحر في يوم عاصف، وكان طوال طريق العودة شاردَ الذهن، كئيب الحال كاسف البال، يفكر فيما قاله له الشيخ.

طفقَ أبو صلاح يتساءل في دخيلة نفسه: "ألهذا السبب إذن كنتُ أكره تلك الأفعى؟ فيا لكِ من امرأة شريرةٍ ماكرة!! ليتني أعرفُ ما هي مصلحتكِ في ذلك؟؟ وما الذي ستجنينه من وراء تدمير حياتي بالسحر والشعوذة؟؟ وماذا فعلتُ لكِ؟ أهذا جزاء الإحسان؟ ما أخبثكِ وأدهاكِ من امرأة!! لقد صدق من قال: اتق شر من أحسنت إليه! إنني لأعجبُ كلّ العجبِ من قدرتك على التلوّن أيتها الحرباء، والتظاهر بأنك امرأة طيبة ورحيمة، وأنكِ تحبينني وتعطفين عليّ وعلى أولادي!!

... الويل لكِ منّي كل الويل أيتها الحية.. سيكون لي معكِ شأن آخر! لن أسمح لك بخداعي بعد اليوم. ولن تنطلي عليّ حيلك الخبيثة ومكركِ أبدا. وقد قيل من قبل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".

كان صلاح يسترق النظر بين الفينة والأخرى إلى والده من طَرفٍ خفي، وهو يقود شاحنته.

فجأة خرقَ صلاح الصّمت المطبق، وبادر أباه بسؤاله متودداً:

ما الذي يشغل بالكَ يا أبتِ؟ هل قال لكَ الشيخ شيئاً أزعجك أو أساء لك؟ لقد شغلت بالي!

هزَّ أبو صلاحٍ رأسه وكأنه أفاقَ من صدمته، ثم وضع يده في جيبه فأخرج منه التمائم التي أعطاه أياها "الشيخ" وقال:

لا.. لا أبدا، غير أنه أعطاني هذه التمائم وطلب مني إحراقها والتبخر بها.

تملكت صلاح الدهشة، بيد أنه أخفى ذلك ثم قال بلطف:

المهم كيف أنت الآن؟ وكيف تشعر؟

لا أخفيك يا بُني، بأنني أشعر بتحسّنٍ طفيف.. وتغير خفيف.

انتسم صلاح وقال مداعبا:

صرت تقول السجع يا أبي.

ردّ عليه بابتسامة صفراء حزينة.

أردف صلاح قائلا بسرور:

الحمد لله! هذا أمرٌ مفرحٌ، وبادرة خير. فالمرض يا أبت، كما يقول المثل: يأتي على فرسٍ ويغادر ماشيا على قدميه.

سكت صلاح برهة ثم أردف متسائلا:

وماذا قرأ عليك؟ وبمَ رقاكَ؟

لا أدري يا صلاح!! لقد كان يغمغم.. ويتمتم.. وينادي بصوت مرعبٍ أسماء في غاية الغرابة لم أسمع بمثلها من قبل!!

سكت أبو صلاح برهة ثم أردف قائلا:

أصدقك القول يا بنيّ: "لم أفهم ماذا قرأ، ولم أتبين ماذا قال؟

على كل حال، الذي يهمّنا هو أنك شعرتَ بتحسن وقد ظهرت على يديه نتيجة مشجعة.

وما إن وصلا إلى البيت حتى ألتقط صلاح سماعة الهاتف واتصل بعمته، وأبلغها بتحسن والده وبأن الزيارة أتت ثمارها...

كاد قلب زكية يطير فرحا لسماع ذلك، ووعدت صلاحا بزيارتهم حال عودة زوجها من العمل.

ذهب صلاح إلى السوق لشراء المشروبات والمرطبات. وحين عاد إلى البيت سأل أباه مبتسماً:

ألم تأتِ عمتي بعد؟

تمعّر وجه أبيه وقال بحنق:

لا أريد أن أرى تلك الأفعى، وإذا جاءت سأطردها!

دارت بصلاح الدنيا، وأسقط في يده، وشعر بخيبة أمل، فقال له بلطفٍ:

هل لي أن أعرفَ السببَ يا أبت؟

- قلت لك لا أريد أن أراها، هذا يكفي! ألا تفهم؟

وفي غضون ذلك وصلت زكية برفقة زوجها. أسقط في يدّ صلاح حين سمع رنين جرس البيت...

وفجأة سمع صوت أخيه ماهر يصيح فرحا:

أهلا وسهلا يا عمتي، تفضلي. تفضل يا عم جابر، بالدخول.

استبد الارتباك بصلاح فجعل يحدث نفسه: "يا له من مأزق عصيب. وموقف رهيب!! ماذا سأقول لها؟؟ إنّ أبي في غاية الغضب، ولم أره في هذه الحالة من قبل، وإذا ما رآها فأنه سيطردها حتماً، أو ربما يقع ما لا يُحمد عقباه. لقد ارتكبت خطأ حين اتصلت بها... استر يا ربّ!

وقف صلاح ينظر إليها مشدوها لما دخلت عليه. أخذ يبحث في قاموس كلماته المبعثرة عن كلمة مناسبة يعتذر بها إليها بيد أن لسانه لم يسعفه لذلك وكأن الكلامات التصقت في لهاته ولم يعد في مقدوره لفظها.

قالت له عمته مندهشة:

ما بك يا صلاح؟؟ هل وقع مكروه لأخي، لا قدر الله؟

لا.. لا أبدا!

إذن أين هو؟ إنني مشتاقة لرؤيته.

لم تلبث أن أتاها الجواب من بعيد مزمجرا:

- ما الذي أتى بك أيتها الحقيرة؟

انطلقت نحوه مسرعة متجاهلة غضبه وقالت:

الحمد لله على سلامتك يا أخي!

دفعها بقوة، فترنحت وكادت تسقط على الأرض لولا أن مسكها ماهر الذي كان قريبا منها.

ثم صرخ أبو صلاح في وجهها حانقا:

كفاكِ نفاقاً أيتها الأفعى، لقد كشفَ الله غدركِ ورفع عنك القناع، وأظهر سوء طويتك.

ثم سكت قليلا وأردف قائلا متجهما:

هيّا اخرجي من بيتي بسرعة أيتها الشريرة. فلست لك بأخ، ولا أريد أن أسمع هذه الكلمة منك ثانية...

رنت المسكينة ببصرها إلى صلاح وكأنها تثير شفقته ليتدخل.

فقال صلاح متوسلا:

- أرجوك يا أبت، لا تعاملها بهذه الطريقة فهي أختك! وإنما جاءت لعيادتك والاطمئنان على صحتك.

رفع أبو صلاح صوته غاضباً:

اصمتْ أنت! وابقَ جانباً ولا تتدخل.

ثم التفت إليها وصرخ في وجهها:

هيا اخرجي بسرعة أيتها السافلة، قبل أن أهشِّم رأسك.

انفجرت بالبكاء واخذت تستعطفه:

ما الذي فعلته لك يا أخي!

قلت لك لا تقولي لي أخي. هيا اخرجي من بيتي فأنا لا أطيق رؤية وجهكِ القبيح!

ثم تقدّم نَحوها وأمسكها من ذراعها وأخذ يجرّها بعنف نحو الباب...

تدخّل جابر، الذي كان مذهولاً فاغراً فاه يراقب الموقف عن كثب، عله يلطف الجو وقال بهدوء:

هوّن عليك يا أبا صلاح. أرجوك أخبرني ما الأمر؟ وماذا فعلت زكية؟!

حملق في وجهه مليا وعينه تكادان تخرج من محجرهما من الغيظ، ثم دفع زكية نحوه بقوة وهو يصرخ غاضبا:

خذ هذه الأفعى، واخرجا من بيتي، فأنا لا أريد أن يزورني أحد!

ثم لم يلبث أن تناول الكيس الذي أحضراه معهما، وقذف به في الشارع على إثرهما. تناثرت منه الفاكهة، وعُلب العصير، والحليب، والبسكويت.

ثم صَفَقَ الباب وراءهما بشدة وهو يصرخ في غضب:

لستُ بحاجة إلى طعامكِ الملوّث، وسمّكِ الناقع!